الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٧٢
الحديث رقم ٢٢٧٢ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من استأجر أجيرا فترك الأجير أجره.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ وَأُجْرَةِ الْحَمَّالِ
٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَدِّي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ هَذَا النُّورِ). فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَذَلِكَ مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَبِلُوا هُدَى اللَّهِ وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مُدَّةَ الْيَهُودِ نَظِيرُ مُدَّتَيِ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْيَهُودِ إِلَى بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَمُدَّةَ النَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ، وَقِيلَ: أَقَلُّ، فَتَكُونُ مُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ قَطْعًا، وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّ أَجْرَ النَّصَارَى كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْيَهُودِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ عَمِلُوا نِصْفَ النَّهَارِ بِقِيرَاطٍ وَالنَّصَارَى نَحْوَ رُبُعِ النَّهَارِ بِقِيرَاطٍ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا حَصَلَ لِمَنْ آمَنَ مِنَ النَّصَارَى بِمُوسَى وَعِيسَى فَحَصَلَ لَهُمْ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ مَرَّتَيْنِ، بِخِلَافِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا بُعِثَ عِيسَى كَفَرُوا بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَوْفِيرُ أَجْرِهَا مَعَ قِلَّةِ عَمَلِهَا. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِدَامَةُ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، وَفِي قَوْلِهِ: فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، إِشَارَةٌ إِلَى قِصَرِ مُدَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُدَّةِ غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ مِنَ الطَّوَائِفِ كَانَ مُسَاوِيًا فِي الْمِقْدَارِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ مَشْرُوحًا.
١٢ - باب مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِر فَزَادَ أَوْ مَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ
٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ قوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، فكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٢٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (١) ابن شهابٍ أنَّه (٢) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ)
أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ) قال الجوهريُّ: والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال لا يكون فيهم امرأةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] فجمع، وليس لهم (١) واحدٌ من لفظهم (٢)، مثل: ذودٍ (مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا المَبِيتَ) بقصر الهمزة: لزموا (٣)، والمبيت: موضع البيتوتة (إِلَى غَارٍ) كهفٍ في جبلٍ (فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ) هبطت (صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ) بضمِّ الياء، من الإنجاء، أي: لا يخلِّصكم (مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ) بسكون واو «تدعوْا»، وأصله: تَدْعُونَ، فسقطت النُّون لدخول «أن» (فَقَالَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «قال» (رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ، كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) هو من باب التَّغليب؛ إذ المراد: الأب والأمُّ (وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا) بفتح الهمزة وإسكان (٤) الغين المعجمة وكسر المُوحَّدة، آخره قافٌ من الثَّلاثيِّ، كذا في الفرع، وفي نسخةٍ: «أغبُق» بضمِّ المُوحَّدة وللأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «أُغْبِقُ» بضمِّ الهمزة من الرُّباعيِّ، وخطَّؤوه، والغَبوق: شرب العشيِّ، أي: ما كنت أقدِّم عليهما في شرب نصيبهما من اللَّبن (أَهْلًا) أقارب (وَلَا مَالًا) رقيقًا (فَنَأَى) كـ «سعى» أي: بَعُدَ (بِي) ولكريمة والأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «فناء» بمدٍّ بعد النُّون بوزن «جاء»، وهو بمعنى الأوَّل (فِي طَلَبِ شَيْءٍ) بَعُدَ (يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء من «أراح» رباعيًّا (٥)،
أي: لم أرجع (عَلَيْهِمَا) أي: على أبويَّ (حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فحملت» بالميم (لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ) بالواو، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فكرهت» (أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ) أي: والحال أنَّ القدح (عَلَى يَدَيَّ) بتشديد آخره على التَّثنية (أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ) بفتح الرَّاء، أي: ظهر ضياؤه (فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ) بفاءين مفتوحتين فراءٍ مكسورةٍ مُشدَّدةٍ (فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ) منه. (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا) أي: بسبب نفسها أو من جهتها، وللحَمُّويي والمُستملي: «على نفسها»، أي: مستعليةً عليها، وهو كنايةٌ عن طلب الجماع (فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ) بتشديد الميم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ألممت»، أي: نزلت (بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ) المقحطة فأحوجتها (١) (فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِئَةَ دِينَارٍ) وفي «البيوع» [خ¦٢٢١٥]: مئةَ دينارٍ، والتَّخصيص بالعدد لا ينافي الزِّيادة، أو المئة كانت بالتماسها، والعشرون (٢) تبرُّعًا (٣) منه كرامةً لها (عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ) ذلك (حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٢١٥]: «فلمَّا قعدت بين رجليها» (قَالَتْ: لَا أَحِلُّ لَكَ) بفتح الهمزة في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «أُحِلُّ» بضمِّها، من الإحلال (أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: لا يحلُّ لك إزالة البكارة إلَّا بالحلال، وهو النِّكاح الشَّرعيُّ المسوِّغ للوطء (فَتَحَرَّجْتُ) أي: تجنَّبت واحترزت من الإثم النَّاشئ (مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا) بغير حقٍّ (فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا) قال العينيُّ: وفي رواية أبي ذرٍّ: «التي أعطيتها»، و «الذَّهب» يُذكَّر ويُؤنَّث (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء (عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ) أي: من هذه الصَّخرة، وقول الزَّركشيِّ: إنَّه في «البخاريِّ» بقطع الهمزة وكسر الرَّاء، أي: اكشف، وفي رواية غير البخاريِّ: بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء، لم أره فيما وقفت عليه من نسخ «البخاريِّ» المُعتَمدة كما قال: بل في (٤) كلِّها بهمزة الوصل، فالله أعلم (فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ)
بضمِّ الهمزة وفتح الجيم والرَّاء، جمع أجيرٍ، وسقط لفظ «إنِّي» لأبي الوقت (فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ) بفتح الهمزة وسكون الجيم (غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ) منهم (تَرَكَ) أجره (١) (الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ) أي: كثَّرتُ (أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَدِّي إِلَيَّ أَجْرِي) بياءٍ ثابتةٍ بعد الدَّال، والصَّواب حذفها (فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى) برفع «كلُّ»، والخبر قوله: (مِنْ أَجْرِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من أجلك» باللَّام بدل الرَّاء (مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ) بيانٌ لقوله: «ما ترى»، ولا منافاة بين قوله في السَّابقة: بقرًا وراعيها (٢) (فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي) بسكون الهمزة مجزومًا على الأمر (فَقُلْتُ) له: (إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ) بالفاء قبل الهمزة (كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا) بالوصل وضمِّ الرَّاء (مَا نَحْنُ فِيهِ) أي: من هذه الصَّخرة (فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا) من الغار (يَمْشُونَ) وقد تعقَّب المُهلَّبُ المصنِّفَ: بأنَّه ليس في الحديث دليلٌ لِمَا ترجم له؛ فإنَّ الرَّجل إنَّما اتَّجر في أجر أجيره ثمَّ أعطاه له على سبيل التَّبرُّع، فإنَّه إنَّما كان يلزمه قدر العمل خاصَّةً.
وهذا الحديث قد (٣) سبق في «كتاب البيوع» [خ¦٢٢١٥] وتأتي بقيَّة مباحثه في أواخر «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٦٥] إن شاء الله تعالى بعون الله ومنَّته (٤).
(١٣) (بابُ مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ) لغيره (لِيَحْمِلَ) له متاعه (عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ) أي: بأجره، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ تصدَّق منه» (وَ) باب (أُجْرَةِ الحَمَّالِ) بالحاء المهملة، ولأبي ذرٍّ: «وأجر» بغير هاءٍ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ هَذَا النُّورِ). فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَذَلِكَ مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَبِلُوا هُدَى اللَّهِ وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مُدَّةَ الْيَهُودِ نَظِيرُ مُدَّتَيِ النَّصَارَى وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْيَهُودِ إِلَى بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَمُدَّةَ النَّصَارَى مِنْ ذَلِكَ سِتُّمِائَةٍ، وَقِيلَ: أَقَلُّ، فَتَكُونُ مُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ قَطْعًا، وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّ أَجْرَ النَّصَارَى كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْيَهُودِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ عَمِلُوا نِصْفَ النَّهَارِ بِقِيرَاطٍ وَالنَّصَارَى نَحْوَ رُبُعِ النَّهَارِ بِقِيرَاطٍ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا حَصَلَ لِمَنْ آمَنَ مِنَ النَّصَارَى بِمُوسَى وَعِيسَى فَحَصَلَ لَهُمْ تَضْعِيفُ الْأَجْرِ مَرَّتَيْنِ، بِخِلَافِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا بُعِثَ عِيسَى كَفَرُوا بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَوْفِيرُ أَجْرِهَا مَعَ قِلَّةِ عَمَلِهَا. وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِدَامَةُ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، وَفِي قَوْلِهِ: فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، إِشَارَةٌ إِلَى قِصَرِ مُدَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُدَّةِ غَيْرِهِمْ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ مِنَ الطَّوَائِفِ كَانَ مُسَاوِيًا فِي الْمِقْدَارِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْمَوَاقِيتِ مَشْرُوحًا.
١٢ - باب مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِر فَزَادَ أَوْ مَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ
٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ قوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، فكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذلك ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٢٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (١) ابن شهابٍ أنَّه (٢) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ)
أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ) قال الجوهريُّ: والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال لا يكون فيهم امرأةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] فجمع، وليس لهم (١) واحدٌ من لفظهم (٢)، مثل: ذودٍ (مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا المَبِيتَ) بقصر الهمزة: لزموا (٣)، والمبيت: موضع البيتوتة (إِلَى غَارٍ) كهفٍ في جبلٍ (فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ) هبطت (صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ) بضمِّ الياء، من الإنجاء، أي: لا يخلِّصكم (مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ) بسكون واو «تدعوْا»، وأصله: تَدْعُونَ، فسقطت النُّون لدخول «أن» (فَقَالَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «قال» (رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ، كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ) هو من باب التَّغليب؛ إذ المراد: الأب والأمُّ (وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا) بفتح الهمزة وإسكان (٤) الغين المعجمة وكسر المُوحَّدة، آخره قافٌ من الثَّلاثيِّ، كذا في الفرع، وفي نسخةٍ: «أغبُق» بضمِّ المُوحَّدة وللأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «أُغْبِقُ» بضمِّ الهمزة من الرُّباعيِّ، وخطَّؤوه، والغَبوق: شرب العشيِّ، أي: ما كنت أقدِّم عليهما في شرب نصيبهما من اللَّبن (أَهْلًا) أقارب (وَلَا مَالًا) رقيقًا (فَنَأَى) كـ «سعى» أي: بَعُدَ (بِي) ولكريمة والأَصيليِّ -كما في «الفتح» -: «فناء» بمدٍّ بعد النُّون بوزن «جاء»، وهو بمعنى الأوَّل (فِي طَلَبِ شَيْءٍ) بَعُدَ (يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء من «أراح» رباعيًّا (٥)،
أي: لم أرجع (عَلَيْهِمَا) أي: على أبويَّ (حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فحملت» بالميم (لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ) بالواو، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فكرهت» (أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ) أي: والحال أنَّ القدح (عَلَى يَدَيَّ) بتشديد آخره على التَّثنية (أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ) بفتح الرَّاء، أي: ظهر ضياؤه (فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ) بفاءين مفتوحتين فراءٍ مكسورةٍ مُشدَّدةٍ (فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ) منه. (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا) أي: بسبب نفسها أو من جهتها، وللحَمُّويي والمُستملي: «على نفسها»، أي: مستعليةً عليها، وهو كنايةٌ عن طلب الجماع (فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ) بتشديد الميم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ألممت»، أي: نزلت (بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ) المقحطة فأحوجتها (١) (فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِئَةَ دِينَارٍ) وفي «البيوع» [خ¦٢٢١٥]: مئةَ دينارٍ، والتَّخصيص بالعدد لا ينافي الزِّيادة، أو المئة كانت بالتماسها، والعشرون (٢) تبرُّعًا (٣) منه كرامةً لها (عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ) ذلك (حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٢١٥]: «فلمَّا قعدت بين رجليها» (قَالَتْ: لَا أَحِلُّ لَكَ) بفتح الهمزة في «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «أُحِلُّ» بضمِّها، من الإحلال (أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ) أي: لا يحلُّ لك إزالة البكارة إلَّا بالحلال، وهو النِّكاح الشَّرعيُّ المسوِّغ للوطء (فَتَحَرَّجْتُ) أي: تجنَّبت واحترزت من الإثم النَّاشئ (مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا) بغير حقٍّ (فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا) قال العينيُّ: وفي رواية أبي ذرٍّ: «التي أعطيتها»، و «الذَّهب» يُذكَّر ويُؤنَّث (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ) بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء (عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ) أي: من هذه الصَّخرة، وقول الزَّركشيِّ: إنَّه في «البخاريِّ» بقطع الهمزة وكسر الرَّاء، أي: اكشف، وفي رواية غير البخاريِّ: بهمزة وصلٍ وضمِّ الرَّاء، لم أره فيما وقفت عليه من نسخ «البخاريِّ» المُعتَمدة كما قال: بل في (٤) كلِّها بهمزة الوصل، فالله أعلم (فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ)
بضمِّ الهمزة وفتح الجيم والرَّاء، جمع أجيرٍ، وسقط لفظ «إنِّي» لأبي الوقت (فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ) بفتح الهمزة وسكون الجيم (غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ) منهم (تَرَكَ) أجره (١) (الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ) أي: كثَّرتُ (أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَدِّي إِلَيَّ أَجْرِي) بياءٍ ثابتةٍ بعد الدَّال، والصَّواب حذفها (فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى) برفع «كلُّ»، والخبر قوله: (مِنْ أَجْرِكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من أجلك» باللَّام بدل الرَّاء (مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ) بيانٌ لقوله: «ما ترى»، ولا منافاة بين قوله في السَّابقة: بقرًا وراعيها (٢) (فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي) بسكون الهمزة مجزومًا على الأمر (فَقُلْتُ) له: (إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ) بالفاء قبل الهمزة (كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا) بالوصل وضمِّ الرَّاء (مَا نَحْنُ فِيهِ) أي: من هذه الصَّخرة (فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا) من الغار (يَمْشُونَ) وقد تعقَّب المُهلَّبُ المصنِّفَ: بأنَّه ليس في الحديث دليلٌ لِمَا ترجم له؛ فإنَّ الرَّجل إنَّما اتَّجر في أجر أجيره ثمَّ أعطاه له على سبيل التَّبرُّع، فإنَّه إنَّما كان يلزمه قدر العمل خاصَّةً.
وهذا الحديث قد (٣) سبق في «كتاب البيوع» [خ¦٢٢١٥] وتأتي بقيَّة مباحثه في أواخر «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٦٥] إن شاء الله تعالى بعون الله ومنَّته (٤).
(١٣) (بابُ مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ) لغيره (لِيَحْمِلَ) له متاعه (عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ) أي: بأجره، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ تصدَّق منه» (وَ) باب (أُجْرَةِ الحَمَّالِ) بالحاء المهملة، ولأبي ذرٍّ: «وأجر» بغير هاءٍ.