الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٨٤
الحديث رقم ٢٢٨٤ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب عسب الفحل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَيْسَ لِأَهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الْأَجَلِ وَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَسَنُ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ تُمْضَى الْإِجَارَةُ إِلَى أَجَلِهَا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الْإِجَارَةَ بَعْدَمَا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ
٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَتَيَاتِكُمْ: إِمَاءَكُمْ)، وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ قَالَ: لَا تُكْرِهُوا إِمَاءَكُمْ عَلَى الزِّنَا، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ قَالَ: إِمَاءَكُمْ عَلَى الزِّنَا، وَزَادَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ: أَمَرَ أَمَةً لَهُ بِالزِّنَا فَزَنَتْ فَجَاءَتْ بِبُرْدٍ، فَقَالَ: ارْجِعِي فَازْنِي عَلَى آخَرَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِرَاجِعَةٍ فَنَزَلَتْ وَهَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَسَمَّاهَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ مُعَاذَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وَاتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَتِهَا مُعَاذَةَ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: جَاءَتْ مُسَيْكَةُ أَمَةٌ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدِي يُكْرِهُنِي عَلَى الْبِغَاءِ، فَنَزَلَتْ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمَا، وَزَعَمَ مُقَاتِلٌ أَنَّهُمَا مَعًا كَانَتَا أَمَتَيْنِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَزَادَ مَعَهُنَّ غَيْرَهُنَّ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ إِذَا لَمْ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ؛ لِأَنَّهُنَّ حِينَئِذٍ فِي مَقَامِ الِاخْتِيَارِ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَتَيَاتِكُمْ: إِمَاءَكُمْ وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ لَكِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ لِمُجَاهِدٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ: فَتَيَاتِكُمُ الْإِمَاءَ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ يَقُولُ: إِمَاءَكُمْ. ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ عَلَى الزِّنَا. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ فِي النَّهْيِ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ وَفِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ شَرْحِهِمَا مَا فِيهِ مَزِيدُ كِفَايَةٍ.
٢١ - بَاب عَسْبِ الْفَحْلِ
٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ عَسْبِ الْفَحْلِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَالْعَسْبُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِرِهِ مُوَحَّدَةٍ، وَيُقَالُ لَهُ: الْعَسِيبُ أَيْضًا، وَالْفَحْلُ: الذَّكَرُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ، فَرَسًا كَانَ أَوْ جَمَلًا أَوْ تَيْسًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى عَنْ عَسْبِ التَّيْسِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هُوَ مِمَنُ مَاءِ الْفَحْلِ، وَقِيلَ: أُجْرَةُ الْجِمَاعِ، وَعَلَى الْأَخِيرِ جَرَى الْمُصَنِّفُ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: نَهَى عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي عَدَمِ الْحَمْلِ عَلَى الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ مَنْفَعَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الْحَمْلَ عَلَى الْإِجَارَةِ لَا الثَّمَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ قَتَادَةَ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَجْرَ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ: أَعْسَبَ الرَّجُلُ عَسِيبًا اكْتَرَى مِنْهُ فَحْلًا يُنْزِيهِ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَبَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ قَوَّاهَا الْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ لِأَمَدٍ مَجْهُولٍ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَلَا بَأْسَ كَمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِتَلْقِيحِ النَّخْلِ، وَتُعُقِّبَ بِالْفَرْقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا مَاءُ الْفَحْلِ وَصَاحِبُهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ بِخِلَافِ التَّلْقِيحِ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنِ الشِّرَاءِ وَالْكِرَاءِ إِنَّمَا صَدَرَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، وَأَمَّا عَارِيَةُ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، فَإِنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢١) (بابُ) النَّهي عن كسب (عَسْبِ الفَحْلِ) بفتح العين المهملة وسكون السِّين آخره مُوحَّدةٌ، و «الفحل»: الذَّكر من كلِّ حيوانٍ.
٢٢٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أمُّه (١) عُليَّة (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَكَمِ) بفتحتين البُنانيِّ، بضمِّ الموحَّدة وتخفيف النُّونين (٢) (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) كراء (عَسْبِ الفَحْلِ) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقامه، والمشهور في كتب الفقه: أنَّ عسب الفحل ضرابه، وقيل: أجرة ضرابه، وقيل: ماؤه، فعلى الأوَّل والثَّالث تقديره: بدل عسب الفحل، وفي رواية الشَّافعيِّ ﵀: نهى عن ثمن عسب الفحل، والحاصل: أنَّ بذل المال عوضًا عن الضِّراب إن كان بيعًا فباطلٌ قطعًا؛ لأنَّ ماء الفحل غير مُتقوَّمٍ (٣) ولا معلومٍ ولا مقدورٍ على تسليمه، وكذا إن كان إجارةً على الأصحِّ، ويجوز أن يُعْطِيَ صاحبُ الأنثى صاحبَ الفحل شيئًا على سبيل الهديَّة، لِمَا روى التِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ غريبٌ- من حديث أنسٍ: أنَّ رجلًا من كلابٍ سأل رسول الله ﷺ عن عسب الفحل فنهاه، فقال: يا رسول الله؛ إنَّا نُطْرِق الفحل فنُكْرَم، فرخَّص في الكرامة، وهذا مذهب الشَّافعيِّ، قال المالكيَّة: حمله أهل المذهب على الإجارة المجهولة، وهو أن يستأجر منه فَحْلَه ليضرب (٤) الأنثى حتَّى تحمل، ولا شكَّ في جهالة ذلك؛ لأنَّها قد تحمل من أوَّل مرَّةٍ فيُغبَن صاحب الأنثى، وقد لا تحمل من عشرين مرَّةً فيُغبَن صاحب الفحل، فإن استأجره (٥) على نزواتٍ معلومةٍ ومدَّةٍ معلومةٍ جاز.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «البيوع» (١).
(٢٢) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اسْتَأْجَرَ) أحدٌ (٣) (أَرْضًا) من آخرَ (فَمَاتَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد (٤) المتآجرين، هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ (وَقَالَ) بالواو، ولأبي الوقت: «قال» (٥) (ابْنُ سِيرِينَ) محمد: (لَيْسَ لأَهْلِهِ) أي: أهل الميت (أَنْ يُخْرِجُوهُ) أي: المستأجر (إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ) الذي وقع العقد عليه، وقول البرماويِّ كالكِرمانيِّ: لأهله، أي: لورثته أن يخرجوه من عقد الإجارة، ويتصرَّفوا في منافع المُسْتَأْجِر، قال العينيُّ: هو بيانٌ لعود الضَّمير المنصوب في «أن يخرجوه» إلى عقد الاستئجار، قال: وهذا لا معنى له، بل الضَّمير يعود على (٦) المستأجِر، ولكن لم يتقدَّم ذكرٌ للمستأجِر فكيف يعود إليه؟ وكذلك الضَّمير في «أهله» ليس مرجعه مذكورًا، ففيهما إضمارٌ قبل الذِّكر، ولا يجوز أن يُقال: مرجع الضَّميرين يُفهَم من لفظ التَّرجمة؛ لأنَّ التَّرجمة وُضِعت بلا ريبٍ قبل (٧) قول ابن سيرين، فالوجه أن يُقال: إنَّ مرجع الضَّميرين محذوفٌ، والقرينة تدلُّ عليه، فهو في حكم الملفوظ، وأصل الكلام في أصل الوضع هكذا: سُئِل محمَّد بن سيرين في رجلٍ استأجر من رجلٍ أرضًا فمات أحدهما، هل لورثة الميت أن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَتَيَاتِكُمْ: إِمَاءَكُمْ)، وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ قَالَ: لَا تُكْرِهُوا إِمَاءَكُمْ عَلَى الزِّنَا، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ قَالَ: إِمَاءَكُمْ عَلَى الزِّنَا، وَزَادَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ: أَمَرَ أَمَةً لَهُ بِالزِّنَا فَزَنَتْ فَجَاءَتْ بِبُرْدٍ، فَقَالَ: ارْجِعِي فَازْنِي عَلَى آخَرَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِرَاجِعَةٍ فَنَزَلَتْ وَهَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَسَمَّاهَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ مُعَاذَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وَاتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَتِهَا مُعَاذَةَ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا قَالَ: جَاءَتْ مُسَيْكَةُ أَمَةٌ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدِي يُكْرِهُنِي عَلَى الْبِغَاءِ، فَنَزَلَتْ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمَا، وَزَعَمَ مُقَاتِلٌ أَنَّهُمَا مَعًا كَانَتَا أَمَتَيْنِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَزَادَ مَعَهُنَّ غَيْرَهُنَّ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ إِذَا لَمْ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ؛ لِأَنَّهُنَّ حِينَئِذٍ فِي مَقَامِ الِاخْتِيَارِ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَتَيَاتِكُمْ: إِمَاءَكُمْ وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ لَكِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ لِمُجَاهِدٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ: فَتَيَاتِكُمُ الْإِمَاءَ، وَهُوَ فِي تَفْسِيرِ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ يَقُولُ: إِمَاءَكُمْ. ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ عَلَى الزِّنَا. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ فِي النَّهْيِ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْبُيُوعِ وَفِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ شَرْحِهِمَا مَا فِيهِ مَزِيدُ كِفَايَةٍ.
٢١ - بَاب عَسْبِ الْفَحْلِ
٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ عَسْبِ الْفَحْلِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَالْعَسْبُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِرِهِ مُوَحَّدَةٍ، وَيُقَالُ لَهُ: الْعَسِيبُ أَيْضًا، وَالْفَحْلُ: الذَّكَرُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ، فَرَسًا كَانَ أَوْ جَمَلًا أَوْ تَيْسًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى عَنْ عَسْبِ التَّيْسِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هُوَ مِمَنُ مَاءِ الْفَحْلِ، وَقِيلَ: أُجْرَةُ الْجِمَاعِ، وَعَلَى الْأَخِيرِ جَرَى الْمُصَنِّفُ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: نَهَى عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي عَدَمِ الْحَمْلِ عَلَى الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْعُ مَنْفَعَةٍ، وَيُؤَيِّدُ الْحَمْلَ عَلَى الْإِجَارَةِ لَا الثَّمَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ قَتَادَةَ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَجْرَ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ: أَعْسَبَ الرَّجُلُ عَسِيبًا اكْتَرَى مِنْهُ فَحْلًا يُنْزِيهِ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَبَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ قَوَّاهَا الْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى مَا إِذَا وَقَعَ لِأَمَدٍ مَجْهُولٍ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَلَا بَأْسَ كَمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِتَلْقِيحِ النَّخْلِ، وَتُعُقِّبَ بِالْفَرْقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا مَاءُ الْفَحْلِ وَصَاحِبُهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ بِخِلَافِ التَّلْقِيحِ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنِ الشِّرَاءِ وَالْكِرَاءِ إِنَّمَا صَدَرَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، وَأَمَّا عَارِيَةُ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، فَإِنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢١) (بابُ) النَّهي عن كسب (عَسْبِ الفَحْلِ) بفتح العين المهملة وسكون السِّين آخره مُوحَّدةٌ، و «الفحل»: الذَّكر من كلِّ حيوانٍ.
٢٢٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أمُّه (١) عُليَّة (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَكَمِ) بفتحتين البُنانيِّ، بضمِّ الموحَّدة وتخفيف النُّونين (٢) (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ) كراء (عَسْبِ الفَحْلِ) حذف المضاف وأقام المضاف إليه مُقامه، والمشهور في كتب الفقه: أنَّ عسب الفحل ضرابه، وقيل: أجرة ضرابه، وقيل: ماؤه، فعلى الأوَّل والثَّالث تقديره: بدل عسب الفحل، وفي رواية الشَّافعيِّ ﵀: نهى عن ثمن عسب الفحل، والحاصل: أنَّ بذل المال عوضًا عن الضِّراب إن كان بيعًا فباطلٌ قطعًا؛ لأنَّ ماء الفحل غير مُتقوَّمٍ (٣) ولا معلومٍ ولا مقدورٍ على تسليمه، وكذا إن كان إجارةً على الأصحِّ، ويجوز أن يُعْطِيَ صاحبُ الأنثى صاحبَ الفحل شيئًا على سبيل الهديَّة، لِمَا روى التِّرمذيُّ -وقال: حسنٌ غريبٌ- من حديث أنسٍ: أنَّ رجلًا من كلابٍ سأل رسول الله ﷺ عن عسب الفحل فنهاه، فقال: يا رسول الله؛ إنَّا نُطْرِق الفحل فنُكْرَم، فرخَّص في الكرامة، وهذا مذهب الشَّافعيِّ، قال المالكيَّة: حمله أهل المذهب على الإجارة المجهولة، وهو أن يستأجر منه فَحْلَه ليضرب (٤) الأنثى حتَّى تحمل، ولا شكَّ في جهالة ذلك؛ لأنَّها قد تحمل من أوَّل مرَّةٍ فيُغبَن صاحب الأنثى، وقد لا تحمل من عشرين مرَّةً فيُغبَن صاحب الفحل، فإن استأجره (٥) على نزواتٍ معلومةٍ ومدَّةٍ معلومةٍ جاز.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «البيوع» (١).
(٢٢) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اسْتَأْجَرَ) أحدٌ (٣) (أَرْضًا) من آخرَ (فَمَاتَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد (٤) المتآجرين، هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ (وَقَالَ) بالواو، ولأبي الوقت: «قال» (٥) (ابْنُ سِيرِينَ) محمد: (لَيْسَ لأَهْلِهِ) أي: أهل الميت (أَنْ يُخْرِجُوهُ) أي: المستأجر (إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ) الذي وقع العقد عليه، وقول البرماويِّ كالكِرمانيِّ: لأهله، أي: لورثته أن يخرجوه من عقد الإجارة، ويتصرَّفوا في منافع المُسْتَأْجِر، قال العينيُّ: هو بيانٌ لعود الضَّمير المنصوب في «أن يخرجوه» إلى عقد الاستئجار، قال: وهذا لا معنى له، بل الضَّمير يعود على (٦) المستأجِر، ولكن لم يتقدَّم ذكرٌ للمستأجِر فكيف يعود إليه؟ وكذلك الضَّمير في «أهله» ليس مرجعه مذكورًا، ففيهما إضمارٌ قبل الذِّكر، ولا يجوز أن يُقال: مرجع الضَّميرين يُفهَم من لفظ التَّرجمة؛ لأنَّ التَّرجمة وُضِعت بلا ريبٍ قبل (٧) قول ابن سيرين، فالوجه أن يُقال: إنَّ مرجع الضَّميرين محذوفٌ، والقرينة تدلُّ عليه، فهو في حكم الملفوظ، وأصل الكلام في أصل الوضع هكذا: سُئِل محمَّد بن سيرين في رجلٍ استأجر من رجلٍ أرضًا فمات أحدهما، هل لورثة الميت أن