«نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ.» بَابُ عَسْبِ الْفَحْلِ

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٨٣

الحديث رقم ٢٢٨٣ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كسب البغي والإماء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «نهى النبي ﷺ عن كسب الإماء.» باب عسب الفحل

«نَهَى النَّبِيُّ عَنْ كَسْبِ الْإِمَاءِ.»

بَابُ عَسْبِ الْفَحْلِ

سند حديث: ٢٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ…

٢٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

⦗٩٤⦘

قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «نهى النبي ﷺ عن كسب الإماء.» باب عسب الفحل

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

١٨٢٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ دَعَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غلَاما حَجَّاما فحَجَمَهُ وأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أوْ صَاعَيْنِ أوْ مُدٍّ أوْ مُدَّيْنِ وكَلَّمع فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وكلم فِيهِ فَخفف من ضريبته) ، والْحَدِيث عَن حميد عَن أنس مر عَن قريب، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه عَن حميد: سَمِعت أنسا.

قَوْله: (دَعَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غُلَاما) قَالَ بَعضهم: هُوَ أَبُو طيبَة كَمَا تقدم قبل بَاب. قلت: من أَيْن علم أَنه هُوَ؟ فَلم لَا يجوز أَن يكون غَيره؟ وَمن ادّعى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكن لَهُ إلَاّ حجام وَاحِد مُتَعَيّن فَعَلَيهِ الْبَيَان. وَقد روى ابْن مَنْدَه فِي (معرفَة الصَّحَابَة) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يحدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم على كَاهِله من أجل الشَّاة الَّتِي أكلهَا، حجمه أَبُو هِنْد مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن أَبَا هِنْد حجم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اليافوخ ... الحَدِيث. وَقَالَ ابْن مَنْدَه: قيل: إسم أبي هِنْد سِنَان، وَقيل: سَالم. قَوْله: (وكلم فِيهِ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، أَي: كلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْغُلَام الْمَذْكُور مَوْلَاهُ بِأَن يُخَفف عَنهُ من ضريبته، وَكلمَة: فِي، للتَّعْلِيل، أَي: كلم لأَجله كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) أَي: لأجل هرة.

وَفِيه: اسْتِعْمَال العَبْد بِغَيْر إِذن سَيّده إِذا كَانَ معدا لعمل ومعروفا بِهِ. وَفِيه: الحكم بِالدَّلِيلِ، لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على أَنه مَأْذُون لَهُ فِي الْعَمَل لانتصابه لَهُ وَعرض نَفسه عَلَيْهِ، وَيجوز للحجام أَن يَأْكُل من كَسبه، وَكَذَلِكَ السَّيِّد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

٠٢ - (بابُ كَسْبِ الْبَغِيِّ والإماءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم كسب الْبَغي وَالْإِمَاء الْبَغي الْفَاجِرَة، يُقَال: بَغت الْمَرْأَة تبغي، بِالْكَسْرِ: بغيا إِذا زنت، فَهِيَ بغي، وَيجمع على: بَغَايَا. وَالْإِمَاء جمع: أمة. وَالْبَغي أَعم من أَن تكون أمة أَو حرَّة، وَالْأمة أَعم من أَن تكون بغية أَو عفيفة، وَلم يُصَرح بالحكم تَنْبِيها على أَن الْمَمْنُوع من كسب الْبَغي مُطلق، والممنوع من كسب الْأمة مُقَيّد بِالْفُجُورِ، لِأَن كسبها بالصنائع الْجَائِزَة غير مَمْنُوع.

وكَرِهَ إبْرَاهِيمُ أجْرَ النَّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ

إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي هَاشم عَنهُ: أَنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن، وَكَرِهَهُ أَيْضا الشّعبِيّ وَالْحسن، وَقَالَ عبد الله بن هُبَيْرَة: وأكلهم السُّحت، قَالَ: مهر الْبَغي، فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة فِي ذكر أثر إِبْرَاهِيم هَذَا فِي هَذَا الْبَاب؟ قلت: قَالَ بَعضهم: كَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن النَّهْي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَحْمُول على مَا كَانَت الحرفة فِيهِ مَمْنُوعَة، أَو تجر إِلَى أَمر مَمْنُوع. انْتهى. قلت: هَذَا لَا يصلح أَن يكون جَوَابا عَن السُّؤَال عَن الْمُنَاسبَة فِي ذكر الْأَثر الْمَذْكُور، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِن بَين كسب الْبَغي وَأجر النائحة والمغنية مُنَاسبَة من حَيْثُ إِن كلَاّ مِنْهُمَا مَعْصِيّة كَبِيرَة. وَأَن إِجَارَة كل مِنْهُمَا بَاطِلَة، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ.

وقَوْلُ الله تعالَى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلى البِغَاءِ إِن يُرِدْنَ تحَصُّنا لِتَبْتَغُوا عَرَض الحَياةِ الدُّنْيَا ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ فإنَّ الله منْ بَعْدِ إكْرَاهِهنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النُّور: ٣٣) .

وَقَول الله، بِالْجَرِّ تَقْدِيره: وَبَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {وَلَا تكْرهُوا} الْآيَة، ذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الدَّلِيل لحُرْمَة كسب الْبَغي لِأَنَّهُ نهي عَن إِكْرَاه الفتيات أَي: الْإِمَاء على الْبغاء، أَي: الزِّنَا، وَالنَّهْي يَقْتَضِي تَحْرِيم ذَلِك، وَتَحْرِيم هَذَا يَسْتَدْعِي حُرْمَة زناهن وَحُرْمَة زناهن تَسْتَلْزِم حُرْمَة وضع الضرائب عَلَيْهِنَّ، وَهِي تَقْتَضِي حُرْمَة الْأجر الْحَاصِل من ذَلِك.

ثمَّ سَبَب نزُول

هَذِه الْآيَة، فِيمَا ذكره مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي تَفْسِيره نزلت هَذِه الْآيَة فِي سِتّ جوَار لعبد الله بن أبي بن سلول كَانَ يكرههن على الزِّنَا، وَيَأْخُذ أُجُورهنَّ، وَهِي: معَاذَة ومسيكة وَأُمَيْمَة وَعمرَة وأروى وَقتيلَة، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُنَّ يَوْمًا بِدِينَار، وَجَاءَت أُخْرَى بِبرد، فَقَالَ لَهما: إرجعا فازنيا، فَقَالَتَا: وَالله لَا نَفْعل، قد جَاءَ الله تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ وَحرم الزِّنَا، فَأَتَتَا الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشكتا إِلَيْهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، ذكره الواحدي فِي (أَسبَاب النُّزُول) وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ: فِي قَوْله: {وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء} (النُّور: ٣٣) . قَالَ: إماءكم على الزِّنَا، وَأَن عبد الله بن أبي أَمر أمة لَهُ بِالزِّنَا فزنت فَجَاءَت بِبرد، فَقَالَ: إرجعي فازني على آخر. قَالَت: وَالله مَا أَنا براجعة، فَنزلت. وَهَذَا أخرجه مُسلم من طَرِيق أبي سُفْيَان عَن جَابر مَرْفُوعا، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق أبي الزبير: سمع جَابِرا قَالَ: جَاءَت مُسَيْكَة أمة لبَعض الْأَنْصَار فَقَالَت: إِن سَيِّدي يكرهني على الْبغاء. . فَنزلت. قَوْله: (فَتَيَاتكُم) ، جمع: فتاة، وَهِي الشَّابَّة، والفتى الشَّاب، وَقد فتي، بِالْكَسْرِ، يُفْتِي فَهُوَ فتي السن بَين الفتا والفتي السخي الْكَرِيم، وَقد تفتَّى وتفاتى، وَالْجمع: فتيَان وفتية، وفتو، على فعول، وفتي مثل عَصا، والفتيان: اللَّيْل وَالنَّهَار، واستفتيت الْفَقِيه فِي مَسْأَلَة فأفتاني، وَالِاسْم الْفتيا وَالْفَتْوَى. قَوْله: {إِن أردن تَحَصُّنًا} (النُّور: ٣٣) . أَي: تعففا. وَقَالَ بَعضهم، قَوْله: {إِن أردن تَحَصُّنًا} (النُّور: ٣٣) . لَا مَفْهُوم لَهُ، بل خرج مخرج الْغَالِب. قلت: الْمَفْهُوم لَا يَصح نَفْيه لِأَن كلمة: إِن، تَقْتَضِي ذَلِك، وَلَكِن الَّذِي يُقَال هُنَا: أَن: إِن، لَيست للشّرط، بل بِمَعْنى: إِذْ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين} (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . وَقَوله تَعَالَى: {وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين} (آل عمرَان: ٩٣١) . وَقَوله تَعَالَى: {لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله} (الْفَتْح: ٧٢) . وَمعنى: إِن، فِي هَذِه كلهَا بِمَعْنى: إِذْ، وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّرْط لِأَنَّهُ لَا يجوز إكراههن على الزِّنَا إِن لم يردن تَحَصُّنًا، ثمَّ قَالَ: وَكلمَة: إِن، وإيثارها على: إِذا، إيذان بِأَن الباغيات كن يفعلن ذَلِك برغبة وطواعية، وَقيل: إِن أردن تَحَصُّنًا. مُتَّصِل بقوله: {وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم} (النُّور: ٢٣) . أَي: من أَرَادَ أَن يلْزم الحصانة فليتزوج. وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالْمعْنَى: {فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم} (النُّور: ٣٣) . لمن أَرَادَ تَحَصُّنًا. قَوْله: (لتبتغوا) أَي: لتطلبوا بإكراههن على الزِّنَا أُجُورهنَّ على الزِّنَا. قَوْله: (غَفُور رَحِيم) أَي: لَهُنَّ، وَقيل: لَهُم، لمن تَابَ عَن ذَلِك بعد نزُول الْآيَة، وَقيل: لَهُنَّ وَلَهُم إِن تَابُوا وَأَصْلحُوا.

٢٨٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَى عنْ ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوانِ الْكَاهِنِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمهر الْبَغي) . والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَاخِر الْبيُوع فِي: بَاب ثمن الْكَلْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

٣٨٢٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بن إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ جُحَادَةَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ نَهى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن كَسْبِ الإماءِ. (الحَدِيث ٣٨٢٢ طرفه فِي: ٨٤٣٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن جحادة، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة: الْأَيَامَى، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة: واسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ. والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن الْجَعْد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد من كسب الْإِمَاء الْمنْهِي: هُوَ الْكسْب الَّذِي تحصله الْأمة بِالْفُجُورِ، وَأما الَّذِي تحصله بالصناعة الْمُبَاحَة فَغير مَنْهِيّ عَنهُ.

١٢ - (بابُ عَسْبِ الفَحْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن عسب الْفَحْل، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة عسب الْفَحْل، وَهُوَ بِفَتْح الْعين وَسُكُون

السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَقد اخْتلف أهل اللُّغَة فِيهِ: هَل هُوَ الضراب أَو الْكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ عَلَيْهِ أَو مَاء الْفَحْل؟ فَحكى أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: أَنه الْكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ على ضراب الْفَحْل، وَبِه صدر الْجَوْهَرِي كَلَامه فِي (الصِّحَاح) ، ثمَّ قَالَ: وعسب الْفَحْل أَيْضا ضرابه. وَيُقَال: مَاؤُهُ، وَصدر صَاحب (الْمُحكم) كَلَامه بِأَن العسب: ضراب الْفَحْل، ثمَّ قَالَ: عسب الرجل يعسبه عسبا أعطَاهُ، وَقَالَ أَبُو عبيد: العسب فِي الحَدِيث الْكِرَاء، وَالْأَصْل فِيهِ الضراب. قَالَ: وَالْعرب تسمي الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه، أَو من سَببه، كَمَا قَالُوا للمزادة: راوية، والراوية: الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ، قَالَ شَيخنَا: وَيدل على مَا قَالَه أَبُو عبيد رِوَايَة الشَّافِعِي: (نهى عَن ثمن بيع عسب الْفَحْل) ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْمَشْهُور فِي الفقهيات أَن العسب الضراب، وَقَالَ الْغَزالِيّ: هُوَ النُّطْفَة. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) عسب الرجل عسبا أكرى مِنْهُ فحلاً ينزيه. وَقَالَ أَبُو عَليّ: وَلَا يتَصَرَّف مِنْهُ فعل، يُقَال: قطع الله عسبه أَي: مَاءَهُ ونسله، وَنقل ابْن التِّين عَن أَصْحَاب مَالك: أَن معنى عسب الْفَحْل أَن يتَعَدَّى عَلَيْهِ بِغَيْر أجر. وَقَالُوا: لَيْسَ بمعقول أَن يُسمى الْكِرَاء عسبا.

٤٨٢٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ وإسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلِيِّ بن الحَكَمِ عنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ عَسْبِ الفَحْلِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن علية، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: عَليّ بن الحكم، بالفتحتين: الْبنانِيّ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد النُّون الأولى. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد الله بن عمر.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن مُسَددًا روى عَن شيخين. وَفِيه: أَن إِسْمَاعِيل بن علية ذكر هُنَا بنسبته إِلَى أَبِيه وشهرته باسم أمه عَلَيْهِ أَكثر. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون مَا خلا نَافِعًا. وَفِيه: أَن عَليّ بن الحكم ثِقَة عِنْد الْجَمِيع إلَاّ أَن أَبَا الْفَتْح الْأَزْدِيّ لينه. قَالَ بَعضهم: لينه بِلَا مُسْتَند. قلت: لَو لم يظْهر عِنْده شَيْء لما لينه، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل وَحده بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع وَأبي عمار عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن علية بِهِ، وَعَن حميد بن مسْعدَة عَن عبد الْوَارِث بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن حميد بن مسْعدَة عَن عبد الْوَارِث، وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة. أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: نهى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن ثمن الْكَلْب وعسب الْفَحْل، وَفِي رِوَايَة للنسائي: عسب التيس وَعَن أنس أخرجه ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن ابْن شهَاب، عَن أنس أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نهى عَن أجر عسب الْفَحْل. قَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّمَا يروي من كَلَام أنس، وَيزِيد لم يسمع من الزُّهْرِيّ، وَإِنَّمَا كتب إِلَيْهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَعَن أبي سعيد أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة هِشَام عَن ابْن أبي نعيم عَنهُ، قَالَ: نهى عَن عسب الْفَحْل، وَعَن جَابر أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: نهى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن بيع ضراب الْجمل. وَعَن عَليّ ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه عبد الله بن أَحْمد فِي (زوائده) على الْمسند من حَدِيث عَاصِم بن ضَمرَة عَنهُ: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن كل ذِي نَاب من السبَاع، وَعَن كل ذِي مخلب من الطُّيُور، وَعَن ثمن الْميتَة، وَعَن لحم الْحمر الْأَهْلِيَّة، وَعَن مهر الْبَغي، وَعَن عسب الْفَحْل، وَعَن المياثر الأرجوان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ من حرم بيع عسب الْفَحْل وإجارته، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة: مِنْهُم: عَليّ وَأَبُو هُرَيْرَة، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء، كَمَا حكى عَنْهُم الْخطابِيّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَجزم أَصْحَاب الشَّافِعِي بِتَحْرِيم البيع لِأَن مَاء الْفَحْل غير مُتَقَوّم وَلَا مَعْلُوم وَلَا مَقْدُور على تَسْلِيمه. وحكوا فِي إِجَارَته وَجْهَيْن: أصَحهمَا:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

١٨٢٢ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ دَعَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غلَاما حَجَّاما فحَجَمَهُ وأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أوْ صَاعَيْنِ أوْ مُدٍّ أوْ مُدَّيْنِ وكَلَّمع فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وكلم فِيهِ فَخفف من ضريبته) ، والْحَدِيث عَن حميد عَن أنس مر عَن قريب، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من هَذَا الْوَجْه عَن حميد: سَمِعت أنسا.

قَوْله: (دَعَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غُلَاما) قَالَ بَعضهم: هُوَ أَبُو طيبَة كَمَا تقدم قبل بَاب. قلت: من أَيْن علم أَنه هُوَ؟ فَلم لَا يجوز أَن يكون غَيره؟ وَمن ادّعى أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكن لَهُ إلَاّ حجام وَاحِد مُتَعَيّن فَعَلَيهِ الْبَيَان. وَقد روى ابْن مَنْدَه فِي (معرفَة الصَّحَابَة) من رِوَايَة الزُّهْرِيّ قَالَ: كَانَ جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يحدث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم على كَاهِله من أجل الشَّاة الَّتِي أكلهَا، حجمه أَبُو هِنْد مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وروى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة: أَن أَبَا هِنْد حجم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اليافوخ ... الحَدِيث. وَقَالَ ابْن مَنْدَه: قيل: إسم أبي هِنْد سِنَان، وَقيل: سَالم. قَوْله: (وكلم فِيهِ) ، مَفْعُوله مَحْذُوف، أَي: كلم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْغُلَام الْمَذْكُور مَوْلَاهُ بِأَن يُخَفف عَنهُ من ضريبته، وَكلمَة: فِي، للتَّعْلِيل، أَي: كلم لأَجله كَمَا فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها) أَي: لأجل هرة.

وَفِيه: اسْتِعْمَال العَبْد بِغَيْر إِذن سَيّده إِذا كَانَ معدا لعمل ومعروفا بِهِ. وَفِيه: الحكم بِالدَّلِيلِ، لِأَنَّهُ اسْتدلَّ على أَنه مَأْذُون لَهُ فِي الْعَمَل لانتصابه لَهُ وَعرض نَفسه عَلَيْهِ، وَيجوز للحجام أَن يَأْكُل من كَسبه، وَكَذَلِكَ السَّيِّد، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

٠٢ - (بابُ كَسْبِ الْبَغِيِّ والإماءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم كسب الْبَغي وَالْإِمَاء الْبَغي الْفَاجِرَة، يُقَال: بَغت الْمَرْأَة تبغي، بِالْكَسْرِ: بغيا إِذا زنت، فَهِيَ بغي، وَيجمع على: بَغَايَا. وَالْإِمَاء جمع: أمة. وَالْبَغي أَعم من أَن تكون أمة أَو حرَّة، وَالْأمة أَعم من أَن تكون بغية أَو عفيفة، وَلم يُصَرح بالحكم تَنْبِيها على أَن الْمَمْنُوع من كسب الْبَغي مُطلق، والممنوع من كسب الْأمة مُقَيّد بِالْفُجُورِ، لِأَن كسبها بالصنائع الْجَائِزَة غير مَمْنُوع.

وكَرِهَ إبْرَاهِيمُ أجْرَ النَّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ

إِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن أبي هَاشم عَنهُ: أَنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن، وَكَرِهَهُ أَيْضا الشّعبِيّ وَالْحسن، وَقَالَ عبد الله بن هُبَيْرَة: وأكلهم السُّحت، قَالَ: مهر الْبَغي، فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة فِي ذكر أثر إِبْرَاهِيم هَذَا فِي هَذَا الْبَاب؟ قلت: قَالَ بَعضهم: كَانَ البُخَارِيّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن النَّهْي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَحْمُول على مَا كَانَت الحرفة فِيهِ مَمْنُوعَة، أَو تجر إِلَى أَمر مَمْنُوع. انْتهى. قلت: هَذَا لَا يصلح أَن يكون جَوَابا عَن السُّؤَال عَن الْمُنَاسبَة فِي ذكر الْأَثر الْمَذْكُور، وَلَكِن يُمكن أَن يُقَال: إِن بَين كسب الْبَغي وَأجر النائحة والمغنية مُنَاسبَة من حَيْثُ إِن كلَاّ مِنْهُمَا مَعْصِيّة كَبِيرَة. وَأَن إِجَارَة كل مِنْهُمَا بَاطِلَة، وَهَذَا الْمِقْدَار كافٍ.

وقَوْلُ الله تعالَى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلى البِغَاءِ إِن يُرِدْنَ تحَصُّنا لِتَبْتَغُوا عَرَض الحَياةِ الدُّنْيَا ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ فإنَّ الله منْ بَعْدِ إكْرَاهِهنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النُّور: ٣٣) .

وَقَول الله، بِالْجَرِّ تَقْدِيره: وَبَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {وَلَا تكْرهُوا} الْآيَة، ذكر هَذِه الْآيَة فِي معرض الدَّلِيل لحُرْمَة كسب الْبَغي لِأَنَّهُ نهي عَن إِكْرَاه الفتيات أَي: الْإِمَاء على الْبغاء، أَي: الزِّنَا، وَالنَّهْي يَقْتَضِي تَحْرِيم ذَلِك، وَتَحْرِيم هَذَا يَسْتَدْعِي حُرْمَة زناهن وَحُرْمَة زناهن تَسْتَلْزِم حُرْمَة وضع الضرائب عَلَيْهِنَّ، وَهِي تَقْتَضِي حُرْمَة الْأجر الْحَاصِل من ذَلِك.

ثمَّ سَبَب نزُول

هَذِه الْآيَة، فِيمَا ذكره مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي تَفْسِيره نزلت هَذِه الْآيَة فِي سِتّ جوَار لعبد الله بن أبي بن سلول كَانَ يكرههن على الزِّنَا، وَيَأْخُذ أُجُورهنَّ، وَهِي: معَاذَة ومسيكة وَأُمَيْمَة وَعمرَة وأروى وَقتيلَة، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُنَّ يَوْمًا بِدِينَار، وَجَاءَت أُخْرَى بِبرد، فَقَالَ لَهما: إرجعا فازنيا، فَقَالَتَا: وَالله لَا نَفْعل، قد جَاءَ الله تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ وَحرم الزِّنَا، فَأَتَتَا الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وشكتا إِلَيْهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، ذكره الواحدي فِي (أَسبَاب النُّزُول) وروى الطَّبَرِيّ من طَرِيق ابْن نجيح عَن مُجَاهِد قَالَ: فِي قَوْله: {وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء} (النُّور: ٣٣) . قَالَ: إماءكم على الزِّنَا، وَأَن عبد الله بن أبي أَمر أمة لَهُ بِالزِّنَا فزنت فَجَاءَت بِبرد، فَقَالَ: إرجعي فازني على آخر. قَالَت: وَالله مَا أَنا براجعة، فَنزلت. وَهَذَا أخرجه مُسلم من طَرِيق أبي سُفْيَان عَن جَابر مَرْفُوعا، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق أبي الزبير: سمع جَابِرا قَالَ: جَاءَت مُسَيْكَة أمة لبَعض الْأَنْصَار فَقَالَت: إِن سَيِّدي يكرهني على الْبغاء. . فَنزلت. قَوْله: (فَتَيَاتكُم) ، جمع: فتاة، وَهِي الشَّابَّة، والفتى الشَّاب، وَقد فتي، بِالْكَسْرِ، يُفْتِي فَهُوَ فتي السن بَين الفتا والفتي السخي الْكَرِيم، وَقد تفتَّى وتفاتى، وَالْجمع: فتيَان وفتية، وفتو، على فعول، وفتي مثل عَصا، والفتيان: اللَّيْل وَالنَّهَار، واستفتيت الْفَقِيه فِي مَسْأَلَة فأفتاني، وَالِاسْم الْفتيا وَالْفَتْوَى. قَوْله: {إِن أردن تَحَصُّنًا} (النُّور: ٣٣) . أَي: تعففا. وَقَالَ بَعضهم، قَوْله: {إِن أردن تَحَصُّنًا} (النُّور: ٣٣) . لَا مَفْهُوم لَهُ، بل خرج مخرج الْغَالِب. قلت: الْمَفْهُوم لَا يَصح نَفْيه لِأَن كلمة: إِن، تَقْتَضِي ذَلِك، وَلَكِن الَّذِي يُقَال هُنَا: أَن: إِن، لَيست للشّرط، بل بِمَعْنى: إِذْ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين} (الْبَقَرَة: ٨٧٢) . وَقَوله تَعَالَى: {وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين} (آل عمرَان: ٩٣١) . وَقَوله تَعَالَى: {لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله} (الْفَتْح: ٧٢) . وَمعنى: إِن، فِي هَذِه كلهَا بِمَعْنى: إِذْ، وَقَالَ النَّسَفِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّرْط لِأَنَّهُ لَا يجوز إكراههن على الزِّنَا إِن لم يردن تَحَصُّنًا، ثمَّ قَالَ: وَكلمَة: إِن، وإيثارها على: إِذا، إيذان بِأَن الباغيات كن يفعلن ذَلِك برغبة وطواعية، وَقيل: إِن أردن تَحَصُّنًا. مُتَّصِل بقوله: {وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم} (النُّور: ٢٣) . أَي: من أَرَادَ أَن يلْزم الحصانة فليتزوج. وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالْمعْنَى: {فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور رَحِيم} (النُّور: ٣٣) . لمن أَرَادَ تَحَصُّنًا. قَوْله: (لتبتغوا) أَي: لتطلبوا بإكراههن على الزِّنَا أُجُورهنَّ على الزِّنَا. قَوْله: (غَفُور رَحِيم) أَي: لَهُنَّ، وَقيل: لَهُم، لمن تَابَ عَن ذَلِك بعد نزُول الْآيَة، وَقيل: لَهُنَّ وَلَهُم إِن تَابُوا وَأَصْلحُوا.

٢٨٢٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أبِي بَكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَهَى عنْ ثَمَنِ الكَلْبِ ومَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوانِ الْكَاهِنِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمهر الْبَغي) . والْحَدِيث قد مضى فِي أَوَاخِر الْبيُوع فِي: بَاب ثمن الْكَلْب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك ... إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

٣٨٢٢ - حدَّثنا مُسْلِمُ بن إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ جُحَادَةَ عنْ أبِي حازِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ نَهى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن كَسْبِ الإماءِ. (الحَدِيث ٣٨٢٢ طرفه فِي: ٨٤٣٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَمُحَمّد بن جحادة، بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْحَاء الْمُهْملَة: الْأَيَامَى، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْكُوفِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَمِائَة، وَأَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة: واسْمه سلمَان الْأَشْجَعِيّ. والْحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن الْجَعْد. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد من كسب الْإِمَاء الْمنْهِي: هُوَ الْكسْب الَّذِي تحصله الْأمة بِالْفُجُورِ، وَأما الَّذِي تحصله بالصناعة الْمُبَاحَة فَغير مَنْهِيّ عَنهُ.

١٢ - (بابُ عَسْبِ الفَحْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان النَّهْي عَن عسب الْفَحْل، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَة عسب الْفَحْل، وَهُوَ بِفَتْح الْعين وَسُكُون

السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، وَقد اخْتلف أهل اللُّغَة فِيهِ: هَل هُوَ الضراب أَو الْكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ عَلَيْهِ أَو مَاء الْفَحْل؟ فَحكى أَبُو عبيد عَن الْأمَوِي: أَنه الْكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ على ضراب الْفَحْل، وَبِه صدر الْجَوْهَرِي كَلَامه فِي (الصِّحَاح) ، ثمَّ قَالَ: وعسب الْفَحْل أَيْضا ضرابه. وَيُقَال: مَاؤُهُ، وَصدر صَاحب (الْمُحكم) كَلَامه بِأَن العسب: ضراب الْفَحْل، ثمَّ قَالَ: عسب الرجل يعسبه عسبا أعطَاهُ، وَقَالَ أَبُو عبيد: العسب فِي الحَدِيث الْكِرَاء، وَالْأَصْل فِيهِ الضراب. قَالَ: وَالْعرب تسمي الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه، أَو من سَببه، كَمَا قَالُوا للمزادة: راوية، والراوية: الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ، قَالَ شَيخنَا: وَيدل على مَا قَالَه أَبُو عبيد رِوَايَة الشَّافِعِي: (نهى عَن ثمن بيع عسب الْفَحْل) ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْمَشْهُور فِي الفقهيات أَن العسب الضراب، وَقَالَ الْغَزالِيّ: هُوَ النُّطْفَة. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) عسب الرجل عسبا أكرى مِنْهُ فحلاً ينزيه. وَقَالَ أَبُو عَليّ: وَلَا يتَصَرَّف مِنْهُ فعل، يُقَال: قطع الله عسبه أَي: مَاءَهُ ونسله، وَنقل ابْن التِّين عَن أَصْحَاب مَالك: أَن معنى عسب الْفَحْل أَن يتَعَدَّى عَلَيْهِ بِغَيْر أجر. وَقَالُوا: لَيْسَ بمعقول أَن يُسمى الْكِرَاء عسبا.

٤٨٢٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ وإسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ عنْ عَلِيِّ بن الحَكَمِ عنْ نافِعٍ عَن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نَهَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنْ عَسْبِ الفَحْلِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن علية، وَقد تكَرر ذكره. الرَّابِع: عَليّ بن الحكم، بالفتحتين: الْبنانِيّ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد النُّون الأولى. الْخَامِس: نَافِع مولى ابْن عمر. السَّادِس: عبد الله بن عمر.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن مُسَددًا روى عَن شيخين. وَفِيه: أَن إِسْمَاعِيل بن علية ذكر هُنَا بنسبته إِلَى أَبِيه وشهرته باسم أمه عَلَيْهِ أَكثر. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون مَا خلا نَافِعًا. وَفِيه: أَن عَليّ بن الحكم ثِقَة عِنْد الْجَمِيع إلَاّ أَن أَبَا الْفَتْح الْأَزْدِيّ لينه. قَالَ بَعضهم: لينه بِلَا مُسْتَند. قلت: لَو لم يظْهر عِنْده شَيْء لما لينه، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الحَدِيث.

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن مُسَدّد عَن إِسْمَاعِيل وَحده بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع وَأبي عمار عَن إِسْمَاعِيل بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن علية بِهِ، وَعَن حميد بن مسْعدَة عَن عبد الْوَارِث بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن حميد بن مسْعدَة عَن عبد الْوَارِث، وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة. أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة الْأَعْمَش عَن أبي حَازِم عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: نهى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن ثمن الْكَلْب وعسب الْفَحْل، وَفِي رِوَايَة للنسائي: عسب التيس وَعَن أنس أخرجه ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن ابْن شهَاب، عَن أنس أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نهى عَن أجر عسب الْفَحْل. قَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّمَا يروي من كَلَام أنس، وَيزِيد لم يسمع من الزُّهْرِيّ، وَإِنَّمَا كتب إِلَيْهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا. وَعَن أبي سعيد أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة هِشَام عَن ابْن أبي نعيم عَنهُ، قَالَ: نهى عَن عسب الْفَحْل، وَعَن جَابر أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: نهى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن بيع ضراب الْجمل. وَعَن عَليّ ابْن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه عبد الله بن أَحْمد فِي (زوائده) على الْمسند من حَدِيث عَاصِم بن ضَمرَة عَنهُ: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن كل ذِي نَاب من السبَاع، وَعَن كل ذِي مخلب من الطُّيُور، وَعَن ثمن الْميتَة، وَعَن لحم الْحمر الْأَهْلِيَّة، وَعَن مهر الْبَغي، وَعَن عسب الْفَحْل، وَعَن المياثر الأرجوان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِهِ من حرم بيع عسب الْفَحْل وإجارته، وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة: مِنْهُم: عَليّ وَأَبُو هُرَيْرَة، وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء، كَمَا حكى عَنْهُم الْخطابِيّ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَجزم أَصْحَاب الشَّافِعِي بِتَحْرِيم البيع لِأَن مَاء الْفَحْل غير مُتَقَوّم وَلَا مَعْلُوم وَلَا مَقْدُور على تَسْلِيمه. وحكوا فِي إِجَارَته وَجْهَيْن: أصَحهمَا:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد