«الْخَازِنُ الْأَمِينُ، الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٦٠

الحديث رقم ٢٢٦٠ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب الإجارة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢٦٠ في صحيح البخاري

«الْخَازِنُ الْأَمِينُ، الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ، أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٢٢٦٠

٢٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٢٦٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ وَحْدَهُ، وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ) هُوَ الْجَوْنِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) جَزَمَ الْمِزِيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ عُثْمَانَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ رَوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا، وَيَتَرَجَّحُ مَا قَالَ الْمِزِيُّ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، فَقَالَ: طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ وَلَيْسَ لِطَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْجِوَارُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَبِكَسْرِهَا.

وَقَوْلُهُ: قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا يُرْوَى قَالَ: أَقْرَبُهُمَا بِحَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى إِبْقَاءِ عَمَلِ حَرْفِ الْجَرِّ بَعْدَ حَذْفِهِ أَيْ: أَقْرَبُ الْجَارَيْنِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا سَأَلَتْ عَمَّنْ تَبْدَأُ بِهِ مِنْ جِيرَانِهَا بِالْهَدِيَّةِ فَأَخْبَرَهَا بِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى، وَأُجِيبَ بِأَنَّ وَجْهَ دُخُولِهِ فِي الشُّفْعَةِ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ يُثْبِتُ شُفْعَةَ الْجِوَارِ فَاسْتُنْبِطَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ عَلَى الْأَبْعَدِ لِلْعِلَّةِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الشُّفْعَةِ لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الضَّرَرِ بِمُشَارَكَةِ الْغَيْرِ الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ الشَّرِيكِ فِي نَفْسِ الدَّارِ وَاللَّصِيقِ لِلدَّارِ.

(خَاتِمَةٌ): جَمِيعُ مَا فِي الشُّفْعَةِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ مَوْصُولَةٌ: الْأَوَّلُ مِنْهَا مُكَرَّرٌ، وَالْآخَرَانِ انْفَرَدَ بِهِمَا الْمُصَنِّفُ عَنْ مُسْلِمٍ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ اثْنَانِ غَيْرَ قِصَّةِ الْمِسْوَرِ، وَأَبِي رَافِعٍ مَعَ سَعْدٍ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٧ - كِتَاب الْإِجَارَةِ

١ - بَاب اسْتِئْجَارُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ وَالْخَازِنُ الْأَمِينُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ

٢٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ.

٢٢٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ فَقُلْتُ مَا عَمِلْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ فَقَالَ لَنْ أَوْ لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ"

[الحديث ٢٢٦١ - أطرافه في: ٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٣، ٤٣٤٤، ٦١٢٤، ٦٩٢٣، ٧١٤٩، ٧٧٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢]

قَوْلُه: (كِتَابُ الْإِجَارَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فِي الْإِجَارَاتِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ قَوْلُهُ: فِي الْإِجَارَاتِ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ: كِتَابُ الْإِجَارَةِ، وَالْإِجَارَةُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَهِيَ لُغَةُ الْإِثَابَةِ يُقَالُ آجَرْتُهُ بِالْمَدِّ وَغَيْرِ الْمَدِّ إِذَا أَثَبْتُهُ، وَاصْطِلَاحًا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ رَقَبَةٍ بِعِوَضٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِئْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَقَالَ اللَّهُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قِصَّةِ مُوسَى مَعَ ابْنَةِ شُعَيْبٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ الْجَبَئِيِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورًا أَنَّهُ قَالَ: اسْمُ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا مُوسَى صَفُورَةُ وَاسْمُ أُخْتِهَا ليا، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: اسْمُ أُخْتِهَا شرقا وَقِيلَ: ليا. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ اسْمَهُمَا، صَفُورَا وعبرا، وَأَنَّهُمَا كَانَتَا تَوْأَمًا، وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ أَبَاهُمَا هَلْ هُوَ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ أَوِ ابْنُ أَخِيهِ أَوْ آخَرُ اسْمُهُ يثرُونَ أَوْ يثرَى أَقْوَالٌ لَمْ يُرَجِّحْ مِنْهَا شَيْئًا. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ قَالَ: قَوِيٌّ فِيمَا وُلِّيَ أَمِينٌ فِيمَا اسْتُوْدِعَ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ فِي آخَرِينَ أَنَّ أَبَاهَا سَأَلَهَا عَمَّا رَأَتْ مِنْ قُوَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ فَذَكَرَتْ قُوَّتَهُ فِي حَالِ السَّقْيِ وَأَمَانَتَهُ فِي غَضِّ طَرْفِهِ عَنْهَا وَقَوْلِهِ لَهَا: امْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَادَ فِيهِ: فَزَوَّجَهُ وَأَقَامَ مُوسَى مَعَهُ يَكْفِيهِ (١)، وَيَعْمَلُ لَهُ فِي رِعَايَةِ غَنَمِهِ.

قَوْلُهُ: (وَالْخَازِنُ الْأَمِينُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ) ثُمَّ أَوْرَدَ فِي الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ حَدِيثَ: الْخَازِنُ الْأَمِينُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ. وَحَدِيثَهُ الْآخَرَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ جَاءَا يَطْلُبَانِ مِنَ النَّبِيِّ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمَا، وَالْأَوَّلُ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ، وَالثَّانِي سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا مَعْنَى الْإِجَارَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ حَدِيثُ الْخَازِنِ الْأَمِينِ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِلْإِجَارَةِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْخَازِنَ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمَالِ وَإِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ أَمِينٌ فِيهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ضَمَانٌ إِنْ فَسَدَ أَوْ تَلِفَ إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَضْيِيعِهِ اهـ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: دُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ خَازِنَ مَالِ الْغَيْرِ كَالْأَجِيرِ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَأَمَّا دُخُولُ الْحَدِيثِ الثَّانِي فِي الْإِجَارَةِ فَظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِي يَطْلُبُ الْعَمَلَ إِنَّمَا يَطْلُبُهُ غَالِبًا لِتَحْصِيلِ الْأُجْرَةِ الَّتِي شُرِعَتْ لِلْعَامِلِ، وَالْعَمَلُ الْمَطْلُوبُ يَشْمَلُ الْعَمَلَ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي جَمْعِهَا وَتَفْرِقَتِهَا فِي وَجْهِهَا وَلَهُ سَهْمٌ مِنْهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ فَدُخُ لُهُ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ طَلَبِ الرَّجُلَيْنِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمَا النَّبِيُّ عَلَى الصَّدَقَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَكُونُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ أُجْرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

قَوْلُهُ في الحديث الثاني: (وَمَعِيَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ تَامًّا، وَفِيهِ: وَمَعِيَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَكِلَاهُمَا سَأَلَ أَيْ: لِلْعَمَلِ، فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ مَا اطَّلَعْتُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا وَلَا عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَنْ - أَوْ: لَا - نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) هَكَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ لَنْ أَوْ قَالَ لَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أُوَلِّي بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَعَ كَسْرِهَا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ مِنَ الْوِلَايَةِ، قَالَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ: فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ لَفْظُ نَسْتَعْمِلُ زَائِدًا، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَنْ أُوَلِّيَ عَلَى عَمَلَنَا. وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بِلَفْظِ: إِنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا وَهُوَ يُعَضِّدُ هَذَا التَّقْرِيرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَمَّا كَانَ طَلَبُ الْعِمَالَةِ دَلِيلًا عَلَى الْحِرْصِ ابْتُغِيَ أَنْ يُحْتَرَسَ مِنَ الْحَرِيصِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الاستئناف، ولأبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى»: (﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]) تعليلٌ شائعٌ يجري مجرى الدَّليل على أنَّه حقيقٌ بالاستئجار، وللمبالغة فيه جعل «خير» اسمًا، وذكر الفعل بلفظ الماضي، للدَّلالة على أنَّه أمر مُجرَّبٌ معروفٌ، وأشار بذلك إلى قصَّة موسى مع ابنة (١) شُعَيبٍ في سقيه المواشي، قال شريحٌ القاضي وأبو مالكٍ وقتادة ومحمَّد بن إسحاق وغير واحدٍ فيما قاله ابن كثيرٍ في «تفسيره»: لمَّا قالت: ﴿اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنَّه رفع الصَّخرة التي لا يطيق حملها إلَّا عشرة رجالٍ، ولمَّا جئتُ معه تقدَّمتُ أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلفت الطَّريق (٢) فاحذفي لي بحصاةٍ أعلم بها كيف الطَّريق لأهتدي إليه (وَالخَازِنِ الأَمِينِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ) من الأئمَّة (مَنْ أَرَادَهُ) أي: لا يفوِّض الأمر إلى الحريص على العمل؛ لأنَّه لحرصه لا يُؤمَن، وهذان الجزءان من جملة التَّرجمة، وقد ساق لكلٍّ منهما حديثًا.

٢٢٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء، بريد بن عبد الله، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ) عامرٌ على الأشهر (عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي) يعطي (مَا أُمِرَ بِهِ) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول، من الصَّدقة، حال كونه (طَيِّبَةً) بما يؤدِّيه (نَفْسُهُ) رُفِع بـ «طيِّبةً»، ولأبي ذرٍّ: «طيِّبٌ نفسُهُ» برفعهما على أنَّ «طيِّبٌ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، و «نفسُه»: فاعله، أو توكيدٌ، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: «طيبَ نفسِه» مضافًا إلى النَّفس، وإنَّما انتصب حالًا، والحال لا يكون معرفةً؛ لأنَّ الإضافة لفظيَّةٌ فلا تقبل التَّعريف، وقوله: «الخازن» مبتدأٌ، خبرُه (أَحَدُ المُتَصَدِّقَِيْنَِ) بفتح القاف على التَّثنية، ويجوز كسرها على الجمع، وهما في الفرع وأصله (٣)، واستُشكِل سياق

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ وَحْدَهُ، وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ) هُوَ الْجَوْنِيُّ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) جَزَمَ الْمِزِيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ عُثْمَانَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ رَوَى عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا، وَيَتَرَجَّحُ مَا قَالَ الْمِزِيُّ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، فَقَالَ: طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ وَلَيْسَ لِطَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْجِوَارُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَبِكَسْرِهَا.

وَقَوْلُهُ: قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا يُرْوَى قَالَ: أَقْرَبُهُمَا بِحَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى إِبْقَاءِ عَمَلِ حَرْفِ الْجَرِّ بَعْدَ حَذْفِهِ أَيْ: أَقْرَبُ الْجَارَيْنِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ إِنَّمَا سَأَلَتْ عَمَّنْ تَبْدَأُ بِهِ مِنْ جِيرَانِهَا بِالْهَدِيَّةِ فَأَخْبَرَهَا بِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى، وَأُجِيبَ بِأَنَّ وَجْهَ دُخُولِهِ فِي الشُّفْعَةِ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ يُثْبِتُ شُفْعَةَ الْجِوَارِ فَاسْتُنْبِطَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ عَلَى الْأَبْعَدِ لِلْعِلَّةِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الشُّفْعَةِ لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الضَّرَرِ بِمُشَارَكَةِ الْغَيْرِ الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ الشَّرِيكِ فِي نَفْسِ الدَّارِ وَاللَّصِيقِ لِلدَّارِ.

(خَاتِمَةٌ): جَمِيعُ مَا فِي الشُّفْعَةِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ مَوْصُولَةٌ: الْأَوَّلُ مِنْهَا مُكَرَّرٌ، وَالْآخَرَانِ انْفَرَدَ بِهِمَا الْمُصَنِّفُ عَنْ مُسْلِمٍ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ اثْنَانِ غَيْرَ قِصَّةِ الْمِسْوَرِ، وَأَبِي رَافِعٍ مَعَ سَعْدٍ وَهِيَ مَوْصُولَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٧ - كِتَاب الْإِجَارَةِ

١ - بَاب اسْتِئْجَارُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ وَالْخَازِنُ الْأَمِينُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ

٢٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ.

٢٢٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الأَشْعَرِيِّينَ فَقُلْتُ مَا عَمِلْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ فَقَالَ لَنْ أَوْ لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ"

[الحديث ٢٢٦١ - أطرافه في: ٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٣، ٤٣٤٤، ٦١٢٤، ٦٩٢٣، ٧١٤٩، ٧٧٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢]

قَوْلُه: (كِتَابُ الْإِجَارَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فِي الْإِجَارَاتِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ قَوْلُهُ: فِي الْإِجَارَاتِ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ: كِتَابُ الْإِجَارَةِ، وَالْإِجَارَةُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا، وَهِيَ لُغَةُ الْإِثَابَةِ يُقَالُ آجَرْتُهُ بِالْمَدِّ وَغَيْرِ الْمَدِّ إِذَا أَثَبْتُهُ، وَاصْطِلَاحًا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ رَقَبَةٍ بِعِوَضٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِئْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَقَالَ اللَّهُ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قِصَّةِ مُوسَى مَعَ ابْنَةِ شُعَيْبٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ الْجَبَئِيِّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورًا أَنَّهُ قَالَ: اسْمُ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا مُوسَى صَفُورَةُ وَاسْمُ أُخْتِهَا ليا، وَكَذَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: اسْمُ أُخْتِهَا شرقا وَقِيلَ: ليا. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّ اسْمَهُمَا، صَفُورَا وعبرا، وَأَنَّهُمَا كَانَتَا تَوْأَمًا، وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ أَبَاهُمَا هَلْ هُوَ شُعَيْبٌ النَّبِيُّ أَوِ ابْنُ أَخِيهِ أَوْ آخَرُ اسْمُهُ يثرُونَ أَوْ يثرَى أَقْوَالٌ لَمْ يُرَجِّحْ مِنْهَا شَيْئًا. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ قَالَ: قَوِيٌّ فِيمَا وُلِّيَ أَمِينٌ فِيمَا اسْتُوْدِعَ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ فِي آخَرِينَ أَنَّ أَبَاهَا سَأَلَهَا عَمَّا رَأَتْ مِنْ قُوَّتِهِ وَأَمَانَتِهِ فَذَكَرَتْ قُوَّتَهُ فِي حَالِ السَّقْيِ وَأَمَانَتَهُ فِي غَضِّ طَرْفِهِ عَنْهَا وَقَوْلِهِ لَهَا: امْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَزَادَ فِيهِ: فَزَوَّجَهُ وَأَقَامَ مُوسَى مَعَهُ يَكْفِيهِ (١)، وَيَعْمَلُ لَهُ فِي رِعَايَةِ غَنَمِهِ.

قَوْلُهُ: (وَالْخَازِنُ الْأَمِينُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ) ثُمَّ أَوْرَدَ فِي الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ حَدِيثَ: الْخَازِنُ الْأَمِينُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ. وَحَدِيثَهُ الْآخَرَ فِي قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ جَاءَا يَطْلُبَانِ مِنَ النَّبِيِّ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمَا، وَالْأَوَّلُ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ، وَالثَّانِي سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا مَعْنَى الْإِجَارَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ حَدِيثُ الْخَازِنِ الْأَمِينِ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِلْإِجَارَةِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْخَازِنَ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمَالِ وَإِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا أَدْخَلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ أَمِينٌ فِيهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ضَمَانٌ إِنْ فَسَدَ أَوْ تَلِفَ إِلَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَضْيِيعِهِ اهـ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: دُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ خَازِنَ مَالِ الْغَيْرِ كَالْأَجِيرِ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَأَمَّا دُخُولُ الْحَدِيثِ الثَّانِي فِي الْإِجَارَةِ فَظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الَّذِي يَطْلُبُ الْعَمَلَ إِنَّمَا يَطْلُبُهُ غَالِبًا لِتَحْصِيلِ الْأُجْرَةِ الَّتِي شُرِعَتْ لِلْعَامِلِ، وَالْعَمَلُ الْمَطْلُوبُ يَشْمَلُ الْعَمَلَ عَلَى الصَّدَقَةِ فِي جَمْعِهَا وَتَفْرِقَتِهَا فِي وَجْهِهَا وَلَهُ سَهْمٌ مِنْهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ فَدُخُ لُهُ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ طَلَبِ الرَّجُلَيْنِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمَا النَّبِيُّ عَلَى الصَّدَقَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَكُونُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ أُجْرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

قَوْلُهُ في الحديث الثاني: (وَمَعِيَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ تَامًّا، وَفِيهِ: وَمَعِيَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ، وَكِلَاهُمَا سَأَلَ أَيْ: لِلْعَمَلِ، فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ مَا اطَّلَعْتُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا وَلَا عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَنْ - أَوْ: لَا - نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) هَكَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي هَلْ قَالَ لَنْ أَوْ قَالَ لَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أُوَلِّي بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَعَ كَسْرِهَا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ مِنَ الْوِلَايَةِ، قَالَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ: فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ لَفْظُ نَسْتَعْمِلُ زَائِدًا، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَنْ أُوَلِّيَ عَلَى عَمَلَنَا. وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بِلَفْظِ: إِنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا وَهُوَ يُعَضِّدُ هَذَا التَّقْرِيرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: لَمَّا كَانَ طَلَبُ الْعِمَالَةِ دَلِيلًا عَلَى الْحِرْصِ ابْتُغِيَ أَنْ يُحْتَرَسَ مِنَ الْحَرِيصِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الاستئناف، ولأبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى»: (﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]) تعليلٌ شائعٌ يجري مجرى الدَّليل على أنَّه حقيقٌ بالاستئجار، وللمبالغة فيه جعل «خير» اسمًا، وذكر الفعل بلفظ الماضي، للدَّلالة على أنَّه أمر مُجرَّبٌ معروفٌ، وأشار بذلك إلى قصَّة موسى مع ابنة (١) شُعَيبٍ في سقيه المواشي، قال شريحٌ القاضي وأبو مالكٍ وقتادة ومحمَّد بن إسحاق وغير واحدٍ فيما قاله ابن كثيرٍ في «تفسيره»: لمَّا قالت: ﴿اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنَّه رفع الصَّخرة التي لا يطيق حملها إلَّا عشرة رجالٍ، ولمَّا جئتُ معه تقدَّمتُ أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلفت الطَّريق (٢) فاحذفي لي بحصاةٍ أعلم بها كيف الطَّريق لأهتدي إليه (وَالخَازِنِ الأَمِينِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ) من الأئمَّة (مَنْ أَرَادَهُ) أي: لا يفوِّض الأمر إلى الحريص على العمل؛ لأنَّه لحرصه لا يُؤمَن، وهذان الجزءان من جملة التَّرجمة، وقد ساق لكلٍّ منهما حديثًا.

٢٢٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء، بريد بن عبد الله، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ) عامرٌ على الأشهر (عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُؤَدِّي) يعطي (مَا أُمِرَ بِهِ) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول، من الصَّدقة، حال كونه (طَيِّبَةً) بما يؤدِّيه (نَفْسُهُ) رُفِع بـ «طيِّبةً»، ولأبي ذرٍّ: «طيِّبٌ نفسُهُ» برفعهما على أنَّ «طيِّبٌ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، و «نفسُه»: فاعله، أو توكيدٌ، وقال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: «طيبَ نفسِه» مضافًا إلى النَّفس، وإنَّما انتصب حالًا، والحال لا يكون معرفةً؛ لأنَّ الإضافة لفظيَّةٌ فلا تقبل التَّعريف، وقوله: «الخازن» مبتدأٌ، خبرُه (أَحَدُ المُتَصَدِّقَِيْنَِ) بفتح القاف على التَّثنية، ويجوز كسرها على الجمع، وهما في الفرع وأصله (٣)، واستُشكِل سياق

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله