«قَالَ عُمَرُ ﵁: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٩٥

الحديث رقم ١٨٩٥ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصوم كفارة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال عمر ﵁: من يحفظ حديثا عن النبي ﷺ في…

«قَالَ عُمَرُ : مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ، قَالَ: وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ.»

سند حديث: ١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ…

١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا جَامِعٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قال عمر ﵁: من يحفظ حديثا عن النبي ﷺ في…

كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلسه وعنده جَمْع من الصحابة رضي الله عنهم، فقال لهم:

أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟

فقال بعضهم: نحن سمعناه يذكر الفتن، فقال عمر رضي الله عنه: لعلكم تقصدون ابتلاء وامتحان الرجل في خاصته؛ في زوجه وولده من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم، وكذا فتنة الرجل في جاره ونحو ذلك، لعلكم تقصدون ذلك؟

قالوا: أجل، قال: تلك فتن تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات كالصلاة والصيام والصدقة.

ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن العامة لشدة عظمها وكثرة شيوعها تضطرب بالناس كاضطراب موج البحر؟

فصمت القوم، فقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: أنا سمعته، ففرح عمر رضي الله عنه، وقال له: لله دَرُّ أبيك حيث أتى بمثلك؛ قُل، قال حذيفة: قال صلى الله عليه وسلم:

تظهر الفتن وتَلْصَق بعَرْض وجانب قلب الإنسان كما يلصق فراش الحصير بجنب النائم عليه، ويؤثر في القلب شدة التصاق الفتن به، وتعاد هذه الفتن وتكرر فتنة بعد أخرى، فأي قلب دخلت فيه، وأحبها وخالطته كمخالطة الشراب ودخوله؛ نقط في قلبه نقطة سوداء، وأي قلب ردها نقط فيه نقطة بيضاء، حتى تصير القلوب على نوعين؛ على قلب أبيض لشدته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه كحجر الصفا الأملس الذي لا يعلق به شيء، فلا تضره فتنة حتى يلقى الله.

والقلب الآخر قلب تغير لونه أسود من الفتن كالإبريق المائل أو المقلوب الذي لا يثبت فيه ماء، فكذا هذا القلب لا يَعْلَق به خير ولا حكمة، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أحبه وهوته نفسه.

وقال حذيفة لعمر: إن تلك الفتن لا يخرج شيء منها في حياتك، وبينك وبينها بابًا مغلقًا يقرب أن يُكسر، قال عمر: أيكسر كسرًا؟ فلو أنه فتح لعله كان يُعاد فيغلق، قال حذيفة: لا، بل يكسر، وأن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت.

وما ذكرته خبر صدق مُحقَّق ليس هو من صُحُف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي رأي، بل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • خطورة الفتن العامة؛ لما يحصل فيها من سفْك الدماء وذهاب الأموال وزوال الأمن.
  • الفتن الخاصة إن كانت متعلقة بالدين فصاحبها مذموم؛ لإنها إما بدع أو معاصي، وإن كانت متعلقة بأمور دنيوية، فهي امتحان واختبار لصاحبها، والواجب عليه الصبر.
  • القلب يتأثر بالفتن التي تُعرض عليه، والموفق من هداه الله للثبات على الهدى.
  • قال النووي: قال صاحب التحرير: معنى الحديث: أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز فإذا انكب انصب ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك.
  • قول عمر لحذيفة: (لا أبا لك) معناه: جِدّ في هذا الأمر، وشَمِّرْ وتأهَّب تأهُّب من ليس له معاون.
  • فضل عمر رضي الله عنه، وأنه باب مغلق بين الناس وبين الفتنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قال عمر ﵁: من يحفظ حديثا عن النبي ﷺ في…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْكَلَامِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الَّتِي بَيَّنْتُهَا قَبْلُ: لَمَّا أَرَادَ بِالْعَمَلِ الْحَسَنَاتِ وَضَعَ الْحَسَنَةَ فِي الْخَبَرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا الصِّيَامَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامٍ غَيْرِ مَحْكِيٍّ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ يُضَاعَفُ جَزَاؤُهَا مِنْ عَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصَّوْمَ فَلَا يُضَاعَفُ إِلَى هَذَا الْقَدْرِ، بَلْ ثَوَابُهُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ وَلَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ يَتَوَلَّى اللَّهُ جَزَاءَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَكِلُهُ إِلَى غَيْرِهِ.

قَالَ وَالسَّبَبُ فِي اخْتِصَاصِ الصَّوْمِ بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ مِمَّا يَطَّلِعُ الْعِبَادُ عَلَيْهِ، وَالصَّوْمُ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى يَفْعَلُهُ خَالِصًا وَيُعَامِلُهُ بِهِ طَالِبًا لِرِضَاهُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ لِي وَالْآخَرُ: أَنَّ سَائِرَ الْحَسَنَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى صَرْفِ الْمَالِ أَوِ اسْتِعْمَالٍ لِلْبَدَنِ، وَالصَّوْمُ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ النَّفْسِ وَتَعْرِيضَ الْبَدَنِ لِلنُّقْصَانِ، وَفِيهِ الصَّبْرُ عَلَى مَضَضِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَتَرْكُ الشَّهَوَاتِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: يَدَعُ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي قَالَ الطِّيبِيُّ: وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: يَدَعُ شَهْوَتَهُ إِلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْبَيَانِ لِمُوجِبِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ كَلَامٍ غَيْرِ مَحْكِيٍّ، فَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ يُقَالُ: هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كُلِّ عَمَلٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ اللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ أَوْرَدَهُ فِي أَثْنَائِهِ بَيَانًا، وَفَائِدَتُهُ تَفْخِيمُ شَأْنِ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.

قَوْلُهُ: (وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْبَيَانَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ تَامًّا، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَأَنَا أَجْزِي بِهِ: كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا ابْنُ آدَمَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. فَأَعَادَ قَوْلَهُ: وَأَنَا أَجْزِي بِهِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ تَأْكِيدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣ - بَاب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ

١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ : مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ، قَالَ: وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنْ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ بَابٍ، أَيِ: الصَّوْمُ يَقَعُ كَفَّارَةً لِلذُّنُوبِ، وَرَأَيْتُهُ هُنَا بِخَطِّ الْقُطْبِ فِي شَرْحِهِ بَابَ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ أَيْ: بَابَ تَكْفِيرِ الصَّوْمِ لِلذُّنُوبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَابٌ الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ وَلِلْمُسْتَمْلِي بَابُ تَكْفِيرِ الصَّلَاةِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَابِ بِعَيْنِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ لَكِنْ أَطْلَقَ فِي التَّرْجَمَةِ، وَالْخَبَرُ مُقَيَّدٌ بِفِتْنَةِ الْمَالِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، فَقَدْ يُقَالُ: لَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

صومك، فهي تدخلك عليَّ، فإنَّ الصَّبرَ حبسُ النَّفس وقد حبستها بأمري عمَّا تعطيه حقيقتها من الطَّعام والشَّراب؛ فلهذا قال: للصَّائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره -وتلك الفرحة لروحه الحيوانيِّ لا غير- وفرحةٌ عند لقاء ربِّه -وتلك الفرحة لنفسه النَّاطقة الطَّبيعيَّة الرَّبانيَّة- فأورثه الصَّوم لقاء الله؛ وهو المشاهدة.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود وكذا النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ.

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ).

١٨٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا جَامِعٌ) هو ابن أبي (١) راشدٍ الصَّيرفيُّ (٢) الكوفيُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان أنَّه (٣) (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «من يحفظ حديث النَّبيِّ» ( فِي الفِتْنَةِ) المخصوصة؟ (قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ) (يَقُولُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) بأن يأتي بسببهم بغير جائزٍ (وَمَالِهِ)

بأن يأخذه من غير حلِّه ويصرفه في غير مصرفه، وزاد في «باب الصَّلاة» [خ¦٥٢٥] و «ولده» (وَجَارِهِ) بأن يتمنَّى سعةً كسعته كلِّها (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ) وهذا موضع التَّرجمة، قال في «الفتح»: وقد يُقال: هذا لا يعارضه ما عند أحمد من طريق حمَّاد بن سلمة عن محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة رفعه: «كلُّ العمل كفَّارةٌ إلَّا الصَّوم، الصَّوم لي، وأنا أجزي به» لأنَّه يُحمَل في الإثبات على كفَّارة شيءٍ مخصوصٍ وفي النَّفي على كفَّارة شيءٍ آخر، وقد حمله المصنِّف في موضعٍ آخر على تكفير مُطلَق الخطيئة، فقال في «الزَّكاة»: «باب الصَّدقة تكفِّر الخطيئة»، ثمَّ أورد هذا الحديث بعينه [خ¦١٤٣٥] ويؤيِّد الإطلاق ما ثبت عند مسلمٍ من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: «الصَّلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما (١) بينهنَّ ما اجتُنِبت الكبائر»، ولابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: «من صام رمضان وعرف حدوده؛ كفَّر ما قبله»، وعلى هذا فقوله: «كلُّ العمل كفَّارةٌ إلَّا الصِّيام» يحتمل أن يكون المراد: إلَّا الصِّيام؛ فإنَّه كفَّارةٌ وزيادة ثوابٍ على الكفَّارة، ويكون المراد بـ «الصِّيام» الذي هذا شأنه: ما وقع خالصًا سالمًا من الرِّياء والشَّوائب. انتهى.

(قَالَ) عمر لحذيفة : (لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ) بكسر الذَّال المعجمة وكسر الهاء في الفرع وأصله، وفي غيرهما: بالسُّكون، وهي هاء السَّكت ويجوز فيها الاختلاس والسُّكون والإشباع، واسم «ليس» ضمير الشَّأن (إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ) الفتنة الكبرى (الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ) أي: تضطرب كاضطرابه (قَالَ حُذَيْفةُ) زاد في «الصَّلاة»: ليس عليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين (وَإِنَّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْعَام وَهُوَ بَاطِل.

وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقد يسْتَدلّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يرفعهُ: (كل الْعَمَل كَفَّارَة إلَاّ الصَّوْم، الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد، وَلَفظه: (قَالَ ربكُم تبَارك وَتَعَالَى: كل الْعَمَل كَفَّارَة إلَاّ الصَّوْم) . قلت: أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن آدم عَن شُعْبَة بِلَفْظ: (يرويهِ عَن ربكُم قَالَ: لكل عمل كَفَّارَة، وَالصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) . انْتهى، وَلم يذكر إلَاّ الصَّوْم، فَدخل فِي صدر الْكَلَام الصَّوْم، لِأَن لفظ: كل، إِذا أضيف إِلَى النكرَة يَقْتَضِي عُمُوم الْأَفْرَاد، وَلكنه أخرجه من ذَلِك، بقوله: (وَالصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) لحصوصية فِيهِ من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَإِن كَانَت جَمِيع الْأَعْمَال لله تَعَالَى. وَقيل: إِن الصَّوْم لَا يظْهر فتكتبه الْحفظَة كَمَا لَا تكْتب سَائِر أَعمال الْقُلُوب، وَقيل: اسْتندَ قَائِله إِلَى حَدِيث واهٍ جدا، أوردهُ ابْن الْعَرَبِيّ فِي المسلسلات، وَلَفظه: (قَالَ الله: الْإِخْلَاص سرُّ من سري أستودعه قلب من أحب لَا يطلع عَلَيْهِ ملك فيكتبه، وَلَا شَيْطَان فيفسده) . قيل: اتَّفقُوا على أَن المُرَاد بالصيام هُنَا صِيَام من سلم صِيَامه من الْمعاصِي قولا وفعلاً. وَنقل ابْن الْعَرَبِيّ عَن بعض الزهاد أَنه مَخْصُوص بصيام خَواص الْخَواص، فَقَالَ: إِن الصَّوْم على أَرْبَعَة أَنْوَاع: صِيَام الْعَوام، وَهُوَ الصَّوْم عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع، و: صِيَام خَواص الْعَوام، وَهُوَ الصَّوْم وَهُوَ هَذَا مَعَ اجْتِنَاب الْمُحرمَات من قَول أَو فعل، وَصِيَام الْخَواص وَهُوَ الصَّوْم عَن ذكر غير الله وعبادته، وَصِيَام خَواص الْخَواص وَهُوَ الصَّوْم عَن غير الله، فَلَا فطر لَهُم إلَاّ يَوْم لِقَائِه.

قَوْله: (الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا) ، كَذَا وَقع مُخْتَصرا عِنْد البُخَارِيّ، وروى يحيى بن بكير عَن مَالك فِي هَذَا الحَدِيث بعد قَوْله: (والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا، فَقَالَ: كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف إلَاّ الصّيام فَهُوَ لي وَأَنا أجزي بِهِ) . فَخص الصّيام بالتضعيف على سَبْعمِائة ضعف فِي هَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا عقبه بقوله: (والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا) إعلاما بِأَن الصَّوْم مُسْتَثْنى من هَذَا الحكم فَكَأَنَّهُ قَالَ: سَائِر الْحَسَنَات بِعشر الْأَمْثَال بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ بأضعافه بِدُونِ الْحساب، وَالْحَاصِل أَن الصّيام لَا يتَقَيَّد بأعداد التَّضْعِيف، بل الله يجْزِيه على ذَلِك بِغَيْر حِسَاب. فَإِن قلت: الْأَمْثَال جمع مثل، وَهُوَ مُذَكّر، فمنزلته: بِعشْرَة أَمْثَالهَا، بِالتَّاءِ الَّتِي هِيَ عَلامَة التَّأْنِيث؟ قلت: مثل الْحَسَنَة هُوَ الْحَسَنَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِعشر حَسَنَات، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قد يكون لسبعمائة، وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء. قلت: هَذَا أَقَله، والتخصيص بِالْعدَدِ لَا يدل على الزَّائِد وَلَا عَدمه.

٣ - (بابٌ الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّوْم كَفَّارَة، هَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بتنوين: بَاب، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب الصَّوْم كَفَّارَة، بِالْإِضَافَة. وَفِي نُسْخَة الشَّيْخ قطب الدّين الشَّارِح: بَاب كَفَّارَة الصَّوْم أَي: بَاب تَكْفِير الصَّوْم للذنوب.

٥٩٨١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ حدَّثا جامِعٌ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَنْ يَحْفَظُ حَديثا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الفِتْنَةِ قَالَ حُذَيْفَةُ أَنا سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ ومالِهِ وجارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ والصِّيَامُ والصَّدَقَةُ قَالَ لَيْسَ أسْألُ عنْ ذِهْ إنَّمَا أسْألُ عنِ الَّتي تَمُوجُ كَما يَمُوجُ الْبَحْرُ قَالَ حُذَيْفَةُ وإنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابا مُغْلَقا قَالَ فَيُفْتَحُ أوُ يُكْسَرُ قَالَ يُكْسَرُ قَالَ ذَاكَ أجْدَرُ أنْ لَا يُغْلَقَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ أكانَ عُمَرُ مَنِ الْبَابُ فسَألَهُ فَقالَ نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تكفرها الصَّلَاة وَالصِّيَام) ، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة، وَترْجم هُنَاكَ بِالصَّلَاةِ، وَهنا بالصيام، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن حُذَيْفَة، وشقيق كنيته أَبُو وَائِل، وَهنا أخرجه: عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن جَامع بن أبي رَاشد الصَّيْرَفِي

الْكُوفِي عَن أبي وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً هُنَاكَ.

قَوْله: (عَن ذه) بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء، وَهُوَ من أَسمَاء الْإِشَارَة للمفرد الْمُؤَنَّث، وَالَّذِي يشار بِهِ لَهُ عشرَة مِنْهَا ذه، وَيُقَال: ذه، بالاختلاس. قَوْله: (ذَاك) أَي الْكسر أولى من الْفَتْح أَن لَا يغلق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، أَي إِذا وَقعت الْفِتْنَة فَالظَّاهِر أَنه لَا يسكن. قَوْله: (دون غَد) أَي: كَمَا يعلم أَن اللَّيْلَة هِيَ قبل الْغَد، أَي: علما وَاضحا جليا وَالله أعلم. أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الريان الَّذِي هُوَ اسْم علم لباب من أَبْوَاب الْجنَّة مُخْتَصّ للصائمين وَوزن رَيَّان فعلان وَقد وَقعت الْمُنَاسبَة فِيهِ بَين لَفظه وَمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الرّيّ الْكثير الَّذِي هُوَ ضد الْعَطش وَسمي بذلك لِأَنَّهُ جَزَاء الصائمين على عطشهم وجوعهم وَاكْتفى بِذكر الرّيّ عَن الشِّبَع لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهِ من حَيْثُ أَنه يستلزمه وأفرد لَهُم هَذَا الْبَاب إِكْرَاما لَهُم واختصاصا وليكون دُخُولهمْ الْجنَّة غير متزاحمين فَإِن الزحام قد يُؤَدِّي إِلَى الْعَطش

٦٩٨١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حَدثنَا سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ بَابا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقالُ أيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أحَدٌ غَيْرُهُمْ فإذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منهُ أحَدٌ.

(الحَدِيث ٦٩٨١ طرفه فِي: ٧٥٢٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وخَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا: البَجلِيّ الْكُوفِي أَبُو مُحَمَّد، وَسليمَان ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن خَالِد بن مخلد بِهِ.

قَوْله: (إِن فِي الْجنَّة بَابا) ، قيل: إِنَّمَا قَالَ: فِي الْجنَّة، وَلم يقل: للجنة ليشعر بِأَن فِي الْبَاب الْمَذْكُور من النَّعيم والراحة مَا فِي الْجنَّة، فَيكون أبلغ فِي التشويق إِلَيْهِ. قلت: وَإِنَّمَا لم يقل للجنة، ليشعر أَن بَاب الريان غير الْأَبْوَاب الثَّمَانِية الَّتِي للجنة، وَفِي الْجنَّة أَيْضا أَبْوَاب أخر غير الثَّمَانِية، مِنْهَا: بَاب الصَّلَاة وَبَاب الْجِهَاد وَبَاب الصَّدَقَة على مَا يَجِيء فِي الحَدِيث الْآتِي، وَفِي (نَوَادِر الْأُصُول) للحكيم التِّرْمِذِيّ: من أَبْوَاب الْجنَّة بَاب مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بَاب الرَّحْمَة، وَهُوَ بَاب التَّوْبَة، وَهُوَ مُنْذُ خلقه الله مَفْتُوح لَا يغلق، فَإِذا طلعت الشَّمْس من مغْرِبهَا أغلق فَلم يفتح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَسَائِر الْأَبْوَاب مقسومة على أَعمال الْبر: بَاب الزَّكَاة، بَاب الْحَج، بَاب الْعمرَة. وَعند عِيَاض: بَاب الكاظمين الغيط، بَاب الراضين، الْبَاب الْأَيْمن الَّذِي يدْخل مِنْهُ من لَا حِسَاب عَلَيْهِ، وَفِي (كتاب الْآجُرِيّ) : عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ: بَاب الضُّحَى، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُنَادي منادٍ: أَيْن الَّذين كَانُوا يديمون على صَلَاة الضُّحَى؟ هَذَا بَابَكُمْ فادخلوا) . وَفِي (الفردوس) عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (للجنة بَاب يُقَال لَهُ: الْفَرح، لَا يدْخل مِنْهُ إلَاّ مفرح الصّبيان) . وَعند التِّرْمِذِيّ بَاب للذّكر، وَعند ابْن بطال بَاب الصابرين، وَذكر البرقي فِي (كتاب الرَّوْضَة) : عَن أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا روح حَدثنَا أَشْعَث عَن الْحسن، قَالَ: (إِن لله بَابا فِي الْجنَّة لَا يدْخلهُ إلَاّ من عَفا عَن مظْلمَة) . وَفِي كتاب (التخبير) للقشيري، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (الْخلق الْحسن طوق من رضوَان الله فِي عنق صَاحبه، والطوق مشدود إِلَى سلسلة من الرَّحْمَة، والسلسلة مشدودة إِلَى حَلقَة من بَاب الْجنَّة حَيْثُ مَا ذهب الْخلق الْحسن جرته السلسلة إِلَى نَفسهَا حَتَّى يدْخلهُ من ذَاك الْبَاب إِلَى الْجنَّة) . فَهَذِهِ الْأَبْوَاب كلهَا دَاخِلَة فِي دَاخل الْأَبْوَاب الثَّمَانِية الْكِبَار الَّتِي مَا بَين مصراعي بَاب مِنْهَا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام. فَإِن قلت: روى الجوزقي فِي هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم بِلَفْظ: (إِن للجنة ثَمَانِيَة أَبْوَاب مِنْهَا بَاب يُسمى الريان لَا يدْخلهُ إلَاّ الصائمون) ، قلت: روى البُخَارِيّ هَذَا من هَذَا الْوَجْه فِي بَدْء الْخلق، لَكِن، قَالَ: (فِي الْجنَّة ثَمَانِيَة أَبْوَاب) ، وَهَذَا أصح وأصوب. قَوْله: (فَإِذا دخلُوا أغلق) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الإغلاق، قَالَ الْجَوْهَرِي: اغلقت الْبَاب فَهُوَ مغلق، والأسم الغلق، وَيُقَال: غلقت الْبَاب غلقا

وَهِي لُغَة رَدِيئَة متروكة، وغلقت الْأَبْوَاب شدد للكثرة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: غلق مخففا ومشددا. هُوَ من بَاب الإغلاق. قلت: هَذَا تَخْلِيط فِي اللُّغَة حَيْثُ يذكر أَولا أَنه من بَاب الثلاثي، ثمَّ يَقُول: هُوَ من بَاب الإغلاق، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَلم يدْخل مِنْهُ أحد) ، الْقيَاس، فَلَا يدْخل، لِأَن: لم يدْخل، للماضي، وَلكنه عطف على قَوْله: (لَا يدْخل) ، فَيكون فِي حكم الْمُسْتَقْبل. وَقَالَ بَعضهم: فَلم يدْخل، فَهُوَ مَعْطُوف على أغلق أَي: لم يدْخل مِنْهُ غير من دخل. انْتهى. قلت: هَذَا أَخذه من الْكرْمَانِي لِأَنَّهُ قَالَ: هُوَ عطف على الْجَزَاء فَهُوَ فِي حكم الْمُسْتَقْبل، ثمَّ تَفْسِيره بقوله: أَي لم يدْخل مِنْهُ غير من دخل غير صَحِيح، لِأَن غير من دخل أَعم من أَن يكون من الصائمين وَغَيرهم، وَلَيْسَ المُرَاد أَن لَا يدْخل مِنْهُ إلَاّ الصائمون. وَقَول الْكرْمَانِي، أَيْضا عطف على الْجَزَاء فِيهِ نظر لَا يخفى، وَإِنَّمَا كرر نفي دُخُول غَيرهم مِنْهُ للتَّأْكِيد، وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن مخلد، هُوَ الْقَطوَانِي، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، قَالَ: حَدثنِي أَبُو حَازِم عَن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ الريان، يدْخل مِنْهُ الصائمون يَوْم الْقِيَامَة لَا يدْخل مِنْهُ أحد غَيرهم، يُقَال: أَيْن الصائمون؟ فَيدْخلُونَ مِنْهُ، فَإِذا دخل آخِرهم أغلق فَلم يدْخل مِنْهُ أحد) . وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا فِي بعض النّسخ من مُسلم، وَفِي الْكثير مِنْهَا: (فَإِذا دخل أَوَّلهمْ أغلق) . قلت: الْأَمر بِالْعَكْسِ، فَفِي الْكثير: (فَإِذا دخل آخِرهم) ، وَوَقع فِي بعض النّسخ الَّتِي لَا يعْتَمد عَلَيْهَا: (فَإِذا دخل أَوَّلهمْ) . وَهُوَ غير صَحِيح، فَلذَلِك قَالَ شرَّاح مُسلم وَغَيرهم: إِنَّه وهم، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَقد اسْتشْكل بَعضهم الْجمع بَين حَدِيث بَاب الريان وَبَين الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي أخرجه مُسلم من حَدِيث عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ فَيبلغ أَو يسبغ الْوضُوء، ثمَّ يَقُول: أشهد أَن لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إلَاّ فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية، يدْخل من أَيهَا شَاءَ) . قَالُوا: فقد أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يدْخل من أَيهَا شَاءَ، وَقد لَا يكون فَاعل هَذَا الْفِعْل من أهل الصّيام، بِأَن لَا يبلغ وَقت الصّيام الْوَاجِب، أَو لَا يتَطَوَّع بالصيام، وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه يصرف عَن أَن يَشَاء بَاب الصّيام، فَلَا يَشَاء الدُّخُول مِنْهُ، وَيدخل من أَي بَاب شَاءَ غير الصّيام، فَيكون قد دخل من الْبَاب الَّذِي شاءه. وَالثَّانِي: أَن حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد اخْتلفت أَلْفَاظه، فَعِنْدَ التِّرْمِذِيّ: (فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب من الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ) ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة تدل على أَن أَبْوَاب الْجنَّة أَكثر من ثَمَانِيَة مِنْهَا، وَقد لَا يكون بَاب الصّيام من هَذِه الثَّمَانِية، وَلَا تعَارض حِينَئِذٍ.

٧٩٨١ - حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حدَّثني مَعْنٌ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ حُمَيْدِ ابنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ منْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ الله نُودِيَ مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ يَا عَبْدَ الله هَذَا خَيْرً فَمَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلاةِ ومَنُ كانَ مِنْ أهْلِ الجِهَادَ دُعِيَ مِنْ بابِ الجِهَادِ ومنْ كانَ مِنْ أهْلِ الصِّيامِ دُعِيَ مِن بابِ الرَّيَّانِ ومنْ كانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يَا رسولَ الله مَا عَلَى منْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا فَقَالَ نَعَمْ وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من قَوْله: (وَمن كَانَ من أهل الصّيام دعِي من بَاب الريان) ، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قد تكَرر ذكره، ومعن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون: ابْن عِيسَى بن يحيى أَبُو يحيى الْقَزاز الْمدنِي، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَحميد، بِضَم الْحَاء: ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي الطَّاهِر وحرملة وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَحسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد، ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه

التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ عَن معن عَن مَالك إِلَى آخِره نَحوه، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن عُثْمَان وَفِي الصَّوْم عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن وهب عَن مَالك وَيُونُس بِهِ، وَعَن الْحَارِث وَمُحَمّد بن سَلمَة كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَفِي الْجِهَاد عَن عبيد الله بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن) ، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ فِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَخْبرنِي حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف) . قَوْله: (عَن أبي هُرَيْرَة) ، قَالَ أَبُو عمر: اتّفقت الروَاة عَن مَالك على وَصله إلَاّ يحيى ابْن أبي بكير وَعبد الله بن يُوسُف فَإِنَّهُمَا أَرْسلَاهُ، وَلم يَقع عِنْد القعْنبِي أصلا لَا مُسْندًا وَلَا مُرْسلا. وَفِي (التَّلْوِيح) ذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب الموطآت) : أَن القعْنبِي رَوَاهُ كَمَا روى ابْن مُصعب ومعن مُسْندًا. قَوْله: (زَوْجَيْنِ) ، يَعْنِي دينارين أَو دِرْهَمَيْنِ أَو ثَوْبَيْنِ وَقيل: دِينَار وثوب أَو دِرْهَم ودينار، أَو ثوب مَعَ غَيره أَو صَلَاة وَصَوْم، فَيشفع الصَّدَقَة بِأُخْرَى أَو فعل خير بِغَيْرِهِ. وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل القَاضِي عَن أبي مُصعب عَن مَالك: (من أنْفق زَوْجَيْنِ من مَاله) . قَوْله: (فِي سَبِيل الله) قيل: هُوَ الْجِهَاد، وَقيل: مَا هُوَ أَعم مِنْهُ، وَقيل: المُرَاد بالزوجين انفاق شَيْئَيْنِ من أَي صنف كَانَ من أَصْنَاف المَال. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَالزَّوْج هُنَا الْفَرد، يُقَال للْوَاحِد زوج، وللاثنين زوج. قَالَ تَعَالَى: {فَجعل مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى} (الْقِيَامَة: ٩٣) . وَصَوَابه أَن الْإِثْنَيْنِ زوجان يدل عَلَيْهِ الْآيَة. وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن يُونُس بن عبيد وَحميد عَن الْحسن عَن صعصعة بن مُعَاوِيَة عَن أبي ذَر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من أنْفق زَوْجَيْنِ ابتدرته حجبة الْجنَّة) ، ثمَّ قَالَ: (بعيران شَاتين حِمَارَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، قَالَ حَمَّاد: أَحْسبهُ قَالَ: خُفَّيْنِ) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (فرسين من خيله، بَعِيرَيْنِ من إبِله) . وروى عَن صعصعة قَالَ: رَأَيْت أَبَا ذَر بالربذة وَهُوَ يَسُوق بَعِيرًا لَهُ عَلَيْهِ مزادتان، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (مَا من مُسلم ينْفق زَوْجَيْنِ من مَاله فِي سَبِيل الله إلَاّ استقبلته حجبة الْجنَّة كلهم يَدعُوهُ إِلَى مَا عِنْده، قلت: زَوْجَيْنِ مَاذَا؟ قَالَ: إِن كَانَ صَاحب خيل ففرسين، وَإِن كَانَ صَاحب إبل فبعيرين، وَإِن كَانَ صَاحب بقر فبقرتين، حَتَّى عد أَصْنَاف المَال) . وشبيه حَدِيث الْحمانِي ذكره أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ عَن مبارك بن سعيد عَن ابْن المحيريز، يرفعهُ: (من عَال ابْنَتَيْن أَو أُخْتَيْنِ أَو خالتين أَو عمتين أَو جدتين فَهُوَ معي فِي الْجنَّة) . فَإِن قلت: النَّفَقَة إِنَّمَا تشرع فِي الْجِهَاد وَالصَّدَََقَة، فَكيف تكون فِي بَاب الصَّلَاة وَالصِّيَام؟ قلت: لِأَن نَفَقَة المَال مقترنة بِنَفَقَة الْجِسْم فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا بُد للْمُصَلِّي والصائم من قوت يُقيم رمقه وثوب يستره، وَذَلِكَ من فروض الصَّلَاة، ويستعين بذلك على الطَّاعَة، فقد صَار بذلك منفقا لزوجين: لنَفسِهِ ولماله، وَقد تكون النَّفَقَة فِي بَاب الصَّلَاة أَن يَبْنِي لله مَسْجِدا للمصلين، وَالنَّفقَة فِي الصّيام أَن يفْطر صَائِما، وَذَلِكَ بِدلَالَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة) . وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من فطر صَائِما فَكَأَنَّمَا صَامَ يَوْمًا) . فَإِن قلت: إِذا جَازَ اسْتِعْمَال الْجِسْم فِي الطَّاعَة نَفَقَة، فَيجوز أَن يدْخل فِي معنى الحَدِيث: من أنْفق نَفسه فِي سَبِيل الله فاستشهد وَأنْفق كريم مَاله قلت: نعم، بل هُوَ أعظم أجرا من الأول، يُوضحهُ مَا رَوَاهُ سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان (عَن جَابر قَالَ: قَالَ رجل: يَا رَسُول الله! أَي الْجِهَاد أفضل؟ قَالَ: أَن يعقر جوادك ويهراق دمك) ؟ فَإِن قلت: يدْخل فِي ذَلِك صَائِم رَمَضَان الْمُزَكي لمَاله والمؤدي الْفَرَائِض؟ قلت: المُرَاد: النَّوَافِل، لِأَن الْوَاجِبَات لَا بُد مِنْهَا لجَمِيع الْمُسلمين، وَمن ترك شَيْئا من الْوَاجِبَات إِنَّمَا يخَاف عَلَيْهِ أَن يُنَادى من أَبْوَاب جَهَنَّم. قَوْله: (نُودي من أَبْوَاب الْجنَّة) ، المُرَاد من هَذِه الْأَبْوَاب غير الْأَبْوَاب الثَّمَانِية، وَقَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد، كَذَا قَالَ من أَبْوَاب الْجنَّة، وَذكره أَبُو دَاوُد وَأَبُو عبد الرَّحْمَن وَابْن سنجر: (فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية) ، وَلَيْسَ فِيهَا ذكر: من، وَقَالَ ابْن بطال: لَا يَصح دُخُول الْمُؤمن إلَاّ من بَاب وَاحِد، ونداؤه مِنْهَا كلهَا إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الْإِكْرَام والتخيير لَهُ فِي دُخُوله من أَيهَا شَاءَ. قَوْله: (هَذَا خير) ، لَفْظَة خير لَيْسَ من أفعل التَّفْضِيل، بل مَعْنَاهُ هُوَ خير من الْخيرَات، والتنوين فِيهِ للتعظيم، وَفَائِدَة هَذَا الْإِخْبَار بَيَان تَعْظِيمه. قَوْله: (دعِي من بَاب الصَّلَاة) ، أَي: المكثرين لصَلَاة التَّطَوُّع، وَكَذَا غَيرهَا من أَعمال الْبر، وَقد ذكرنَا الْآن أَن الْوَاجِبَات لَا بُد مِنْهَا لجَمِيع الْمُسلمين. قَوْله: (من بَاب الصَّدَقَة) ، أَي: من الْغَالِب عَلَيْهِ ذَلِك، وإلَاّ فَكل الْمُؤمنِينَ أهل للْكُلّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه التّكْرَار حَيْثُ ذكر الْإِنْفَاق فِي صدر الْكَلَام

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْكَلَامِ عَلَى رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الَّتِي بَيَّنْتُهَا قَبْلُ: لَمَّا أَرَادَ بِالْعَمَلِ الْحَسَنَاتِ وَضَعَ الْحَسَنَةَ فِي الْخَبَرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا الصِّيَامَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامٍ غَيْرِ مَحْكِيٍّ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ يُضَاعَفُ جَزَاؤُهَا مِنْ عَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصَّوْمَ فَلَا يُضَاعَفُ إِلَى هَذَا الْقَدْرِ، بَلْ ثَوَابُهُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ وَلَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ يَتَوَلَّى اللَّهُ جَزَاءَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَكِلُهُ إِلَى غَيْرِهِ.

قَالَ وَالسَّبَبُ فِي اخْتِصَاصِ الصَّوْمِ بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ مِمَّا يَطَّلِعُ الْعِبَادُ عَلَيْهِ، وَالصَّوْمُ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى يَفْعَلُهُ خَالِصًا وَيُعَامِلُهُ بِهِ طَالِبًا لِرِضَاهُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّهُ لِي وَالْآخَرُ: أَنَّ سَائِرَ الْحَسَنَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى صَرْفِ الْمَالِ أَوِ اسْتِعْمَالٍ لِلْبَدَنِ، وَالصَّوْمُ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ النَّفْسِ وَتَعْرِيضَ الْبَدَنِ لِلنُّقْصَانِ، وَفِيهِ الصَّبْرُ عَلَى مَضَضِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَتَرْكُ الشَّهَوَاتِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: يَدَعُ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي قَالَ الطِّيبِيُّ: وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: يَدَعُ شَهْوَتَهُ إِلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَقَعَتْ مَوْقِعَ الْبَيَانِ لِمُوجِبِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ كَلَامٍ غَيْرِ مَحْكِيٍّ، فَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ يُقَالُ: هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ كُلِّ عَمَلٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ اللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ أَوْرَدَهُ فِي أَثْنَائِهِ بَيَانًا، وَفَائِدَتُهُ تَفْخِيمُ شَأْنِ الْكَلَامِ وَأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.

قَوْلُهُ: (وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْبَيَانَ بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ تَامًّا، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَأَنَا أَجْزِي بِهِ: كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا ابْنُ آدَمَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. فَأَعَادَ قَوْلَهُ: وَأَنَا أَجْزِي بِهِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ تَأْكِيدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا الْحَدِيثَ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣ - بَاب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ

١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ : مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ، قَالَ: وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنْ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْجُمْهُورُ بِتَنْوِينِ بَابٍ، أَيِ: الصَّوْمُ يَقَعُ كَفَّارَةً لِلذُّنُوبِ، وَرَأَيْتُهُ هُنَا بِخَطِّ الْقُطْبِ فِي شَرْحِهِ بَابَ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ أَيْ: بَابَ تَكْفِيرِ الصَّوْمِ لِلذُّنُوبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَابٌ الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ وَلِلْمُسْتَمْلِي بَابُ تَكْفِيرِ الصَّلَاةِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَابِ بِعَيْنِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ لَكِنْ أَطْلَقَ فِي التَّرْجَمَةِ، وَالْخَبَرُ مُقَيَّدٌ بِفِتْنَةِ الْمَالِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ، فَقَدْ يُقَالُ: لَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

صومك، فهي تدخلك عليَّ، فإنَّ الصَّبرَ حبسُ النَّفس وقد حبستها بأمري عمَّا تعطيه حقيقتها من الطَّعام والشَّراب؛ فلهذا قال: للصَّائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره -وتلك الفرحة لروحه الحيوانيِّ لا غير- وفرحةٌ عند لقاء ربِّه -وتلك الفرحة لنفسه النَّاطقة الطَّبيعيَّة الرَّبانيَّة- فأورثه الصَّوم لقاء الله؛ وهو المشاهدة.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود وكذا النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ.

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ).

١٨٩٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا جَامِعٌ) هو ابن أبي (١) راشدٍ الصَّيرفيُّ (٢) الكوفيُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان أنَّه (٣) (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «من يحفظ حديث النَّبيِّ» ( فِي الفِتْنَةِ) المخصوصة؟ (قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ) (يَقُولُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) بأن يأتي بسببهم بغير جائزٍ (وَمَالِهِ)

بأن يأخذه من غير حلِّه ويصرفه في غير مصرفه، وزاد في «باب الصَّلاة» [خ¦٥٢٥] و «ولده» (وَجَارِهِ) بأن يتمنَّى سعةً كسعته كلِّها (تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ) وهذا موضع التَّرجمة، قال في «الفتح»: وقد يُقال: هذا لا يعارضه ما عند أحمد من طريق حمَّاد بن سلمة عن محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة رفعه: «كلُّ العمل كفَّارةٌ إلَّا الصَّوم، الصَّوم لي، وأنا أجزي به» لأنَّه يُحمَل في الإثبات على كفَّارة شيءٍ مخصوصٍ وفي النَّفي على كفَّارة شيءٍ آخر، وقد حمله المصنِّف في موضعٍ آخر على تكفير مُطلَق الخطيئة، فقال في «الزَّكاة»: «باب الصَّدقة تكفِّر الخطيئة»، ثمَّ أورد هذا الحديث بعينه [خ¦١٤٣٥] ويؤيِّد الإطلاق ما ثبت عند مسلمٍ من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: «الصَّلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما (١) بينهنَّ ما اجتُنِبت الكبائر»، ولابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: «من صام رمضان وعرف حدوده؛ كفَّر ما قبله»، وعلى هذا فقوله: «كلُّ العمل كفَّارةٌ إلَّا الصِّيام» يحتمل أن يكون المراد: إلَّا الصِّيام؛ فإنَّه كفَّارةٌ وزيادة ثوابٍ على الكفَّارة، ويكون المراد بـ «الصِّيام» الذي هذا شأنه: ما وقع خالصًا سالمًا من الرِّياء والشَّوائب. انتهى.

(قَالَ) عمر لحذيفة : (لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ) بكسر الذَّال المعجمة وكسر الهاء في الفرع وأصله، وفي غيرهما: بالسُّكون، وهي هاء السَّكت ويجوز فيها الاختلاس والسُّكون والإشباع، واسم «ليس» ضمير الشَّأن (إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ) الفتنة الكبرى (الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ) أي: تضطرب كاضطرابه (قَالَ حُذَيْفةُ) زاد في «الصَّلاة»: ليس عليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين (وَإِنَّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْعَام وَهُوَ بَاطِل.

وَقَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقد يسْتَدلّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يرفعهُ: (كل الْعَمَل كَفَّارَة إلَاّ الصَّوْم، الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد، وَلَفظه: (قَالَ ربكُم تبَارك وَتَعَالَى: كل الْعَمَل كَفَّارَة إلَاّ الصَّوْم) . قلت: أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّوْحِيد عَن آدم عَن شُعْبَة بِلَفْظ: (يرويهِ عَن ربكُم قَالَ: لكل عمل كَفَّارَة، وَالصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) . انْتهى، وَلم يذكر إلَاّ الصَّوْم، فَدخل فِي صدر الْكَلَام الصَّوْم، لِأَن لفظ: كل، إِذا أضيف إِلَى النكرَة يَقْتَضِي عُمُوم الْأَفْرَاد، وَلكنه أخرجه من ذَلِك، بقوله: (وَالصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ) لحصوصية فِيهِ من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَإِن كَانَت جَمِيع الْأَعْمَال لله تَعَالَى. وَقيل: إِن الصَّوْم لَا يظْهر فتكتبه الْحفظَة كَمَا لَا تكْتب سَائِر أَعمال الْقُلُوب، وَقيل: اسْتندَ قَائِله إِلَى حَدِيث واهٍ جدا، أوردهُ ابْن الْعَرَبِيّ فِي المسلسلات، وَلَفظه: (قَالَ الله: الْإِخْلَاص سرُّ من سري أستودعه قلب من أحب لَا يطلع عَلَيْهِ ملك فيكتبه، وَلَا شَيْطَان فيفسده) . قيل: اتَّفقُوا على أَن المُرَاد بالصيام هُنَا صِيَام من سلم صِيَامه من الْمعاصِي قولا وفعلاً. وَنقل ابْن الْعَرَبِيّ عَن بعض الزهاد أَنه مَخْصُوص بصيام خَواص الْخَواص، فَقَالَ: إِن الصَّوْم على أَرْبَعَة أَنْوَاع: صِيَام الْعَوام، وَهُوَ الصَّوْم عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع، و: صِيَام خَواص الْعَوام، وَهُوَ الصَّوْم وَهُوَ هَذَا مَعَ اجْتِنَاب الْمُحرمَات من قَول أَو فعل، وَصِيَام الْخَواص وَهُوَ الصَّوْم عَن ذكر غير الله وعبادته، وَصِيَام خَواص الْخَواص وَهُوَ الصَّوْم عَن غير الله، فَلَا فطر لَهُم إلَاّ يَوْم لِقَائِه.

قَوْله: (الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا) ، كَذَا وَقع مُخْتَصرا عِنْد البُخَارِيّ، وروى يحيى بن بكير عَن مَالك فِي هَذَا الحَدِيث بعد قَوْله: (والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا، فَقَالَ: كل حَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف إلَاّ الصّيام فَهُوَ لي وَأَنا أجزي بِهِ) . فَخص الصّيام بالتضعيف على سَبْعمِائة ضعف فِي هَذَا الحَدِيث، وَإِنَّمَا عقبه بقوله: (والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا) إعلاما بِأَن الصَّوْم مُسْتَثْنى من هَذَا الحكم فَكَأَنَّهُ قَالَ: سَائِر الْحَسَنَات بِعشر الْأَمْثَال بِخِلَاف الصَّوْم فَإِنَّهُ بأضعافه بِدُونِ الْحساب، وَالْحَاصِل أَن الصّيام لَا يتَقَيَّد بأعداد التَّضْعِيف، بل الله يجْزِيه على ذَلِك بِغَيْر حِسَاب. فَإِن قلت: الْأَمْثَال جمع مثل، وَهُوَ مُذَكّر، فمنزلته: بِعشْرَة أَمْثَالهَا، بِالتَّاءِ الَّتِي هِيَ عَلامَة التَّأْنِيث؟ قلت: مثل الْحَسَنَة هُوَ الْحَسَنَة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِعشر حَسَنَات، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: قد يكون لسبعمائة، وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء. قلت: هَذَا أَقَله، والتخصيص بِالْعدَدِ لَا يدل على الزَّائِد وَلَا عَدمه.

٣ - (بابٌ الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الصَّوْم كَفَّارَة، هَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بتنوين: بَاب، وَفِي رِوَايَة غَيره: بَاب الصَّوْم كَفَّارَة، بِالْإِضَافَة. وَفِي نُسْخَة الشَّيْخ قطب الدّين الشَّارِح: بَاب كَفَّارَة الصَّوْم أَي: بَاب تَكْفِير الصَّوْم للذنوب.

٥٩٨١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ قَالَ حدَّثا جامِعٌ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ مَنْ يَحْفَظُ حَديثا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الفِتْنَةِ قَالَ حُذَيْفَةُ أَنا سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ ومالِهِ وجارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ والصِّيَامُ والصَّدَقَةُ قَالَ لَيْسَ أسْألُ عنْ ذِهْ إنَّمَا أسْألُ عنِ الَّتي تَمُوجُ كَما يَمُوجُ الْبَحْرُ قَالَ حُذَيْفَةُ وإنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابا مُغْلَقا قَالَ فَيُفْتَحُ أوُ يُكْسَرُ قَالَ يُكْسَرُ قَالَ ذَاكَ أجْدَرُ أنْ لَا يُغْلَقَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ أكانَ عُمَرُ مَنِ الْبَابُ فسَألَهُ فَقالَ نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تكفرها الصَّلَاة وَالصِّيَام) ، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي أَوَائِل كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة فِي: بَاب الصَّلَاة كَفَّارَة، وَترْجم هُنَاكَ بِالصَّلَاةِ، وَهنا بالصيام، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن حُذَيْفَة، وشقيق كنيته أَبُو وَائِل، وَهنا أخرجه: عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن جَامع بن أبي رَاشد الصَّيْرَفِي

الْكُوفِي عَن أبي وَائِل هُوَ شَقِيق بن سَلمَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً هُنَاكَ.

قَوْله: (عَن ذه) بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء، وَهُوَ من أَسمَاء الْإِشَارَة للمفرد الْمُؤَنَّث، وَالَّذِي يشار بِهِ لَهُ عشرَة مِنْهَا ذه، وَيُقَال: ذه، بالاختلاس. قَوْله: (ذَاك) أَي الْكسر أولى من الْفَتْح أَن لَا يغلق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، أَي إِذا وَقعت الْفِتْنَة فَالظَّاهِر أَنه لَا يسكن. قَوْله: (دون غَد) أَي: كَمَا يعلم أَن اللَّيْلَة هِيَ قبل الْغَد، أَي: علما وَاضحا جليا وَالله أعلم. أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الريان الَّذِي هُوَ اسْم علم لباب من أَبْوَاب الْجنَّة مُخْتَصّ للصائمين وَوزن رَيَّان فعلان وَقد وَقعت الْمُنَاسبَة فِيهِ بَين لَفظه وَمَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الرّيّ الْكثير الَّذِي هُوَ ضد الْعَطش وَسمي بذلك لِأَنَّهُ جَزَاء الصائمين على عطشهم وجوعهم وَاكْتفى بِذكر الرّيّ عَن الشِّبَع لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهِ من حَيْثُ أَنه يستلزمه وأفرد لَهُم هَذَا الْبَاب إِكْرَاما لَهُم واختصاصا وليكون دُخُولهمْ الْجنَّة غير متزاحمين فَإِن الزحام قد يُؤَدِّي إِلَى الْعَطش

٦٩٨١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حَدثنَا سُلَيْمانُ بنُ بِلَالٍ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ فِي الجَنَّةِ بَابا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقالُ أيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أحَدٌ غَيْرُهُمْ فإذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منهُ أحَدٌ.

(الحَدِيث ٦٩٨١ طرفه فِي: ٧٥٢٣) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وخَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا: البَجلِيّ الْكُوفِي أَبُو مُحَمَّد، وَسليمَان ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه سَلمَة بن دِينَار، وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن خَالِد بن مخلد بِهِ.

قَوْله: (إِن فِي الْجنَّة بَابا) ، قيل: إِنَّمَا قَالَ: فِي الْجنَّة، وَلم يقل: للجنة ليشعر بِأَن فِي الْبَاب الْمَذْكُور من النَّعيم والراحة مَا فِي الْجنَّة، فَيكون أبلغ فِي التشويق إِلَيْهِ. قلت: وَإِنَّمَا لم يقل للجنة، ليشعر أَن بَاب الريان غير الْأَبْوَاب الثَّمَانِية الَّتِي للجنة، وَفِي الْجنَّة أَيْضا أَبْوَاب أخر غير الثَّمَانِية، مِنْهَا: بَاب الصَّلَاة وَبَاب الْجِهَاد وَبَاب الصَّدَقَة على مَا يَجِيء فِي الحَدِيث الْآتِي، وَفِي (نَوَادِر الْأُصُول) للحكيم التِّرْمِذِيّ: من أَبْوَاب الْجنَّة بَاب مُحَمَّد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بَاب الرَّحْمَة، وَهُوَ بَاب التَّوْبَة، وَهُوَ مُنْذُ خلقه الله مَفْتُوح لَا يغلق، فَإِذا طلعت الشَّمْس من مغْرِبهَا أغلق فَلم يفتح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَسَائِر الْأَبْوَاب مقسومة على أَعمال الْبر: بَاب الزَّكَاة، بَاب الْحَج، بَاب الْعمرَة. وَعند عِيَاض: بَاب الكاظمين الغيط، بَاب الراضين، الْبَاب الْأَيْمن الَّذِي يدْخل مِنْهُ من لَا حِسَاب عَلَيْهِ، وَفِي (كتاب الْآجُرِيّ) : عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ: بَاب الضُّحَى، فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُنَادي منادٍ: أَيْن الَّذين كَانُوا يديمون على صَلَاة الضُّحَى؟ هَذَا بَابَكُمْ فادخلوا) . وَفِي (الفردوس) عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ: (للجنة بَاب يُقَال لَهُ: الْفَرح، لَا يدْخل مِنْهُ إلَاّ مفرح الصّبيان) . وَعند التِّرْمِذِيّ بَاب للذّكر، وَعند ابْن بطال بَاب الصابرين، وَذكر البرقي فِي (كتاب الرَّوْضَة) : عَن أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا روح حَدثنَا أَشْعَث عَن الْحسن، قَالَ: (إِن لله بَابا فِي الْجنَّة لَا يدْخلهُ إلَاّ من عَفا عَن مظْلمَة) . وَفِي كتاب (التخبير) للقشيري، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، (الْخلق الْحسن طوق من رضوَان الله فِي عنق صَاحبه، والطوق مشدود إِلَى سلسلة من الرَّحْمَة، والسلسلة مشدودة إِلَى حَلقَة من بَاب الْجنَّة حَيْثُ مَا ذهب الْخلق الْحسن جرته السلسلة إِلَى نَفسهَا حَتَّى يدْخلهُ من ذَاك الْبَاب إِلَى الْجنَّة) . فَهَذِهِ الْأَبْوَاب كلهَا دَاخِلَة فِي دَاخل الْأَبْوَاب الثَّمَانِية الْكِبَار الَّتِي مَا بَين مصراعي بَاب مِنْهَا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام. فَإِن قلت: روى الجوزقي فِي هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أبي غَسَّان عَن أبي حَازِم بِلَفْظ: (إِن للجنة ثَمَانِيَة أَبْوَاب مِنْهَا بَاب يُسمى الريان لَا يدْخلهُ إلَاّ الصائمون) ، قلت: روى البُخَارِيّ هَذَا من هَذَا الْوَجْه فِي بَدْء الْخلق، لَكِن، قَالَ: (فِي الْجنَّة ثَمَانِيَة أَبْوَاب) ، وَهَذَا أصح وأصوب. قَوْله: (فَإِذا دخلُوا أغلق) ، على صِيغَة الْمَجْهُول من الإغلاق، قَالَ الْجَوْهَرِي: اغلقت الْبَاب فَهُوَ مغلق، والأسم الغلق، وَيُقَال: غلقت الْبَاب غلقا

وَهِي لُغَة رَدِيئَة متروكة، وغلقت الْأَبْوَاب شدد للكثرة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: غلق مخففا ومشددا. هُوَ من بَاب الإغلاق. قلت: هَذَا تَخْلِيط فِي اللُّغَة حَيْثُ يذكر أَولا أَنه من بَاب الثلاثي، ثمَّ يَقُول: هُوَ من بَاب الإغلاق، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَلم يدْخل مِنْهُ أحد) ، الْقيَاس، فَلَا يدْخل، لِأَن: لم يدْخل، للماضي، وَلكنه عطف على قَوْله: (لَا يدْخل) ، فَيكون فِي حكم الْمُسْتَقْبل. وَقَالَ بَعضهم: فَلم يدْخل، فَهُوَ مَعْطُوف على أغلق أَي: لم يدْخل مِنْهُ غير من دخل. انْتهى. قلت: هَذَا أَخذه من الْكرْمَانِي لِأَنَّهُ قَالَ: هُوَ عطف على الْجَزَاء فَهُوَ فِي حكم الْمُسْتَقْبل، ثمَّ تَفْسِيره بقوله: أَي لم يدْخل مِنْهُ غير من دخل غير صَحِيح، لِأَن غير من دخل أَعم من أَن يكون من الصائمين وَغَيرهم، وَلَيْسَ المُرَاد أَن لَا يدْخل مِنْهُ إلَاّ الصائمون. وَقَول الْكرْمَانِي، أَيْضا عطف على الْجَزَاء فِيهِ نظر لَا يخفى، وَإِنَّمَا كرر نفي دُخُول غَيرهم مِنْهُ للتَّأْكِيد، وَأخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة قَالَ: حَدثنَا خَالِد بن مخلد، هُوَ الْقَطوَانِي، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، قَالَ: حَدثنِي أَبُو حَازِم عَن سهل بن سعد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ الريان، يدْخل مِنْهُ الصائمون يَوْم الْقِيَامَة لَا يدْخل مِنْهُ أحد غَيرهم، يُقَال: أَيْن الصائمون؟ فَيدْخلُونَ مِنْهُ، فَإِذا دخل آخِرهم أغلق فَلم يدْخل مِنْهُ أحد) . وَقَالَ بَعضهم: هَكَذَا فِي بعض النّسخ من مُسلم، وَفِي الْكثير مِنْهَا: (فَإِذا دخل أَوَّلهمْ أغلق) . قلت: الْأَمر بِالْعَكْسِ، فَفِي الْكثير: (فَإِذا دخل آخِرهم) ، وَوَقع فِي بعض النّسخ الَّتِي لَا يعْتَمد عَلَيْهَا: (فَإِذا دخل أَوَّلهمْ) . وَهُوَ غير صَحِيح، فَلذَلِك قَالَ شرَّاح مُسلم وَغَيرهم: إِنَّه وهم، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَقد اسْتشْكل بَعضهم الْجمع بَين حَدِيث بَاب الريان وَبَين الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي أخرجه مُسلم من حَدِيث عمر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ فَيبلغ أَو يسبغ الْوضُوء، ثمَّ يَقُول: أشهد أَن لَا إلاهَ إلَاّ الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إلَاّ فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية، يدْخل من أَيهَا شَاءَ) . قَالُوا: فقد أخبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه يدْخل من أَيهَا شَاءَ، وَقد لَا يكون فَاعل هَذَا الْفِعْل من أهل الصّيام، بِأَن لَا يبلغ وَقت الصّيام الْوَاجِب، أَو لَا يتَطَوَّع بالصيام، وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَنه يصرف عَن أَن يَشَاء بَاب الصّيام، فَلَا يَشَاء الدُّخُول مِنْهُ، وَيدخل من أَي بَاب شَاءَ غير الصّيام، فَيكون قد دخل من الْبَاب الَّذِي شاءه. وَالثَّانِي: أَن حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد اخْتلفت أَلْفَاظه، فَعِنْدَ التِّرْمِذِيّ: (فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب من الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ) ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة تدل على أَن أَبْوَاب الْجنَّة أَكثر من ثَمَانِيَة مِنْهَا، وَقد لَا يكون بَاب الصّيام من هَذِه الثَّمَانِية، وَلَا تعَارض حِينَئِذٍ.

٧٩٨١ - حدَّثنا إبرَاهِيمُ بنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حدَّثني مَعْنٌ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ حُمَيْدِ ابنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ منْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ الله نُودِيَ مِنْ أبْوَابِ الجَنَّةِ يَا عَبْدَ الله هَذَا خَيْرً فَمَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلاةِ ومَنُ كانَ مِنْ أهْلِ الجِهَادَ دُعِيَ مِنْ بابِ الجِهَادِ ومنْ كانَ مِنْ أهْلِ الصِّيامِ دُعِيَ مِن بابِ الرَّيَّانِ ومنْ كانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بابِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ أبُو بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يَا رسولَ الله مَا عَلَى منْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا فَقَالَ نَعَمْ وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ..

مطابقته للتَّرْجَمَة من قَوْله: (وَمن كَانَ من أهل الصّيام دعِي من بَاب الريان) ، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قد تكَرر ذكره، ومعن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون: ابْن عِيسَى بن يحيى أَبُو يحيى الْقَزاز الْمدنِي، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَحميد، بِضَم الْحَاء: ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي فَضَائِل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أبي الطَّاهِر وحرملة وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَحسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد، ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه

التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ عَن معن عَن مَالك إِلَى آخِره نَحوه، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الزَّكَاة عَن عَمْرو بن عُثْمَان وَفِي الصَّوْم عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن وهب عَن مَالك وَيُونُس بِهِ، وَعَن الْحَارِث وَمُحَمّد بن سَلمَة كِلَاهُمَا عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِهِ، وَفِي الْجِهَاد عَن عبيد الله بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن) ، وَفِي رِوَايَة شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ فِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَخْبرنِي حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف) . قَوْله: (عَن أبي هُرَيْرَة) ، قَالَ أَبُو عمر: اتّفقت الروَاة عَن مَالك على وَصله إلَاّ يحيى ابْن أبي بكير وَعبد الله بن يُوسُف فَإِنَّهُمَا أَرْسلَاهُ، وَلم يَقع عِنْد القعْنبِي أصلا لَا مُسْندًا وَلَا مُرْسلا. وَفِي (التَّلْوِيح) ذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي (كتاب الموطآت) : أَن القعْنبِي رَوَاهُ كَمَا روى ابْن مُصعب ومعن مُسْندًا. قَوْله: (زَوْجَيْنِ) ، يَعْنِي دينارين أَو دِرْهَمَيْنِ أَو ثَوْبَيْنِ وَقيل: دِينَار وثوب أَو دِرْهَم ودينار، أَو ثوب مَعَ غَيره أَو صَلَاة وَصَوْم، فَيشفع الصَّدَقَة بِأُخْرَى أَو فعل خير بِغَيْرِهِ. وَفِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل القَاضِي عَن أبي مُصعب عَن مَالك: (من أنْفق زَوْجَيْنِ من مَاله) . قَوْله: (فِي سَبِيل الله) قيل: هُوَ الْجِهَاد، وَقيل: مَا هُوَ أَعم مِنْهُ، وَقيل: المُرَاد بالزوجين انفاق شَيْئَيْنِ من أَي صنف كَانَ من أَصْنَاف المَال. وَقَالَ الدَّاودِيّ: وَالزَّوْج هُنَا الْفَرد، يُقَال للْوَاحِد زوج، وللاثنين زوج. قَالَ تَعَالَى: {فَجعل مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى} (الْقِيَامَة: ٩٣) . وَصَوَابه أَن الْإِثْنَيْنِ زوجان يدل عَلَيْهِ الْآيَة. وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن يُونُس بن عبيد وَحميد عَن الْحسن عَن صعصعة بن مُعَاوِيَة عَن أبي ذَر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من أنْفق زَوْجَيْنِ ابتدرته حجبة الْجنَّة) ، ثمَّ قَالَ: (بعيران شَاتين حِمَارَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، قَالَ حَمَّاد: أَحْسبهُ قَالَ: خُفَّيْنِ) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (فرسين من خيله، بَعِيرَيْنِ من إبِله) . وروى عَن صعصعة قَالَ: رَأَيْت أَبَا ذَر بالربذة وَهُوَ يَسُوق بَعِيرًا لَهُ عَلَيْهِ مزادتان، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (مَا من مُسلم ينْفق زَوْجَيْنِ من مَاله فِي سَبِيل الله إلَاّ استقبلته حجبة الْجنَّة كلهم يَدعُوهُ إِلَى مَا عِنْده، قلت: زَوْجَيْنِ مَاذَا؟ قَالَ: إِن كَانَ صَاحب خيل ففرسين، وَإِن كَانَ صَاحب إبل فبعيرين، وَإِن كَانَ صَاحب بقر فبقرتين، حَتَّى عد أَصْنَاف المَال) . وشبيه حَدِيث الْحمانِي ذكره أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ عَن مبارك بن سعيد عَن ابْن المحيريز، يرفعهُ: (من عَال ابْنَتَيْن أَو أُخْتَيْنِ أَو خالتين أَو عمتين أَو جدتين فَهُوَ معي فِي الْجنَّة) . فَإِن قلت: النَّفَقَة إِنَّمَا تشرع فِي الْجِهَاد وَالصَّدَََقَة، فَكيف تكون فِي بَاب الصَّلَاة وَالصِّيَام؟ قلت: لِأَن نَفَقَة المَال مقترنة بِنَفَقَة الْجِسْم فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا بُد للْمُصَلِّي والصائم من قوت يُقيم رمقه وثوب يستره، وَذَلِكَ من فروض الصَّلَاة، ويستعين بذلك على الطَّاعَة، فقد صَار بذلك منفقا لزوجين: لنَفسِهِ ولماله، وَقد تكون النَّفَقَة فِي بَاب الصَّلَاة أَن يَبْنِي لله مَسْجِدا للمصلين، وَالنَّفقَة فِي الصّيام أَن يفْطر صَائِما، وَذَلِكَ بِدلَالَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة) . وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من فطر صَائِما فَكَأَنَّمَا صَامَ يَوْمًا) . فَإِن قلت: إِذا جَازَ اسْتِعْمَال الْجِسْم فِي الطَّاعَة نَفَقَة، فَيجوز أَن يدْخل فِي معنى الحَدِيث: من أنْفق نَفسه فِي سَبِيل الله فاستشهد وَأنْفق كريم مَاله قلت: نعم، بل هُوَ أعظم أجرا من الأول، يُوضحهُ مَا رَوَاهُ سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان (عَن جَابر قَالَ: قَالَ رجل: يَا رَسُول الله! أَي الْجِهَاد أفضل؟ قَالَ: أَن يعقر جوادك ويهراق دمك) ؟ فَإِن قلت: يدْخل فِي ذَلِك صَائِم رَمَضَان الْمُزَكي لمَاله والمؤدي الْفَرَائِض؟ قلت: المُرَاد: النَّوَافِل، لِأَن الْوَاجِبَات لَا بُد مِنْهَا لجَمِيع الْمُسلمين، وَمن ترك شَيْئا من الْوَاجِبَات إِنَّمَا يخَاف عَلَيْهِ أَن يُنَادى من أَبْوَاب جَهَنَّم. قَوْله: (نُودي من أَبْوَاب الْجنَّة) ، المُرَاد من هَذِه الْأَبْوَاب غير الْأَبْوَاب الثَّمَانِية، وَقَالَ أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد، كَذَا قَالَ من أَبْوَاب الْجنَّة، وَذكره أَبُو دَاوُد وَأَبُو عبد الرَّحْمَن وَابْن سنجر: (فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية) ، وَلَيْسَ فِيهَا ذكر: من، وَقَالَ ابْن بطال: لَا يَصح دُخُول الْمُؤمن إلَاّ من بَاب وَاحِد، ونداؤه مِنْهَا كلهَا إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الْإِكْرَام والتخيير لَهُ فِي دُخُوله من أَيهَا شَاءَ. قَوْله: (هَذَا خير) ، لَفْظَة خير لَيْسَ من أفعل التَّفْضِيل، بل مَعْنَاهُ هُوَ خير من الْخيرَات، والتنوين فِيهِ للتعظيم، وَفَائِدَة هَذَا الْإِخْبَار بَيَان تَعْظِيمه. قَوْله: (دعِي من بَاب الصَّلَاة) ، أَي: المكثرين لصَلَاة التَّطَوُّع، وَكَذَا غَيرهَا من أَعمال الْبر، وَقد ذكرنَا الْآن أَن الْوَاجِبَات لَا بُد مِنْهَا لجَمِيع الْمُسلمين. قَوْله: (من بَاب الصَّدَقَة) ، أَي: من الْغَالِب عَلَيْهِ ذَلِك، وإلَاّ فَكل الْمُؤمنِينَ أهل للْكُلّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه التّكْرَار حَيْثُ ذكر الْإِنْفَاق فِي صدر الْكَلَام

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.3 / 29.5
الإضاءة 86%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
الله أكبر