«انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٧٦

الحديث رقم ٢٢٧٦ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها…

«انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ

⦗٩٣⦘

مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ. ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ » وَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ: سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ بِهَذَا.

سند حديث: ٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ…

٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الْخَرْصِ

٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ. فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ، فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ .

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ … بِهَذَا.

[الحديث ٢٢٧٩ - أطرافه في: ٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)، كَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْجَمِيعِ، وَالْأَحْيَاءُ بِالْفَتْحِ جَمْعُ حَيٍّ وَالْمُرَادُ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ مَخْصُوصَةٌ، قَالَ الْهَمْدَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ: الشِّعْبُ وَالْحَيُّ بِمَعْنَى، وَسُمِّيَ الشِّعْبَ؛ لِأَنَّ الْقَبِيلَةَ تَتَشَعَّبُ مِنْهُ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَلَا بِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ، وَتَقْيِيدُهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِأَحْيَاءِ الْعَرَبِ يُشْعِرُ بِحَصْرِهِ فِيهِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ غَيْرِهِ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي الطِّبِّ الشُّرُوطُ فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ، وَتَرْجَمَ فِيهِ أَيْضًا: الرُّقْيَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالرُّقْيَةُ كَلَامٌ يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ دُرَسْتَوَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الطِّبِّ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَمَنَعُوهُ فِي التَّعْلِيمِ وَأَجَازُوهُ فِي الرُّقَى كَالدَّوَاءِ، قَالُوا: لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ عِبَادَةٌ، وَالْأَجْرُ فِيهِ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ الْقِيَاس فِي الرُّقَى إِلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ فِيهَا لِهَذَا الْخَبَرِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْأَجْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الثَّوَابِ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَسْخَهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَعِيدِ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِثْبَاتٌ لِلنَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِالْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ هِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ لِتَوَافُقِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثَيِ الْبَابِ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ

الْمَذْكُورَةَ أَيْضًا لَيْسَ فِيهَا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَلَا تُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي بَابِ التَّزْوِيجِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ، إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ، وَقَالَ الْحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ، وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً) أَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ: وَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْحَكَمِ فَوَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، سَأَلْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ عَنْ أَجْرِ الْمُعَلِّمِ، فَقَالَ: أَرَى لَهُ أَجْرًا، وَسَأَلْتُ الْحَكَمَ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ فَقِيهًا يَكْرَهُهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا حَذَقْتُ قُلْتُ لِعَمِّي: يَا عَمَّاهُ إِنَّ الْمُعَلِّمَ يُرِيدُ شَيْئًا، قَالَ: مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: أَعْطِهِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: أَعْطِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَجْرًا وَكَرِهَ الشَّرْطَ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا، وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ) أَمَّا قَوْلُهُ فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ، فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أُجُورَ الْقَسَّامِ وَيَقُولُ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ عَلَى الْحُكْمِ، وَأَرَى هَذَا حُكْمًا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ الْمُسَيَّبِ: مَا تَرَى فِي كَسْبِ الْقَسَّامِ؟ فَكَرِهَهُ. وَكَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُ كَسْبَهُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ. وَجَاءَتْ عَنْهُ رِوَايَةٌ يُجْمَعُ بِهَا بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدٍ - هُوَ ابْنُ سِيرِينَ - أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُشَارِطَ الْقَسَّامَ، وَكَأَنَّهُ يَكْرَهُ لَهُ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَارَطَةِ، وَلَا يَكْرَهُهَا إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ اشْتِرَاطٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَظَهَرَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ: وَكَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ بَقِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَشَارَ ابْنُ سِيرِينَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي تَفْسِيرِ السُّحْتِ: إِنَّهُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَسَانِيدِهِ عَنْهُمْ، وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَكِنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَفْظُهُ: كُلُّ لَحْمٍ أَنْبَتَهُ السُّحْتُ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السُّحْتُ؟ قَالَ: الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ.

(تَنْبِيهٌ): الْقَسَّامُ بِفَتْحِ الْقَافِ، فَعَّالٌ مِنَ الْقَسَمِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَشَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ بِضَمِّ الْقَافِ جَمْعُ قَاسِمٍ. وَالسُّحْتُ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَحُكِيَ ضَمُّ الْحَاءِ وَهُوَ شَاذٌّ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْلِهِ الْعَارُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَرَامِ. وَالرَّشْوَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ وَتُضَمُّ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَبِالْكَسْرِ الِاسْمُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانُوا يُعْطُونَ عَلَى الْخَرْصِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ صَادٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ الْحَزْرُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الْبُيُوعِ، أَيْ: كَانُوا يُعْطُونَ أُجْرَةَ الْخَارِصِ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَفْصِلُ التَّنَازُعَ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَلِأَنَّ الْخَرْصَ يُقْصَدُ لِلْقِسْمَةِ. وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الْقَسَّامِ وَالْخَارِصِ لِلتَّرْجَمَةِ الِاشْتِرَاكُ فِي أَنَّ جِنْسَهُمَا وَجِنْسَ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالرُّقْيَةِ وَاحِدٌ، وَمِنْ ثَمَّ كَرِهَ مَالِكٌ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى عَقْدِ الْوَثَائِقِ لِكَوْنِهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَكَرِهَ أَيْضًا أُجْرَةَ الْقَسَّامِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَرِهَهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَكَرِهَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً أُخْرَى، وَأَشَارَ سَحْنُونٌ إِلَى الْجَوَازِ عِنْدَ فَسَادِ أُمُورِ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: أَحْدَثَ النَّاسُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ لَمْ يَكُنْ يُؤْخَذُ عَلَيْهِنَّ أَجْرٌ: ضِرَابَ الْفَحْلِ، وَقِسْمَةَ الْأَمْوَالِ، وَالتَّعْلِيمَ اهـ. وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَبَرَّعُونَ بِهَا، فَلَمَّا فَشَا الشُّحُّ طَلَبُوا الْأُجْرَةَ فَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَتُحْمَلُ كَرَاهَةُ مَنْ كَرِهَهَا عَلَى التَّنْزِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) هُوَ جَعْفَرُ بْنُ

أَبِي وَحْشِيَّةَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ كَأَبِيهِ اسْمُهُ إِيَاسٌ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) هُوَ النَّاجِيُّ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ تَصْرِيحَ أَبِي بِشْرٍ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، وَتَابَعَ أَبَا عَوَانَةَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ شُعْبَةُ كَمَا فِي آخِرِ الْبَابِ، وَهُشَيْمٌ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ وَخَالَفَهُمُ الْأَعْمَشُ فَرَوَاهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، جَعَلَ بَدَلَ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، أَبَا نَضْرَةَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِ قِهِ، فَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ: طَرِيقُ شُعْبَةَ أَصَحُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: إِنَّهَا الصَّوَابُ، وَرَجَّحَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي السُّنَنِ شَيْئًا وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَقْدِي أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ لِاشْتِمَالِ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَلَى زِيَادَاتٍ فِي الْمَتْنِ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ، فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَبِي بِشْرٍ عَنْ شَيْخَيْنِ، فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا، وَلَمْ يُصِبِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَتَّةَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ.

قَوْلُهُ: (انْطَلَقَ نَفَرٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْهُمْ سِوَى أَبِي سَعِيدٍ، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ هَذِهِ الطَّرِيقِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ السَّفَرَ كَانَ فِي جِهَادٍ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعْثًا. زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ: بَعَثَ سَرِيَّةً عَلَيْهَا أَبُو سَعِيدٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَغَازِي، بَلْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْحَيِّ الَّذِينَ نَزَلُوا بِهِمْ مِنْ أَيِّ: الْقَبَائِلِ هُمْ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَضَافُوهُمْ) أَيْ: طَلَبُوا مِنْهُمُ الضِّيَافَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ لَيْلًا فَسَأَلْنَاهُمُ الْقِرَى فَأَفَادَتْ عَدَدَ السَّرِيَّةِ وَوَقْتَ النُّزُولِ كَمَا أَفَادَتْ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ تَعْيِينَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ، وَالْقِرَى - بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ -: الضِّيَافَةُ.

قَوْلُهُ: (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ وَبِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مُخَفَّفًا.

قَوْلُهُ: (فَلُدِغَ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَاللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ اللَّسْعُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَأَمَّا اللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْإِحْرَاقُ الْخَفِيفُ، وَاللَّدْغُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ ضَرْبُ ذَاتِ الْحُمَّةِ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْرَبِ. وَقَدْ أَفَادَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ تَعْيِينُ الْعَقْرَبِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ أَوْ لَدِيغٌ فَشَكٌّ مِنْ هُشَيْمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَاقُونَ فَلَمْ يَشُكُّوا فِي أَنَّهُ لَدِيغٌ، وَلَا سِيَّمَا تَصْرِيحَ الْأَعْمَشِ بِالْعَقْرَبِ، وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدَ بِلَفْظِ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَكَذَا فِي الطِّبِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَالسَّلِيمُ هُوَ اللَّدِيغُ نَعَمْ، وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي رَجُلٍ مُصَابٍ بِعَقْلِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَبَرَأَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَعِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ، فَقَالُوا: إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ الْحَدِيثَ. فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ فِي قِصَّةِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ لَدِيغٌ.

قَوْلُهُ: (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنْ يُتَدَاوَى بِهِ مِنْ لَدْغَةِ الْعَقْرَبِ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ السَّعْيِ أَيْ: طَلَبُوا لَهُ مَا يُدَاوِيهِ، وللْكُشْمِيهَنِيِّ فَشَفَوْا بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْخَطَّابِيِّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ طَلَبُوا الشِّفَاءَ، تَقُولُ: شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَيْ: أَبْرَأَهُ وَشَفَى لَهُ الطَّبِيبُ أَيْ: عَالَجَهُ بِمَا يَشْفِيهِ أَوْ وَصَفَ لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاءُ، لَكِنِ ادَّعَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ.

قَوْلُهُ: (لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ). قَالَ ابْنُ التِّينِ قَالَ تَارَةً: نَفَرًا، وَتَارَةً: رَهْطًا، وَالنَّفَرُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالثَّلَاثَةِ، وَالرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ: يَصِلُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، قُلْتُ: وَهَذَا

الْحَدِيثُ يَدُلُّ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَوْهُمْ) فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا، زَادَ الْبَزَّارُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكُمْ جَاءَ بِالنُّورِ وَالشِّفَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (وَسَعَيْنَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَشَفَيْنَا بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا.

قَوْلُهُ: (فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: يَنْفَعُ صَاحِبَنَا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي بِكَسْرِ الْقَافِ، وَبَيَّنَ الْأَعْمَشُ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْخَبَرِ، وَلَفْظُهُ: قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا. وَلَكِنْ لَا أَرْقِيهِ حَتَّى تُعْطُونَا غَنَمًا فَأَفَادَ بَيَانَ جِنْسِ الْجُعْلِ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَا يُعْطَى عَلَى عَمَلٍ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَوْنَ الرَّاقِي هُوَ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْخَبَرِ مَعَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ: فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَفِيهِ: فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً فَفِي ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ غَيْرُهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُكَنِّيَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَعَلَّ أَبَا سَعِيدٍ صَرَّحَ تَارَةً وَكَنَّى أُخْرَى وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْأَعْمَشُ بِتَعْيِينِهِ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ بِلَفْظِ: فَأَتَيْتُهُ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَا أَرْقِيهِ وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الْأَعْمَشِ فَإِنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَنْصَارِيٌّ، وَأَمَّا حَمْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ ذَلِكَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ وَأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى قِصَّتَيْنِ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا رَاقِيًا وَفِي الْأُخْرَى كَانَ الرَّاقِي غَيْرَهُ فَبَعِيدٌ جِدًّا، وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ وَالسِّيَاقِ وَالسَّبَبِ، وَيَكْفِي فِي رَدِّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَلَا حَامِلَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِنٌ بِدُونِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ فَإِنَّ

السِّيَاقَيْنِ مُخْتَلِفَانِ، وَكَذَا السَّبَبُ، فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى التَّعَدُّدِ فِيهِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (فَصَالَحُوهُمْ) أَيْ: وَافَقُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْقَطِيعُ هُوَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْغَنَمِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقَطِيعَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُقْتَطَعُ مِنْ غَنَمٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ قُرْقُولٍ وَغَيْرُهُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالْأَرْبَعِينَ; وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَقَالُوا: إِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً. وَكَذَا ثَبَتَ ذِكْرُ عَدَدِ الشِّيَاهِ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِعَدَدِ السَّرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا عَدَدَهُمْ، فَجَعَلُوا الْجُعْلَ بِإِزَائِهِ.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِكَسْرِهَا وَهُوَ نَفْخٌ مَعَهُ قَلِيلُ بُزَاقٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: مَحَلُّ التَّفْلِ فِي الرُّقْيَةِ يَكُونُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لِتَحْصِيلِ بَرَكَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَوَارِحِ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْهَا الرِّيقُ فَتَحْصُلُ الْبَرَكَةُ فِي الرِّيقِ الَّذِي يَتْفُلُهُ.

قَوْلُهُ: (وَيَقْرَأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: فَجَعَلَ يَقْرَأُ عَلَيْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْفَاتِحَةِ الْحَمْدَ، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَدَدَ مَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ، لَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَأَنَّهُ سَبْعُ مَرَّاتٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْحُكْمُ لِلزَّائِدِ.

قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّمَا نُشِطَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ لُغَةٌ، وَالْمَشْهُورُ نُشِطَ إِذَا عُقِدَ وَأُنْشِطَ إِذَا حُلَّ، وَأَصْلُهُ الْأُنْشُوطَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ وَهِيَ الْحَبْلُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى أُنْشِطَ: حُلَّ، وَمَعْنَى نُشِطَ: أُقِيمَ بِسُرْعَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ نَشِيطٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى نُشِطَ فَزِعَ، وَلَوْ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، أَيْ: حُلَّ شَيْئًا فَشَيْئًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ عِقَالٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ هُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ ذِرَاعُ الْبَهِيمَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ) بِحَرَكَاتٍ أَيْ: عِلَّةٌ، وَقِيلَ: لِلْعِلَّةِ: قَلَبَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي تُصِيبُهُ يُقْلَبُ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ لِيُعْلَمَ مَوْضِعُ الدَّاءِ. قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَقَدْ بَرِئْتُ فَمَا فِي الصَّدْرِ مِنْ قَلَبَهْ.

وَفِي نُسْخَةِ الدِّمْيَاطِيِّ بِخَطِّهِ: قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْقَلَبَةُ دَاءٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقُلَابِ، يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فَيَأْلَمُ قَلْبُهُ فَيَمُوتُ مِنْ يَوْمِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ الَّذِي رَقَى) بِفَتْحِ الْقَافِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَلَمَّا قَبَضْنَا الْغَنَمَ عَرَضَ فِي أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ: فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ: فَبُعِثَ إِلَيْنَا بِالشِّيَاهِ وَالنُّزُلِ فَأَكَلْنَا الطَّعَامَ، وَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا الْغَنَمَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا هُوَ الرَّاقِي، وَأَمَّا فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ فَأَبْهَمَهُ.

قَوْلُهُ: (فَنَنْطُرُ مَا يَأْمُرُنَا) أَيْ: فَنَتَّبِعُهُ، وَلَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُمْ يُخَيَّرُونَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا أَدْرَاكَ، وَقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ هُوَ الْمَحْفُوظُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ: إِذَا قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ فَلَمْ يُعْلَمْ، وَإِذَا قَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ فَقَدْ أُعْلِمَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اللُّغَةِ أَيْ: فِي نَفْيِ الدِّرَايَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: وَمَا أَدْرَاكَ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ: وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مِنَ الشَّيْءِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي تَعْظِيمِ الشَّيْءِ أَيْضًا، وَهُوَ لَائِقٌ هُنَا، زَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُ نَهْيًا أَيْ مِنَ النَّبِيِّ عَنْ ذَلِكَ، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ قَتَّةَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ: قُلْتُ: أُلْقِيَ فِي رُوعِي. وللدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَيْءٌ أُلْقِيَ فِي رُوعِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مُتَقَدِّمٌ بِمَشْرُوعِيَّةِ الرُّقَى بِالْفَاتِحَةِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ لَمَّا رَجَعَ: مَا كُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَوَّبَ فِعْلَهُمْ فِي الرُّقْيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ فِي تَوَقُّفِهِمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْجُعْلِ حَتَّى اسْتَأْذَنُوهُ، وَيَحْتَمِلُ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا) أَيِ: اجْعَلُوا لِي مِنْهُ نَصِيبًا، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَأْنِيسِهِمْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ) هَذِهِ الطَّرِيقُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَصَلَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الطِّبِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ لَكِنْ بِالْعَنْعَنَةِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَزْوِهِ إِلَى التِّرْمِذِيِّ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْبُخَارِيِّ، وَغَفَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنْ ذَلِكَ فَعَابَ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الرُّقْيَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا كَانَ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ، وَكَذَا غَيْرُ الْمَأْثُورِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ مَا فِي الْمَأْثُورِ، وَأَمَّا الرُّقَى بِمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُثْبِتُهُ وَلَا مَا يَنْفِيهِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الضِّيَافَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي وَالنُّزُولُ عَلَى مِيَاهِ الْعَرَبِ، وَطَلَبُ مَا عِنْدَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْقِرَى أَوِ الشِّرَاءِ، وَفِيهِ مُقَابَلَةُ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْمَكْرُمَةِ بِنَظِيرِ صَنِيعِهِ لِمَا صَنَعَهُ الصَّحَابِيُّ مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنَ الرُّقْيَةِ فِي مُقَابَلَةِ امْتِنَاعِ أُولَئِكَ مِنْ ضِيَافَتِهِمْ، وَهَذِهِ طَرِيقُ مُوسَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وَلَمْ يَعْتَذِرِ الْخَضِرُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ. وَفِيهِ إِمْضَاءُ مَا يَلْتَزِمُهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْتَزَمَ أَنْ يَرْقِيَ وَأَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ بِالْوَفَاءِ بِذَلِكَ.

وَفِيهِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَوْهُوبِ إِذَا كَانَ أَصْلُهُ مَعْلُومًا، وَجَوَازُ طَلَبِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ يُعْلَمُ رَغْبَتُهُ فِي ذَلِكَ وَإِجَابَتُهُ إِلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَازُ قَبْضِ الشَّيْءِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْحِلُّ وَتَرْكِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إِذَا عَرَضَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ. وَفِيهِ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ فَقْدِ النَّصِّ وَعَظَمَةُ الْقُرْآنِ فِي صُدُورِ الصَّحَابَةِ خُصُوصًا الْفَاتِحَةَ، وَفِيهِ أَنَّ الرِّزْقَ الْمَقْسُومَ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مَنْعُهُ مِمَّنْ قُسِمَ لَهُ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ مَنَعُوا الضِّيَافَةَ وَكَانَ اللَّهُ قَسَمَ لِلصَّحَابَةِ فِي مَالِهِمْ نَصِيبًا فَمَنَعُوهُمْ فَسَبَّبَ لَهُمْ لَدْغَ الْعَقْرَبِ حَتَّى سِيقَ لَهُمْ مَا قُسِمَ لَهُمْ. وَفِيهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ حَيْثُ اخْتَصَّ بِالْعِقَابِ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ الِائْتِمَارُ بِأَمْرِ كَبِيرِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ رَأْسَهُمْ فِي الْمَنْعِ اخْتُصَّ بِالْعُقُوبَةِ دُونَهُمْ جَزَاءً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، جعفر ابن أبي وحشيَّة، واسمه: إياسٌ (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داود، ويُقال: ابن دُؤاد -بضمِّ الدَّال بعدها واوٌ بهمزةٍ- النَّاجي -بالنُّون والجيم- البصريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ () أنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ) هو ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال، لكن عند ابن ماجه: أنَّهم كانوا ثلاثين، وكذا عند التِّرمذيِّ، ولم يُسَمَّ أحدٌ منهم، وفي رواية سليمان ابن قَيَّة (١) -بفتح القاف وتشديد التَّحتيَّة- عند الإمام أحمد: بعثنا رسول الله ثلاثين رجلًا (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا) أي: في سريَّةٍ عليها أبو سعيدٍ الخدريُّ كما عند الدَّارقُطنيِّ، ولم يعيِّنها أحدٌ من أهل المغازي فيما وقف عليه الحافظ ابن حجرٍ (حَتَّى نَزَلُوا) أي: ليلًا كما في «التِّرمذيِّ» (عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ) قال في «الفتح»: ولم أقف على تعيين الحيِّ الذي نزلوا بهم من أيِّ القبائل هم (فَاسْتَضَافُوهُمْ) أي: طلبوا منهم الضِّيافة (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) بفتح الضَّاد المعجمة وتشديد التَّحتيَّة، ويروى: «يضِيفوهم» بكسر الضَّاد والتَّخفيف (فَلُدِغَ) بضمِّ اللَّام وكسر الدَّال المهملة لا المعجمة -وسها الزَّركشيُّ- وبالغين المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: لُسِع (سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ) أي: بعقربٍ كما في «التِّرمذيِّ»، ولم يُسَمَّ سيِّد الحيِّ (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) ممَّا جرت العادة أن يتداووا به من لدغة العقرب، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فشَفَوا» بفتح الشِّين المعجمة والفاء وسكون الواو، أي: طلبوا له الشِّفاء، أي: عالجوه بما يشفيه، وقد

زعم السَّفاقسيُّ أنَّها تصحيفٌ (لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: (لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ (١) الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا) عندكم (لَعَلَّهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لعلَّ» بإسقاط الهاء (أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ) يداويه (فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وشفينا» (لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ) في رواية معبد بن سيرين [خ¦٥٠٠٧]: أنَّ الذي جاءهم جاريةٌ منهم، فيُحمَل على أنَّه كان معها غيرها (فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟) زاد أبو داود من هذا الوجه: ينفع صاحبنا، وزاد البزَّار: فقالوا لهم: قد بلغنا أنَّ صاحبكم جاء بالنُّور والشِّفاء، قالوا: نعم (٢) (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو أبو سعيدٍ الرَّاوي، كما في بعض روايات مسلمٍ: (نَعَمْ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْقِي) بفتح الهمزة وكسر القاف (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) بضمِّ الجيم وسكون العين: ما يُعطَى على العمل (فَصَالَحُوهُمْ) أي: وافقوهم (عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ) وفي رواية النَّسائيِّ: ثلاثون شاةً، وهو مناسبٌ لعدد السَّريَّة -كما مرَّ- فكأنَّهم اعتبروا عددهم، فجعلوا لكلِّ واحدٍ شاةً (فَانْطَلَقَ) الرَّاقي إلى الملدوغ، وجعل (يَتْفُِلُ عَلَيْهِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الفوقيَّة وكسر الفاء وتُضَمُّ: ينفخ نفخًا معه أدنى بزاقٍ، قال العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة في «بهجة النُّفوس»: محلُّ التَّفل في الرُّقية بعد القراءة، لتحصل بركة الرِّيق في الجوارح التي يمرُّ عليها، فتحصل البركة في الرِّيق الذي يَتْفُِلُه (وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) «الفاتحة» إلى آخرها، وفي

رواية الأعمش عند [أحمد والتِّرمذيِّ] (١): سبع مرَّاتٍ، وفي حديث جابرٍ: ثلاث مرَّاتٍ، والحكم للزَّائد (فَكَأَنَّمَا نُشِطَ) بضمِّ النُّون وكسر الشِّين المعجمة من الثُّلاثيِّ المُجرَّد، أي: حُلَّ (مِنْ عِقَالٍ) بكسر العين المهملة وبعدها قافٌ: حبلٍ يُشَدُّ به ذراع البهيمة، لكن قال الخطَّابيُّ: إنَّ المشهور أن يُقال في الحَلِّ: «أُنشِط» -بالهمزة- وفي العَقْد: نُشِط، وقال ابن الأثير: وكثيرًا ما يجيء في الرِّواية: «كأنَّما نُشِط من عقالٍ»، وليس بصحيحٍ، يُقال: نشطت العقدة إذا عقدتها، وأنشطتها وانتشطتها إذا حللتها، وفي «القاموس» كـ «الصِّحاح»: والحبلَ كنَصَرَ: عَقَدَهُ كنشَّطه وأَنْشَطَه: حلَّه، ونقل في «المصابيح» عن الهرويِّ أنَّه رواه: «كأنَّما أُنشِط من عقالٍ»، وعن السَّفاقسيِّ: أنَّه كذلك في بعض الرِّوايات ههنا (فَانْطَلَقَ) الملدوغ، حال كونه (يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ) بحركاتٍ؛ أي: علَّةٌ، وسُمِّي بذلك لأنَّ الذي تصيبه يتقلَّب من جنبٍ إلى جنبٍ؛ ليعلم موضع الدَّاء منه، ونُقِل عن خطِّ الدِّمياطيِّ أنَّه داءٌ مأخوذٌ من القلاب يأخذ البعير، فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه (قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ) وهو الثَّلاثون شاةً (فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى) بفتح الرَّاء والقاف: (لَا تَفْعَلُوا) ما ذكرتم من القسمة (حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ فَنَذْكُرَ لَهُ) بنصب «نذكرَ» عطفًا على «نأتيَ» المنصوب بـ «أن» المضمرة بعد «حتَّى» (الَّذِي كَانَ) من أمرنا هذا (فَنَنْظُرَ) نُصِب عطفًا على (٢) المنصوب (مَا يَأْمُرُنَا) به فنتَّبعه، وفي رواية الأعمش: فلمَّا قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها شيءٌ (فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ) المدينةَ (فَذَكَرُوا لَهُ) القصَّة (فَقَالَ) للرَّاقي: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا) أي: الفاتحة (رُقْيَةٌ؟) بضمِّ الرَّاء وإسكان القاف، قال الدَّاوديُّ: معناه: ما أدراك؟ قال: ولعلَّه المحفوظ؛ لأنَّ ابن عيينة قال: إذا قال (٣): «وما يدريك؟» فلم يدره، وما قيل فيه: «وما أدراك» فقد علمه، وأجاب ابن التِّين: بأنَّ ابن عيينة إنَّما قال ذلك فيما وقع في القرآن، وإلَّا فلا فرق بينهما في اللُّغة، وعند الدَّارقُطنيِّ: «وما علمك أنَّها رقيةٌ؟» قال: حقٌّ أُلقِي (٤) في

رُوعي (ثُمَّ قَالَ) : (قَدْ أَصَبْتُم) في الرُّقية، أو في توقُّفكم عن التَّصرُّف في الجُعْلِ حتَّى استأذنتموني، أو أعمُّ من ذلك (اقْسِمُوا) الجُعْلَ بينكم (وَاضْرِبُوا) اجعلوا (لِي مَعَكُمْ) منه (سَهْمًا) أي: نصيبًا والأمر بالقسمة من باب مكارم الأخلاق، وإلَّا فالجميع للرَّاقي، وإنَّما قال: «اضربوا» تطييبًا لقلوبهم، ومبالغةً في أنَّه حلالٌ لا شبهة فيه (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النَّبيُّ» (، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج فيما وصله التِّرمذيُّ والمؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٦] لكن بالعنعنة: (حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ) جعفر بن أبي وحشيَّة السَّابق قال: (سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكِّلِ) النَّاجي (بِهَذَا) الحديث السَّابق، وفائدة ذكره هذا: تصريح أبي بِشْرٍ بالسَّماع، ومتابعة شعبة لأبي عَوانة على الإسناد، وقد تابع أبا عَوانة أيضًا هُشَيمٌ كما في «مسلمٍ» و «النَّسائيِّ»، وخالفهم الأعمش فرواه عن جعفر بن (١) أبي وحشيَّة عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ، فجعل بدل «أبي المتوكِّل» «أبا نضرة»، أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وليس الحديث مضطربًا، بل الطَّريقان محفوظان، قاله في «الفتح»، وقد سقط قوله «قال أبو عبد الله» إلى آخره في رواية الحَمُّويي، وثبت للمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ.

ومباحث هذا الحديث (٢) وما يُستنبَط منه تأتي -إن شاء الله تعالى- في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٦] ومطابقته للتَّرجمة واضحةٌ، وفيه أنَّ رجاله كلَّهم مذكورون بالكنى، وهو غريبٌ جدًّا، وكلُّهم بصريُّون غير أبي عوانة فواسطيٌّ، وأخرجه المؤلِّف في «الطِّبِّ» أيضًا، وكذا مسلمٌ، وأخرجه أبو داود فيه وفي «البيوع»، والتِّرمذيُّ فيه، وكذا النَّسائيُّ، وابن ماجه في «التِّجارات».

(١٧) (بابُ) حكم (ضَرِيبَةِ العَبْدِ) بفتح الضَّاد المعجمة، «فعيلةٌ» بمعنى «مفعولة»: ما يقرِّره السَّيِّد على عبده في كلِّ يومٍ (وَ) بيان (تَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِمَاءِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بن بشار عَن ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن خباب ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي، قاضيها، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى مُسلم عَن مَسْرُوق إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. والقين، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْحداد.

قَوْله: (أما) ، حرف التَّنْبِيه وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا أكفر. قَوْله: (حَتَّى تَمُوت) غَايَة لَهُ، وَالْغَرَض التأييد كَمَا فِي قَوْلك: إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَبعد الْبَعْث لَا يُمكن الْكفْر. قَوْله: (فَلَا) أَي: فَلَا أكفر، ويروى هَكَذَا: فَلَا أكفر. فَإِن قلت: الْفَاء لَا تدخل جَوَاب الْقسم. قلت: الْمَذْكُور مُفَسّر للمقدر، ويروى: أمَّا، بتَشْديد الْمِيم، وَتَقْدِيره: أمَّا أَنا فَلَا أكفر، وَالله، وأمَّا غَيْرِي فَلَا أعلم حَاله، قَوْله: (وَإِنِّي) همزَة الِاسْتِفْهَام مقدرَة فِيهِ، وَإِنَّمَا أكد بِأَن وَاللَّام مَعَ أَن الْمُخَاطب هُوَ خباب غير مُنكر وَلَا مُتَرَدّد فِي ذَلِك، لِأَن الْعَاصِ فهم مِنْهُ التَّأْكِيد فِي مُقَابلَة إِنْكَاره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَتَقول هَذَا الْكَلَام الْمُؤَكّد؟

٦١ - (بابُ مَا يُعْطَى فِي الرقَيَّةِ عَلى أحْياءِ الَعرَبِ بِفاتِحَةِ الْكِتابِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا يعْطى فِي الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب، وَلم يبين الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث على عَادَته فِي ذَلِك. والرقية، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: من رقاه رقيا ورقية ورقيا، فَهُوَ راقٍ: إِذا عوذه، وَصَاحبه رقاه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقد يُقَال: استرقيته، بِمَعْنى: رقيته. قَالَ: وَعَن الْكسَائي: ارتقيته، بِهَذَا الْمَعْنى، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: كل كَلَام استشفي بِهِ من وجع أَو خوف أَو شَيْطَان أَو سحر فَهُوَ رقية، وَفِي مُعظم نسخ البُخَارِيّ وأكثرها هَكَذَا: بَاب مَا يعْطى فِي الرّقية على أَحيَاء الْعَرَب بِفَاتِحَة الْكتاب، وَاعْترض عَلَيْهِ بتقييده بأحياء الْعَرَب بِأَن الحكم لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمحَال وَلَا الْأَمْكِنَة، وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ ترْجم بالواقع وَلم يتَعَرَّض لنفي غَيره. قلت: هَذَا الْجَواب غير مقنع لِأَنَّهُ قَيده بأحياء الْعَرَب، والقيد شَرط إِذا انْتَفَى يَنْتَفِي الْمَشْرُوط، وَهَذَا الْقَائِل لم يكتف بِهَذَا الْجَواب الَّذِي لَا يرضى بِهِ حَتَّى قَالَ: والأحياء جمع حَيّ، وَالْمرَاد بِهِ: طَائِفَة مَخْصُوصَة، وَهَذَا الْكَلَام أَيْضا يشْعر بالتقييد، وَالْأَصْل فِي الْبَاب الْإِطْلَاق، فَافْهَم.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحَقُّ مَا أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرا كِتابُ الله

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة لقِرَاءَة الْقُرْآن وللتعليم أَيْضا وللرقيا بِهِ أَيْضا لعُمُوم اللَّفْظ، وَهُوَ يُفَسر أَيْضا الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ مَا بَين فِيهِ حكم مَا يعْطى فِي الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب، وَهَذَا الَّذِي علقه البُخَارِيّ طرف من حَدِيث وَصله هُوَ فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب الشَّرْط فِي الرّقية بقطيع من الْغنم، حَدثنِي سيدان بن مضَارب ... إِلَى آخِره وَفِي آخِره: إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله.

وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَخذ الْأجر على الرّقية بِالْفَاتِحَةِ، وَفِي أَخذه على التَّعْلِيم، فَأَجَازَهُ عَطاء وَأَبُو قلَابَة، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَنَقله الْقُرْطُبِيّ عَن أبي حنيفَة فِي الرّقية، وَهُوَ قَول إِسْحَاق. وَكره الزُّهْرِيّ تَعْلِيم الْقُرْآن بِالْأَجْرِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يجوز أَن يَأْخُذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَقَالَ الْحَاكِم من أَصْحَابنَا فِي كِتَابه (الْكَافِي) : وَلَا يجوز أَن يسْتَأْجر رجل رجلا أَن يعلم وَلَده الْقُرْآن وَالْفِقْه والفرائض أَو يؤمهم رَمَضَان أَو يُؤذن، وَفِي (خُلَاصَة الْفَتَاوَى) نَاقِلا عَن الأَصْل: لَا يجوز الِاسْتِئْجَار على الطَّاعَات كتعليم الْقُرْآن وَالْفِقْه وَالْأَذَان والتذكير والتدريس وَالْحج والغزو، يَعْنِي: لَا يجب الْأجر، وَعند أهل الْمَدِينَة: يجوز، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي ونصير وعصام، وَأَبُو نصر الْفَقِيه وَأَبُو اللَّيْث رَحِمهم الله. وَالْأَصْل الَّذِي بنى عَلَيْهِ حُرْمَة الِاسْتِئْجَار على هَذِه الْأَشْيَاء: أَن كل طَاعَة يخْتَص بهَا الْمُسلم لَا يجوز الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا، لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء طَاعَة وقربة تقع على الْعَامِل. قَالَ تَعَالَى: {وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إلَاّ مَا سعى} (النَّجْم: ٩٣) . فَلَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة من غَيره كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة، وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِأَحَادِيث: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام الدستوَائي حَدثنِي يحى بن أبي كثير عَن أبي رَاشد الحبراني قَالَ: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن شبْل: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: إقرأوا الْقُرْآن وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَعنهُ: وَلَا تجفوا وَلَا تقلوا فِيهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَيْضا فِي (مُسْنده) وَابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق فِي (مصنفيهما) . وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ عبد بن حميد وَأَبُو يعلى الْموصِلِي وَالطَّبَرَانِيّ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَن حَمَّاد بن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عبد الرَّحْمَن

ابْن عَوْف مَرْفُوعا نَحوه. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَن الضَّحَّاك بن نبراس الْبَصْرِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحوه. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمُغيرَة بن زِيَاد الْموصِلِي عَن عبَادَة بن نسي عَن الْأسود بن ثَعْلَبَة عَن عبَادَة بن الصَّامِت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: علَّمتُ نَاسا من أهل الصّفة الْقُرْآن فأهدى إليَّ رجل مِنْهُم قوسا، فَقلت: لَيست بِمَال، وأرمي بهَا فِي سَبِيل الله. فَسَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: إِن أردْت أَن يطوقك الله طوقا من نَار فاقبلها. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق آخر من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن عبَادَة بن الصَّامِت، قَالَ: كَانَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا قدم الرجل مُهَاجرا دَفعه إِلَى رجل منا يُعلمهُ الْقُرْآن، فَدفع إليَّ رجلا كَانَ معي وَكنت أقرئه الْقُرْآن، فَانْصَرَفت يَوْمًا إِلَى أَهلِي فَرَأى أَن عَلَيْهِ حَقًا، فأهدى إِلَيّ قوسا مَا رَأَيْت أَجود مِنْهَا عودا، وَلَا أحسن مِنْهَا عَطاء، فَأتيت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فاستفتيته، فَقَالَ: جَمْرَة بَين كتفيك تقلدتها أَو تعلقتها. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (كتاب الْفَضَائِل) عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج عَن بشر بن عبد الله بن يسَار بِهِ سندا ومتنا. وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الأسناد وَلم يخرجَاهُ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَطِيَّة الكلَاعِي عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: علمت رجلا الْقُرْآن فأهدى إليَّ قوسا، فَذكرت ذَلِك للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: إِن أَخَذتهَا أخذت قوسا من نَار. قَالَ: فرددتها. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ من حَدِيث أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من أَخذ قوسا على تَعْلِيم الْقُرْآن قَلّدهُ الله قوسا من نَار) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من حَدِيث سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قَرَأَ الْقُرْآن يَأْكُل بِهِ النَّاس جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه عَظمَة لَيْسَ عَلَيْهِ لحم) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن يرفعهُ: (اقرأوا الْقُرْآن وسلوا الله بِهِ، فَإِن من بعدكم قوم يقرأون الْقُرْآن يسْأَلُون النَّاس بِهِ) . وَذكر ابْن بطال من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي جرهم عَن أبي هُرَيْرَة، قلت: (يَا رَسُول الله {مَا تَقول فِي المعلمين؟ قَالَ} أجرهم حرَام) وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، مَرْفُوعا: (لَا تستأجروا المعلمين) وَهَذَا غير صَحِيح، وَفِي إِسْنَاده أَحْمد بن عبد الله الْهَرَوِيّ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: دجال يضع الحَدِيث، وَوَافَقَهُ صَاحب التَّنْقِيح، وَهَذِه الْأَحَادِيث، وَإِن كَانَ فِي بَعْضهَا مقَال، لَكِنَّهَا يُؤَكد بَعْضهَا بَعْضًا، وَلَا سِيمَا حَدِيث الْقوس، فَإِنَّهُ صَحِيح كَمَا ذكرنَا، وَإِذا تعَارض نصان أَحدهمَا مُبِيح وَالْآخر محرم يدل على النّسخ كَمَا نذكرهُ عَن قريب، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث أبي سعد الْخُدْرِيّ الَّذِي يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فِي هَذَا الْبَاب.

وَأجَاب ابْن الْجَوْزِيّ نَاقِلا عَن أَصْحَابه عَن حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَلَاثَة أجوبة: أَحدهَا: أَن الْقَوْم كَانُوا كفَّارًا فَجَاز أَخذ أَمْوَالهم. وَالثَّانِي: أَن حق الضَّيْف وَاجِب وَلم يضيفوهم. وَالثَّالِث: أَن الرّقية لَيست بقربة مَحْضَة، فَجَاز أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَا نسلم أَن جَوَاز أَخذ الإجر فِي الرقي يدل على جَوَاز التَّعْلِيم بِالْأَجْرِ، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَمعنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن أَحَق مَا إخذتم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله) ، يَعْنِي: إِذا رقيتم بِهِ، وَحمل بعض من منع أَخذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن الْأجر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور على الثَّوَاب، وَبَعْضهمْ ادعوا أَنه مَنْسُوخ بالأحاديث الْمَذْكُورَة الَّتِي فِيهَا الْوَعيد، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ إِثْبَات النّسخ بالإحتمال، وَهُوَ مَرْدُود. قلت: منع هَذَا بِدَعْوَى الِاحْتِمَال مَرْدُود، وَمن الَّذِي قَالَ هَذَا الحَدِيث يحْتَمل النّسخ، بل الَّذِي ادّعى النّسخ إِنَّمَا قَالَ: هَذَا الحَدِيث يحْتَمل الْإِبَاحَة، وَالْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة تمنع الْإِبَاحَة قطعا، والنسخ هُوَ الْحَظْر بعد الْإِبَاحَة، لِأَن الْإِبَاحَة أصل فِي كل شَيْء، فَإِذا طَرَأَ الْحَظْر يدل على النّسخ بِلَا شكّ، وَقَالَ بَعضهم: الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة لَيْسَ فِيهَا مَا تقوم بِهِ الْحجَّة فَلَا تعَارض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قلت: لَا نسلم عدم قيام الْحجَّة فِيهَا. فَإِن حَدِيث الْقوس صَحِيح، وَفِيه الْوَعيد الشَّديد. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَيجوز الْأجر على الرقى وَإِن كَانَ يدْخل فِي بعضه الْقُرْآن، لِأَنَّهُ لَيْسَ على النَّاس أَن يرقي بَعضهم بَعْضًا، وَتَعْلِيم النَّاس بَعضهم بَعْضًا الْقُرْآن وَاجِب، لِأَن فِي ذَلِك التَّبْلِيغ عَن الله تَعَالَى، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَول الطَّحَاوِيّ هَذَا غلط، لِأَن تعلمه لَيْسَ بِفَرْض، فَكيف تَعْلِيمه؟ وَإِنَّمَا الْفَرْض الْمعِين مِنْهُ على كل أحد مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة، وَغير ذَلِك فَضِيلَة ونافلة، وَكَذَلِكَ تَعْلِيم النَّاس بَعضهم بَعْضًا، لَيْسَ بِفَرْض مُتَعَيّن عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا هُوَ على الْكِفَايَة، وَلَا فرق بَين الْأُجْرَة فِي الرقي وعَلى تَعْلِيم الْقُرْآن، لِأَن ذَلِك كُله مَنْفَعَة. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام صادر بقلة الْأَدَب وَعدم مُرَاعَاة أدب الْبَحْث، سَوَاء كَانَ هَذَا الْكَلَام مِنْهُ أَو هُوَ نَقله

من غَيره، وَكَيف يَقُول: لِأَن تعلمه لَيْسَ بِفَرْض فَكيف تَعْلِيمه؟ فَإِذا لم يكن تَعْلِيمه وتعلمه فرضا فَلَا يفْرض قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الصَّلَاة. وَقد أَمر الله تَعَالَى بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بقوله: (فاقرأوا) فَإِذا أسلم أحد من أهل الْحَرْب أَفلا يفْرض عَلَيْهِ أَن يعلم مِقْدَار مَا تجوز بِهِ صلَاته؟ وَإِذا لم يجد إلَاّ أحدا مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن كُله أَو بعضه، أَفلا يجب عَلَيْهِ أَن يُعلمهُ مِقْدَار مَا تجوز بِهِ الصَّلَاة؟ وَقَوله: وَإِنَّمَا الْفَرْض الْمعِين مِنْهُ مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة، يدل على أَن تعلمه فرض عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يقدر على هَذَا الْمِقْدَار إلَاّ بالتعليم، إِذْ لَا يقدر عَلَيْهِ من ذَاته، فَإِذا كَانَ مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة من الْقِرَاءَة فرضا عَلَيْهِ يكون تعلمه هَذَا الْمِقْدَار فرضا عَلَيْهِ، لِأَن مَا يقوم بِهِ الْفَرْض فرض، والتعلم لَا يحصل إلَاّ بالتعليم، فَيكون فرضا على كل حَال، سَوَاء كَانَ على التَّعْيِين أَو على الْكِفَايَة، وَكَيف لَا يكون فرضا وَقد أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتبليغ من الله تَعَالَى؟ وَلَو كَانَ آيَة من الْقُرْآن؟ وَأوجب التَّبْلِيغ عَلَيْهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بلغُوا عني وَلَو آيَة من كتاب الله تَعَالَى.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ إلَاّ أنْ يُعُطى شَيْئا فلْيَقْبَلْهُ

الشّعبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي شيبَة عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن عُثْمَان بن الْحَارِث، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن أَيُّوب بن عَائِذ الطَّائِي عَنهُ، وَقَول الشّعبِيّ هَذَا يدل على أَن أَخذ الْأجر بالاشتراط لَا يجوز فَإِن اعطى من غير شَرط فَإِنَّهُ يجوز أَخذه لِأَنَّهُ إمَّا هبة أَو صَدَقَة، وَلَيْسَ بِأُجْرَة، وأصحابنا الْحَنَفِيَّة قَائِلُونَ بِهَذَا أَيْضا. قَوْله: (إِلَّا أَن يعْطى) ، الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُنْقَطع، مَعْنَاهُ: لَكِن الْإِعْطَاء بِدُونِ الِاشْتِرَاط جَائِز فيقبله، ويروى: إِن، بِكَسْر الْهمزَة أَي: لَكِن إِن يعْطى شَيْئا بِدُونِ الشَّرْط فليقبله، وَإِنَّمَا كتب يعْطى، بِالْألف على قِرَاءَة الْكسَائي: {من يتقِ ويصبر} أَو الْألف حصلت من إشباع الفتحة.

وَقَالَ الحَكَمُ لَمْ أسْمَعْ أحدا كَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ

الحكم، بِفَتْح الْحَاء وَالْكَاف: ابْن عتيبة، وَوصل تَعْلِيقه الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) : حَدثنَا عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة سَأَلت مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أجر الْمعلم، فَقَالَ: أرى لَهُ أجرا، قَالَ: وَسَأَلت الحكم، فَقَالَ: مَا سَمِعت فَقِيها يكرههُ. انْتهى. قلت: نفي الحكم سَمَاعه من أَخذ كَرَاهَة أجر الْمعلم لَا يسْتَلْزم النَّفْي عَن الْكل، لِأَن النبيي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كره لعبادة بن الصَّامِت حِين أهْدى لَهُ من كَانَ يُعلمهُ قوسا ... الحَدِيث، وَقد مر عَن قريب، وَقَالَ عبد الله بن شَقِيق: يكره أرش الْمعلم، فَإِن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا يكرهونه ويرونه شَدِيدا، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يَأْخُذُوا على الغلمان فِي الْكتاب أجرا، وَذهب الزُّهْرِيّ وَإِسْحَاق إِلَى: أَنه لَا يجوز أَخذ الْأجر عَلَيْهِ.

وأعْطَى الحَسَنُ دَراهِمَ عَشْرَةً

أَي: أعْطى الْحسن الْبَصْرِيّ عشرَة دَرَاهِم أجر الْمعلم، وَوصل تَعْلِيقه مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) من طَرِيق يحيى بن سعيد بن أبي الْحسن، قَالَ: لما حذقت قلت لِعَمِّي: يَا عماه! إِن الْمعلم يُرِيد شَيْئا. قَالَ: مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ شَيْئا. ثمَّ قَالَ: أعْطه خَمْسَة دَرَاهِم، فَلم أزل بِهِ حَتَّى قَالَ: أَعْطوهُ عشرَة دَرَاهِم، ورورى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا حَفْص عَن أَشْعَث عَن الْحسن أَنه قَالَ: لَا بَأْس أَن يَأْخُذ على الْكِتَابَة أجرا، وَكره الشَّرْط. انْتهى، وَالْكِتَابَة غير التَّعْلِيم.

ولَمْ يَرَ ابنَ سِيرينَ بأجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسا. وَقَالَ كانَ يُقالُ السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الحُكْمِ وكانُوا يُعْطَوْنَ عَلى الخَرْصِ

قيل: وَجه ذكر القسام والخارص فِي هَذَا الْبَاب الِاشْتِرَاك فِي أَن جنسهما وجنس تَعْلِيم الْقُرْآن والرقية وَاحِد. انْتهى. قلت: هَذَا وَجه فِيهِ تعسف، وَيُمكن أَن يُقَال: وَقع هَذَا اسْتِطْرَادًا لَا قصدا، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، والقسام، بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد، مُبَالغَة قَاسم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: القسام جمع الْقَاسِم، فعلى قَوْله: الْقَاف مَضْمُومَة. قلت: السُّحت، بِضَم السِّين وَسُكُون

الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَحكى ضم الْحَاء وَهُوَ شَاذ، وَقد فسره بالرشوة فِي الحكم، وَهُوَ بِتَثْلِيث الرَّاء، وَقيل بِفَتْح الرَّاء الْمصدر، وبالكسر الِاسْم. وَقيل: السُّحت مَا يلْزم الْعَار بِأَكْلِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرِّشْوَة الوصلة إِلَى الْحَاجة بالمصانعة وَأَصله من الرشاء الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى المَاء. وَقَالَ: السُّحت الْحَرَام الَّذِي لَا يحل كَسبه لِأَنَّهُ يسحت الْبركَة أَي يذهبها، واشتقاقه من السُّحت بِالْفَتْح، وَهُوَ الإهلاك والاستئصال. قَوْله: (وَكَانُوا يُعْطون) أَي: الْأُجْرَة، على الْخرص، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالصاد الْمُهْملَة، وَهُوَ الْحِرْز وزنا وَمعنى. وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الْبيُوع.

ثمَّ اعْمَلْ أَن قَول ابْن سِيرِين: فِي أُجْرَة القسام، مُخْتَلف فِيهِ، فروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : من طَرِيق يحيى بن عَتيق عَن مُحَمَّد وَهُوَ ابْن سِيرِين: أَنه كَانَ يكره أجور القسام، وَيَقُول: كَانَ يُقَال: السُّحت الرِّشْوَة على الحكم، وَأرى هَذَا حكما يُؤْخَذ عَلَيْهِ الْأجر، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: قتل لِابْنِ الْمسيب: مَا ترى فِي كسب القسام؟ فكرهه، وَكَانَ الْحسن يكره كَسبه، وَقَالَ ابْن سِيرِين: إِن لم يكن حسنا فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَجَاءَت عَنهُ رِوَايَة جمع بهَا مَا بَين هَذَا الِاخْتِلَاف، قَالَ ابْن سعد: حَدثنَا عَارِم حَدثنَا حَمَّاد عَن يحيى عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سِيرِين، أَنه كَانَ يكره أَن يشارط القسام، فَكَأَنَّهُ كَانَ يكره لَهُ أَخذ الْأُجْرَة على سَبِيل المشارطة وَلَا يكرهها إِذا كَانَت بِغَيْر اشْتِرَاط. وَأما قَول ابْن سِيرِين: السُّحت الرِّشْوَة فِي الحكم، فَأَخذه مِمَّا جَاءَ عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، من قَوْلهم فِي تَفْسِير السُّحت: إِنَّه الرِّشْوَة فِي الحكم، أخرجه الطَّبَرِيّ بأسانيده عَنْهُم، وَرَوَاهُ من وَجه آخر مَرْفُوعا بِرِجَال ثِقَات، وَلكنه مُرْسل وَلَفظه: كل جسم أَنْبَتَهُ السُّحت فَالنَّار أولى بِهِ. قيل: يَا رَسُول الله! وَأما السُّحت قَالَ: (الرِّشْوَة فِي الحكم) .

١٦ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد رَضِي الله عَنهُ قَالَ انْطلق نفر من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سفرة سافروها حَتَّى نزلُوا على حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب فاستضافوهم فَأَبَوا أَن يضيفوهم فلدغ سيد ذَلِك الْحَيّ فسعوا لَهُ بِكُل شَيْء لَا يَنْفَعهُ شَيْء فَقَالَ بَعضهم لَو أتيتم هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذين نزلُوا لَعَلَّه أَن يكون عِنْد بَعضهم شَيْء فأتوهم فَقَالُوا يَا أَيهَا الرَّهْط إِن سيدنَا لدغ وسعينا لَهُ بِكُل شَيْء لَا يَنْفَعهُ فَهَل عِنْد أحد مِنْكُم من شَيْء فَقَالَ بَعضهم نعم وَالله إِنِّي لأرقي وَلَكِن وَالله لقد استضفناكم فَلم تضيفونا فَمَا أَنا براق لكم حَتَّى تجْعَلُوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الْغنم فَانْطَلق يتفل عَلَيْهِ وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين فَكَأَنَّمَا نشط من عقال فَانْطَلق يمشي وَمَا بِهِ قلبة قَالَ فأوفوهم جعلهم الَّذِي صالحوهم عَلَيْهِ فَقَالَ بَعضهم اقسموا فَقَالَ الَّذِي رقى لَا تَفعلُوا حَتَّى نأتي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَنَذْكُر لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُر مَا يَأْمُرنَا فقدموا على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذكرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية ثمَّ قَالَ قد أصبْتُم اقسموا واضربوا لي مَعكُمْ سَهْما فَضَحِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَانْطَلق يتفل عَلَيْهِ وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين وَهُوَ الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الثَّانِي أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي الثَّالِث أَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة هُوَ جَعْفَر بن أبي وحشية وَهُوَ مَشْهُور بكنيته أَكثر من اسْمه وَاسم أَبِيه أَبُو وحشية إِيَاس الرَّابِع أَبُو المتَوَكل واسْمه عَليّ بن دَاوُد بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَقيل دَاوُد النَّاجِي بالنُّون وَالْجِيم السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة الْخَامِس أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك مَشْهُور باسمه وكنيته

(ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رجال هَذَا الحَدِيث كلهم مذكورون بالكنى وَهَذَا غَرِيب جدا وَفِيه أَن شَيْخه وَمن بعده كلهم بصريون غير أبي عوَانَة فَإِنَّهُ واسطي وَفِيه عَن أبي بشر عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي آخر الْبَاب بتصريح أبي بشر بِالسَّمَاعِ مِنْهُ وتابع أَبُو عوَانَة على هَذَا الْإِسْنَاد شُعْبَة كَمَا فِي آخر الْبَاب وهشيم كَمَا أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَخَالفهُم الْأَعْمَش فَرَوَاهُ عَن جَعْفَر بن أبي وحشية عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد جعل بدل أبي المتَوَكل أَبَا نَضرة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيقه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ طَرِيق شُعْبَة أصح من طَرِيق الْأَعْمَش وَقَالَ ابْن مَاجَه هُوَ الصَّوَاب وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِيهِ اضْطِرَاب وَلَيْسَ بِشَيْء (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِيه عَن بنْدَار عَن غنْدر وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن بنْدَار وَأبي بكر بن نَافِع عَن غنْدر بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ وَفِي الْبيُوع عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن بنْدَار بِهِ وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن أبي كريب وأوله بعثنَا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " انْطلق نفر " النَّفر رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه قَالَ ابْن الْأَثِير وَيجمع على أَنْفَار وَهَذَا يدل على أَنهم مَا كَانُوا أَكثر من الْعشْرَة وَفِي سنَن ابْن مَاجَه بعثنَا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عِنْد التِّرْمِذِيّ بعثنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاثِينَ رجلا فنزلنا بِقوم لَيْلًا فسألناهم الْقرى أَي الضِّيَافَة وَفِيه عدد السّريَّة وَوقت النُّزُول وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ بعث سَرِيَّة عَلَيْهَا أَبُو سعيد وفيهَا تعْيين أَمِير السّريَّة والسرية طَائِفَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَرْبَعمِائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو وَتجمع على السَّرَايَا قَوْله " حَيّ " اعْلَم أَن طَبَقَات أَنْسَاب الْعَرَب سِتّ الشّعب بِفَتْح الشين وَهُوَ النّسَب الْأَبْعَد كعدنان مثلا وَهُوَ أَبُو الْقَبَائِل الَّذين ينسبون إِلَيْهِ وَيجمع على شعوب والقبيلة وَهِي مَا انقسم بِهِ الشّعب كربيعة وَمُضر والعمارة بِكَسْر الْعين وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْقَبِيلَة كقريش وكنانة وَيجمع على عمارات وعمائر والبطن وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْعِمَارَة كبني عبد منَاف وَبني مَخْزُوم وَيجمع على بطُون وأبطن والفخذ وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْبَطن كبني هَاشم وَبني أُميَّة وَيجمع على أفخاذ والفصيلة بالصَّاد الْمُهْملَة وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْفَخْذ كبني الْعَبَّاس وَأكْثر مَا يَدُور على الْأَلْسِنَة من الطَّبَقَات الْقَبِيلَة ثمَّ الْبَطن وَرُبمَا عبر عَن كل وَاحِد من الطَّبَقَات السِّت بالحي إِمَّا على الْعُمُوم مثل أَن يُقَال حَيّ من الْعَرَب وَإِمَّا على الْخُصُوص مثل أَن يُقَال حَيّ من بني فلَان وَقَالَ الْهَمدَانِي فِي الْأَنْسَاب الشّعب والحي بِمَعْنى قَوْله " فاستضافوهم " أَي طلبُوا مِنْهُم الضِّيَافَة قَوْله " فَأَبَوا " أَي امْتَنعُوا من أَن يضيفوهم بِالتَّشْدِيدِ من التضييف ويروى بِالتَّخْفِيفِ وَقَالَ ثَعْلَب ضفت الرجل إِذا أنزلت بِهِ وأضفته إِذا أنزلته وَقَالَ ابْن التِّين ضَبطه فِي بعض الْكتب أَن يضيفوهم بِفَتْح الْيَاء وَالْوَجْه ضمهَا قَوْله " فلدغ " على بِنَاء الْمَجْهُول من اللدغ بِالدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ اللسغ وزنا وَمعنى وَأما اللذغ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة فَهُوَ الإحراق الْخَفِيف واللدغ فِي الحَدِيث ضرب ذَات الْحمة من حَيَّة أَو عقرب وَقد بَين فِي التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا عقرب (فَإِن قلت) عِنْد النَّسَائِيّ من رِوَايَة هشيم أَنه مصاب فِي عقله أَو لديغ (قلت) هَذَا شكّ من هشيم وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ أَنه لديغ وَلم يشكوا خُصُوصا تَصْرِيح الْأَعْمَش بِأَنَّهُ لديغ من عقرب وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن من طَرِيق معبد بن سِيرِين بِلَفْظ أَن سيد الْحَيّ سليم وَكَذَا فِي الطِّبّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سيد الْقَوْم سليم والسليم هُوَ اللديغ قيل لَهُ ذَلِك تفاؤلا بالسلامة وَقيل لاستسلامه بِمَا نزل بِهِ (فَإِن قلت) جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق خَارِجَة بن الصَّلْت عَن عَمه أَنه مر بِقوم وَعِنْدهم رجل مَجْنُون موثق فِي الْحَدِيد فَقَالُوا إِنَّك جِئْت من عِنْد هَذَا الرجل بِخَير فَارق لنا هَذَا الرجل وَفِي لفظ عَن خَارِجَة بن الصَّلْت عَن عَمه يَعْنِي علاقَة بن صحار أَنه رقى مَجْنُونا موثقًا بالحديد بِفَاتِحَة الْكتاب ثَلَاثَة أَيَّام كل يَوْم مرَّتَيْنِ فبرأ فأعطوني مِائَتي شَاة فَأخْبرت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ " خُذْهَا ولعمري من أكل برقية

بَاطِل فقد أكلت برقية حق " (قلت) هما قضيتان لِأَن الراقي هُنَاكَ أَبُو سعيد وَهنا علاقَة بن صحار وَبَينهمَا اخْتِلَاف كثير قَوْله " جعلا " بِضَم الْجِيم وَهُوَ الْأُجْرَة على الشَّيْء وَيُقَال أَيْضا جعَالَة والجعل بِالْفَتْح مصدر يُقَال جعلت لَك كَذَا جعلا وَجعلا قَوْله " فسعوا لَهُ بِكُل شَيْء " أَي مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة أَن يتداوى بِهِ من لدغة الْعَقْرَب وَقَالَ الْخطابِيّ يَعْنِي عالجوا طلبا للشفاء يُقَال سعى لَهُ الطَّبِيب عالجه بِمَا يشفيه أَو وصف لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاء وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فشفوا بالشين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَعَلِيهِ شرح الْخطابِيّ فَقَالَ مَعْنَاهُ طلبُوا لَهُ الشِّفَاء يُقَال شفى الله مريضي إِذا أَبرَأَهُ وشفى لَهُ الطَّبِيب أَي عالجه بِمَا يشفيه أَو وصف لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاء وَادّعى ابْن التِّين أَن هَذَا تَصْحِيف (قلت) الَّذِي قَالَه أقرب قَوْله " لَو أتيتم هَؤُلَاءِ الرَّهْط " قَالَ ابْن التِّين قَالَ تَارَة نَفرا وَتارَة رهطا قَوْله " لَو أتيتم " جَوَاب لَو مَحْذُوف أَو هُوَ لِلتَّمَنِّي قَوْله " فأتوهم " وَفِي رِوَايَة معبد بن سِيرِين أَن الَّذِي جَاءَ فِي الرسلية جَارِيَة مِنْهُم فَيحمل على أَنه كَانَ مَعهَا غَيرهَا قَوْله " وسعينا " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فشفينا من الشِّفَاء كَمَا ذكرنَا عَن قريب قَوْله " فَقَالَ بَعضهم " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد فَقَالَ رجل من الْقَوْم نعم وَالله إِنِّي لأرقي بِكَسْر الْقَاف وَبَين الْأَعْمَش أَن الَّذِي قَالَ ذَلِك أَبُو سعيد رَاوِي الْخَبَر وَلَفظه قلت نعم أَنا وَلَكِن لَا أرقيه حَتَّى تعطونا غنما (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة معبد بن سِيرِين أخرجهَا مُسلم فَقَامَ منا رجل مَا كُنَّا نظنه يحسن رقية وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ أَكنت تحسن رقية فَفِي هَذَا مَا يشْعر بِأَنَّهُ غَيره (قلت) لَا مَانع من أَن يكنى الرجل عَن نَفسه وَهُوَ من بَاب التَّجْرِيد فَلَعَلَّ أَبَا سعيد صرح تَارَة وكنى أُخْرَى وَوَقع فِي حَدِيث جَابر رَوَاهُ الْبَزَّار فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار أَنا أرقيه وَأَبُو سعيد أَنْصَارِي وَحمل بعض الشَّارِحين ذَلِك على تعدد الْقِصَّة وَكَانَ أَبُو سعيد روى قصتين كَانَ فِي إِحْدَاهمَا راقيا وَفِي الْأُخْرَى كَانَ غَيره قيل هَذَا بعيد جدا لِاتِّحَاد مخرج الحَدِيث والسياق وَالسَّبَب قَوْله " فصالحوهم " أَي وافقوهم قَوْله " غنم " على قطيع من الْغنم والقطيع طَائِفَة من الْغنم والمواشي وَقَالَ الدَّاودِيّ يَقع على مَا قل وَكثر وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ ثَلَاثُونَ شَاة قَوْله " يتفل عَلَيْهِ " من تفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق يتفل بِكَسْر الْفَاء وَضمّهَا تفلا وَهُوَ نفخ مَعَه قَلِيل بصاق وَقَالَ ابْن بطال التفل البصاق وَقيل مَحل التفل فِي الرّقية يكون بعد الْقِرَاءَة لتَحْصِيل بركَة الْقِرَاءَة فِي الْجَوَارِح الَّتِي يمر عَلَيْهَا الرِّيق فَتحصل الْبركَة فِي الرِّيق الَّذِي يتفله قَوْله " وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين " وَفِي رِوَايَة شُعْبَة فَجعل يقْرَأ عَلَيْهِ بِفَاتِحَة الْكتاب وَكَذَا فِي حَدِيث جَابر وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش فَقَرَأت عَلَيْهِ وَأَنه سبع مَرَّات وَفِي رِوَايَة جَابر ثَلَاث مَرَّات قَوْله " نشط " بِضَم النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة من الثلاثي الْمُجَرّد كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْجَمِيع وَقَالَ الْخطابِيّ وَهُوَ لُغَة وَالْمَشْهُور نشط إِذا عقد وَأنْشط إِذا حل يُقَال نشطته إِذا عقدته وأنشطته إِذا حللته وفكيته وَعند الْهَرَوِيّ فَكَأَنَّمَا نشط من عقال وَقيل مَعْنَاهُ أقيم بِسُرْعَة وَمِنْه يُقَال رجل نشيط والعقال بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف هُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ ذِرَاع الْبَهِيمَة قَوْله " يمشي " جملَة وَقعت حَالا قَوْله " قلبة " بالفتحات أَي عِلّة وَقيل لِلْعِلَّةِ قلبة لِأَن الَّذِي تصيبه يتقلب من جنب إِلَى جنب ليعلم مَوضِع الدَّاء وبخط الدمياطي أَنه دَاء مَأْخُوذ من القلاب يَأْخُذ الْبَعِير فيشتكي مِنْهُ قلبه فَيَمُوت من يَوْمه قَالَه ابْن الْأَعرَابِي قَوْله " فَقَالَ الَّذِي رقى " بِفَتْح الْقَاف قَوْله " فَنَنْظُر مَا يَأْمُرنَا " أَي فنتبعه وَلم يُرِيدُوا أَن يكون لَهُم الْخيرَة فِي ذَلِك قَوْله " وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية " قَالَ الدَّاودِيّ مَعْنَاهُ وَمَا أَدْرَاك وَقد روى كَذَلِك وَلَعَلَّه هُوَ الْمَحْفُوظ لِأَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ إِذا قَالَ وَمَا يدْريك فَلم يعلم وَإِذا قَالَ وَمَا أَدْرَاك فقد أعلم وَاعْترض بِأَن ابْن عُيَيْنَة إِنَّمَا قَالَ ذَلِك فِيمَا وَقع فِي الْقرَان وَلَا فرق بَينهمَا فِي اللُّغَة أَي فِي نفي الدارية وَوَقع فِي رِوَايَة هشيم وَمَا أَدْرَاك وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ وَمَا علمك أَنَّهَا رقية قَالَ حق ألقِي فِي روعي وَهَذِه الْكَلِمَة أَعنِي وَمَا أَدْرَاك وَمَا يدْريك تسْتَعْمل عِنْد التَّعَجُّب من الشَّيْء وَفِي تَعْظِيمه قَوْله " قد أصبْتُم " أَي فِي الرّقية قَوْله " واضربوا لي سَهْما " أَي اجعلوا لي مِنْهُ نَصِيبا وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي تصويبه إيَّاهُم كَمَا وَقع لَهُ فِي قصَّة الْحمار الوحشي وَغير ذَلِك (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الرّقية بِشَيْء من كتاب الله تَعَالَى وَيلْحق بِهِ مَا كَانَ من الدَّعْوَات المأثورة أَو مِمَّا يشابهها وَلَا يجوز بِأَلْفَاظ مِمَّا لَا يعلم مَعْنَاهَا من الْأَلْفَاظ الْغَيْر الْعَرَبيَّة وَفِيه خلاف فَقَالَ الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير وَجَمَاعَة آخَرُونَ يكره الرقي وَالْوَاجِب على الْمُؤمن أَن يتْرك ذَلِك اعتصاما بِاللَّه تَعَالَى وتوكلا عَلَيْهِ وثقة بِهِ وانقطاعا إِلَيْهِ

وعلما بِأَن الرّقية لَا تَنْفَعهُ وَإِن تَركهَا لَا يضرّهُ إِذْ قد علم الله تَعَالَى أَيَّام الْمَرَض وَأَيَّام الصِّحَّة فَلَو حرص الْخلق على تقليل أَيَّام الْمَرَض وزمن الدَّاء وعَلى تَكْثِير أَيَّام الصِّحَّة مَا قدرُوا على ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى {مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها} وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي مجلز قَالَ كَانَ عمرَان بن حُصَيْن ينْهَى عَن الكي فابتلي فَكَانَ يَقُول لقد اكتويت كَيَّة بِنَار فَمَا أبرأتني من إِثْم وَلَا شفتني من سقم وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَآخَرُونَ لَا بَأْس بالرقى وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب وَغَيره وَفِيه جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب مُسْتَوْفِي وَفِيه أَن سُورَة الْفَاتِحَة فِيهَا شِفَاء وَلِهَذَا من أسمائها الشافية وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من كل سقم وَلأبي دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود مرض الْحسن أَو الْحُسَيْن فَنزل جِبْرَائِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَأمره أَن يقْرَأ الْفَاتِحَة على إِنَاء من المَاء أَرْبَعِينَ مرّة فَيغسل يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَرَأسه وَقَالَ ابْن بطال مَوضِع الرّقية مِنْهَا إياك نستعين وَعبارَة الْقُرْطُبِيّ موضعهَا إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين وَالظَّاهِر أَنَّهَا كلهَا رقية لقَوْله وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية وَلم يقل فِيهَا فَيُسْتَحَب قرَاءَتهَا على اللديغ وَالْمَرِيض وَصَاحب العاهة وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الضِّيَافَة على أهل الْبَوَادِي وَالنُّزُول على مياه الْعَرَب والطلب مِمَّا عِنْدهم على سَبِيل الْقرى أَو الشرى وَفِيه مُقَابلَة من امْتنع من المكرمة بنظير صَنِيعه كَمَا صنعه الصَّحَابِيّ من الِامْتِنَاع من الرّقية فِي مُقَابلَة امْتنَاع أُولَئِكَ من ضيافتهم وَهَذَا طَريقَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا وَلم يعْتَذر الْخضر عَلَيْهِ السَّلَام عَن ذَلِك إِلَّا بِأَمْر خَارج عَن ذَلِك وَفِيه الِاشْتِرَاك فِي الْمَوْهُوب إِذا كَانَ أَصله مَعْلُوما وَفِيه جَوَاز قبض الشَّيْء الَّذِي ظَاهره الْحل وَترك التَّصَرُّف فِيهِ إِذا عرضت فِيهِ شُبْهَة وَفِيه عَظمَة الْقُرْآن فِي صُدُور الصَّحَابَة خُصُوصا الْفَاتِحَة وَفِيه أَن الرزق الَّذِي قسم لأحد لَا يفوتهُ وَلَا يَسْتَطِيع من هُوَ فِي يَده مَنعه مِنْهُ وَفِيه الِاجْتِهَاد عِنْد فقد النَّص

(قَالَ أَبُو عبد الله وَقَالَ شُعْبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو بشر سَمِعت أَبَا المتَوَكل بِهَذَا) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة هُوَ جَعْفَر بن أبي وحشية الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث وَأَبُو المتَوَكل عَليّ بن دَاوُد الْمَذْكُور فِيهِ وَوَصله التِّرْمِذِيّ بِهَذِهِ الصِّيغَة وَالْبُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ وَلَكِن وَصله بالعنعنة -

٧١ - (بابُ ضَرِيبَةِ الْعَبْد وتَعاهُدِ ضَرَائِبِ الإماءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي النّظر فِي ضريبة العَبْد، والضريبة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة على وزن فعيلة بِمَعْنى مفعولة: وَهِي مَا يقرره السَّيِّد على عَبده فِي كل يَوْم أَن يُعْطِيهِ. قَوْله: (وتعاهد) ، أَي: وَفِي بَيَان افتقاد ضَرَائِب الْإِمَاء، والضرائب جمع ضريبة، وَالْإِمَاء جمع أمة، وَإِنَّمَا اختصها بالتعاهذ لكَونهَا مَظَنَّة لطريق الْفساد فِي الْأَغْلَب مَعَ أَنه يخْشَى أَيْضا من اكْتِسَاب لعبد بِالسَّرقَةِ مثلا، وَقيل: كَأَنَّهُ أَرَادَ بالتعاهد التفقد لمقدار ضريبة الْأمة لاحْتِمَال أَن تكون ثَقيلَة فتحتاج إِلَى التكسب بِالْفُجُورِ.

٧٧٢٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَو صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وكَلَّمَ مَوالِيَهُ فَخَفَّفَ عنْ غَلَّتِهِ أوْ ضَرِيبَتِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَخفف عَن غَلَّته) ، وَهُوَ النّظر فِي ضريبة العَبْد والْحَدِيث مضى بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِيمَا مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ذكر الْحجام، غير أَن هُنَاكَ: وَأمر أَهله أَن يخففوا من خراجه، وَهُنَاكَ: من صَاع من تمر، وَهنا لَيْسَ فِيهِ ذكر التَّمْر، بل قَالَ: من طَعَام، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، لِأَن الطَّعَام هُوَ المطعوم، وَالتَّمْر مطعوم، أَو كَانَت الْقَضِيَّة مرَّتَيْنِ. قَوْله: (أَو

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الْخَرْصِ

٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ. فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَرْقِي وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ، فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ .

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ … بِهَذَا.

[الحديث ٢٢٧٩ - أطرافه في: ٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)، كَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْجَمِيعِ، وَالْأَحْيَاءُ بِالْفَتْحِ جَمْعُ حَيٍّ وَالْمُرَادُ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَرَبِ مَخْصُوصَةٌ، قَالَ الْهَمْدَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ: الشِّعْبُ وَالْحَيُّ بِمَعْنَى، وَسُمِّيَ الشِّعْبَ؛ لِأَنَّ الْقَبِيلَةَ تَتَشَعَّبُ مِنْهُ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَلَا بِاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ، وَتَقْيِيدُهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِأَحْيَاءِ الْعَرَبِ يُشْعِرُ بِحَصْرِهِ فِيهِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ غَيْرِهِ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ فِي الطِّبِّ الشُّرُوطُ فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ، وَتَرْجَمَ فِيهِ أَيْضًا: الرُّقْيَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالرُّقْيَةُ كَلَامٌ يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ دُرَسْتَوَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الطِّبِّ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ لِلْجُمْهُورِ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَمَنَعُوهُ فِي التَّعْلِيمِ وَأَجَازُوهُ فِي الرُّقَى كَالدَّوَاءِ، قَالُوا: لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ عِبَادَةٌ، وَالْأَجْرُ فِيهِ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ الْقِيَاس فِي الرُّقَى إِلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ فِيهَا لِهَذَا الْخَبَرِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْأَجْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الثَّوَابِ، وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ يَأْبَى هَذَا التَّأْوِيلَ. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَسْخَهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَعِيدِ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِثْبَاتٌ لِلنَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِالْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ هِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٍ لِلتَّأْوِيلِ لِتَوَافُقِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثَيِ الْبَابِ، وَبِأَنَّ الْأَحَادِيثَ

الْمَذْكُورَةَ أَيْضًا لَيْسَ فِيهَا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَلَا تُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي بَابِ التَّزْوِيجِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ، إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ، وَقَالَ الْحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ، وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً) أَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ: وَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْحَكَمِ فَوَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، سَأَلْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ عَنْ أَجْرِ الْمُعَلِّمِ، فَقَالَ: أَرَى لَهُ أَجْرًا، وَسَأَلْتُ الْحَكَمَ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ فَقِيهًا يَكْرَهُهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَوَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا حَذَقْتُ قُلْتُ لِعَمِّي: يَا عَمَّاهُ إِنَّ الْمُعَلِّمَ يُرِيدُ شَيْئًا، قَالَ: مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: أَعْطِهِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: أَعْطِهِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَجْرًا وَكَرِهَ الشَّرْطَ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا، وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ) أَمَّا قَوْلُهُ فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ، فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أُجُورَ الْقَسَّامِ وَيَقُولُ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ عَلَى الْحُكْمِ، وَأَرَى هَذَا حُكْمًا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ الْمُسَيَّبِ: مَا تَرَى فِي كَسْبِ الْقَسَّامِ؟ فَكَرِهَهُ. وَكَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُ كَسْبَهُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ. وَجَاءَتْ عَنْهُ رِوَايَةٌ يُجْمَعُ بِهَا بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدٍ - هُوَ ابْنُ سِيرِينَ - أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُشَارِطَ الْقَسَّامَ، وَكَأَنَّهُ يَكْرَهُ لَهُ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَارَطَةِ، وَلَا يَكْرَهُهَا إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ اشْتِرَاطٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَظَهَرَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ: وَكَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ بَقِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَشَارَ ابْنُ سِيرِينَ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي تَفْسِيرِ السُّحْتِ: إِنَّهُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَسَانِيدِهِ عَنْهُمْ، وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَكِنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَفْظُهُ: كُلُّ لَحْمٍ أَنْبَتَهُ السُّحْتُ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا السُّحْتُ؟ قَالَ: الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ.

(تَنْبِيهٌ): الْقَسَّامُ بِفَتْحِ الْقَافِ، فَعَّالٌ مِنَ الْقَسَمِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَشَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ بِضَمِّ الْقَافِ جَمْعُ قَاسِمٍ. وَالسُّحْتُ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَحُكِيَ ضَمُّ الْحَاءِ وَهُوَ شَاذٌّ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا يَلْزَمُ مِنْ أَكْلِهِ الْعَارُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَرَامِ. وَالرَّشْوَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ وَتُضَمُّ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَبِالْكَسْرِ الِاسْمُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانُوا يُعْطُونَ عَلَى الْخَرْصِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ صَادٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ الْحَزْرُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الْبُيُوعِ، أَيْ: كَانُوا يُعْطُونَ أُجْرَةَ الْخَارِصِ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَفْصِلُ التَّنَازُعَ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَلِأَنَّ الْخَرْصَ يُقْصَدُ لِلْقِسْمَةِ. وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الْقَسَّامِ وَالْخَارِصِ لِلتَّرْجَمَةِ الِاشْتِرَاكُ فِي أَنَّ جِنْسَهُمَا وَجِنْسَ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالرُّقْيَةِ وَاحِدٌ، وَمِنْ ثَمَّ كَرِهَ مَالِكٌ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى عَقْدِ الْوَثَائِقِ لِكَوْنِهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَكَرِهَ أَيْضًا أُجْرَةَ الْقَسَّامِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَرِهَهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَكَرِهَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً أُخْرَى، وَأَشَارَ سَحْنُونٌ إِلَى الْجَوَازِ عِنْدَ فَسَادِ أُمُورِ بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: أَحْدَثَ النَّاسُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ لَمْ يَكُنْ يُؤْخَذُ عَلَيْهِنَّ أَجْرٌ: ضِرَابَ الْفَحْلِ، وَقِسْمَةَ الْأَمْوَالِ، وَالتَّعْلِيمَ اهـ. وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَبَرَّعُونَ بِهَا، فَلَمَّا فَشَا الشُّحُّ طَلَبُوا الْأُجْرَةَ فَعُدَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَتُحْمَلُ كَرَاهَةُ مَنْ كَرِهَهَا عَلَى التَّنْزِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) هُوَ جَعْفَرُ بْنُ

أَبِي وَحْشِيَّةَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اسْمِهِ كَأَبِيهِ اسْمُهُ إِيَاسٌ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) هُوَ النَّاجِيُّ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ تَصْرِيحَ أَبِي بِشْرٍ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ، وَتَابَعَ أَبَا عَوَانَةَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ شُعْبَةُ كَمَا فِي آخِرِ الْبَابِ، وَهُشَيْمٌ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ وَخَالَفَهُمُ الْأَعْمَشُ فَرَوَاهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، جَعَلَ بَدَلَ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، أَبَا نَضْرَةَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِ قِهِ، فَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ: طَرِيقُ شُعْبَةَ أَصَحُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: إِنَّهَا الصَّوَابُ، وَرَجَّحَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي السُّنَنِ شَيْئًا وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَالَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي نَقْدِي أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ مَحْفُوظَانِ لِاشْتِمَالِ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَلَى زِيَادَاتٍ فِي الْمَتْنِ لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ، فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَبِي بِشْرٍ عَنْ شَيْخَيْنِ، فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا، وَلَمْ يُصِبِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَتَّةَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَاتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ.

قَوْلُهُ: (انْطَلَقَ نَفَرٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْهُمْ سِوَى أَبِي سَعِيدٍ، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ هَذِهِ الطَّرِيقِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ السَّفَرَ كَانَ فِي جِهَادٍ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: أَنَّ النَّبِيَّ بَعَثَهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ عِنْدَ أَحْمَدَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعْثًا. زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِيهِ: بَعَثَ سَرِيَّةً عَلَيْهَا أَبُو سَعِيدٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَغَازِي، بَلْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْحَيِّ الَّذِينَ نَزَلُوا بِهِمْ مِنْ أَيِّ: الْقَبَائِلِ هُمْ.

قَوْلُهُ: (فَاسْتَضَافُوهُمْ) أَيْ: طَلَبُوا مِنْهُمُ الضِّيَافَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَنَزَلْنَا بِقَوْمٍ لَيْلًا فَسَأَلْنَاهُمُ الْقِرَى فَأَفَادَتْ عَدَدَ السَّرِيَّةِ وَوَقْتَ النُّزُولِ كَمَا أَفَادَتْ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ تَعْيِينَ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ، وَالْقِرَى - بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ -: الضِّيَافَةُ.

قَوْلُهُ: (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْأَكْثَرِ وَبِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مُخَفَّفًا.

قَوْلُهُ: (فَلُدِغَ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَاللَّدْغُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ اللَّسْعُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَأَمَّا اللَّذْعُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْإِحْرَاقُ الْخَفِيفُ، وَاللَّدْغُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ ضَرْبُ ذَاتِ الْحُمَّةِ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْرَبِ. وَقَدْ أَفَادَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ تَعْيِينُ الْعَقْرَبِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ أَوْ لَدِيغٌ فَشَكٌّ مِنْ هُشَيْمٍ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَاقُونَ فَلَمْ يَشُكُّوا فِي أَنَّهُ لَدِيغٌ، وَلَا سِيَّمَا تَصْرِيحَ الْأَعْمَشِ بِالْعَقْرَبِ، وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدَ بِلَفْظِ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَكَذَا فِي الطِّبِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَالسَّلِيمُ هُوَ اللَّدِيغُ نَعَمْ، وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي رَجُلٍ مُصَابٍ بِعَقْلِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَبَرَأَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَعِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ، فَقَالُوا: إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ الْحَدِيثَ. فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ فِي قِصَّةِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ لَدِيغٌ.

قَوْلُهُ: (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنْ يُتَدَاوَى بِهِ مِنْ لَدْغَةِ الْعَقْرَبِ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنَ السَّعْيِ أَيْ: طَلَبُوا لَهُ مَا يُدَاوِيهِ، وللْكُشْمِيهَنِيِّ فَشَفَوْا بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْخَطَّابِيِّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ طَلَبُوا الشِّفَاءَ، تَقُولُ: شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَيْ: أَبْرَأَهُ وَشَفَى لَهُ الطَّبِيبُ أَيْ: عَالَجَهُ بِمَا يَشْفِيهِ أَوْ وَصَفَ لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاءُ، لَكِنِ ادَّعَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ.

قَوْلُهُ: (لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ). قَالَ ابْنُ التِّينِ قَالَ تَارَةً: نَفَرًا، وَتَارَةً: رَهْطًا، وَالنَّفَرُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالثَّلَاثَةِ، وَالرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَقِيلَ: يَصِلُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، قُلْتُ: وَهَذَا

الْحَدِيثُ يَدُلُّ لَهُ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَوْهُمْ) فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهَا غَيْرُهَا، زَادَ الْبَزَّارُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكُمْ جَاءَ بِالنُّورِ وَالشِّفَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (وَسَعَيْنَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَشَفَيْنَا بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا.

قَوْلُهُ: (فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: يَنْفَعُ صَاحِبَنَا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي بِكَسْرِ الْقَافِ، وَبَيَّنَ الْأَعْمَشُ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْخَبَرِ، وَلَفْظُهُ: قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا. وَلَكِنْ لَا أَرْقِيهِ حَتَّى تُعْطُونَا غَنَمًا فَأَفَادَ بَيَانَ جِنْسِ الْجُعْلِ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَا يُعْطَى عَلَى عَمَلٍ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَوْنَ الرَّاقِي هُوَ أَبُو سَعِيدٍ رَاوِي الْخَبَرِ مَعَ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ: فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَفِيهِ: فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً فَفِي ذَلِكَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ غَيْرُهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُكَنِّيَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَعَلَّ أَبَا سَعِيدٍ صَرَّحَ تَارَةً وَكَنَّى أُخْرَى وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْأَعْمَشُ بِتَعْيِينِهِ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ بِلَفْظِ: فَأَتَيْتُهُ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَا أَرْقِيهِ وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الْأَعْمَشِ فَإِنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَنْصَارِيٌّ، وَأَمَّا حَمْلُ بَعْضِ الشَّارِحِينَ ذَلِكَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ وَأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى قِصَّتَيْنِ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا رَاقِيًا وَفِي الْأُخْرَى كَانَ الرَّاقِي غَيْرَهُ فَبَعِيدٌ جِدًّا، وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ وَالسِّيَاقِ وَالسَّبَبِ، وَيَكْفِي فِي رَدِّ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَلَا حَامِلَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِنٌ بِدُونِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ فَإِنَّ

السِّيَاقَيْنِ مُخْتَلِفَانِ، وَكَذَا السَّبَبُ، فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى التَّعَدُّدِ فِيهِ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (فَصَالَحُوهُمْ) أَيْ: وَافَقُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْقَطِيعُ هُوَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْغَنَمِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقَطِيعَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُقْتَطَعُ مِنْ غَنَمٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ قُرْقُولٍ وَغَيْرُهُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ وَالْأَرْبَعِينَ; وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَقَالُوا: إِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً. وَكَذَا ثَبَتَ ذِكْرُ عَدَدِ الشِّيَاهِ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِعَدَدِ السَّرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، وَكَأَنَّهُمُ اعْتَبَرُوا عَدَدَهُمْ، فَجَعَلُوا الْجُعْلَ بِإِزَائِهِ.

قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِكَسْرِهَا وَهُوَ نَفْخٌ مَعَهُ قَلِيلُ بُزَاقٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: مَحَلُّ التَّفْلِ فِي الرُّقْيَةِ يَكُونُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لِتَحْصِيلِ بَرَكَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَوَارِحِ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْهَا الرِّيقُ فَتَحْصُلُ الْبَرَكَةُ فِي الرِّيقِ الَّذِي يَتْفُلُهُ.

قَوْلُهُ: (وَيَقْرَأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: فَجَعَلَ يَقْرَأُ عَلَيْهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْفَاتِحَةِ الْحَمْدَ، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ عَدَدَ مَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ، لَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ وَأَنَّهُ سَبْعُ مَرَّاتٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَالْحُكْمُ لِلزَّائِدِ.

قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّمَا نُشِطَ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ لُغَةٌ، وَالْمَشْهُورُ نُشِطَ إِذَا عُقِدَ وَأُنْشِطَ إِذَا حُلَّ، وَأَصْلُهُ الْأُنْشُوطَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا نُونٌ سَاكِنَةٌ وَهِيَ الْحَبْلُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى أُنْشِطَ: حُلَّ، وَمَعْنَى نُشِطَ: أُقِيمَ بِسُرْعَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ نَشِيطٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى نُشِطَ فَزِعَ، وَلَوْ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، أَيْ: حُلَّ شَيْئًا فَشَيْئًا.

قَوْلُهُ: (مِنْ عِقَالٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ هُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ ذِرَاعُ الْبَهِيمَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ) بِحَرَكَاتٍ أَيْ: عِلَّةٌ، وَقِيلَ: لِلْعِلَّةِ: قَلَبَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي تُصِيبُهُ يُقْلَبُ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ لِيُعْلَمَ مَوْضِعُ الدَّاءِ. قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَقَدْ بَرِئْتُ فَمَا فِي الصَّدْرِ مِنْ قَلَبَهْ.

وَفِي نُسْخَةِ الدِّمْيَاطِيِّ بِخَطِّهِ: قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْقَلَبَةُ دَاءٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقُلَابِ، يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فَيَأْلَمُ قَلْبُهُ فَيَمُوتُ مِنْ يَوْمِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ الَّذِي رَقَى) بِفَتْحِ الْقَافِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: فَلَمَّا قَبَضْنَا الْغَنَمَ عَرَضَ فِي أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ: فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ: فَبُعِثَ إِلَيْنَا بِالشِّيَاهِ وَالنُّزُلِ فَأَكَلْنَا الطَّعَامَ، وَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا الْغَنَمَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ تَنَاوُلِهَا هُوَ الرَّاقِي، وَأَمَّا فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ فَأَبْهَمَهُ.

قَوْلُهُ: (فَنَنْطُرُ مَا يَأْمُرُنَا) أَيْ: فَنَتَّبِعُهُ، وَلَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُمْ يُخَيَّرُونَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا أَدْرَاكَ، وَقَدْ رُوِيَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ هُوَ الْمَحْفُوظُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ: إِذَا قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ فَلَمْ يُعْلَمْ، وَإِذَا قَالَ: وَمَا أَدْرَاكَ فَقَدْ أُعْلِمَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اللُّغَةِ أَيْ: فِي نَفْيِ الدِّرَايَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ: وَمَا أَدْرَاكَ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ: وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ مِنَ الشَّيْءِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي تَعْظِيمِ الشَّيْءِ أَيْضًا، وَهُوَ لَائِقٌ هُنَا، زَادَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُ نَهْيًا أَيْ مِنَ النَّبِيِّ عَنْ ذَلِكَ، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ قَتَّةَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ: قُلْتُ: أُلْقِيَ فِي رُوعِي. وللدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَيْءٌ أُلْقِيَ فِي رُوعِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مُتَقَدِّمٌ بِمَشْرُوعِيَّةِ الرُّقَى بِالْفَاتِحَةِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ لَمَّا رَجَعَ: مَا كُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَوَّبَ فِعْلَهُمْ فِي الرُّقْيَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ فِي تَوَقُّفِهِمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْجُعْلِ حَتَّى اسْتَأْذَنُوهُ، وَيَحْتَمِلُ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا) أَيِ: اجْعَلُوا لِي مِنْهُ نَصِيبًا، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَأْنِيسِهِمْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ) هَذِهِ الطَّرِيقُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَصَلَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الطِّبِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ لَكِنْ بِالْعَنْعَنَةِ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي عَزْوِهِ إِلَى التِّرْمِذِيِّ مَعَ كَوْنِهِ فِي الْبُخَارِيِّ، وَغَفَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنْ ذَلِكَ فَعَابَ عَلَى مَنْ نَسَبَهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الرُّقْيَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا كَانَ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ، وَكَذَا غَيْرُ الْمَأْثُورِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ مَا فِي الْمَأْثُورِ، وَأَمَّا الرُّقَى بِمَا سِوَى ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُثْبِتُهُ وَلَا مَا يَنْفِيهِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ. وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الضِّيَافَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي وَالنُّزُولُ عَلَى مِيَاهِ الْعَرَبِ، وَطَلَبُ مَا عِنْدَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْقِرَى أَوِ الشِّرَاءِ، وَفِيهِ مُقَابَلَةُ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْمَكْرُمَةِ بِنَظِيرِ صَنِيعِهِ لِمَا صَنَعَهُ الصَّحَابِيُّ مِنَ الِامْتِنَاعِ مِنَ الرُّقْيَةِ فِي مُقَابَلَةِ امْتِنَاعِ أُولَئِكَ مِنْ ضِيَافَتِهِمْ، وَهَذِهِ طَرِيقُ مُوسَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وَلَمْ يَعْتَذِرِ الْخَضِرُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ. وَفِيهِ إِمْضَاءُ مَا يَلْتَزِمُهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْتَزَمَ أَنْ يَرْقِيَ وَأَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ بِالْوَفَاءِ بِذَلِكَ.

وَفِيهِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَوْهُوبِ إِذَا كَانَ أَصْلُهُ مَعْلُومًا، وَجَوَازُ طَلَبِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ يُعْلَمُ رَغْبَتُهُ فِي ذَلِكَ وَإِجَابَتُهُ إِلَيْهِ. وَفِيهِ جَوَازُ قَبْضِ الشَّيْءِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْحِلُّ وَتَرْكِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إِذَا عَرَضَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ. وَفِيهِ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ فَقْدِ النَّصِّ وَعَظَمَةُ الْقُرْآنِ فِي صُدُورِ الصَّحَابَةِ خُصُوصًا الْفَاتِحَةَ، وَفِيهِ أَنَّ الرِّزْقَ الْمَقْسُومَ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مَنْعُهُ مِمَّنْ قُسِمَ لَهُ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ مَنَعُوا الضِّيَافَةَ وَكَانَ اللَّهُ قَسَمَ لِلصَّحَابَةِ فِي مَالِهِمْ نَصِيبًا فَمَنَعُوهُمْ فَسَبَّبَ لَهُمْ لَدْغَ الْعَقْرَبِ حَتَّى سِيقَ لَهُمْ مَا قُسِمَ لَهُمْ. وَفِيهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ حَيْثُ اخْتَصَّ بِالْعِقَابِ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ الِائْتِمَارُ بِأَمْرِ كَبِيرِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ رَأْسَهُمْ فِي الْمَنْعِ اخْتُصَّ بِالْعُقُوبَةِ دُونَهُمْ جَزَاءً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، جعفر ابن أبي وحشيَّة، واسمه: إياسٌ (عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ) عليِّ بن داود، ويُقال: ابن دُؤاد -بضمِّ الدَّال بعدها واوٌ بهمزةٍ- النَّاجي -بالنُّون والجيم- البصريِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخدريِّ () أنَّه (قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ) هو ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال، لكن عند ابن ماجه: أنَّهم كانوا ثلاثين، وكذا عند التِّرمذيِّ، ولم يُسَمَّ أحدٌ منهم، وفي رواية سليمان ابن قَيَّة (١) -بفتح القاف وتشديد التَّحتيَّة- عند الإمام أحمد: بعثنا رسول الله ثلاثين رجلًا (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا) أي: في سريَّةٍ عليها أبو سعيدٍ الخدريُّ كما عند الدَّارقُطنيِّ، ولم يعيِّنها أحدٌ من أهل المغازي فيما وقف عليه الحافظ ابن حجرٍ (حَتَّى نَزَلُوا) أي: ليلًا كما في «التِّرمذيِّ» (عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ) قال في «الفتح»: ولم أقف على تعيين الحيِّ الذي نزلوا بهم من أيِّ القبائل هم (فَاسْتَضَافُوهُمْ) أي: طلبوا منهم الضِّيافة (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) بفتح الضَّاد المعجمة وتشديد التَّحتيَّة، ويروى: «يضِيفوهم» بكسر الضَّاد والتَّخفيف (فَلُدِغَ) بضمِّ اللَّام وكسر الدَّال المهملة لا المعجمة -وسها الزَّركشيُّ- وبالغين المعجمة مبنيًّا للمفعول، أي: لُسِع (سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ) أي: بعقربٍ كما في «التِّرمذيِّ»، ولم يُسَمَّ سيِّد الحيِّ (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) ممَّا جرت العادة أن يتداووا به من لدغة العقرب، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فشَفَوا» بفتح الشِّين المعجمة والفاء وسكون الواو، أي: طلبوا له الشِّفاء، أي: عالجوه بما يشفيه، وقد

زعم السَّفاقسيُّ أنَّها تصحيفٌ (لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ) لبعضٍ: (لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ (١) الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا) عندكم (لَعَلَّهُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لعلَّ» بإسقاط الهاء (أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ) يداويه (فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وشفينا» (لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ) في رواية معبد بن سيرين [خ¦٥٠٠٧]: أنَّ الذي جاءهم جاريةٌ منهم، فيُحمَل على أنَّه كان معها غيرها (فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟) زاد أبو داود من هذا الوجه: ينفع صاحبنا، وزاد البزَّار: فقالوا لهم: قد بلغنا أنَّ صاحبكم جاء بالنُّور والشِّفاء، قالوا: نعم (٢) (فَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو أبو سعيدٍ الرَّاوي، كما في بعض روايات مسلمٍ: (نَعَمْ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْقِي) بفتح الهمزة وكسر القاف (وَلَكِنْ) بالتَّخفيف (وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) بضمِّ الجيم وسكون العين: ما يُعطَى على العمل (فَصَالَحُوهُمْ) أي: وافقوهم (عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ) وفي رواية النَّسائيِّ: ثلاثون شاةً، وهو مناسبٌ لعدد السَّريَّة -كما مرَّ- فكأنَّهم اعتبروا عددهم، فجعلوا لكلِّ واحدٍ شاةً (فَانْطَلَقَ) الرَّاقي إلى الملدوغ، وجعل (يَتْفُِلُ عَلَيْهِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وسكون الفوقيَّة وكسر الفاء وتُضَمُّ: ينفخ نفخًا معه أدنى بزاقٍ، قال العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة في «بهجة النُّفوس»: محلُّ التَّفل في الرُّقية بعد القراءة، لتحصل بركة الرِّيق في الجوارح التي يمرُّ عليها، فتحصل البركة في الرِّيق الذي يَتْفُِلُه (وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) «الفاتحة» إلى آخرها، وفي

رواية الأعمش عند [أحمد والتِّرمذيِّ] (١): سبع مرَّاتٍ، وفي حديث جابرٍ: ثلاث مرَّاتٍ، والحكم للزَّائد (فَكَأَنَّمَا نُشِطَ) بضمِّ النُّون وكسر الشِّين المعجمة من الثُّلاثيِّ المُجرَّد، أي: حُلَّ (مِنْ عِقَالٍ) بكسر العين المهملة وبعدها قافٌ: حبلٍ يُشَدُّ به ذراع البهيمة، لكن قال الخطَّابيُّ: إنَّ المشهور أن يُقال في الحَلِّ: «أُنشِط» -بالهمزة- وفي العَقْد: نُشِط، وقال ابن الأثير: وكثيرًا ما يجيء في الرِّواية: «كأنَّما نُشِط من عقالٍ»، وليس بصحيحٍ، يُقال: نشطت العقدة إذا عقدتها، وأنشطتها وانتشطتها إذا حللتها، وفي «القاموس» كـ «الصِّحاح»: والحبلَ كنَصَرَ: عَقَدَهُ كنشَّطه وأَنْشَطَه: حلَّه، ونقل في «المصابيح» عن الهرويِّ أنَّه رواه: «كأنَّما أُنشِط من عقالٍ»، وعن السَّفاقسيِّ: أنَّه كذلك في بعض الرِّوايات ههنا (فَانْطَلَقَ) الملدوغ، حال كونه (يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ) بحركاتٍ؛ أي: علَّةٌ، وسُمِّي بذلك لأنَّ الذي تصيبه يتقلَّب من جنبٍ إلى جنبٍ؛ ليعلم موضع الدَّاء منه، ونُقِل عن خطِّ الدِّمياطيِّ أنَّه داءٌ مأخوذٌ من القلاب يأخذ البعير، فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه (قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ) وهو الثَّلاثون شاةً (فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى) بفتح الرَّاء والقاف: (لَا تَفْعَلُوا) ما ذكرتم من القسمة (حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ فَنَذْكُرَ لَهُ) بنصب «نذكرَ» عطفًا على «نأتيَ» المنصوب بـ «أن» المضمرة بعد «حتَّى» (الَّذِي كَانَ) من أمرنا هذا (فَنَنْظُرَ) نُصِب عطفًا على (٢) المنصوب (مَا يَأْمُرُنَا) به فنتَّبعه، وفي رواية الأعمش: فلمَّا قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها شيءٌ (فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ) المدينةَ (فَذَكَرُوا لَهُ) القصَّة (فَقَالَ) للرَّاقي: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا) أي: الفاتحة (رُقْيَةٌ؟) بضمِّ الرَّاء وإسكان القاف، قال الدَّاوديُّ: معناه: ما أدراك؟ قال: ولعلَّه المحفوظ؛ لأنَّ ابن عيينة قال: إذا قال (٣): «وما يدريك؟» فلم يدره، وما قيل فيه: «وما أدراك» فقد علمه، وأجاب ابن التِّين: بأنَّ ابن عيينة إنَّما قال ذلك فيما وقع في القرآن، وإلَّا فلا فرق بينهما في اللُّغة، وعند الدَّارقُطنيِّ: «وما علمك أنَّها رقيةٌ؟» قال: حقٌّ أُلقِي (٤) في

رُوعي (ثُمَّ قَالَ) : (قَدْ أَصَبْتُم) في الرُّقية، أو في توقُّفكم عن التَّصرُّف في الجُعْلِ حتَّى استأذنتموني، أو أعمُّ من ذلك (اقْسِمُوا) الجُعْلَ بينكم (وَاضْرِبُوا) اجعلوا (لِي مَعَكُمْ) منه (سَهْمًا) أي: نصيبًا والأمر بالقسمة من باب مكارم الأخلاق، وإلَّا فالجميع للرَّاقي، وإنَّما قال: «اضربوا» تطييبًا لقلوبهم، ومبالغةً في أنَّه حلالٌ لا شبهة فيه (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النَّبيُّ» (، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (وَقَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج فيما وصله التِّرمذيُّ والمؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٦] لكن بالعنعنة: (حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ) جعفر بن أبي وحشيَّة السَّابق قال: (سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكِّلِ) النَّاجي (بِهَذَا) الحديث السَّابق، وفائدة ذكره هذا: تصريح أبي بِشْرٍ بالسَّماع، ومتابعة شعبة لأبي عَوانة على الإسناد، وقد تابع أبا عَوانة أيضًا هُشَيمٌ كما في «مسلمٍ» و «النَّسائيِّ»، وخالفهم الأعمش فرواه عن جعفر بن (١) أبي وحشيَّة عن أبي نضرة عن أبي سعيدٍ، فجعل بدل «أبي المتوكِّل» «أبا نضرة»، أخرجه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه، وليس الحديث مضطربًا، بل الطَّريقان محفوظان، قاله في «الفتح»، وقد سقط قوله «قال أبو عبد الله» إلى آخره في رواية الحَمُّويي، وثبت للمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ.

ومباحث هذا الحديث (٢) وما يُستنبَط منه تأتي -إن شاء الله تعالى- في «كتاب الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٦] ومطابقته للتَّرجمة واضحةٌ، وفيه أنَّ رجاله كلَّهم مذكورون بالكنى، وهو غريبٌ جدًّا، وكلُّهم بصريُّون غير أبي عوانة فواسطيٌّ، وأخرجه المؤلِّف في «الطِّبِّ» أيضًا، وكذا مسلمٌ، وأخرجه أبو داود فيه وفي «البيوع»، والتِّرمذيُّ فيه، وكذا النَّسائيُّ، وابن ماجه في «التِّجارات».

(١٧) (بابُ) حكم (ضَرِيبَةِ العَبْدِ) بفتح الضَّاد المعجمة، «فعيلةٌ» بمعنى «مفعولة»: ما يقرِّره السَّيِّد على عبده في كلِّ يومٍ (وَ) بيان (تَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِمَاءِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بن بشار عَن ابْن أبي عدي عَن شُعْبَة عَن سُلَيْمَان عَن أبي الضُّحَى عَن مَسْرُوق عَن خباب ... إِلَى آخِره، وَأخرجه هُنَا عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي، قاضيها، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن أبي الضُّحَى مُسلم عَن مَسْرُوق إِلَى آخِره، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. والقين، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الْحداد.

قَوْله: (أما) ، حرف التَّنْبِيه وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا أكفر. قَوْله: (حَتَّى تَمُوت) غَايَة لَهُ، وَالْغَرَض التأييد كَمَا فِي قَوْلك: إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَبعد الْبَعْث لَا يُمكن الْكفْر. قَوْله: (فَلَا) أَي: فَلَا أكفر، ويروى هَكَذَا: فَلَا أكفر. فَإِن قلت: الْفَاء لَا تدخل جَوَاب الْقسم. قلت: الْمَذْكُور مُفَسّر للمقدر، ويروى: أمَّا، بتَشْديد الْمِيم، وَتَقْدِيره: أمَّا أَنا فَلَا أكفر، وَالله، وأمَّا غَيْرِي فَلَا أعلم حَاله، قَوْله: (وَإِنِّي) همزَة الِاسْتِفْهَام مقدرَة فِيهِ، وَإِنَّمَا أكد بِأَن وَاللَّام مَعَ أَن الْمُخَاطب هُوَ خباب غير مُنكر وَلَا مُتَرَدّد فِي ذَلِك، لِأَن الْعَاصِ فهم مِنْهُ التَّأْكِيد فِي مُقَابلَة إِنْكَاره، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَتَقول هَذَا الْكَلَام الْمُؤَكّد؟

٦١ - (بابُ مَا يُعْطَى فِي الرقَيَّةِ عَلى أحْياءِ الَعرَبِ بِفاتِحَةِ الْكِتابِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا يعْطى فِي الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب، وَلم يبين الحكم اكْتِفَاء بِمَا فِي الحَدِيث على عَادَته فِي ذَلِك. والرقية، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف: من رقاه رقيا ورقية ورقيا، فَهُوَ راقٍ: إِذا عوذه، وَصَاحبه رقاه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَقد يُقَال: استرقيته، بِمَعْنى: رقيته. قَالَ: وَعَن الْكسَائي: ارتقيته، بِهَذَا الْمَعْنى، وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه: كل كَلَام استشفي بِهِ من وجع أَو خوف أَو شَيْطَان أَو سحر فَهُوَ رقية، وَفِي مُعظم نسخ البُخَارِيّ وأكثرها هَكَذَا: بَاب مَا يعْطى فِي الرّقية على أَحيَاء الْعَرَب بِفَاتِحَة الْكتاب، وَاعْترض عَلَيْهِ بتقييده بأحياء الْعَرَب بِأَن الحكم لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمحَال وَلَا الْأَمْكِنَة، وَأجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ ترْجم بالواقع وَلم يتَعَرَّض لنفي غَيره. قلت: هَذَا الْجَواب غير مقنع لِأَنَّهُ قَيده بأحياء الْعَرَب، والقيد شَرط إِذا انْتَفَى يَنْتَفِي الْمَشْرُوط، وَهَذَا الْقَائِل لم يكتف بِهَذَا الْجَواب الَّذِي لَا يرضى بِهِ حَتَّى قَالَ: والأحياء جمع حَيّ، وَالْمرَاد بِهِ: طَائِفَة مَخْصُوصَة، وَهَذَا الْكَلَام أَيْضا يشْعر بالتقييد، وَالْأَصْل فِي الْبَاب الْإِطْلَاق، فَافْهَم.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحَقُّ مَا أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرا كِتابُ الله

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة لقِرَاءَة الْقُرْآن وللتعليم أَيْضا وللرقيا بِهِ أَيْضا لعُمُوم اللَّفْظ، وَهُوَ يُفَسر أَيْضا الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ مَا بَين فِيهِ حكم مَا يعْطى فِي الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب، وَهَذَا الَّذِي علقه البُخَارِيّ طرف من حَدِيث وَصله هُوَ فِي كتاب الطِّبّ فِي: بَاب الشَّرْط فِي الرّقية بقطيع من الْغنم، حَدثنِي سيدان بن مضَارب ... إِلَى آخِره وَفِي آخِره: إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله.

وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَخذ الْأجر على الرّقية بِالْفَاتِحَةِ، وَفِي أَخذه على التَّعْلِيم، فَأَجَازَهُ عَطاء وَأَبُو قلَابَة، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي ثَوْر، وَنَقله الْقُرْطُبِيّ عَن أبي حنيفَة فِي الرّقية، وَهُوَ قَول إِسْحَاق. وَكره الزُّهْرِيّ تَعْلِيم الْقُرْآن بِالْأَجْرِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه: لَا يجوز أَن يَأْخُذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن، وَقَالَ الْحَاكِم من أَصْحَابنَا فِي كِتَابه (الْكَافِي) : وَلَا يجوز أَن يسْتَأْجر رجل رجلا أَن يعلم وَلَده الْقُرْآن وَالْفِقْه والفرائض أَو يؤمهم رَمَضَان أَو يُؤذن، وَفِي (خُلَاصَة الْفَتَاوَى) نَاقِلا عَن الأَصْل: لَا يجوز الِاسْتِئْجَار على الطَّاعَات كتعليم الْقُرْآن وَالْفِقْه وَالْأَذَان والتذكير والتدريس وَالْحج والغزو، يَعْنِي: لَا يجب الْأجر، وَعند أهل الْمَدِينَة: يجوز، وَبِه أَخذ الشَّافِعِي ونصير وعصام، وَأَبُو نصر الْفَقِيه وَأَبُو اللَّيْث رَحِمهم الله. وَالْأَصْل الَّذِي بنى عَلَيْهِ حُرْمَة الِاسْتِئْجَار على هَذِه الْأَشْيَاء: أَن كل طَاعَة يخْتَص بهَا الْمُسلم لَا يجوز الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا، لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء طَاعَة وقربة تقع على الْعَامِل. قَالَ تَعَالَى: {وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إلَاّ مَا سعى} (النَّجْم: ٩٣) . فَلَا يجوز أَخذ الْأُجْرَة من غَيره كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة، وَاحْتَجُّوا على ذَلِك بِأَحَادِيث: مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) : حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن هِشَام الدستوَائي حَدثنِي يحى بن أبي كثير عَن أبي رَاشد الحبراني قَالَ: قَالَ عبد الرَّحْمَن بن شبْل: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: إقرأوا الْقُرْآن وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَعنهُ: وَلَا تجفوا وَلَا تقلوا فِيهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه أَيْضا فِي (مُسْنده) وَابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق فِي (مصنفيهما) . وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق رَوَاهُ عبد بن حميد وَأَبُو يعلى الْموصِلِي وَالطَّبَرَانِيّ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) عَن حَمَّاد بن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عبد الرَّحْمَن

ابْن عَوْف مَرْفُوعا نَحوه. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) عَن الضَّحَّاك بن نبراس الْبَصْرِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحوه. وَمِنْهَا: حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمُغيرَة بن زِيَاد الْموصِلِي عَن عبَادَة بن نسي عَن الْأسود بن ثَعْلَبَة عَن عبَادَة بن الصَّامِت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: علَّمتُ نَاسا من أهل الصّفة الْقُرْآن فأهدى إليَّ رجل مِنْهُم قوسا، فَقلت: لَيست بِمَال، وأرمي بهَا فِي سَبِيل الله. فَسَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: إِن أردْت أَن يطوقك الله طوقا من نَار فاقبلها. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق آخر من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن عبَادَة بن الصَّامِت، قَالَ: كَانَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذا قدم الرجل مُهَاجرا دَفعه إِلَى رجل منا يُعلمهُ الْقُرْآن، فَدفع إليَّ رجلا كَانَ معي وَكنت أقرئه الْقُرْآن، فَانْصَرَفت يَوْمًا إِلَى أَهلِي فَرَأى أَن عَلَيْهِ حَقًا، فأهدى إِلَيّ قوسا مَا رَأَيْت أَجود مِنْهَا عودا، وَلَا أحسن مِنْهَا عَطاء، فَأتيت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فاستفتيته، فَقَالَ: جَمْرَة بَين كتفيك تقلدتها أَو تعلقتها. وَأخرجه الْحَاكِم فِي (كتاب الْفَضَائِل) عَن أبي الْمُغيرَة عبد القدوس بن الْحجَّاج عَن بشر بن عبد الله بن يسَار بِهِ سندا ومتنا. وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الأسناد وَلم يخرجَاهُ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَطِيَّة الكلَاعِي عَن أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: علمت رجلا الْقُرْآن فأهدى إليَّ قوسا، فَذكرت ذَلِك للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: إِن أَخَذتهَا أخذت قوسا من نَار. قَالَ: فرددتها. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ من حَدِيث أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من أَخذ قوسا على تَعْلِيم الْقُرْآن قَلّدهُ الله قوسا من نَار) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب الْإِيمَان) من حَدِيث سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قَرَأَ الْقُرْآن يَأْكُل بِهِ النَّاس جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه عَظمَة لَيْسَ عَلَيْهِ لحم) . وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن يرفعهُ: (اقرأوا الْقُرْآن وسلوا الله بِهِ، فَإِن من بعدكم قوم يقرأون الْقُرْآن يسْأَلُون النَّاس بِهِ) . وَذكر ابْن بطال من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن أبي جرهم عَن أبي هُرَيْرَة، قلت: (يَا رَسُول الله {مَا تَقول فِي المعلمين؟ قَالَ} أجرهم حرَام) وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس، مَرْفُوعا: (لَا تستأجروا المعلمين) وَهَذَا غير صَحِيح، وَفِي إِسْنَاده أَحْمد بن عبد الله الْهَرَوِيّ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: دجال يضع الحَدِيث، وَوَافَقَهُ صَاحب التَّنْقِيح، وَهَذِه الْأَحَادِيث، وَإِن كَانَ فِي بَعْضهَا مقَال، لَكِنَّهَا يُؤَكد بَعْضهَا بَعْضًا، وَلَا سِيمَا حَدِيث الْقوس، فَإِنَّهُ صَحِيح كَمَا ذكرنَا، وَإِذا تعَارض نصان أَحدهمَا مُبِيح وَالْآخر محرم يدل على النّسخ كَمَا نذكرهُ عَن قريب، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث أبي سعد الْخُدْرِيّ الَّذِي يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فِي هَذَا الْبَاب.

وَأجَاب ابْن الْجَوْزِيّ نَاقِلا عَن أَصْحَابه عَن حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ثَلَاثَة أجوبة: أَحدهَا: أَن الْقَوْم كَانُوا كفَّارًا فَجَاز أَخذ أَمْوَالهم. وَالثَّانِي: أَن حق الضَّيْف وَاجِب وَلم يضيفوهم. وَالثَّالِث: أَن الرّقية لَيست بقربة مَحْضَة، فَجَاز أَخذ الْأُجْرَة عَلَيْهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَلَا نسلم أَن جَوَاز أَخذ الإجر فِي الرقي يدل على جَوَاز التَّعْلِيم بِالْأَجْرِ، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: وَمعنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن أَحَق مَا إخذتم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله) ، يَعْنِي: إِذا رقيتم بِهِ، وَحمل بعض من منع أَخذ الْأجر على تَعْلِيم الْقُرْآن الْأجر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور على الثَّوَاب، وَبَعْضهمْ ادعوا أَنه مَنْسُوخ بالأحاديث الْمَذْكُورَة الَّتِي فِيهَا الْوَعيد، وَاعْترض عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ إِثْبَات النّسخ بالإحتمال، وَهُوَ مَرْدُود. قلت: منع هَذَا بِدَعْوَى الِاحْتِمَال مَرْدُود، وَمن الَّذِي قَالَ هَذَا الحَدِيث يحْتَمل النّسخ، بل الَّذِي ادّعى النّسخ إِنَّمَا قَالَ: هَذَا الحَدِيث يحْتَمل الْإِبَاحَة، وَالْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة تمنع الْإِبَاحَة قطعا، والنسخ هُوَ الْحَظْر بعد الْإِبَاحَة، لِأَن الْإِبَاحَة أصل فِي كل شَيْء، فَإِذا طَرَأَ الْحَظْر يدل على النّسخ بِلَا شكّ، وَقَالَ بَعضهم: الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة لَيْسَ فِيهَا مَا تقوم بِهِ الْحجَّة فَلَا تعَارض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قلت: لَا نسلم عدم قيام الْحجَّة فِيهَا. فَإِن حَدِيث الْقوس صَحِيح، وَفِيه الْوَعيد الشَّديد. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَيجوز الْأجر على الرقى وَإِن كَانَ يدْخل فِي بعضه الْقُرْآن، لِأَنَّهُ لَيْسَ على النَّاس أَن يرقي بَعضهم بَعْضًا، وَتَعْلِيم النَّاس بَعضهم بَعْضًا الْقُرْآن وَاجِب، لِأَن فِي ذَلِك التَّبْلِيغ عَن الله تَعَالَى، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : قَول الطَّحَاوِيّ هَذَا غلط، لِأَن تعلمه لَيْسَ بِفَرْض، فَكيف تَعْلِيمه؟ وَإِنَّمَا الْفَرْض الْمعِين مِنْهُ على كل أحد مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة، وَغير ذَلِك فَضِيلَة ونافلة، وَكَذَلِكَ تَعْلِيم النَّاس بَعضهم بَعْضًا، لَيْسَ بِفَرْض مُتَعَيّن عَلَيْهِم، وَإِنَّمَا هُوَ على الْكِفَايَة، وَلَا فرق بَين الْأُجْرَة فِي الرقي وعَلى تَعْلِيم الْقُرْآن، لِأَن ذَلِك كُله مَنْفَعَة. انْتهى. قلت: هَذَا كَلَام صادر بقلة الْأَدَب وَعدم مُرَاعَاة أدب الْبَحْث، سَوَاء كَانَ هَذَا الْكَلَام مِنْهُ أَو هُوَ نَقله

من غَيره، وَكَيف يَقُول: لِأَن تعلمه لَيْسَ بِفَرْض فَكيف تَعْلِيمه؟ فَإِذا لم يكن تَعْلِيمه وتعلمه فرضا فَلَا يفْرض قِرَاءَة الْقُرْآن فِي الصَّلَاة. وَقد أَمر الله تَعَالَى بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا بقوله: (فاقرأوا) فَإِذا أسلم أحد من أهل الْحَرْب أَفلا يفْرض عَلَيْهِ أَن يعلم مِقْدَار مَا تجوز بِهِ صلَاته؟ وَإِذا لم يجد إلَاّ أحدا مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن كُله أَو بعضه، أَفلا يجب عَلَيْهِ أَن يُعلمهُ مِقْدَار مَا تجوز بِهِ الصَّلَاة؟ وَقَوله: وَإِنَّمَا الْفَرْض الْمعِين مِنْهُ مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة، يدل على أَن تعلمه فرض عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يقدر على هَذَا الْمِقْدَار إلَاّ بالتعليم، إِذْ لَا يقدر عَلَيْهِ من ذَاته، فَإِذا كَانَ مَا تقوم بِهِ الصَّلَاة من الْقِرَاءَة فرضا عَلَيْهِ يكون تعلمه هَذَا الْمِقْدَار فرضا عَلَيْهِ، لِأَن مَا يقوم بِهِ الْفَرْض فرض، والتعلم لَا يحصل إلَاّ بالتعليم، فَيكون فرضا على كل حَال، سَوَاء كَانَ على التَّعْيِين أَو على الْكِفَايَة، وَكَيف لَا يكون فرضا وَقد أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتبليغ من الله تَعَالَى؟ وَلَو كَانَ آيَة من الْقُرْآن؟ وَأوجب التَّبْلِيغ عَلَيْهِ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: بلغُوا عني وَلَو آيَة من كتاب الله تَعَالَى.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ إلَاّ أنْ يُعُطى شَيْئا فلْيَقْبَلْهُ

الشّعبِيّ هُوَ عَامر بن شرَاحِيل، وَوصل تَعْلِيقه ابْن أبي شيبَة عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن عُثْمَان بن الْحَارِث، قَالَ: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا سُفْيَان عَن أَيُّوب بن عَائِذ الطَّائِي عَنهُ، وَقَول الشّعبِيّ هَذَا يدل على أَن أَخذ الْأجر بالاشتراط لَا يجوز فَإِن اعطى من غير شَرط فَإِنَّهُ يجوز أَخذه لِأَنَّهُ إمَّا هبة أَو صَدَقَة، وَلَيْسَ بِأُجْرَة، وأصحابنا الْحَنَفِيَّة قَائِلُونَ بِهَذَا أَيْضا. قَوْله: (إِلَّا أَن يعْطى) ، الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُنْقَطع، مَعْنَاهُ: لَكِن الْإِعْطَاء بِدُونِ الِاشْتِرَاط جَائِز فيقبله، ويروى: إِن، بِكَسْر الْهمزَة أَي: لَكِن إِن يعْطى شَيْئا بِدُونِ الشَّرْط فليقبله، وَإِنَّمَا كتب يعْطى، بِالْألف على قِرَاءَة الْكسَائي: {من يتقِ ويصبر} أَو الْألف حصلت من إشباع الفتحة.

وَقَالَ الحَكَمُ لَمْ أسْمَعْ أحدا كَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ

الحكم، بِفَتْح الْحَاء وَالْكَاف: ابْن عتيبة، وَوصل تَعْلِيقه الْبَغَوِيّ فِي (الجعديات) : حَدثنَا عَليّ بن الْجَعْد عَن شُعْبَة سَأَلت مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أجر الْمعلم، فَقَالَ: أرى لَهُ أجرا، قَالَ: وَسَأَلت الحكم، فَقَالَ: مَا سَمِعت فَقِيها يكرههُ. انْتهى. قلت: نفي الحكم سَمَاعه من أَخذ كَرَاهَة أجر الْمعلم لَا يسْتَلْزم النَّفْي عَن الْكل، لِأَن النبيي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كره لعبادة بن الصَّامِت حِين أهْدى لَهُ من كَانَ يُعلمهُ قوسا ... الحَدِيث، وَقد مر عَن قريب، وَقَالَ عبد الله بن شَقِيق: يكره أرش الْمعلم، فَإِن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا يكرهونه ويرونه شَدِيدا، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يَأْخُذُوا على الغلمان فِي الْكتاب أجرا، وَذهب الزُّهْرِيّ وَإِسْحَاق إِلَى: أَنه لَا يجوز أَخذ الْأجر عَلَيْهِ.

وأعْطَى الحَسَنُ دَراهِمَ عَشْرَةً

أَي: أعْطى الْحسن الْبَصْرِيّ عشرَة دَرَاهِم أجر الْمعلم، وَوصل تَعْلِيقه مُحَمَّد بن سعد فِي (الطَّبَقَات) من طَرِيق يحيى بن سعيد بن أبي الْحسن، قَالَ: لما حذقت قلت لِعَمِّي: يَا عماه! إِن الْمعلم يُرِيد شَيْئا. قَالَ: مَا كَانُوا يَأْخُذُونَ شَيْئا. ثمَّ قَالَ: أعْطه خَمْسَة دَرَاهِم، فَلم أزل بِهِ حَتَّى قَالَ: أَعْطوهُ عشرَة دَرَاهِم، ورورى ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا حَفْص عَن أَشْعَث عَن الْحسن أَنه قَالَ: لَا بَأْس أَن يَأْخُذ على الْكِتَابَة أجرا، وَكره الشَّرْط. انْتهى، وَالْكِتَابَة غير التَّعْلِيم.

ولَمْ يَرَ ابنَ سِيرينَ بأجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسا. وَقَالَ كانَ يُقالُ السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الحُكْمِ وكانُوا يُعْطَوْنَ عَلى الخَرْصِ

قيل: وَجه ذكر القسام والخارص فِي هَذَا الْبَاب الِاشْتِرَاك فِي أَن جنسهما وجنس تَعْلِيم الْقُرْآن والرقية وَاحِد. انْتهى. قلت: هَذَا وَجه فِيهِ تعسف، وَيُمكن أَن يُقَال: وَقع هَذَا اسْتِطْرَادًا لَا قصدا، وَابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد بن سِيرِين، والقسام، بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد، مُبَالغَة قَاسم، وَقَالَ الْكرْمَانِي: القسام جمع الْقَاسِم، فعلى قَوْله: الْقَاف مَضْمُومَة. قلت: السُّحت، بِضَم السِّين وَسُكُون

الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَحكى ضم الْحَاء وَهُوَ شَاذ، وَقد فسره بالرشوة فِي الحكم، وَهُوَ بِتَثْلِيث الرَّاء، وَقيل بِفَتْح الرَّاء الْمصدر، وبالكسر الِاسْم. وَقيل: السُّحت مَا يلْزم الْعَار بِأَكْلِهِ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الرِّشْوَة الوصلة إِلَى الْحَاجة بالمصانعة وَأَصله من الرشاء الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى المَاء. وَقَالَ: السُّحت الْحَرَام الَّذِي لَا يحل كَسبه لِأَنَّهُ يسحت الْبركَة أَي يذهبها، واشتقاقه من السُّحت بِالْفَتْح، وَهُوَ الإهلاك والاستئصال. قَوْله: (وَكَانُوا يُعْطون) أَي: الْأُجْرَة، على الْخرص، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الرَّاء وبالصاد الْمُهْملَة، وَهُوَ الْحِرْز وزنا وَمعنى. وَمضى الْكَلَام فِيهِ فِي الْبيُوع.

ثمَّ اعْمَلْ أَن قَول ابْن سِيرِين: فِي أُجْرَة القسام، مُخْتَلف فِيهِ، فروى عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : من طَرِيق يحيى بن عَتيق عَن مُحَمَّد وَهُوَ ابْن سِيرِين: أَنه كَانَ يكره أجور القسام، وَيَقُول: كَانَ يُقَال: السُّحت الرِّشْوَة على الحكم، وَأرى هَذَا حكما يُؤْخَذ عَلَيْهِ الْأجر، وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق قَتَادَة، قَالَ: قتل لِابْنِ الْمسيب: مَا ترى فِي كسب القسام؟ فكرهه، وَكَانَ الْحسن يكره كَسبه، وَقَالَ ابْن سِيرِين: إِن لم يكن حسنا فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَجَاءَت عَنهُ رِوَايَة جمع بهَا مَا بَين هَذَا الِاخْتِلَاف، قَالَ ابْن سعد: حَدثنَا عَارِم حَدثنَا حَمَّاد عَن يحيى عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سِيرِين، أَنه كَانَ يكره أَن يشارط القسام، فَكَأَنَّهُ كَانَ يكره لَهُ أَخذ الْأُجْرَة على سَبِيل المشارطة وَلَا يكرهها إِذا كَانَت بِغَيْر اشْتِرَاط. وَأما قَول ابْن سِيرِين: السُّحت الرِّشْوَة فِي الحكم، فَأَخذه مِمَّا جَاءَ عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، من قَوْلهم فِي تَفْسِير السُّحت: إِنَّه الرِّشْوَة فِي الحكم، أخرجه الطَّبَرِيّ بأسانيده عَنْهُم، وَرَوَاهُ من وَجه آخر مَرْفُوعا بِرِجَال ثِقَات، وَلكنه مُرْسل وَلَفظه: كل جسم أَنْبَتَهُ السُّحت فَالنَّار أولى بِهِ. قيل: يَا رَسُول الله! وَأما السُّحت قَالَ: (الرِّشْوَة فِي الحكم) .

١٦ - (حَدثنَا أَبُو النُّعْمَان قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد رَضِي الله عَنهُ قَالَ انْطلق نفر من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سفرة سافروها حَتَّى نزلُوا على حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب فاستضافوهم فَأَبَوا أَن يضيفوهم فلدغ سيد ذَلِك الْحَيّ فسعوا لَهُ بِكُل شَيْء لَا يَنْفَعهُ شَيْء فَقَالَ بَعضهم لَو أتيتم هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذين نزلُوا لَعَلَّه أَن يكون عِنْد بَعضهم شَيْء فأتوهم فَقَالُوا يَا أَيهَا الرَّهْط إِن سيدنَا لدغ وسعينا لَهُ بِكُل شَيْء لَا يَنْفَعهُ فَهَل عِنْد أحد مِنْكُم من شَيْء فَقَالَ بَعضهم نعم وَالله إِنِّي لأرقي وَلَكِن وَالله لقد استضفناكم فَلم تضيفونا فَمَا أَنا براق لكم حَتَّى تجْعَلُوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الْغنم فَانْطَلق يتفل عَلَيْهِ وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين فَكَأَنَّمَا نشط من عقال فَانْطَلق يمشي وَمَا بِهِ قلبة قَالَ فأوفوهم جعلهم الَّذِي صالحوهم عَلَيْهِ فَقَالَ بَعضهم اقسموا فَقَالَ الَّذِي رقى لَا تَفعلُوا حَتَّى نأتي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَنَذْكُر لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُر مَا يَأْمُرنَا فقدموا على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذكرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية ثمَّ قَالَ قد أصبْتُم اقسموا واضربوا لي مَعكُمْ سَهْما فَضَحِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَانْطَلق يتفل عَلَيْهِ وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين وَهُوَ الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي الثَّانِي أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي الثَّالِث أَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة هُوَ جَعْفَر بن أبي وحشية وَهُوَ مَشْهُور بكنيته أَكثر من اسْمه وَاسم أَبِيه أَبُو وحشية إِيَاس الرَّابِع أَبُو المتَوَكل واسْمه عَليّ بن دَاوُد بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَقيل دَاوُد النَّاجِي بالنُّون وَالْجِيم السَّامِي بِالسِّين الْمُهْملَة مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة الْخَامِس أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ واسْمه سعد بن مَالك مَشْهُور باسمه وكنيته

(ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رجال هَذَا الحَدِيث كلهم مذكورون بالكنى وَهَذَا غَرِيب جدا وَفِيه أَن شَيْخه وَمن بعده كلهم بصريون غير أبي عوَانَة فَإِنَّهُ واسطي وَفِيه عَن أبي بشر عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي آخر الْبَاب بتصريح أبي بشر بِالسَّمَاعِ مِنْهُ وتابع أَبُو عوَانَة على هَذَا الْإِسْنَاد شُعْبَة كَمَا فِي آخر الْبَاب وهشيم كَمَا أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَخَالفهُم الْأَعْمَش فَرَوَاهُ عَن جَعْفَر بن أبي وحشية عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد جعل بدل أبي المتَوَكل أَبَا نَضرة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من طَرِيقه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ طَرِيق شُعْبَة أصح من طَرِيق الْأَعْمَش وَقَالَ ابْن مَاجَه هُوَ الصَّوَاب وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِيهِ اضْطِرَاب وَلَيْسَ بِشَيْء (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَفِيه عَن بنْدَار عَن غنْدر وَأخرجه مُسلم فِي الطِّبّ عَن بنْدَار وَأبي بكر بن نَافِع عَن غنْدر بِهِ وَعَن يحيى بن يحيى وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ وَفِي الْبيُوع عَن مُسَدّد وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن بنْدَار بِهِ وَعَن زِيَاد بن أَيُّوب وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي التِّجَارَات عَن أبي كريب وأوله بعثنَا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " انْطلق نفر " النَّفر رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه قَالَ ابْن الْأَثِير وَيجمع على أَنْفَار وَهَذَا يدل على أَنهم مَا كَانُوا أَكثر من الْعشْرَة وَفِي سنَن ابْن مَاجَه بعثنَا فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عِنْد التِّرْمِذِيّ بعثنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاثِينَ رجلا فنزلنا بِقوم لَيْلًا فسألناهم الْقرى أَي الضِّيَافَة وَفِيه عدد السّريَّة وَوقت النُّزُول وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ بعث سَرِيَّة عَلَيْهَا أَبُو سعيد وفيهَا تعْيين أَمِير السّريَّة والسرية طَائِفَة من الْجَيْش يبلغ أقصاها أَرْبَعمِائَة تبْعَث إِلَى الْعَدو وَتجمع على السَّرَايَا قَوْله " حَيّ " اعْلَم أَن طَبَقَات أَنْسَاب الْعَرَب سِتّ الشّعب بِفَتْح الشين وَهُوَ النّسَب الْأَبْعَد كعدنان مثلا وَهُوَ أَبُو الْقَبَائِل الَّذين ينسبون إِلَيْهِ وَيجمع على شعوب والقبيلة وَهِي مَا انقسم بِهِ الشّعب كربيعة وَمُضر والعمارة بِكَسْر الْعين وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْقَبِيلَة كقريش وكنانة وَيجمع على عمارات وعمائر والبطن وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْعِمَارَة كبني عبد منَاف وَبني مَخْزُوم وَيجمع على بطُون وأبطن والفخذ وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْبَطن كبني هَاشم وَبني أُميَّة وَيجمع على أفخاذ والفصيلة بالصَّاد الْمُهْملَة وَهِي مَا انقسم فِيهِ أَنْسَاب الْفَخْذ كبني الْعَبَّاس وَأكْثر مَا يَدُور على الْأَلْسِنَة من الطَّبَقَات الْقَبِيلَة ثمَّ الْبَطن وَرُبمَا عبر عَن كل وَاحِد من الطَّبَقَات السِّت بالحي إِمَّا على الْعُمُوم مثل أَن يُقَال حَيّ من الْعَرَب وَإِمَّا على الْخُصُوص مثل أَن يُقَال حَيّ من بني فلَان وَقَالَ الْهَمدَانِي فِي الْأَنْسَاب الشّعب والحي بِمَعْنى قَوْله " فاستضافوهم " أَي طلبُوا مِنْهُم الضِّيَافَة قَوْله " فَأَبَوا " أَي امْتَنعُوا من أَن يضيفوهم بِالتَّشْدِيدِ من التضييف ويروى بِالتَّخْفِيفِ وَقَالَ ثَعْلَب ضفت الرجل إِذا أنزلت بِهِ وأضفته إِذا أنزلته وَقَالَ ابْن التِّين ضَبطه فِي بعض الْكتب أَن يضيفوهم بِفَتْح الْيَاء وَالْوَجْه ضمهَا قَوْله " فلدغ " على بِنَاء الْمَجْهُول من اللدغ بِالدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَهُوَ اللسغ وزنا وَمعنى وَأما اللذغ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة فَهُوَ الإحراق الْخَفِيف واللدغ فِي الحَدِيث ضرب ذَات الْحمة من حَيَّة أَو عقرب وَقد بَين فِي التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا عقرب (فَإِن قلت) عِنْد النَّسَائِيّ من رِوَايَة هشيم أَنه مصاب فِي عقله أَو لديغ (قلت) هَذَا شكّ من هشيم وَرَوَاهُ الْبَاقُونَ أَنه لديغ وَلم يشكوا خُصُوصا تَصْرِيح الْأَعْمَش بِأَنَّهُ لديغ من عقرب وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن من طَرِيق معبد بن سِيرِين بِلَفْظ أَن سيد الْحَيّ سليم وَكَذَا فِي الطِّبّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن سيد الْقَوْم سليم والسليم هُوَ اللديغ قيل لَهُ ذَلِك تفاؤلا بالسلامة وَقيل لاستسلامه بِمَا نزل بِهِ (فَإِن قلت) جَاءَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من طَرِيق خَارِجَة بن الصَّلْت عَن عَمه أَنه مر بِقوم وَعِنْدهم رجل مَجْنُون موثق فِي الْحَدِيد فَقَالُوا إِنَّك جِئْت من عِنْد هَذَا الرجل بِخَير فَارق لنا هَذَا الرجل وَفِي لفظ عَن خَارِجَة بن الصَّلْت عَن عَمه يَعْنِي علاقَة بن صحار أَنه رقى مَجْنُونا موثقًا بالحديد بِفَاتِحَة الْكتاب ثَلَاثَة أَيَّام كل يَوْم مرَّتَيْنِ فبرأ فأعطوني مِائَتي شَاة فَأخْبرت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ " خُذْهَا ولعمري من أكل برقية

بَاطِل فقد أكلت برقية حق " (قلت) هما قضيتان لِأَن الراقي هُنَاكَ أَبُو سعيد وَهنا علاقَة بن صحار وَبَينهمَا اخْتِلَاف كثير قَوْله " جعلا " بِضَم الْجِيم وَهُوَ الْأُجْرَة على الشَّيْء وَيُقَال أَيْضا جعَالَة والجعل بِالْفَتْح مصدر يُقَال جعلت لَك كَذَا جعلا وَجعلا قَوْله " فسعوا لَهُ بِكُل شَيْء " أَي مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة أَن يتداوى بِهِ من لدغة الْعَقْرَب وَقَالَ الْخطابِيّ يَعْنِي عالجوا طلبا للشفاء يُقَال سعى لَهُ الطَّبِيب عالجه بِمَا يشفيه أَو وصف لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاء وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فشفوا بالشين الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَعَلِيهِ شرح الْخطابِيّ فَقَالَ مَعْنَاهُ طلبُوا لَهُ الشِّفَاء يُقَال شفى الله مريضي إِذا أَبرَأَهُ وشفى لَهُ الطَّبِيب أَي عالجه بِمَا يشفيه أَو وصف لَهُ مَا فِيهِ الشِّفَاء وَادّعى ابْن التِّين أَن هَذَا تَصْحِيف (قلت) الَّذِي قَالَه أقرب قَوْله " لَو أتيتم هَؤُلَاءِ الرَّهْط " قَالَ ابْن التِّين قَالَ تَارَة نَفرا وَتارَة رهطا قَوْله " لَو أتيتم " جَوَاب لَو مَحْذُوف أَو هُوَ لِلتَّمَنِّي قَوْله " فأتوهم " وَفِي رِوَايَة معبد بن سِيرِين أَن الَّذِي جَاءَ فِي الرسلية جَارِيَة مِنْهُم فَيحمل على أَنه كَانَ مَعهَا غَيرهَا قَوْله " وسعينا " وَفِي رِوَايَة الْكشميهني فشفينا من الشِّفَاء كَمَا ذكرنَا عَن قريب قَوْله " فَقَالَ بَعضهم " وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد فَقَالَ رجل من الْقَوْم نعم وَالله إِنِّي لأرقي بِكَسْر الْقَاف وَبَين الْأَعْمَش أَن الَّذِي قَالَ ذَلِك أَبُو سعيد رَاوِي الْخَبَر وَلَفظه قلت نعم أَنا وَلَكِن لَا أرقيه حَتَّى تعطونا غنما (فَإِن قلت) فِي رِوَايَة معبد بن سِيرِين أخرجهَا مُسلم فَقَامَ منا رجل مَا كُنَّا نظنه يحسن رقية وَسَيَأْتِي فِي فَضَائِل الْقُرْآن فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ أَكنت تحسن رقية فَفِي هَذَا مَا يشْعر بِأَنَّهُ غَيره (قلت) لَا مَانع من أَن يكنى الرجل عَن نَفسه وَهُوَ من بَاب التَّجْرِيد فَلَعَلَّ أَبَا سعيد صرح تَارَة وكنى أُخْرَى وَوَقع فِي حَدِيث جَابر رَوَاهُ الْبَزَّار فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار أَنا أرقيه وَأَبُو سعيد أَنْصَارِي وَحمل بعض الشَّارِحين ذَلِك على تعدد الْقِصَّة وَكَانَ أَبُو سعيد روى قصتين كَانَ فِي إِحْدَاهمَا راقيا وَفِي الْأُخْرَى كَانَ غَيره قيل هَذَا بعيد جدا لِاتِّحَاد مخرج الحَدِيث والسياق وَالسَّبَب قَوْله " فصالحوهم " أَي وافقوهم قَوْله " غنم " على قطيع من الْغنم والقطيع طَائِفَة من الْغنم والمواشي وَقَالَ الدَّاودِيّ يَقع على مَا قل وَكثر وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ ثَلَاثُونَ شَاة قَوْله " يتفل عَلَيْهِ " من تفل بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق يتفل بِكَسْر الْفَاء وَضمّهَا تفلا وَهُوَ نفخ مَعَه قَلِيل بصاق وَقَالَ ابْن بطال التفل البصاق وَقيل مَحل التفل فِي الرّقية يكون بعد الْقِرَاءَة لتَحْصِيل بركَة الْقِرَاءَة فِي الْجَوَارِح الَّتِي يمر عَلَيْهَا الرِّيق فَتحصل الْبركَة فِي الرِّيق الَّذِي يتفله قَوْله " وَيقْرَأ الْحَمد لله رب الْعَالمين " وَفِي رِوَايَة شُعْبَة فَجعل يقْرَأ عَلَيْهِ بِفَاتِحَة الْكتاب وَكَذَا فِي حَدِيث جَابر وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش فَقَرَأت عَلَيْهِ وَأَنه سبع مَرَّات وَفِي رِوَايَة جَابر ثَلَاث مَرَّات قَوْله " نشط " بِضَم النُّون وَكسر الشين الْمُعْجَمَة من الثلاثي الْمُجَرّد كَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْجَمِيع وَقَالَ الْخطابِيّ وَهُوَ لُغَة وَالْمَشْهُور نشط إِذا عقد وَأنْشط إِذا حل يُقَال نشطته إِذا عقدته وأنشطته إِذا حللته وفكيته وَعند الْهَرَوِيّ فَكَأَنَّمَا نشط من عقال وَقيل مَعْنَاهُ أقيم بِسُرْعَة وَمِنْه يُقَال رجل نشيط والعقال بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف هُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ ذِرَاع الْبَهِيمَة قَوْله " يمشي " جملَة وَقعت حَالا قَوْله " قلبة " بالفتحات أَي عِلّة وَقيل لِلْعِلَّةِ قلبة لِأَن الَّذِي تصيبه يتقلب من جنب إِلَى جنب ليعلم مَوضِع الدَّاء وبخط الدمياطي أَنه دَاء مَأْخُوذ من القلاب يَأْخُذ الْبَعِير فيشتكي مِنْهُ قلبه فَيَمُوت من يَوْمه قَالَه ابْن الْأَعرَابِي قَوْله " فَقَالَ الَّذِي رقى " بِفَتْح الْقَاف قَوْله " فَنَنْظُر مَا يَأْمُرنَا " أَي فنتبعه وَلم يُرِيدُوا أَن يكون لَهُم الْخيرَة فِي ذَلِك قَوْله " وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية " قَالَ الدَّاودِيّ مَعْنَاهُ وَمَا أَدْرَاك وَقد روى كَذَلِك وَلَعَلَّه هُوَ الْمَحْفُوظ لِأَن ابْن عُيَيْنَة قَالَ إِذا قَالَ وَمَا يدْريك فَلم يعلم وَإِذا قَالَ وَمَا أَدْرَاك فقد أعلم وَاعْترض بِأَن ابْن عُيَيْنَة إِنَّمَا قَالَ ذَلِك فِيمَا وَقع فِي الْقرَان وَلَا فرق بَينهمَا فِي اللُّغَة أَي فِي نفي الدارية وَوَقع فِي رِوَايَة هشيم وَمَا أَدْرَاك وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ وَمَا علمك أَنَّهَا رقية قَالَ حق ألقِي فِي روعي وَهَذِه الْكَلِمَة أَعنِي وَمَا أَدْرَاك وَمَا يدْريك تسْتَعْمل عِنْد التَّعَجُّب من الشَّيْء وَفِي تَعْظِيمه قَوْله " قد أصبْتُم " أَي فِي الرّقية قَوْله " واضربوا لي سَهْما " أَي اجعلوا لي مِنْهُ نَصِيبا وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالغَة فِي تصويبه إيَّاهُم كَمَا وَقع لَهُ فِي قصَّة الْحمار الوحشي وَغير ذَلِك (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ جَوَاز الرّقية بِشَيْء من كتاب الله تَعَالَى وَيلْحق بِهِ مَا كَانَ من الدَّعْوَات المأثورة أَو مِمَّا يشابهها وَلَا يجوز بِأَلْفَاظ مِمَّا لَا يعلم مَعْنَاهَا من الْأَلْفَاظ الْغَيْر الْعَرَبيَّة وَفِيه خلاف فَقَالَ الشّعبِيّ وَقَتَادَة وَسَعِيد بن جُبَير وَجَمَاعَة آخَرُونَ يكره الرقي وَالْوَاجِب على الْمُؤمن أَن يتْرك ذَلِك اعتصاما بِاللَّه تَعَالَى وتوكلا عَلَيْهِ وثقة بِهِ وانقطاعا إِلَيْهِ

وعلما بِأَن الرّقية لَا تَنْفَعهُ وَإِن تَركهَا لَا يضرّهُ إِذْ قد علم الله تَعَالَى أَيَّام الْمَرَض وَأَيَّام الصِّحَّة فَلَو حرص الْخلق على تقليل أَيَّام الْمَرَض وزمن الدَّاء وعَلى تَكْثِير أَيَّام الصِّحَّة مَا قدرُوا على ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى {مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها} وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أخرجه الطَّحَاوِيّ من حَدِيث أبي مجلز قَالَ كَانَ عمرَان بن حُصَيْن ينْهَى عَن الكي فابتلي فَكَانَ يَقُول لقد اكتويت كَيَّة بِنَار فَمَا أبرأتني من إِثْم وَلَا شفتني من سقم وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالزهْرِيّ وَالثَّوْري وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَآخَرُونَ لَا بَأْس بالرقى وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث الْبَاب وَغَيره وَفِيه جَوَاز أَخذ الْأُجْرَة وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب مُسْتَوْفِي وَفِيه أَن سُورَة الْفَاتِحَة فِيهَا شِفَاء وَلِهَذَا من أسمائها الشافية وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي سعيد مَرْفُوعا فَاتِحَة الْكتاب شِفَاء من كل سقم وَلأبي دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود مرض الْحسن أَو الْحُسَيْن فَنزل جِبْرَائِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَأمره أَن يقْرَأ الْفَاتِحَة على إِنَاء من المَاء أَرْبَعِينَ مرّة فَيغسل يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَرَأسه وَقَالَ ابْن بطال مَوضِع الرّقية مِنْهَا إياك نستعين وَعبارَة الْقُرْطُبِيّ موضعهَا إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين وَالظَّاهِر أَنَّهَا كلهَا رقية لقَوْله وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية وَلم يقل فِيهَا فَيُسْتَحَب قرَاءَتهَا على اللديغ وَالْمَرِيض وَصَاحب العاهة وَفِيه مَشْرُوعِيَّة الضِّيَافَة على أهل الْبَوَادِي وَالنُّزُول على مياه الْعَرَب والطلب مِمَّا عِنْدهم على سَبِيل الْقرى أَو الشرى وَفِيه مُقَابلَة من امْتنع من المكرمة بنظير صَنِيعه كَمَا صنعه الصَّحَابِيّ من الِامْتِنَاع من الرّقية فِي مُقَابلَة امْتنَاع أُولَئِكَ من ضيافتهم وَهَذَا طَريقَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله لَو شِئْت لاتخذت عَلَيْهِ أجرا وَلم يعْتَذر الْخضر عَلَيْهِ السَّلَام عَن ذَلِك إِلَّا بِأَمْر خَارج عَن ذَلِك وَفِيه الِاشْتِرَاك فِي الْمَوْهُوب إِذا كَانَ أَصله مَعْلُوما وَفِيه جَوَاز قبض الشَّيْء الَّذِي ظَاهره الْحل وَترك التَّصَرُّف فِيهِ إِذا عرضت فِيهِ شُبْهَة وَفِيه عَظمَة الْقُرْآن فِي صُدُور الصَّحَابَة خُصُوصا الْفَاتِحَة وَفِيه أَن الرزق الَّذِي قسم لأحد لَا يفوتهُ وَلَا يَسْتَطِيع من هُوَ فِي يَده مَنعه مِنْهُ وَفِيه الِاجْتِهَاد عِنْد فقد النَّص

(قَالَ أَبُو عبد الله وَقَالَ شُعْبَة قَالَ حَدثنَا أَبُو بشر سَمِعت أَبَا المتَوَكل بِهَذَا) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة هُوَ جَعْفَر بن أبي وحشية الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث وَأَبُو المتَوَكل عَليّ بن دَاوُد الْمَذْكُور فِيهِ وَوَصله التِّرْمِذِيّ بِهَذِهِ الصِّيغَة وَالْبُخَارِيّ أَيْضا فِي الطِّبّ وَلَكِن وَصله بالعنعنة -

٧١ - (بابُ ضَرِيبَةِ الْعَبْد وتَعاهُدِ ضَرَائِبِ الإماءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي النّظر فِي ضريبة العَبْد، والضريبة، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة على وزن فعيلة بِمَعْنى مفعولة: وَهِي مَا يقرره السَّيِّد على عَبده فِي كل يَوْم أَن يُعْطِيهِ. قَوْله: (وتعاهد) ، أَي: وَفِي بَيَان افتقاد ضَرَائِب الْإِمَاء، والضرائب جمع ضريبة، وَالْإِمَاء جمع أمة، وَإِنَّمَا اختصها بالتعاهذ لكَونهَا مَظَنَّة لطريق الْفساد فِي الْأَغْلَب مَعَ أَنه يخْشَى أَيْضا من اكْتِسَاب لعبد بِالسَّرقَةِ مثلا، وَقيل: كَأَنَّهُ أَرَادَ بالتعاهد التفقد لمقدار ضريبة الْأمة لاحْتِمَال أَن تكون ثَقيلَة فتحتاج إِلَى التكسب بِالْفُجُورِ.

٧٧٢٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيَانُ عنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَو صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وكَلَّمَ مَوالِيَهُ فَخَفَّفَ عنْ غَلَّتِهِ أوْ ضَرِيبَتِهِ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَخفف عَن غَلَّته) ، وَهُوَ النّظر فِي ضريبة العَبْد والْحَدِيث مضى بِعَين هَذَا الْإِسْنَاد فِيمَا مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب ذكر الْحجام، غير أَن هُنَاكَ: وَأمر أَهله أَن يخففوا من خراجه، وَهُنَاكَ: من صَاع من تمر، وَهنا لَيْسَ فِيهِ ذكر التَّمْر، بل قَالَ: من طَعَام، وَلَا مُنَافَاة بَينهمَا، لِأَن الطَّعَام هُوَ المطعوم، وَالتَّمْر مطعوم، أَو كَانَت الْقَضِيَّة مرَّتَيْنِ. قَوْله: (أَو

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله