الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٥٢
الحديث رقم ١٩٥٢ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من مات وعليه صوم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو. رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ.
١٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابٌ: الْحَائِضُ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصَّلُهُ: إِنَّ التَّرْجَمَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ حُكْمَ الْقَضَاءِ لِتُطَابِقَ حَدِيثَ الْبَابِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَّا تَعْبِيرُهُ بِالتَّرْكِ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ حِسًّا، وَإِنَّمَا تَتْرُكُهُ اخْتِيَارًا لِمَنْعِ الشَّرْعِ لَهَا مِنْ مُبَاشَرَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ. . . إِلَخْ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَظَرَ أَبُو الزِّنَادِ إِلَى الْحَيْضِ فَوَجَدَهُ مَانِعًا مِنْ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ، وَمَا سَلَبَ الْأَهْلِيَّةَ اسْتَحَالَ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِهِ خِطَابُ الِاقْتِضَاءِ، وَمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْفِعْلِ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، فَلِذَلِكَ اسْتَبْعَدَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَأَحَالَ بِذَلِكَ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالتَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ سُؤَالُ مُعَاذَةَ مِنْ عَائِشَةَ عَنِ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَأَنْكَرَتْ عَلَيْهَا عَائِشَةُ السُّؤَالَ وَخَشِيَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ تَلَقَّنَتْهُ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِاعْتِرَاضِ السُّنَنِ بِآرَائِهِمْ، وَلَمْ تَزِدْهَا عَلَى الْحَوَالَةِ عَلَى النَّصِّ، وَكَأَنَّهَا قَالَتْ لَهَا: دَعِي السُّؤَالَ عَنِ الْعِلَّةِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَهُوَ الِانْقِيَادُ إِلَى الشَّارِعِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ، وَاعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ هُوَ النَّصُّ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرُوهُ مِنَ الْفَرْقِ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَزَعَمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ السَّبَبَ فِي مَنْعِ الْحَائِضِ مِنَ الصَّوْمِ أَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ يُحْدِثُ ضَعْفًا فِي النَّفْسِ غَالِبًا، فَاسْتُعْمِلَ هَذَا الْغَالِبُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَلَمَّا كَانَ الضَّعْفُ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ كَانَ كَذَلِكَ الْحَيْضُ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ لَوْ تَحَامَلَ فَصَامَ صَحَّ صَوْمُهُ بِخِلَافِ الْحَائِضِ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ فِي نَزْفِ الدَّمِ أَشَدُّ مِنَ الْحَائِضِ وَقَدْ أُبِيحَ لَهَا الصَّوْمُ. وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ: إِنَّ السُّنَنَ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَحَقَّ بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَثِيرٌ.
وَمِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ أَنَّهَا لَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَنَوَتْ صَحَّ صَوْمُهَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى الْغُسْلِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِي فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ الْحَدِيثَ.
٤٢ - بَاب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ
١٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ.
١٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى قَالَ سُلَيْمَانُ
فقال الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَا سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ الْحَكَمِ وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَقَالَ يَحْيَى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ) أَيْ: هَلْ يُشْرَعُ قَضَاؤُهُ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا شُرِعَ هَلْ يَخْتَصُّ بِصِيَامٍ دُونَ صِيَامٍ أَوْ يَعُمُّ كُلَّ صِيَامٍ؟ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ الصَّوْمُ أَوْ يُجْزِئُ الْإِطْعَامُ؟ وَهَلْ يَخْتَصُّ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ أَوْ يَصِحُّ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ؟ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ لِلْعُلَمَاءِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَالْمُرَادُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الذَّبْحِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الْحَسَنِ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَجُمِعَ لَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَصَامُوا عَنْهُ يَوْمًا وَاحِدًا أَجْزَأَ عَنْهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا فِي الْمَذْهَبِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ الْإِجْزَاءُ. قُلْتُ: لَكِنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِصَوْمٍ لَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ لِفَقْدِ التَّتَابُعِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ: ابْنُ خَلِيٍّ بِمُعْجَمَةٍ وَزْنُ عَلِيٍّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَجَزَمَ الْجَوْزَقِيُّ بِأَنَّهُ الذُّهْلِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي حَامِدِ بْنِ الشَّرْقِيِّ عَنْهُ، وَقَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَصَنِيعُ الْمِزِّيِّ يُوَافِقُهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ نَسَبَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا إِلَى جَدِّ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَشَيْخَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ هُوَ الْمِصْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَنْ مَاتَ) عَامٌّ فِي الْمُكَلَّفِينَ لِقَرِينَةٍ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ وَقَوْلُهُ: صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلْيَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَبَالَغَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُ فَادَّعَوُا الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَوْجَبَهُ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ عَلَى قَاعِدَتِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَأَجَازَ الصِّيَامَ عَنِ الْمَيِّتِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ كَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ثَابِتَةٌ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهَا، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا. ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّافِعِيِّ قَالَ: كُلُّ مَا قُلْتُ وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ فَخُذُوا بِالْحَدِيثِ وَلَا تُقَلِّدُونِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَامُ عَنِ الْمَيِّتِ. وَقَالَ اللَّيْثُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُصَامُ عَنْهُ إِلَّا النَّذْرُ حَمْلًا لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ حَتَّى يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سَأَلَ عَنْهَا مَنْ وَقَعَتْ لَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى نَحْوِ هَذَا
الْعُمُومِ حَيْثُ قِيلَ: فِي آخِرِهِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى. وَأَمَّا رَمَضَانُ فَيُطْعِمُ عَنْهُ، فَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِدَعْوَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَعَادَتِهِمْ، وَادَّعَى الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَلَيْسَ الِاضْطِرَابُ فِيهِ مُسَلَّمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَلَا اضْطِرَابَ فِيهِ. وَاحْتَجَّ الْقُرْطُبِيُّ بِزِيَادَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُعْظَمَ الْمُجِيزِينَ لَمْ يُوجِبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا قَالُوا: يَتَخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْجَدِيدِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَيْ: فَعَلَ عَنْهُ وَلِيُّهُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الصَّوْمِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ، قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: التُّرَابُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ قَالَ: فَسَمَّى الْبَدَلَ بِاسْمِ الْمُبْدَلِ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَاعْتَلُّوا لِعَدَمِ الْقَوْلِ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ، قَالَتْ: يُطْعَمُ عَنْهَا. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ رَمَضَانُ قَالَ: يُطْعَمُ عَنْهُ ثَلَاثُونَ مِسْكِينًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قَالُوا: فَلَمَّا أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ بِخِلَافِ مَا رَوَيَاهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَيَاهُ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ، إِلَّا أَنَّ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا مَقَالٌ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ الصِّيَامَ إِلَّا الْأَثَرُ الَّذِي عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخَالِفَ ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ، وَمُسْتَنَدُهُ فِيهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ، وَإِذَا تَحَقَّقَتْ صِحَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يُتْرَكِ الْمُحَقَّقُ لِلْمَظْنُونِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُصُولِ.
وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَلِيُّهُ فَقِيلَ: كُلُّ قَرِيبٍ، وَقِيلَ: الْوَارِثُ خَاصَّةً، وَقِيلَ: عَصَبَتُهُ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَالثَّانِي قَرِيبٌ، وَيَرُدُّ الثَّالِثَ قِصَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ نَذْرِ أُمِّهَا. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ؟ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَابَةِ فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الْمَوْتِ إِلَّا مَا وَرَدَ فِيهِ الدَّلِيلُ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى الْأَصْلِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْوَلِيِّ فَلَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ يَصُومَ عَنْهُ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْحَجِّ، وَقِيلَ: يَصِحُّ اسْتِقْلَالُ الْأَجْنَبِيِّ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْوَلِيَّ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ اخْتِيَارُ هَذَا الْأَخِيرِ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ بِتَشْبِيهِهِ ﷺ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقَرِيبِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو) يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَ بِسَنَدِهِ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) يَعْنِي: الْمِصْرِيَّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ، وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَوَافِقَةٌ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ فَزَادَ فِي آخِرِ الْمَتْنِ إِنْ شَاءَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) هُوَ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِـ صَاعِقَةَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْأَزْدِيُّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْكَرْمَانِيِّ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا وَفِي الْجِهَادِ وَفِي الصَّلَاةِ بِوَاسِطَةٍ، وَكَانَ طَلَبَ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَ لِلْحَدِيثِ وَهُوَ كَبِيرٌ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ طَلَبَهُ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ سِنِّهِ لَكَانَ مِنْ أَعْلَى شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَزَائِدَةُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ مَشْهُورٌ، قَدْ لَقِيَ الْبُخَارِيَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورِ، وَشُعْبَةُ لَا يُحَدِّثُ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ رُبَّمَا دَلَّسُوا إِلَّا بِمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ زَائِدَةَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي تَسْمِيَتِهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَاتَّفَقَ مَنْ عَدَا زَائِدَةَ، وَعَبْثَرَ بْنَ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ امْرَأَةٌ، وَزَادَ أَبُو حَرِيزٍ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهَا خَثْعَمِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أُمِّي) خَالَفَ أَبُو حَامِدٍ جَمِيعَ مَنْ رَوَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي وَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْهُ: ذَاتُ قَرَابَةٍ لَهَا وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْهُ إِنَّ أُخْتَهَا أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ، وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْهُ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا؛ إِمَّا أُخْتُهَا وَإِمَّا ابْنَتُهَا وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّرَدُّدَ فِيهِ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَرِيزٍ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ: شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ وَرِوَايَتُهُ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ، إِلَّا رِوَايَةَ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ فَقَالَ: إِنَّ عَلَيهَا صَوْمَ نَذْرٍ وَهَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّهُ غَيْرُ رَمَضَانَ، وَبَيَّنَ أَبُو بِشْرٍ فِي رِوَايَتِهِ سَبَبَ النَّذْرِ، فَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ: أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ ﷺ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ اضْطَرَبَ فِيهِ الرُّوَاةُ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ امْرَأَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رَجُلٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ نَذْرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالصَّوْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْحَجِّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السَّائِلَةَ فِي نَذْرِ الصَّوْمِ خَثْعَمِيَّةٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَرِيزٍ الْمُعَلَّقَةِ، وَالسَّائِلَةَ عَنْ نَذْرِ الْحَجِّ جُهَنِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَنِ الْحَجِّ وَعَنِ الصَّوْمِ مَعًا.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي كَوْنِ السَّائِلِ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً وَالْمَسْئُولِ عَنْهُ أُخْتًا أَوْ أَمَّا فَلَا يَقْدَحُ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّوْمِ أَوِ الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَلَا اضْطِرَابَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَاتِ فِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ قُبَيْلَ فَضْلِ الْمَدِينَةِ مُسْتَوْفًى.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُلَيْمَانُ) هُوَ الْأَعْمَشُ، يَعْنِي: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْحَكَمُ) أَيْ: ابْنُ عُتَيْبَةَ، وَسَلَمَةُ أَيْ: ابْنُ كُهَيْلٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَعْمَشَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ: أَوَّلًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ثُمَّ مِنَ الْحَكَمِ، وَسَلَمَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وقَدْ خَالَفَ زَائِدَةَ فِي ذَلِكَ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. . . إِلَخْ) مُحَصَّلُهُ أَنَّ أَبَا خَالِدٍ جَمَعَ بَيْنَ شُيُوخِ الْأَعْمَشِ الثَّلَاثَةِ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْهُ عَنْهُمْ عَنْ شُيُوخٍ ثَلَاثَةٍ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ بِغَيْرِ تَرْتِيبٍ، فَيَكُونَ شَيْخُ الْحَكَمِ، عَطَاءً، وَشَيْخُ الْبَطِينِ، سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَشَيْخُ سَلَمَةَ، مُجَاهِدًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُفَصَّلًا هَكَذَا، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ أَبِي خَالِدٍ وَقَدْ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ لَكِنْ لَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ زَائِدَةَ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةً سَيَأْتِي بَيَانُهَا. وَوَصَلَهَا أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى) أَيِ: ابْنُ سَعِيدٍ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ. . . إِلَخْ) وَافَقَا زَائِدَةَ عَلَى أَنَّ شَيْخَ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ وَآخَرُونَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَطُرُقُهُمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أَيِ: الرَّقِّيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ إِلَخْ) هَذَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ شَيْخَ الْحَكَمِ فِيهَا عَطَاءٌ وَفِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٤٢) (بابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ في كتاب «المُدبَّج» فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يومًا: (إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في يومٍ واحدٍ» قال النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»: وهذه المسألة لم أر فيها نقلًا في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. انتهى. وقيَّد ابن حجرٍ المسألة بصومٍ لم يجب فيه التَّتابع، لفقد التَّتابع في الصُّورة المذكورة.
١٩٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالدٍ الذُّهليُّ؛ كما جزم به الكلاباذيُّ، وصنيع المزِّيِّ يوافقه، وهو الرَّاجح، وعلى هذا فقد نسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه، قاله في «الفتح» قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة (١) بينهما مهملةٌ ساكنةٌ وآخره نونٌ الجزريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) موسى بن أَعْيَنَ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين الأنصاريِّ المؤدِّب (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) يسارٍ الأمويِّ
(أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ) هو ابن الزُّبير بن العوَّام (حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ مَاتَ) من المُكلَّفين (وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) الواو للحال (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) ولو بغير إذنه، أو أجنبيٌّ بالإذن من الميت، أو من (١) القريب، بأجرةٍ أو دونها، وهذا مذهب الشَّافعيِّ القديم، وصوَّبه النَّوويُّ، بل قال: يُسَنُّ له ذلك ويسقط وجوب الفدية، والجديد -وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة-: عدم الجواز لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، ولا يسقط وجوب الفدية، قال النَّوويُّ: وليس للجديد حجَّةٌ، والحديث الوارد بالإطعام ضعيفٌ، ومع ضعفه فالإطعام لا يمتنع عند القائل بالصَّوم، وهل المعتبر على القديم الولاية -كما في الحديث- أم (٢) مطلق القرابة أم يُشتَرط الإرث أم العصوبة؟ فيه احتمالاتٌ للإمام، قال الرَّافعيُّ: والأشبه اعتبار الإرث، وقال النَّوويُّ: المختار اعتبار مطلق القرابة، وصحَّحه في «المجموع»، قال: وقوله ﷺ في خبر «مسلمٍ» لامرأةٍ قالت له: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عن أمِّك» يُبْطل احتمال ولاية المال والعصوبة. انتهى. وأجاب المالكيَّة عن حديث الباب: بدعوى عمل أهل المدينة، واحتج الحنفيَّة على القول بعدم الاحتجاج بهذين الحديثين بأنَّ عائشة سُئِلت عن امرأةٍ ماتت وعليها صومٌ، قالت: يُطعَم عنها، وعنها: أنَّها (٣) قالت: «لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم» أخرجه البيهقيُّ، وعن ابن عبَّاسٍ قال في رجلٍ مات وعليه رمضان، قال: «يُطعَم عنه ثلاثون مسكينًا» أخرجه عبد الرَّزَّاق، وعن ابن عبَّاسٍ: «لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ» أخرجه النَّسائيُّ، فلمَّا أفتى ابن عبَّاسٍ وعائشة بخلاف ما روياه دلَّ ذلك على أنَّ العمل على خلاف ما روياه لأنَّ فتوى الرَّاوي على خلاف مرويِّه بمنزلة روايته للنَّاسخ، ونسخ الحكم يدلُّ على إخراج المناط عن الاعتبار، وقال الحنابلة: ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضانٍ آخر من غير عذرٍ، فإن فعل فعليه القضاء وإطعام مسكينٍ لكلِّ يومٍ، ولا يُصام عنه على المذهب، وهو الصَّحيح، وعليه الأصحاب، وإن مات وعليه صومٌ منذورٌ ولم يصم منه (٤) شيئًا سُنَّ لوليِّه فعله، ويجوز لغيره فعله، بإذنه وبغيره، ويجوز صوم جماعةٍ عنه في يومٍ واحدٍ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابٌ: الْحَائِضُ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصَّلُهُ: إِنَّ التَّرْجَمَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ حُكْمَ الْقَضَاءِ لِتُطَابِقَ حَدِيثَ الْبَابِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَّا تَعْبِيرُهُ بِالتَّرْكِ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ حِسًّا، وَإِنَّمَا تَتْرُكُهُ اخْتِيَارًا لِمَنْعِ الشَّرْعِ لَهَا مِنْ مُبَاشَرَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ. . . إِلَخْ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَظَرَ أَبُو الزِّنَادِ إِلَى الْحَيْضِ فَوَجَدَهُ مَانِعًا مِنْ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ، وَمَا سَلَبَ الْأَهْلِيَّةَ اسْتَحَالَ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِهِ خِطَابُ الِاقْتِضَاءِ، وَمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْفِعْلِ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، فَلِذَلِكَ اسْتَبْعَدَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَأَحَالَ بِذَلِكَ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالتَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ سُؤَالُ مُعَاذَةَ مِنْ عَائِشَةَ عَنِ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَأَنْكَرَتْ عَلَيْهَا عَائِشَةُ السُّؤَالَ وَخَشِيَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ تَلَقَّنَتْهُ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِاعْتِرَاضِ السُّنَنِ بِآرَائِهِمْ، وَلَمْ تَزِدْهَا عَلَى الْحَوَالَةِ عَلَى النَّصِّ، وَكَأَنَّهَا قَالَتْ لَهَا: دَعِي السُّؤَالَ عَنِ الْعِلَّةِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَهُوَ الِانْقِيَادُ إِلَى الشَّارِعِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ، وَاعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ هُوَ النَّصُّ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرُوهُ مِنَ الْفَرْقِ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَزَعَمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ السَّبَبَ فِي مَنْعِ الْحَائِضِ مِنَ الصَّوْمِ أَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ يُحْدِثُ ضَعْفًا فِي النَّفْسِ غَالِبًا، فَاسْتُعْمِلَ هَذَا الْغَالِبُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَلَمَّا كَانَ الضَّعْفُ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ كَانَ كَذَلِكَ الْحَيْضُ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ لَوْ تَحَامَلَ فَصَامَ صَحَّ صَوْمُهُ بِخِلَافِ الْحَائِضِ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ فِي نَزْفِ الدَّمِ أَشَدُّ مِنَ الْحَائِضِ وَقَدْ أُبِيحَ لَهَا الصَّوْمُ. وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ: إِنَّ السُّنَنَ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَحَقَّ بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَثِيرٌ.
وَمِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ أَنَّهَا لَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَنَوَتْ صَحَّ صَوْمُهَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى الْغُسْلِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِي فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ: أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ الْحَدِيثَ.
٤٢ - بَاب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ
١٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ.
١٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى قَالَ سُلَيْمَانُ
فقال الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ وَنَحْنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَا سَمِعْنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ الْحَكَمِ وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ وَسَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَقَالَ يَحْيَى وَأَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ) أَيْ: هَلْ يُشْرَعُ قَضَاؤُهُ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا شُرِعَ هَلْ يَخْتَصُّ بِصِيَامٍ دُونَ صِيَامٍ أَوْ يَعُمُّ كُلَّ صِيَامٍ؟ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ الصَّوْمُ أَوْ يُجْزِئُ الْإِطْعَامُ؟ وَهَلْ يَخْتَصُّ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ أَوْ يَصِحُّ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ؟ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ لِلْعُلَمَاءِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَالْمُرَادُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الذَّبْحِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الْحَسَنِ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَجُمِعَ لَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَصَامُوا عَنْهُ يَوْمًا وَاحِدًا أَجْزَأَ عَنْهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا فِي الْمَذْهَبِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ الْإِجْزَاءُ. قُلْتُ: لَكِنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِصَوْمٍ لَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ لِفَقْدِ التَّتَابُعِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ: ابْنُ خَلِيٍّ بِمُعْجَمَةٍ وَزْنُ عَلِيٍّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَجَزَمَ الْجَوْزَقِيُّ بِأَنَّهُ الذُّهْلِيُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي حَامِدِ بْنِ الشَّرْقِيِّ عَنْهُ، وَقَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ، وَصَنِيعُ الْمِزِّيِّ يُوَافِقُهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ نَسَبَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَا إِلَى جَدِّ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَشَيْخَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ هُوَ الْمِصْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَنْ مَاتَ) عَامٌّ فِي الْمُكَلَّفِينَ لِقَرِينَةٍ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ وَقَوْلُهُ: صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، تَقْدِيرُهُ: فَلْيَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَبَالَغَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُ فَادَّعَوُا الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَوْجَبَهُ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ عَلَى قَاعِدَتِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَأَجَازَ الصِّيَامَ عَنِ الْمَيِّتِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ كَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ثَابِتَةٌ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهَا، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا. ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّافِعِيِّ قَالَ: كُلُّ مَا قُلْتُ وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ فَخُذُوا بِالْحَدِيثِ وَلَا تُقَلِّدُونِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَامُ عَنِ الْمَيِّتِ. وَقَالَ اللَّيْثُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُصَامُ عَنْهُ إِلَّا النَّذْرُ حَمْلًا لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ حَتَّى يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سَأَلَ عَنْهَا مَنْ وَقَعَتْ لَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى نَحْوِ هَذَا
الْعُمُومِ حَيْثُ قِيلَ: فِي آخِرِهِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى. وَأَمَّا رَمَضَانُ فَيُطْعِمُ عَنْهُ، فَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِدَعْوَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَعَادَتِهِمْ، وَادَّعَى الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَنَّ الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَلَيْسَ الِاضْطِرَابُ فِيهِ مُسَلَّمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَلَا اضْطِرَابَ فِيهِ. وَاحْتَجَّ الْقُرْطُبِيُّ بِزِيَادَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُعْظَمَ الْمُجِيزِينَ لَمْ يُوجِبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا قَالُوا: يَتَخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَأَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الْجَدِيدِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَيْ: فَعَلَ عَنْهُ وَلِيُّهُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الصَّوْمِ وَهُوَ الْإِطْعَامُ، قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: التُّرَابُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ قَالَ: فَسَمَّى الْبَدَلَ بِاسْمِ الْمُبْدَلِ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَاعْتَلُّوا لِعَدَمِ الْقَوْلِ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ، قَالَتْ: يُطْعَمُ عَنْهَا. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تَصُومُوا عَنْ مَوْتَاكُمْ وَأَطْعِمُوا عَنْهُمْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ رَمَضَانُ قَالَ: يُطْعَمُ عَنْهُ ثَلَاثُونَ مِسْكِينًا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ قَالُوا: فَلَمَّا أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ بِخِلَافِ مَا رَوَيَاهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَيَاهُ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ لَهُمْ مَعْرُوفَةٌ، إِلَّا أَنَّ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا مَقَالٌ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ الصِّيَامَ إِلَّا الْأَثَرُ الَّذِي عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا رَوَاهُ لَا مَا رَآهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخَالِفَ ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ، وَمُسْتَنَدُهُ فِيهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ، وَإِذَا تَحَقَّقَتْ صِحَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يُتْرَكِ الْمُحَقَّقُ لِلْمَظْنُونِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي الْأُصُولِ.
وَاخْتَلَفَ الْمُجِيزُونَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: وَلِيُّهُ فَقِيلَ: كُلُّ قَرِيبٍ، وَقِيلَ: الْوَارِثُ خَاصَّةً، وَقِيلَ: عَصَبَتُهُ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَالثَّانِي قَرِيبٌ، وَيَرُدُّ الثَّالِثَ قِصَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْ عَنْ نَذْرِ أُمِّهَا. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ؟ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَابَةِ فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الْمَوْتِ إِلَّا مَا وَرَدَ فِيهِ الدَّلِيلُ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ وَيَبْقَى الْبَاقِي عَلَى الْأَصْلِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْوَلِيِّ فَلَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ يَصُومَ عَنْهُ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْحَجِّ، وَقِيلَ: يَصِحُّ اسْتِقْلَالُ الْأَجْنَبِيِّ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ الْوَلِيَّ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ اخْتِيَارُ هَذَا الْأَخِيرِ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَقَوَّاهُ بِتَشْبِيهِهِ ﷺ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقَرِيبِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرٍو) يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ الْمَذْكُورَ بِسَنَدِهِ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) يَعْنِي: الْمِصْرِيَّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ، وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَوَافِقَةٌ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ فَزَادَ فِي آخِرِ الْمَتْنِ إِنْ شَاءَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) هُوَ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِـ صَاعِقَةَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْأَزْدِيُّ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْكَرْمَانِيِّ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا وَفِي الْجِهَادِ وَفِي الصَّلَاةِ بِوَاسِطَةٍ، وَكَانَ طَلَبَ مُعَاوِيَةَ الْمَذْكُورَ لِلْحَدِيثِ وَهُوَ كَبِيرٌ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ طَلَبَهُ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ سِنِّهِ لَكَانَ مِنْ أَعْلَى شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَزَائِدَةُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ مَشْهُورٌ، قَدْ لَقِيَ الْبُخَارِيَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورِ، وَشُعْبَةُ لَا يُحَدِّثُ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ رُبَّمَا دَلَّسُوا إِلَّا بِمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ زَائِدَةَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي تَسْمِيَتِهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَاتَّفَقَ مَنْ عَدَا زَائِدَةَ، وَعَبْثَرَ بْنَ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ امْرَأَةٌ، وَزَادَ أَبُو حَرِيزٍ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهَا خَثْعَمِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أُمِّي) خَالَفَ أَبُو حَامِدٍ جَمِيعَ مَنْ رَوَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي وَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْهُ: ذَاتُ قَرَابَةٍ لَهَا وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْهُ إِنَّ أُخْتَهَا أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ، وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْهُ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا؛ إِمَّا أُخْتُهَا وَإِمَّا ابْنَتُهَا وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّرَدُّدَ فِيهِ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ) هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَرِيزٍ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ: شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ وَرِوَايَتُهُ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ، إِلَّا رِوَايَةَ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ فَقَالَ: إِنَّ عَلَيهَا صَوْمَ نَذْرٍ وَهَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّهُ غَيْرُ رَمَضَانَ، وَبَيَّنَ أَبُو بِشْرٍ فِي رِوَايَتِهِ سَبَبَ النَّذْرِ، فَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ: أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَصُومَ، فَأَتَتْ أُخْتُهَا النَّبِيَّ ﷺ الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ اضْطَرَبَ فِيهِ الرُّوَاةُ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ امْرَأَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: رَجُلٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ نَذْرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالصَّوْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْحَجِّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ السَّائِلَةَ فِي نَذْرِ الصَّوْمِ خَثْعَمِيَّةٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي حَرِيزٍ الْمُعَلَّقَةِ، وَالسَّائِلَةَ عَنْ نَذْرِ الْحَجِّ جُهَنِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَنِ الْحَجِّ وَعَنِ الصَّوْمِ مَعًا.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي كَوْنِ السَّائِلِ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً وَالْمَسْئُولِ عَنْهُ أُخْتًا أَوْ أَمَّا فَلَا يَقْدَحُ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّوْمِ أَوِ الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَلَا اضْطِرَابَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الرِّوَايَاتِ فِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى) تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ قُبَيْلَ فَضْلِ الْمَدِينَةِ مُسْتَوْفًى.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُلَيْمَانُ) هُوَ الْأَعْمَشُ، يَعْنِي: بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ الْحَكَمُ) أَيْ: ابْنُ عُتَيْبَةَ، وَسَلَمَةُ أَيْ: ابْنُ كُهَيْلٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَعْمَشَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ: أَوَّلًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ثُمَّ مِنَ الْحَكَمِ، وَسَلَمَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وقَدْ خَالَفَ زَائِدَةَ فِي ذَلِكَ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. . . إِلَخْ) مُحَصَّلُهُ أَنَّ أَبَا خَالِدٍ جَمَعَ بَيْنَ شُيُوخِ الْأَعْمَشِ الثَّلَاثَةِ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْهُ عَنْهُمْ عَنْ شُيُوخٍ ثَلَاثَةٍ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ بِغَيْرِ تَرْتِيبٍ، فَيَكُونَ شَيْخُ الْحَكَمِ، عَطَاءً، وَشَيْخُ الْبَطِينِ، سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَشَيْخُ سَلَمَةَ، مُجَاهِدًا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُفَصَّلًا هَكَذَا، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ أَبِي خَالِدٍ وَقَدْ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ لَكِنْ لَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ بَلْ أَحَالَ بِهِ عَلَى رِوَايَةِ زَائِدَةَ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةً سَيَأْتِي بَيَانُهَا. وَوَصَلَهَا أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَحْيَى) أَيِ: ابْنُ سَعِيدٍ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ. . . إِلَخْ) وَافَقَا زَائِدَةَ عَلَى أَنَّ شَيْخَ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ وَآخَرُونَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَطُرُقُهُمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أَيِ: الرَّقِّيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ إِلَخْ) هَذَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ شَيْخَ الْحَكَمِ فِيهَا عَطَاءٌ وَفِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٤٢) (بابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ في كتاب «المُدبَّج» فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يومًا: (إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «في يومٍ واحدٍ» قال النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»: وهذه المسألة لم أر فيها نقلًا في المذهب، وقياس المذهب الإجزاء. انتهى. وقيَّد ابن حجرٍ المسألة بصومٍ لم يجب فيه التَّتابع، لفقد التَّتابع في الصُّورة المذكورة.
١٩٥٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) هو محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالدٍ الذُّهليُّ؛ كما جزم به الكلاباذيُّ، وصنيع المزِّيِّ يوافقه، وهو الرَّاجح، وعلى هذا فقد نسبه المؤلِّف إلى جدِّ أبيه، قاله في «الفتح» قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ) بفتح الهمزة والتَّحتيَّة (١) بينهما مهملةٌ ساكنةٌ وآخره نونٌ الجزريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) موسى بن أَعْيَنَ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ) بفتح العين الأنصاريِّ المؤدِّب (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) يسارٍ الأمويِّ
(أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ) هو ابن الزُّبير بن العوَّام (حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنْ مَاتَ) من المُكلَّفين (وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) الواو للحال (صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) ولو بغير إذنه، أو أجنبيٌّ بالإذن من الميت، أو من (١) القريب، بأجرةٍ أو دونها، وهذا مذهب الشَّافعيِّ القديم، وصوَّبه النَّوويُّ، بل قال: يُسَنُّ له ذلك ويسقط وجوب الفدية، والجديد -وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة-: عدم الجواز لأنَّه عبادةٌ بدنيَّةٌ، ولا يسقط وجوب الفدية، قال النَّوويُّ: وليس للجديد حجَّةٌ، والحديث الوارد بالإطعام ضعيفٌ، ومع ضعفه فالإطعام لا يمتنع عند القائل بالصَّوم، وهل المعتبر على القديم الولاية -كما في الحديث- أم (٢) مطلق القرابة أم يُشتَرط الإرث أم العصوبة؟ فيه احتمالاتٌ للإمام، قال الرَّافعيُّ: والأشبه اعتبار الإرث، وقال النَّوويُّ: المختار اعتبار مطلق القرابة، وصحَّحه في «المجموع»، قال: وقوله ﷺ في خبر «مسلمٍ» لامرأةٍ قالت له: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عن أمِّك» يُبْطل احتمال ولاية المال والعصوبة. انتهى. وأجاب المالكيَّة عن حديث الباب: بدعوى عمل أهل المدينة، واحتج الحنفيَّة على القول بعدم الاحتجاج بهذين الحديثين بأنَّ عائشة سُئِلت عن امرأةٍ ماتت وعليها صومٌ، قالت: يُطعَم عنها، وعنها: أنَّها (٣) قالت: «لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم» أخرجه البيهقيُّ، وعن ابن عبَّاسٍ قال في رجلٍ مات وعليه رمضان، قال: «يُطعَم عنه ثلاثون مسكينًا» أخرجه عبد الرَّزَّاق، وعن ابن عبَّاسٍ: «لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ» أخرجه النَّسائيُّ، فلمَّا أفتى ابن عبَّاسٍ وعائشة بخلاف ما روياه دلَّ ذلك على أنَّ العمل على خلاف ما روياه لأنَّ فتوى الرَّاوي على خلاف مرويِّه بمنزلة روايته للنَّاسخ، ونسخ الحكم يدلُّ على إخراج المناط عن الاعتبار، وقال الحنابلة: ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضانٍ آخر من غير عذرٍ، فإن فعل فعليه القضاء وإطعام مسكينٍ لكلِّ يومٍ، ولا يُصام عنه على المذهب، وهو الصَّحيح، وعليه الأصحاب، وإن مات وعليه صومٌ منذورٌ ولم يصم منه (٤) شيئًا سُنَّ لوليِّه فعله، ويجوز لغيره فعله، بإذنه وبغيره، ويجوز صوم جماعةٍ عنه في يومٍ واحدٍ.