الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٩٧
الحديث رقم ١٨٩٧ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الريان للصائمين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَالَ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ
١٨٩٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التَّيميُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي سلمة بن دينار الأعرج القاصُّ (١) المدنيُّ (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعديِّ (﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ) نقيض: «العطشان»، وهو ممَّا وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، فإنَّه مشتقٌّ من الرَّيِّ، وهو مناسبٌ لحال الصَّائمين لأنَّهم بتعطيشهم أنفسَهم في الدُّنيا يدخلون من باب الرَّيَّان ليأمنوا من العطش، وقال ابن المُنيِّر: إنَّما قال: «في الجنَّة» ولم يقل: «للجنَّة» ليشعر أنَّ في الباب المذكور من النِّعم والرَّاحة ما في الجنَّة، فيكون أبلغ في التَّشويق إليه، وزاد النَّسائيُّ وابن خزيمة: «من دخل شرب، ومن شرب لا يظمأ أبدًا» (يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) إلى الجنَّة (لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا) منه (أُغْلِقَ) الباب (فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) عبَّر بـ «لم يدخل» للماضي، وكان القياس: فلا يدخل، لكنَّه عُطِف على قوله: «لا يدخل» فيكون في حكم المستقبل، وكرَّر نفي دخول غيرهم منه للتَّأكيد.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ».
١٨٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ؛ بالزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْنٌ)
بفتح الميم وسكون المهملة ابن عيسى بن يحيى القزَّاز المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) ولابن عساكر: «قال رسول الله ﷺ»: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) اثنين من أيِّ شيءٍ كان، صنفين أو متشابهين، وقد جاء مُفسَّرًا مرفوعًا: «بعيرين شاتين حمارين درهمين» وزاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعبٍ عن مالكٍ: «من ماله» (فِي سَبِيلِ اللهِ) عامٌّ في أنواع الخير، أو خاصٌّ بالجهاد (نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ) من الخيرات، وليس المراد به «أفعل» التَّفضيل، والتَّنوين للتَّعظيم (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) المؤدِّين للفرائض، المكثِرين من النَّوافل، وكذا ما (١) يأتي فيما قيل (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) أي: الذي الغالب عليه الصِّيام، وإلَّا فكلُّ المؤمنين أهلٌ للكلِّ (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ) وعند أحمد: «لكلِّ أهلِ عملٍ بابٌ يُدعَون منه بذلك العمل، فلأهل الصِّيام بابٌ يُدعَون منه، يُقال له: الرَّيَّان» (وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) المكثرين منها (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ) وفي نسخةٍ: دُعِي من أبواب الصَّدقة بجمع «بابٍ» وليس هذا تكرارًا لما في صدر الحديث؛ حيث قال: «من أنفق زوجين» لأنَّ الإنفاق ولو بالقليل خيرٌ من الخيرات العظيمة، وذاك (٢) حاصلٌ من (٣) كلِّ أبواب الجنَّة، وهذا استدعاءٌ خاصٌّ، وفي «نوادر الأصول»: من أبواب الجنَّة باب محمَّدٍ ﷺ، وهو باب الرَّحمة وهو (٤) باب التَّوبة، وسائر الأبواب مقسومةٌ على أعمال البرِّ: باب الزَّكاة، باب الحجِّ، باب العمرة، وعند عياضٍ: باب الكاظمين الغيظ، باب الرَّاضين، البابُ الأيمن (٥) الذي يدخل منه من لا حساب عليه، وعند الآجُرِّيِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ في الجنَّة بابًا، يُقال
له: الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين الذين كانوا يديمون (١) صلاة الضُّحى؟ هذا بابكم فادخلوا منه (٢)»، وفي «الفردوس» عن ابن عبَّاسٍ يرفعه: «للجنَّة بابٌ يُقال له: الفرح، لا يدخل منه إلَّا مُفرِحُ الصِّبيان»، وعند التِّرمذيِّ: بابٌ للذِّكر، وعند ابن بطَّالٍ: باب الصَّابرين (٣)، والحاصل: أنَّ كلَّ من أكثر نوعًا من العبادة خُصَّ ببابٍ يناسبها، يُنادَى منه جزاءً وفاقًا، وقلَّ من (٤) يجتمع له العمل بجميع أنواع التَّطوُّعات، ثمَّ إنَّ من يجتمع له ذلك إنَّما يُدعَى من جميع الأبواب على سبيل التَّكريم، وإلَّا فدخوله (٥) إنَّما يكون من بابٍ واحدٍ؛ وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ) أي: مفديٌّ بأبي (وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) أي: ليس على المدعوِّ من كلِّ الأبواب ضررٌ، بل له تكرمةٌ وإعزازٌ، وقال ابن المُنيِّر وغيره: يريدُ مِنْ أحد تلك الأبواب خاصَّةً دون غيره من الأبواب، فيكون أطلق الجمع وأراد الواحد، وقال ابن بطَّالٍ: يريد أنَّ (٦) مَنْ لم يكن إلَّا من أهل خصلةٍ واحدةٍ من هذه الخصال، ودُعِي من بابها لا ضرر عليه؛ لأنَّ الغاية المطلوبة دخول (٧) الجنَّة، وقال في «شرح المشكاة»: لمَّا خصَّ كلَّ بابٍ بمن أكثر نوعًا من العبادة وسمع الصِّدِّيق ﵁ رَغِبَ (٨) في أن يُدعَى من كلِّ بابٍ، وقال: ليس على من دُعِيَ من تلك الأبواب ضررٌ، بل شرفٌ وإكرامٌ ثمَّ (٩) سأل فقال: (فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ) ويختصُّ بهذه الكرامة (كُلِّهَا؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) يُدعَى منها كلِّها على سبيل التَّخيير في الدُّخول من أيِّها شاء لاستحالة الدُّخول من الكلِّ معًا (١٠) (وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) الرَّجاء منه ﷺ واجبٌ، ففيه: أنَّ الصِّدِّيق من أهل هذه الأعمال كلِّها.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل أبي بكر» [خ¦٣٦٦٦]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الزَّكاة» و «الصَّوم» و «الجهاد».
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُقَالُ) مبنيٌّ (١) للمفعول، وللسَّرخسيِّ والمُستملي-كما في «الفتح» -: «هل يقول» أي: هل يجوز للإنسان أن يقول: (رَمَضَانُ) بدون (٢) شهرٍ (أَوْ) يُقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ؟ وَمَنْ رَأَى (٣) كُلَّهُ وَاسِعًا) أي: جائزًا؛ بالإضافة وبغيرها، وللكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا في «الفتح»: «ومن رآه» بزيادة الضَّمير، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ: «رمضان»: مصدر «رمض» إذا احترق، فأُضيف إليه الشَّهر وجُعِل علمًا، فصرَّح -كما قال الدَّمامينيُّ- بأنَّ مجموع المضاف والمضاف إليه هو العَلَم، ويُجمَع «رمضان» على رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمضاء، وسُمِّي بذلك لرمض الحرِّ وشدَّة وقوعه فيه حال التَّسمية لأنَّهم لمَّا نقلوا أسماء الشُّهور من اللُّغة القديمة سمَّوها باسم الأزمنة التي وقعت فيها، فصادف هذا الشَّهر أيَّام رمض الحرِّ، أي: شدَّته (٤)، وقال القاضي أبو الطَّيِّب: سُمِّي بذلك لأنَّه يرمض الذُّنوب، أي: يحرقها، وله أسماء غير هذا أنهوها إلى ستِّين، ذكرها الطَّالقانيُّ في كتابه «حظائر القدس»؛ منها: شهر الله، وشهر الآلاء (٥)، وشهر القرآن، وشهر النَّجاة (٦)، وقول الأكثرين (٧): يُكرَه أن يُقال: رمضان بدون شهرٍ، ردَّه النَّوويُّ (٨) في «المجموع»: بأنَّ الصَّواب خلافه كما ذهب إليه المحقِّقون لعدم ثبوت نهيٍ فيه، بل ثبت ذكره
بدون شهرٍ كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) ممَّا وصله المؤلِّف (١) في الباب التَّالي [خ¦١٩٠١] (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَقَالَ) ﵊، ممَّا وصله من حديث أبي هريرة [خ¦١٩١٤]: (لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ) فلم يقل: شهر رمضان، واعتذر الزَّمخشريُّ وتبعه البيضاويُّ عن هذا ونحوه -بناءً على أنَّ مجموع شهر رمضان هو العَلَم- بأنَّه من باب الحذف، لا من باب الإلباس؛ كما قال: «بما (٢) أعيا النِّطاسيَّ حِذْيَمَا»، أراد: ابن حِذْيَمَ، قال في «المصابيح»: يشير إلى ما أنشده في «المُفصَّل» من قول الشَّاعر:
فهل لكما فيما (٣) إليَّ فإنِّني … طبيبٌ بما أعيا النِّطَاسِيَّ حِذْيَمَا
وقد عدَّه في «المُفصَّل» من الحذف الملبِس نظرًا إلى أنَّه لا يعلم أنَّ اسم الطَّبيب حِذْيمٌ أو ابن حِذْيَمٍ، وعدَّه هنا من باب الحذف، لا من باب الإلباس نظرًا إلى المشتهر (٤) فيما بين البعض كرمضان (٥) عند من يعلم أنَّ الاسم شهر رمضان، أو جعله نظيرًا لمجرَّد الحذف ممَّا هو كالعَلَم، وجاز الحذف من الأعلام وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة لأنَّهم أجْرَوا مثلَ هذا العَلَم مجرى المضاف والمضاف إليه؛ حيث أعربوا الجزأين، وقوله: «تَقدَّموا» بفتح التَّاء والدَّال، أصله: تتقدَّموا، فحُذِفت إحدى التَّاءين تخفيفًا، أي: لا تتقدَّموا الشَّهر بصومٍ تعدُّونه منه احتياطًا، ويأتي مبحث هذا إن شاء الله تعالى في بابه.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التَّيميُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي سلمة بن دينار الأعرج القاصُّ (١) المدنيُّ (عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ السَّاعديِّ (﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ) نقيض: «العطشان»، وهو ممَّا وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه، فإنَّه مشتقٌّ من الرَّيِّ، وهو مناسبٌ لحال الصَّائمين لأنَّهم بتعطيشهم أنفسَهم في الدُّنيا يدخلون من باب الرَّيَّان ليأمنوا من العطش، وقال ابن المُنيِّر: إنَّما قال: «في الجنَّة» ولم يقل: «للجنَّة» ليشعر أنَّ في الباب المذكور من النِّعم والرَّاحة ما في الجنَّة، فيكون أبلغ في التَّشويق إليه، وزاد النَّسائيُّ وابن خزيمة: «من دخل شرب، ومن شرب لا يظمأ أبدًا» (يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) إلى الجنَّة (لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا) منه (أُغْلِقَ) الباب (فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) عبَّر بـ «لم يدخل» للماضي، وكان القياس: فلا يدخل، لكنَّه عُطِف على قوله: «لا يدخل» فيكون في حكم المستقبل، وكرَّر نفي دخول غيرهم منه للتَّأكيد.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ».
١٨٩٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ؛ بالزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْنٌ)
بفتح الميم وسكون المهملة ابن عيسى بن يحيى القزَّاز المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ) ولابن عساكر: «قال رسول الله ﷺ»: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ) اثنين من أيِّ شيءٍ كان، صنفين أو متشابهين، وقد جاء مُفسَّرًا مرفوعًا: «بعيرين شاتين حمارين درهمين» وزاد إسماعيل القاضي عن أبي مصعبٍ عن مالكٍ: «من ماله» (فِي سَبِيلِ اللهِ) عامٌّ في أنواع الخير، أو خاصٌّ بالجهاد (نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ) من الخيرات، وليس المراد به «أفعل» التَّفضيل، والتَّنوين للتَّعظيم (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ) المؤدِّين للفرائض، المكثِرين من النَّوافل، وكذا ما (١) يأتي فيما قيل (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ) أي: الذي الغالب عليه الصِّيام، وإلَّا فكلُّ المؤمنين أهلٌ للكلِّ (دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ) وعند أحمد: «لكلِّ أهلِ عملٍ بابٌ يُدعَون منه بذلك العمل، فلأهل الصِّيام بابٌ يُدعَون منه، يُقال له: الرَّيَّان» (وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) المكثرين منها (دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ) وفي نسخةٍ: دُعِي من أبواب الصَّدقة بجمع «بابٍ» وليس هذا تكرارًا لما في صدر الحديث؛ حيث قال: «من أنفق زوجين» لأنَّ الإنفاق ولو بالقليل خيرٌ من الخيرات العظيمة، وذاك (٢) حاصلٌ من (٣) كلِّ أبواب الجنَّة، وهذا استدعاءٌ خاصٌّ، وفي «نوادر الأصول»: من أبواب الجنَّة باب محمَّدٍ ﷺ، وهو باب الرَّحمة وهو (٤) باب التَّوبة، وسائر الأبواب مقسومةٌ على أعمال البرِّ: باب الزَّكاة، باب الحجِّ، باب العمرة، وعند عياضٍ: باب الكاظمين الغيظ، باب الرَّاضين، البابُ الأيمن (٥) الذي يدخل منه من لا حساب عليه، وعند الآجُرِّيِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: «إنَّ في الجنَّة بابًا، يُقال
له: الضُّحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: أين الذين كانوا يديمون (١) صلاة الضُّحى؟ هذا بابكم فادخلوا منه (٢)»، وفي «الفردوس» عن ابن عبَّاسٍ يرفعه: «للجنَّة بابٌ يُقال له: الفرح، لا يدخل منه إلَّا مُفرِحُ الصِّبيان»، وعند التِّرمذيِّ: بابٌ للذِّكر، وعند ابن بطَّالٍ: باب الصَّابرين (٣)، والحاصل: أنَّ كلَّ من أكثر نوعًا من العبادة خُصَّ ببابٍ يناسبها، يُنادَى منه جزاءً وفاقًا، وقلَّ من (٤) يجتمع له العمل بجميع أنواع التَّطوُّعات، ثمَّ إنَّ من يجتمع له ذلك إنَّما يُدعَى من جميع الأبواب على سبيل التَّكريم، وإلَّا فدخوله (٥) إنَّما يكون من بابٍ واحدٍ؛ وهو باب العمل الذي يكون أغلب عليه.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ) أي: مفديٌّ بأبي (وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ) أي: ليس على المدعوِّ من كلِّ الأبواب ضررٌ، بل له تكرمةٌ وإعزازٌ، وقال ابن المُنيِّر وغيره: يريدُ مِنْ أحد تلك الأبواب خاصَّةً دون غيره من الأبواب، فيكون أطلق الجمع وأراد الواحد، وقال ابن بطَّالٍ: يريد أنَّ (٦) مَنْ لم يكن إلَّا من أهل خصلةٍ واحدةٍ من هذه الخصال، ودُعِي من بابها لا ضرر عليه؛ لأنَّ الغاية المطلوبة دخول (٧) الجنَّة، وقال في «شرح المشكاة»: لمَّا خصَّ كلَّ بابٍ بمن أكثر نوعًا من العبادة وسمع الصِّدِّيق ﵁ رَغِبَ (٨) في أن يُدعَى من كلِّ بابٍ، وقال: ليس على من دُعِيَ من تلك الأبواب ضررٌ، بل شرفٌ وإكرامٌ ثمَّ (٩) سأل فقال: (فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ) ويختصُّ بهذه الكرامة (كُلِّهَا؟ قَالَ) ﵊: (نَعَمْ) يُدعَى منها كلِّها على سبيل التَّخيير في الدُّخول من أيِّها شاء لاستحالة الدُّخول من الكلِّ معًا (١٠) (وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) الرَّجاء منه ﷺ واجبٌ، ففيه: أنَّ الصِّدِّيق من أهل هذه الأعمال كلِّها.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل أبي بكر» [خ¦٣٦٦٦]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الزَّكاة» و «الصَّوم» و «الجهاد».
(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُقَالُ) مبنيٌّ (١) للمفعول، وللسَّرخسيِّ والمُستملي-كما في «الفتح» -: «هل يقول» أي: هل يجوز للإنسان أن يقول: (رَمَضَانُ) بدون (٢) شهرٍ (أَوْ) يُقال: (شَهْرُ رَمَضَانَ؟ وَمَنْ رَأَى (٣) كُلَّهُ وَاسِعًا) أي: جائزًا؛ بالإضافة وبغيرها، وللكُشْمِيْهَنِيِّ ممَّا في «الفتح»: «ومن رآه» بزيادة الضَّمير، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ: «رمضان»: مصدر «رمض» إذا احترق، فأُضيف إليه الشَّهر وجُعِل علمًا، فصرَّح -كما قال الدَّمامينيُّ- بأنَّ مجموع المضاف والمضاف إليه هو العَلَم، ويُجمَع «رمضان» على رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمضاء، وسُمِّي بذلك لرمض الحرِّ وشدَّة وقوعه فيه حال التَّسمية لأنَّهم لمَّا نقلوا أسماء الشُّهور من اللُّغة القديمة سمَّوها باسم الأزمنة التي وقعت فيها، فصادف هذا الشَّهر أيَّام رمض الحرِّ، أي: شدَّته (٤)، وقال القاضي أبو الطَّيِّب: سُمِّي بذلك لأنَّه يرمض الذُّنوب، أي: يحرقها، وله أسماء غير هذا أنهوها إلى ستِّين، ذكرها الطَّالقانيُّ في كتابه «حظائر القدس»؛ منها: شهر الله، وشهر الآلاء (٥)، وشهر القرآن، وشهر النَّجاة (٦)، وقول الأكثرين (٧): يُكرَه أن يُقال: رمضان بدون شهرٍ، ردَّه النَّوويُّ (٨) في «المجموع»: بأنَّ الصَّواب خلافه كما ذهب إليه المحقِّقون لعدم ثبوت نهيٍ فيه، بل ثبت ذكره
بدون شهرٍ كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) ممَّا وصله المؤلِّف (١) في الباب التَّالي [خ¦١٩٠١] (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَقَالَ) ﵊، ممَّا وصله من حديث أبي هريرة [خ¦١٩١٤]: (لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ) فلم يقل: شهر رمضان، واعتذر الزَّمخشريُّ وتبعه البيضاويُّ عن هذا ونحوه -بناءً على أنَّ مجموع شهر رمضان هو العَلَم- بأنَّه من باب الحذف، لا من باب الإلباس؛ كما قال: «بما (٢) أعيا النِّطاسيَّ حِذْيَمَا»، أراد: ابن حِذْيَمَ، قال في «المصابيح»: يشير إلى ما أنشده في «المُفصَّل» من قول الشَّاعر:
فهل لكما فيما (٣) إليَّ فإنِّني … طبيبٌ بما أعيا النِّطَاسِيَّ حِذْيَمَا
وقد عدَّه في «المُفصَّل» من الحذف الملبِس نظرًا إلى أنَّه لا يعلم أنَّ اسم الطَّبيب حِذْيمٌ أو ابن حِذْيَمٍ، وعدَّه هنا من باب الحذف، لا من باب الإلباس نظرًا إلى المشتهر (٤) فيما بين البعض كرمضان (٥) عند من يعلم أنَّ الاسم شهر رمضان، أو جعله نظيرًا لمجرَّد الحذف ممَّا هو كالعَلَم، وجاز الحذف من الأعلام وإن كان من قبيل حذف بعض الكلمة لأنَّهم أجْرَوا مثلَ هذا العَلَم مجرى المضاف والمضاف إليه؛ حيث أعربوا الجزأين، وقوله: «تَقدَّموا» بفتح التَّاء والدَّال، أصله: تتقدَّموا، فحُذِفت إحدى التَّاءين تخفيفًا، أي: لا تتقدَّموا الشَّهر بصومٍ تعدُّونه منه احتياطًا، ويأتي مبحث هذا إن شاء الله تعالى في بابه.