«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٧٣

الحديث رقم ٢٢٧٣ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من آجر نفسه ليحمل على ظهره ثم تصدق به.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان رسول الله ﷺ إذا أمر بالصدقة، انطلق…

«كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: مَا نَرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ.»

سند حديث: ٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ…

٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا أمر بالصدقة، انطلق…

أخبر أبو مسعود الأنصاري عقبة بن عامر رضي الله عنه عما كان عليه حال الصحابة عندما يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فكان أحدهم إذا سمع النبي يحث على الصدقة ينطلق إلى السوق فيعمل صنعة الحمَّالين، فيحمل ويأخذ الأجرة؛ ليكتسب ما يتصدق به، فيصيب المد من الطعام في مقابلة أجرته فيتصدق به، وإن بعضهم اليوم له مائة ألف من الدراهم أو الدنانير.
قال أبو وائل الراوي عن أبو مسعود: ما أظن أبا مسعود أراد بذلك إلا نفسه.
وهذا من فضل الصحابة رضوان الله عليهم، إذ كونه لا يجد ما يتصدق به دليل على حاجته، ورغم ذلك يعمل ليأخذ أجرته ويتصدق بها، فيؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحث على الصدقة.
  • فضل أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.
  • عمل الصحابة رضوان الله عليهم من كسب أيديهم.
  • بيان فضل الصحابة وامتثالهم لأوامر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
  • جواز التورية وعدم ذكر الشخص نفسه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان رسول الله ﷺ إذا أمر بالصدقة، انطلق…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْلكَ، مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَتَرَكَ الْأَجِيرُ أَجْرَهُ.

قَوْلُهُ: (فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ) أَيِ: اتَّجَرَ فِيهِ أَوْ زَرَعَ (فَزَادَ) أَيْ: رَبِحَ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجَرًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَأْجَرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ الْجَوَابَ إِشَارَةً إِلَى الِاحْتِمَالِ كَعَادَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الْغَارُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَرِيبًا. وَقَدْ تَعَقَّبَ الْمُهَلَّبُ تَرْجَمَةَ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَإِنَّمَا اتَّجَرَ الرَّجُلُ فِي أَجْرِ أَجِيرِهِ ثُمَّ أَعْطَاهُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ يَلْزَمُهُ قَدْرُ الْعَمَلِ خَاصَّةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْبُيُوعِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَا أُغْبِقُ هُوَ مِنَ الْغَبُوقِ بَالِغِينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ قَافٌ: شُرْبُ الْعَشِيِّ، وَضَبَطُوهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَغْبِقُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، إِلَّا الْأَصِيلِيَّ فَبِضَمِّهَا مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَخَطَّئُوهُ. وَقَوْلُهُ: أَهْلًا وَلَا مَالًا الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ مَا لَهُ مِنْ زَوْجٍ وَوَلَدٍ، وَبِالْمَالِ مَا لَهُ مِنْ رَقِيقٍ وَخَدَمٍ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ الدَّوَابُّ وَتَعَقَّبُوهُ وَلَهُ وَجْهٌ. وَقَوْلُهُ: فَنَأَى بِفَتْحِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ مَقْصُورًا بِوَزْنِ سَعَى أَيْ: بَعُدَ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ فَنَاءَ بِمَدٍّ بَعْدَ النُّونِ بِوَزْنِ جَاءَ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: فَلَمْ أُرِحْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَقَوْلُهُ: بَرَقَ الْفَجْرُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: أَضَاءَ، وَقَوْلُهُ: فَافْرُجْ بِالْوَصْلِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْفَرَجِ أَوْ مِنَ الْإِفْرَاجِ، وَقَوْلُهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْلِكَ كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَلِلْبَاقِينَ: مِنْ أَجْرِكَ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ.

١٣ - بَاب مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ وَأُجْرَ الْحَمَّالِ

٢٢٧٣ - حَدَّثَنَي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: مَا تَرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ)، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: ثُمَّ تَصَدَّقَ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: وَأَجْرِ الْحَمَّالِ أَيْ: وَبَابُ أَجْرِ الْحَمَّالِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبِي) هُوَ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْمَغَازِي. وَقَوْلُهُ: عَنْ شَقِيقٍ هُوَ أَبُو وَائِلٍ، وَقَوْلُهُ: فَيُحَامِلُ أَيْ: يَطْلُبُ أَيْ: يَحْمِلُ بِالْأُجْرَةِ، وَقَوْلُهُ: بِالْمُدِّ أَيْ: يَحْمِلُ الْمَتَاعَ بِالْأُجْرَةِ، وَهِيَ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَالْمُحَامَلَةُ مُفَاعَلَةٌ وَهِيَ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْأُجْرَةَ مِنَ الْآخَرِ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: يَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ.

قَوْلُهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: ابن أبان ابن سعيد بن العاص الأمويُّ (١) (القُرَشِيُّ) البغداديُّ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «القرشيُّ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائلٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) (الأَنْصَارِيِّ) البدريِّ () أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ) ولأبي ذرٍّ: «إذا أمرنا بالصَّدقة» (انْطَلَقَ أَحَدُنَا) لِمَا يسمعه من الأجر الجزيل فيها (إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الميم، من باب «المفاعلة» الكائنة من (٣) اثنين، أي: يعمل صنعة الحمَّالين (٤)، فيحمل ويأخذ الأجرة من الآخر ليكتسب ما يتصدَّق به (فَيُصِيبُ المُدَّ) من الطَّعام أجرةً عمَّا حمله، وعند النَّسائيِّ من طريق منصورٍ عن أبي وائلٍ: ينطلق أحدنا إلى السُّوق فيحمل على ظهره (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ) أي: اليوم (لَمِئَةَ أَلْفٍ) من الدَّنانير أو الدَّراهم، واللَّام للتَّأكيد، وهي ابتدائيَّةٌ لدخولها على اسم «إنَّ (٥)» وتقدَّم الخبر، زاد النَّسائيُّ: وما كان (٦) له يومئذٍ درهمٌ، أي: في اليوم الذي كان يحمل فيه بالأجرة؛ لأنَّهم كانوا فقراء حينئذٍ، واليوم هم أغنياء.

(قَالَ) أبو وائلٍ: (مَا نَُرَاهُ) بفتح النُّون وضمِّها، أي: ما أظنُّ أبا مسعودٍ عقبة بن عمرو (٧) أراد بذلك البعض (إِلَّا نَفْسَهُ) وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (٨): «ما نراه يعني إلَّا نفسه».

وهذا الحديث سبق في «باب اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤١٦].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لبَعْضهِم، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (وَمَا كَانَ لَهُ يَوْمئِذٍ دِرْهَم) ، أَي: فِي الْيَوْم الَّذِي كَانَ يحمل بِالْأُجْرَةِ، لأَنهم كَانُوا فُقَرَاء فِي ذَلِك الْوَقْت وَالْيَوْم هم أَغْنِيَاء. قَوْله: (قَالَ: مَا نرَاهُ إِلَّا نَفسه) أَي: قَالَ شَقِيق الرَّاوِي: مَا أَظن أَبَا مَسْعُود أَرَادَ بذلك الْبَعْض إلَاّ نَفسه، فَإِنَّهُ كَانَ من الْأَغْنِيَاء، وَقد جَاءَ ذَلِك مُبينًا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من طَرِيق زَائِدَة عَن الْأَعْمَش: أَن قَائِل ذَلِك هُوَ أَبُو وَائِل الرَّاوِي، وَالله أعلم.

٤١ - (بابُ أجْرِ السَّمْسَرَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السمسرة أَي: الدّلَالَة، والسمسار بِالْكَسْرِ: الدَّلال. وَفِي (الْمغرب) السمسرة مصدر، وَهُوَ أَن يُوكل الرجل من الْحَاضِرَة للقادمة، فيبيع لَهُم مَا يجلبونه، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: وَقيل فِي تَفْسِير قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَبِيع حَاضر لبادٍ) ، أَنه لَا يكون لَهُ سمسارا، وَمِنْه كَانَ أَبُو حنيفَة يكره السمسرة.

ولَمْ يَرَ ابنُ سِيرِينَ وعَطَاءٌ وإبْرَاهِيمُ والحَسَنُ بأجرِ السِّمْسَارِ بَأْسا

أَي: لم يَرَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ بِأَجْر السمسار بَأْسا، وَتَعْلِيق ابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم وَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا حَفْص عَن أَشْعَث عَن الحكم وَحَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن سِيرِين، قَالَا: لَا بَأْس بِأَجْر السمسار إِذا اشْترى يدا بيد، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله ابْن أبي شييبة أَيْضا: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا اللَّيْث أَبُو عبد الْعَزِيز، قَالَ: سَأَلت عَطاء عَن السمسرة، فَقَالَ: لَا بَأْس بهَا. وَقَالَ بَعضهم: وَكَأن المُصَنّف أَشَارَ إِلَى الرَّد على من كرهها، وَقد نَقله ابْن الْمُنْذر عَن الْكُوفِيّين. انْتهى. قلت: لم يقْصد البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على أحد، وَإِنَّمَا نقل عَن هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين أَنهم لَا يرَوْنَ بَأْسا بالسمسرة، وَطَرِيقَة الرَّد لَا تكون هَكَذَا.

وَهَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف للْعُلَمَاء، فَقَالَ مَالك: يجوز أَن يستأجره على بيع سلْعَته إِذا بَين لذَلِك أَََجَلًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا الثَّوْب وَلَك دِرْهَم أَنه جَائِز، وَإِن لم يُوَقت لَهُ ثمنا، وَكَذَلِكَ إِن جعل لَهُ فِي كل مائَة دِينَار شَيْئا، وَهُوَ جعل، وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس أَن يُعْطِيهِ من الْألف شَيْئا مَعْلُوما، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن حَمَّاد وَالثَّوْري أَنَّهُمَا كرها أجره، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن دفع لَهُ ألف دِرْهَم يَشْتَرِي بهَا بزا بِأَجْر عشر دَرَاهِم، فَهُوَ فَاسد، وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: اشْتَرِ مائَة ثوب فَهُوَ فَاسد، فَإِن اشْترى فَلهُ أجر مثله، وَلَا يُجَاوز مَا سمى من الْأجر، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا جعل لَهُ فِي كل ألف شَيْئا مَعْلُوما لم يجز، لِأَن ذَلِك غير مَعْلُوم فَإِن عمل على ذَلِك فَلهُ أجره وَإِن اكتراه شهرا على أَن يَشْتَرِي لَهُ وَيبِيع فَذَلِك جَائِز. وَقَالَ ابْن التِّين أُجْرَة السمسار ضَرْبَان: إِجَارَة وجعالة: فَالْأول: يكون مُدَّة مَعْلُومَة فيجتهد فِي بَيْعه، فَإِن بَاعَ قبل ذَلِك أَخذ بِحِسَابِهِ، وَإِن انْقَضى الْأَجَل أَخذ كَامِل الْأُجْرَة. وَالثَّانِي: لَا يضْرب فِيهَا أجل، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الْمَذْهَب، وَلَكِن لَا تكون الْإِجَارَة والجعالة إلَاّ معلومين، وَلَا يسْتَحق فِي الْجعَالَة شَيْئا إلَاّ بِتمَام الْعَمَل، وَهُوَ البيع، والجعالة الصَّحِيحَة أَن يُسمى لَهُ ثمنا إِن بلغه مَا بَاعَ، أَو يُفَوض إِلَيْهِ، فَإِن بلغ الْقيمَة بَاعَ، وَإِن قَالَ الْجَاعِل: لَا تبع إلَاّ بأَمْري فَهُوَ فَاسد. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: أُجْرَة السمسار مَحْمُولَة على الْعرف يقل عَن قوم وَيكثر عَن قوم، وَلَكِن جوزت لما مضى من عمل النَّاس عَلَيْهِ على أَنَّهَا مَجْهُولَة، قَالَ: وَمثل ذَلِك أُجْرَة الْحجام، وَقَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا الَّذِي ذكره غير جَار على أصُول مَالك، وَإِنَّمَا يجوز من ذَلِك عِنْده مَا كَانَ ثمنه مَعْلُوما لَا غرر فِيهِ.

وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا بَأسَ أنْ يَقولَ بِعْ هذَا الثَّوْبَ فَما زَاد علَى كذَا وكَذَا فَهُوَ لَكَ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس نَحوه.

وَقَالَ ابنُ سِيرينَ إذَا قالَ بِعْهُ بِكَذَا فَما كانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ أوْ بَيْنِي وبَيْنَكَ فَلَا بَأسَ بِهِ

هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن يُونُس عَن ابْن سِيرِين، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما قَول ابْن عَبَّاس وَابْن سِيرِين فَأكْثر الْعلمَاء لَا يجيزون هَذَا البيع، وَمِمَّنْ كرهه: الثَّوْريّ والكوفيون، وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: لَا يجوز، فَإِن بَاعَ فَلهُ أجر مثله، وَأَجَازَهُ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالا: هُوَ من بَاب الْقَرَاض، وَقد لَا يربح الْمُقَارض.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْلكَ، مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَتَرَكَ الْأَجِيرُ أَجْرَهُ.

قَوْلُهُ: (فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ) أَيِ: اتَّجَرَ فِيهِ أَوْ زَرَعَ (فَزَادَ) أَيْ: رَبِحَ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجَرًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَأْجَرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ الْجَوَابَ إِشَارَةً إِلَى الِاحْتِمَالِ كَعَادَتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الْغَارُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَرِيبًا. وَقَدْ تَعَقَّبَ الْمُهَلَّبُ تَرْجَمَةَ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَإِنَّمَا اتَّجَرَ الرَّجُلُ فِي أَجْرِ أَجِيرِهِ ثُمَّ أَعْطَاهُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ يَلْزَمُهُ قَدْرُ الْعَمَلِ خَاصَّةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْبُيُوعِ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: لَا أُغْبِقُ هُوَ مِنَ الْغَبُوقِ بَالِغِينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ قَافٌ: شُرْبُ الْعَشِيِّ، وَضَبَطُوهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَغْبِقُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، إِلَّا الْأَصِيلِيَّ فَبِضَمِّهَا مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَخَطَّئُوهُ. وَقَوْلُهُ: أَهْلًا وَلَا مَالًا الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ مَا لَهُ مِنْ زَوْجٍ وَوَلَدٍ، وَبِالْمَالِ مَا لَهُ مِنْ رَقِيقٍ وَخَدَمٍ، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَالِ الدَّوَابُّ وَتَعَقَّبُوهُ وَلَهُ وَجْهٌ. وَقَوْلُهُ: فَنَأَى بِفَتْحِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ مَقْصُورًا بِوَزْنِ سَعَى أَيْ: بَعُدَ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ فَنَاءَ بِمَدٍّ بَعْدَ النُّونِ بِوَزْنِ جَاءَ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: فَلَمْ أُرِحْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَقَوْلُهُ: بَرَقَ الْفَجْرُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: أَضَاءَ، وَقَوْلُهُ: فَافْرُجْ بِالْوَصْلِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْفَرَجِ أَوْ مِنَ الْإِفْرَاجِ، وَقَوْلُهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْلِكَ كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَلِلْبَاقِينَ: مِنْ أَجْرِكَ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ.

١٣ - بَاب مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ وَأُجْرَ الْحَمَّالِ

٢٢٧٣ - حَدَّثَنَي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: مَا تَرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ)، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: ثُمَّ تَصَدَّقَ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: وَأَجْرِ الْحَمَّالِ أَيْ: وَبَابُ أَجْرِ الْحَمَّالِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبِي) هُوَ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْمَغَازِي. وَقَوْلُهُ: عَنْ شَقِيقٍ هُوَ أَبُو وَائِلٍ، وَقَوْلُهُ: فَيُحَامِلُ أَيْ: يَطْلُبُ أَيْ: يَحْمِلُ بِالْأُجْرَةِ، وَقَوْلُهُ: بِالْمُدِّ أَيْ: يَحْمِلُ الْمَتَاعَ بِالْأُجْرَةِ، وَهِيَ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، وَالْمُحَامَلَةُ مُفَاعَلَةٌ وَهِيَ تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْأُجْرَةَ مِنَ الْآخَرِ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وَوَقَعَ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: يَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ.

قَوْلُهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٢٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: ابن أبان ابن سعيد بن العاص الأمويُّ (١) (القُرَشِيُّ) البغداديُّ، وسقط لغير أبي ذرٍّ «القرشيُّ» قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائلٍ (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) (الأَنْصَارِيِّ) البدريِّ () أنَّه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ) ولأبي ذرٍّ: «إذا أمرنا بالصَّدقة» (انْطَلَقَ أَحَدُنَا) لِمَا يسمعه من الأجر الجزيل فيها (إِلَى السُّوقِ فَيُحَامِلُ) بضمِّ التَّحتيَّة وكسر الميم، من باب «المفاعلة» الكائنة من (٣) اثنين، أي: يعمل صنعة الحمَّالين (٤)، فيحمل ويأخذ الأجرة من الآخر ليكتسب ما يتصدَّق به (فَيُصِيبُ المُدَّ) من الطَّعام أجرةً عمَّا حمله، وعند النَّسائيِّ من طريق منصورٍ عن أبي وائلٍ: ينطلق أحدنا إلى السُّوق فيحمل على ظهره (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ) أي: اليوم (لَمِئَةَ أَلْفٍ) من الدَّنانير أو الدَّراهم، واللَّام للتَّأكيد، وهي ابتدائيَّةٌ لدخولها على اسم «إنَّ (٥)» وتقدَّم الخبر، زاد النَّسائيُّ: وما كان (٦) له يومئذٍ درهمٌ، أي: في اليوم الذي كان يحمل فيه بالأجرة؛ لأنَّهم كانوا فقراء حينئذٍ، واليوم هم أغنياء.

(قَالَ) أبو وائلٍ: (مَا نَُرَاهُ) بفتح النُّون وضمِّها، أي: ما أظنُّ أبا مسعودٍ عقبة بن عمرو (٧) أراد بذلك البعض (إِلَّا نَفْسَهُ) وفي نسخةٍ بالفرع وأصله (٨): «ما نراه يعني إلَّا نفسه».

وهذا الحديث سبق في «باب اتَّقوا النَّار ولو بشقِّ تمرةٍ» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦١٤١٦].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لبَعْضهِم، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (وَمَا كَانَ لَهُ يَوْمئِذٍ دِرْهَم) ، أَي: فِي الْيَوْم الَّذِي كَانَ يحمل بِالْأُجْرَةِ، لأَنهم كَانُوا فُقَرَاء فِي ذَلِك الْوَقْت وَالْيَوْم هم أَغْنِيَاء. قَوْله: (قَالَ: مَا نرَاهُ إِلَّا نَفسه) أَي: قَالَ شَقِيق الرَّاوِي: مَا أَظن أَبَا مَسْعُود أَرَادَ بذلك الْبَعْض إلَاّ نَفسه، فَإِنَّهُ كَانَ من الْأَغْنِيَاء، وَقد جَاءَ ذَلِك مُبينًا فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من طَرِيق زَائِدَة عَن الْأَعْمَش: أَن قَائِل ذَلِك هُوَ أَبُو وَائِل الرَّاوِي، وَالله أعلم.

٤١ - (بابُ أجْرِ السَّمْسَرَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم السمسرة أَي: الدّلَالَة، والسمسار بِالْكَسْرِ: الدَّلال. وَفِي (الْمغرب) السمسرة مصدر، وَهُوَ أَن يُوكل الرجل من الْحَاضِرَة للقادمة، فيبيع لَهُم مَا يجلبونه، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: وَقيل فِي تَفْسِير قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَبِيع حَاضر لبادٍ) ، أَنه لَا يكون لَهُ سمسارا، وَمِنْه كَانَ أَبُو حنيفَة يكره السمسرة.

ولَمْ يَرَ ابنُ سِيرِينَ وعَطَاءٌ وإبْرَاهِيمُ والحَسَنُ بأجرِ السِّمْسَارِ بَأْسا

أَي: لم يَرَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ بِأَجْر السمسار بَأْسا، وَتَعْلِيق ابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم وَصله ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا حَفْص عَن أَشْعَث عَن الحكم وَحَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن سِيرِين، قَالَا: لَا بَأْس بِأَجْر السمسار إِذا اشْترى يدا بيد، وَتَعْلِيق عَطاء وَصله ابْن أبي شييبة أَيْضا: حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا اللَّيْث أَبُو عبد الْعَزِيز، قَالَ: سَأَلت عَطاء عَن السمسرة، فَقَالَ: لَا بَأْس بهَا. وَقَالَ بَعضهم: وَكَأن المُصَنّف أَشَارَ إِلَى الرَّد على من كرهها، وَقد نَقله ابْن الْمُنْذر عَن الْكُوفِيّين. انْتهى. قلت: لم يقْصد البُخَارِيّ بِهَذَا الرَّد على أحد، وَإِنَّمَا نقل عَن هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين أَنهم لَا يرَوْنَ بَأْسا بالسمسرة، وَطَرِيقَة الرَّد لَا تكون هَكَذَا.

وَهَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف للْعُلَمَاء، فَقَالَ مَالك: يجوز أَن يستأجره على بيع سلْعَته إِذا بَين لذَلِك أَََجَلًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا الثَّوْب وَلَك دِرْهَم أَنه جَائِز، وَإِن لم يُوَقت لَهُ ثمنا، وَكَذَلِكَ إِن جعل لَهُ فِي كل مائَة دِينَار شَيْئا، وَهُوَ جعل، وَقَالَ أَحْمد: لَا بَأْس أَن يُعْطِيهِ من الْألف شَيْئا مَعْلُوما، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن حَمَّاد وَالثَّوْري أَنَّهُمَا كرها أجره، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِن دفع لَهُ ألف دِرْهَم يَشْتَرِي بهَا بزا بِأَجْر عشر دَرَاهِم، فَهُوَ فَاسد، وَكَذَلِكَ لَو قَالَ: اشْتَرِ مائَة ثوب فَهُوَ فَاسد، فَإِن اشْترى فَلهُ أجر مثله، وَلَا يُجَاوز مَا سمى من الْأجر، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: إِذا جعل لَهُ فِي كل ألف شَيْئا مَعْلُوما لم يجز، لِأَن ذَلِك غير مَعْلُوم فَإِن عمل على ذَلِك فَلهُ أجره وَإِن اكتراه شهرا على أَن يَشْتَرِي لَهُ وَيبِيع فَذَلِك جَائِز. وَقَالَ ابْن التِّين أُجْرَة السمسار ضَرْبَان: إِجَارَة وجعالة: فَالْأول: يكون مُدَّة مَعْلُومَة فيجتهد فِي بَيْعه، فَإِن بَاعَ قبل ذَلِك أَخذ بِحِسَابِهِ، وَإِن انْقَضى الْأَجَل أَخذ كَامِل الْأُجْرَة. وَالثَّانِي: لَا يضْرب فِيهَا أجل، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الْمَذْهَب، وَلَكِن لَا تكون الْإِجَارَة والجعالة إلَاّ معلومين، وَلَا يسْتَحق فِي الْجعَالَة شَيْئا إلَاّ بِتمَام الْعَمَل، وَهُوَ البيع، والجعالة الصَّحِيحَة أَن يُسمى لَهُ ثمنا إِن بلغه مَا بَاعَ، أَو يُفَوض إِلَيْهِ، فَإِن بلغ الْقيمَة بَاعَ، وَإِن قَالَ الْجَاعِل: لَا تبع إلَاّ بأَمْري فَهُوَ فَاسد. وَقَالَ أَبُو عبد الْملك: أُجْرَة السمسار مَحْمُولَة على الْعرف يقل عَن قوم وَيكثر عَن قوم، وَلَكِن جوزت لما مضى من عمل النَّاس عَلَيْهِ على أَنَّهَا مَجْهُولَة، قَالَ: وَمثل ذَلِك أُجْرَة الْحجام، وَقَالَ ابْن التِّين: وَهَذَا الَّذِي ذكره غير جَار على أصُول مَالك، وَإِنَّمَا يجوز من ذَلِك عِنْده مَا كَانَ ثمنه مَعْلُوما لَا غرر فِيهِ.

وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا بَأسَ أنْ يَقولَ بِعْ هذَا الثَّوْبَ فَما زَاد علَى كذَا وكَذَا فَهُوَ لَكَ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس نَحوه.

وَقَالَ ابنُ سِيرينَ إذَا قالَ بِعْهُ بِكَذَا فَما كانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ أوْ بَيْنِي وبَيْنَكَ فَلَا بَأسَ بِهِ

هَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن يُونُس عَن ابْن سِيرِين، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما قَول ابْن عَبَّاس وَابْن سِيرِين فَأكْثر الْعلمَاء لَا يجيزون هَذَا البيع، وَمِمَّنْ كرهه: الثَّوْريّ والكوفيون، وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: لَا يجوز، فَإِن بَاعَ فَلهُ أجر مثله، وَأَجَازَهُ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَقَالا: هُوَ من بَاب الْقَرَاض، وَقد لَا يربح الْمُقَارض.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.7 / 29.5
الإضاءة 84%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد