«لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ» بَابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٧٥

الحديث رقم ٢٠٧٥ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كسب الرجل وعمله بيده.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لأن يأخذ أحدكم أحبله» باب السهولة والسماحة…

«لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ»

بَابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ

سند حديث: ٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى…

٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح حديث: «لأن يأخذ أحدكم أحبله» باب السهولة والسماحة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قال رسول الله : "لَانْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ"

٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ قال النبي : "لَانْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ) عَطْفُ الْعَمَلَ بِالْيَدِ عَلَى الْكَسْبِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلًا بِالْيَدِ أَوْ بِغَيْرِهَا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أُصُولُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالصَّنْعَةُ، وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَطْيَبَهَا التِّجَارَةُ، قَالَ: وَالْأَرْجَحُ عِنْدِي أَنَّ أَطْيَبَهَا الزِّرَاعَةُ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى التَّوَكُّلِ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِحَدِيثِ الْمِقْدَامِ الَّذِي فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ أَطْيَبَ الْكَسْبِ مَا كَانَ بِعَمَلِ الْيَدِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ زِرَاعًا فَهُوَ أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ عَمَلَ الْيَدِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّوَكُّلِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْعَامِّ لِلْآدَمِيِّ وَلِلدَّوَابِّ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُوكَلَ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ.

قُلْتُ: وَفَوْقَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْيَدِ مَا يُكْتَسَبُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِالْجِهَادِ، وَهُوَ مَكْسَبُ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَكَاسِبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخِذْلَانِ كَلِمَةِ أَعْدَائِهِ، وَالنَّفْعِ الْأُخْرَوِيِّ، قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِيَدِهِ فَالزِّرَاعَةُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ لِمَا ذَكَرْنَا. قُلْتُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا بُحِثَ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي، وَلَمْ يَنْحَصِرِ النَّفْعُ الْمُتَعَدِّي فِي الزِّرَاعَةِ بَلْ كُلُّ مَا يُعْمَلُ بِالْيَدِ فَنَفْعُهُ مُتَعَدٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَهْيِئَةِ أَسْبَابِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفُ الْمَرَاتِبِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِنَّمَا يَفْضُلُ عَمَلُ الْيَدِ سَائِرَ الْمَكَاسِبِ إِذَا نَصَحَ الْعَامِلُ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ أَنَّ الرِّزْقَ مِنَ الْكَسْبِ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ، وَمِنْ فَضْلِ الْعَمَلِ بِالْيَدِ الشُّغْلُ بِالْأَمْرِ الْمُبَاحِ عَنِ الْبَطَالَةِ وَاللَّهْوِ، وَكَسْرُ النَّفْسِ بِذَلِكَ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذِلَّةِ السُّؤَالِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْغَيْر، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ أَوَّلُهَا فِي التِّجَارَةِ، وَالثَّانِي فِي الزِّرَاعَةِ، وَالثَّالِثُ وَمَا بَعْدَهُ فِي الصَّنْعَةِ، الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي) أَيْ: قُرَيْشٌ وَالْمُسْلِمُونَ.

قَوْلُهُ: (حِرْفَتِي) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ أَيْ: جِهَةَ اكْتِسَابِي، وَالْحِرْفَةُ جِهَةُ الِاكْتِسَابِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَعَاشِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ كَسُوبًا لِمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ بِالتِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ، تَمْهِيدًا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ عَمَّا يَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَشُغِلْتُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: أنَّ الْقِيَامَ بِأُمُورِ الْخِلَافَةِ شَغَلَهُ عَنِ الِاحْتِرَافِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ: انْظُرُوا مَاذَا فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلَتِ الْإِمَارَةُ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ بَعْدِي. قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ نَظَرْنَا فَإِذَا عَبْدٌ نُوبِيٌّ كَانَ يَحْمِلُ صِبْيَانَهُ، وَنَاضِحٌ كَانَ يَسْقِي بُسْتَانًا لَهُ، فَبَعَثْنَا بِهِمَا إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: رَحْمَتُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ وَزَادَ: إِنَّ الْخَادِمَ كَانَ صَيْقَلًا يَعْمَلُ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْدُمُ آلَ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ وَفِيهِ: قَدْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أُوَفِّرَ مَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كُنْتُ أَصَبْتُ مِنَ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَفِيهِ: وَمَا كَانَ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مَا كَانَ إِلَّا خَادِمٌ وَلِقْحَةٌ وَمِحْلَبٌ.

قَوْلُهُ: (آلُ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: هُوَ نَفْسُهُ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ نَفْسَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَحْتَرِفُ

حَكَاهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَسَقُ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْنَدَ الِاحْتِرَافَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ عَاطِفًا لَهُ عَلَى فَسَيَأْكُلُ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَهْلَ لَتَنَافَرَ. انْتَهَى. وَجَزَمَ الْبَيْضَاوِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ: آلُ أَبِي بَكْرٍ عُدُولٌ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ، قَالَ: وَقِيلَ: أَرَادَ نَفْسَهُ، وَالْأَوَّلُ مُقْحَمٌ لِقَوْلِهِ: وَأَحْتَرِفُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ الْمَعْنَى أَنِّي كُنْتُ أَكْتَسِبُ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَهُ وَالْآنَ أَكْتَسِبُ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَائِدَةُ الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ جَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصًا كَسُوبًا لِمُؤْنَةِ الْأَهْلِ بِالتِّجَارَةِ فَامْتَنَعَ لِشُغْلِهِ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الِاكْتِسَابِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْعِلَّةِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالشُّغْلِ الْمَذْكُورِ حَقِيقٌ أَنْ يَأْكُلَ هُوَ وَعِيَالُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَخَصَّ الْأَكْلَ مِنْ بَيْنِ الِاحْتِيَاجَاتِ لِكَوْنِهِ أَهَمَّهَا وَمُعْظَمَهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَرَضِ الْمَالِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ قَدْرَ حَاجَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ إِمَامٌ يَقْطَعُ لَهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ.

قُلْتُ: لَكِنْ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي كَانَ يَتَنَاوَلُهُ فُرِضَ لَهُ بِاتِّفَاقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ أَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى السُّوقِ عَلَى رَأْسِهِ أَثْوَابٌ يَتَّجِرُ بِهَا، فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَقَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ وُلِّيتَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ أُطْعِمُ عِيَالِي؟ قَالُوا: نَفْرِضُ لَك. فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ شَطْرَ شَاةٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَحْتَرِفُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَحْتَرِفُ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَرَادَ بِاحْتِرَافِهِ لِلْمُسْلِمِينَ نَظَرَهُ فِي أُمُورِهِمْ وَتَمْيِيزَ مَكَاسِبِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَكَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمَعْنَى: أَكْتَسِبُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ بِالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَنَظْمِ أَحْوَالِهِمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ: احْتَرَفَ الرَّجُلُ إِذَا جَازَى عَلَى خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: قَوْلُهُ أَحْتَرِفُ لَهُمْ أَيْ: أَتَّجِرُ لَهُمْ فِي مَالِهِمْ حَتَّى يَعُودَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبْحِهِ بِقَدْرِ مَا آكُلُ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ مُؤْنَتِهِ إِلَّا أَنْ يَطَّوَّعَ بِذَلِكَ كَمَا تَطَوَّعَ أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: وَالتَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي تَرْكِ الِاحْتِرَافِ وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالْإِمَارَةِ، فَمَتَى يَتَفَرَّغُ لِلِاحْتِرَافِ لِغَيْرِهِ؟ إِذْ لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَافُ لَاحْتَرَفَ لِنَفْسِهِ كَمَا كَانَ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي الْمَالَ لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ وَيَجْعَلُ رِبْحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَكَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنَ الْمَالِ - أَيْ: مَالِ الْمُسْلِمِينَ - وَاحْتَرَفَ فِي مَالِ نَفْسِهِ.

(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْوَقْفَ لَكِنَّهُ بِمَا اقْتَضَاهُ مِنْ أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَخْلَفَ كَانَ يَحْتَرِفُ لِتَحْصِيلِ مُؤْنَةِ أَهْلِهِ يَصِيرُ مَرْفُوعًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ تَاجِرًا إِلَى بُصْرَى فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ: إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ لَهُ عَقِبَ حَدِيثِهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) كَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ إِلَّا رِوَايَةَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، فَمُحَمَّدٌ عَلَى هَذَا هُوَ الْمُصَنِّفُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْمُقْرِي، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ هُوَ النَّوْفَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِيَتِيمِ عُرْوَةَ، وَجَزَمَ الْحَاكِمُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا هُنَا هُوَ الذُّهْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ هَمَّامٌ) يَعْنِي: ابْنَ يَحْيَى (عَنْ هِشَامٍ) يَعْنِي: ابْنَ عُرْوَةَ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ هُدْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: كَانَ الْقَوْمُ خَدَّامَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا يَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَأَمَرُوا أَنْ يَغْتَسِلُوا وَبِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالْبَزَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ عَنْ عُرْوَةَ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرَةَ، وَتَقَدَّمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٠٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) المشهور بختٍّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسيُّ-بضمِّ الرَّاء وهمزةٍ ثم مهمَلةٍ- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَأَنْ) بفتح اللام (يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ) بفتح الهمزة وضمِّ الموحَّدة، جمع حَبْل، كفَلْس وأفْلُس، أي: أخذ الحبل للاحتطاب (١)، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خيرٌ له من أن يسأل النَّاس».

(١٦) وبه قال (٢): (باب) استحباب (السُّهُولَةِ) ضدُّ الصُّعوبة (وَالسَّمَاحَةِ) أي: الجود والسَّخاء (فِي الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ) وقولُ الحافظ ابن حجرٍ: «السُّهولة والسَّماحة متقاربان في المعنى، فعطفُ أحدهما على الآخر من التَّأكيد اللَّفظيِّ» تعقَّبه العينيُّ بأنَّهما متغايران في أصل الوضع، فلا يصحُّ أن يُقال: من التَّأكيد اللَّفظيِّ؛ لأنَّ التَّأكيد اللَّفظيَّ أن يكون المؤكَّدُ والمؤكِّد لفظًا واحدًا من مادَّةٍ واحدةٍ، كما عُرِف في موضعه (وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا) له (٣) ممَّن عليه (فَلْيَطْلُبْهُ) منه حال

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قال رسول الله : "لَانْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ"

٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ قال النبي : "لَانْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ) عَطْفُ الْعَمَلَ بِالْيَدِ عَلَى الْكَسْبِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلًا بِالْيَدِ أَوْ بِغَيْرِهَا. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أُصُولُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالصَّنْعَةُ، وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَطْيَبَهَا التِّجَارَةُ، قَالَ: وَالْأَرْجَحُ عِنْدِي أَنَّ أَطْيَبَهَا الزِّرَاعَةُ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى التَّوَكُّلِ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِحَدِيثِ الْمِقْدَامِ الَّذِي فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ أَطْيَبَ الْكَسْبِ مَا كَانَ بِعَمَلِ الْيَدِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ زِرَاعًا فَهُوَ أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ عَمَلَ الْيَدِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّوَكُّلِ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْعَامِّ لِلْآدَمِيِّ وَلِلدَّوَابِّ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُوكَلَ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ.

قُلْتُ: وَفَوْقَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْيَدِ مَا يُكْتَسَبُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِالْجِهَادِ، وَهُوَ مَكْسَبُ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَكَاسِبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخِذْلَانِ كَلِمَةِ أَعْدَائِهِ، وَالنَّفْعِ الْأُخْرَوِيِّ، قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِيَدِهِ فَالزِّرَاعَةُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ لِمَا ذَكَرْنَا. قُلْتُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا بُحِثَ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي، وَلَمْ يَنْحَصِرِ النَّفْعُ الْمُتَعَدِّي فِي الزِّرَاعَةِ بَلْ كُلُّ مَا يُعْمَلُ بِالْيَدِ فَنَفْعُهُ مُتَعَدٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَهْيِئَةِ أَسْبَابِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفُ الْمَرَاتِبِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِنَّمَا يَفْضُلُ عَمَلُ الْيَدِ سَائِرَ الْمَكَاسِبِ إِذَا نَصَحَ الْعَامِلُ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قُلْتُ: وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ أَنَّ الرِّزْقَ مِنَ الْكَسْبِ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ، وَمِنْ فَضْلِ الْعَمَلِ بِالْيَدِ الشُّغْلُ بِالْأَمْرِ الْمُبَاحِ عَنِ الْبَطَالَةِ وَاللَّهْوِ، وَكَسْرُ النَّفْسِ بِذَلِكَ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذِلَّةِ السُّؤَالِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْغَيْر، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ أَوَّلُهَا فِي التِّجَارَةِ، وَالثَّانِي فِي الزِّرَاعَةِ، وَالثَّالِثُ وَمَا بَعْدَهُ فِي الصَّنْعَةِ، الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي) أَيْ: قُرَيْشٌ وَالْمُسْلِمُونَ.

قَوْلُهُ: (حِرْفَتِي) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ أَيْ: جِهَةَ اكْتِسَابِي، وَالْحِرْفَةُ جِهَةُ الِاكْتِسَابِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَعَاشِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ كَسُوبًا لِمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ بِالتِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ، تَمْهِيدًا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ عَمَّا يَأْخُذُهُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَشُغِلْتُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: أنَّ الْقِيَامَ بِأُمُورِ الْخِلَافَةِ شَغَلَهُ عَنِ الِاحْتِرَافِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو بَكْرٍ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ: انْظُرُوا مَاذَا فِي مَالِي مُنْذُ دَخَلَتِ الْإِمَارَةُ فَابْعَثُوا بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ بَعْدِي. قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ نَظَرْنَا فَإِذَا عَبْدٌ نُوبِيٌّ كَانَ يَحْمِلُ صِبْيَانَهُ، وَنَاضِحٌ كَانَ يَسْقِي بُسْتَانًا لَهُ، فَبَعَثْنَا بِهِمَا إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: رَحْمَتُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ وَزَادَ: إِنَّ الْخَادِمَ كَانَ صَيْقَلًا يَعْمَلُ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْدُمُ آلَ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ وَفِيهِ: قَدْ كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أُوَفِّرَ مَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كُنْتُ أَصَبْتُ مِنَ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَفِيهِ: وَمَا كَانَ عِنْدَهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مَا كَانَ إِلَّا خَادِمٌ وَلِقْحَةٌ وَمِحْلَبٌ.

قَوْلُهُ: (آلُ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: هُوَ نَفْسُهُ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَقِيلَ: أَرَادَ نَفْسَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَحْتَرِفُ

حَكَاهُ الطِّيبِيُّ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَسَقُ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْنَدَ الِاحْتِرَافَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ عَاطِفًا لَهُ عَلَى فَسَيَأْكُلُ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَهْلَ لَتَنَافَرَ. انْتَهَى. وَجَزَمَ الْبَيْضَاوِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ: آلُ أَبِي بَكْرٍ عُدُولٌ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ، قَالَ: وَقِيلَ: أَرَادَ نَفْسَهُ، وَالْأَوَّلُ مُقْحَمٌ لِقَوْلِهِ: وَأَحْتَرِفُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلِ الْمَعْنَى أَنِّي كُنْتُ أَكْتَسِبُ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَهُ وَالْآنَ أَكْتَسِبُ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَائِدَةُ الِالْتِفَاتِ أَنَّهُ جَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصًا كَسُوبًا لِمُؤْنَةِ الْأَهْلِ بِالتِّجَارَةِ فَامْتَنَعَ لِشُغْلِهِ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الِاكْتِسَابِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْعِلَّةِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالشُّغْلِ الْمَذْكُورِ حَقِيقٌ أَنْ يَأْكُلَ هُوَ وَعِيَالُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَخَصَّ الْأَكْلَ مِنْ بَيْنِ الِاحْتِيَاجَاتِ لِكَوْنِهِ أَهَمَّهَا وَمُعْظَمَهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَرَضِ الْمَالِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ قَدْرَ حَاجَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ إِمَامٌ يَقْطَعُ لَهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ.

قُلْتُ: لَكِنْ فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي كَانَ يَتَنَاوَلُهُ فُرِضَ لَهُ بِاتِّفَاقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ أَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى السُّوقِ عَلَى رَأْسِهِ أَثْوَابٌ يَتَّجِرُ بِهَا، فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَقَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُ هَذَا وَقَدْ وُلِّيتَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ أُطْعِمُ عِيَالِي؟ قَالُوا: نَفْرِضُ لَك. فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ شَطْرَ شَاةٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَحْتَرِفُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَحْتَرِفُ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَرَادَ بِاحْتِرَافِهِ لِلْمُسْلِمِينَ نَظَرَهُ فِي أُمُورِهِمْ وَتَمْيِيزَ مَكَاسِبِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَكَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الْمَعْنَى: أَكْتَسِبُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ بِالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَنَظْمِ أَحْوَالِهِمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقَالُ: احْتَرَفَ الرَّجُلُ إِذَا جَازَى عَلَى خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: قَوْلُهُ أَحْتَرِفُ لَهُمْ أَيْ: أَتَّجِرُ لَهُمْ فِي مَالِهِمْ حَتَّى يَعُودَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِبْحِهِ بِقَدْرِ مَا آكُلُ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّجِرَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِقَدْرِ مُؤْنَتِهِ إِلَّا أَنْ يَطَّوَّعَ بِذَلِكَ كَمَا تَطَوَّعَ أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: وَالتَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي تَرْكِ الِاحْتِرَافِ وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالْإِمَارَةِ، فَمَتَى يَتَفَرَّغُ لِلِاحْتِرَافِ لِغَيْرِهِ؟ إِذْ لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَافُ لَاحْتَرَفَ لِنَفْسِهِ كَمَا كَانَ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي الْمَالَ لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ وَيَجْعَلُ رِبْحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَكَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنَ الْمَالِ - أَيْ: مَالِ الْمُسْلِمِينَ - وَاحْتَرَفَ فِي مَالِ نَفْسِهِ.

(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْوَقْفَ لَكِنَّهُ بِمَا اقْتَضَاهُ مِنْ أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَخْلَفَ كَانَ يَحْتَرِفُ لِتَحْصِيلِ مُؤْنَةِ أَهْلِهِ يَصِيرُ مَرْفُوعًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ تَاجِرًا إِلَى بُصْرَى فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَوَّلِ الْبُيُوعِ: إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ لَهُ عَقِبَ حَدِيثِهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) كَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ إِلَّا رِوَايَةَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، فَمُحَمَّدٌ عَلَى هَذَا هُوَ الْمُصَنِّفُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ الْمُقْرِي، وَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ، وَرُبَّمَا رَوَى عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ هُوَ النَّوْفَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِيَتِيمِ عُرْوَةَ، وَجَزَمَ الْحَاكِمُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا هُنَا هُوَ الذُّهْلِيُّ.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ هَمَّامٌ) يَعْنِي: ابْنَ يَحْيَى (عَنْ هِشَامٍ) يَعْنِي: ابْنَ عُرْوَةَ. وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ هُدْبَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ: كَانَ الْقَوْمُ خَدَّامَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا يَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَأَمَرُوا أَنْ يَغْتَسِلُوا وَبِهَذَا اللَّفْظِ رَوَاهُ قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالْبَزَّارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ عَنْ عُرْوَةَ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرَةَ، وَتَقَدَّمَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٠٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) المشهور بختٍّ قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابن الجرَّاح الرُّؤاسيُّ-بضمِّ الرَّاء وهمزةٍ ثم مهمَلةٍ- الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَأَنْ) بفتح اللام (يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ) بفتح الهمزة وضمِّ الموحَّدة، جمع حَبْل، كفَلْس وأفْلُس، أي: أخذ الحبل للاحتطاب (١)، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «خيرٌ له من أن يسأل النَّاس».

(١٦) وبه قال (٢): (باب) استحباب (السُّهُولَةِ) ضدُّ الصُّعوبة (وَالسَّمَاحَةِ) أي: الجود والسَّخاء (فِي الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ) وقولُ الحافظ ابن حجرٍ: «السُّهولة والسَّماحة متقاربان في المعنى، فعطفُ أحدهما على الآخر من التَّأكيد اللَّفظيِّ» تعقَّبه العينيُّ بأنَّهما متغايران في أصل الوضع، فلا يصحُّ أن يُقال: من التَّأكيد اللَّفظيِّ؛ لأنَّ التَّأكيد اللَّفظيَّ أن يكون المؤكَّدُ والمؤكِّد لفظًا واحدًا من مادَّةٍ واحدةٍ، كما عُرِف في موضعه (وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا) له (٣) ممَّن عليه (فَلْيَطْلُبْهُ) منه حال

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
أستغفر الله