الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٦٦
الحديث رقم ٢٢٦٦ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الأجير في الغزو.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الْأَجَلَ وَلَمْ يُبَيِّنِ الْعَمَلَ لِقَوْلِهِ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ يَأْجُرُ فُلَانًا يُعْطِيهِ أَجْرًا وَمِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ آجَرَكَ اللهُ.
بَابٌ: إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يُقِيمَ حَائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ جَازَ
٢٢٦٦ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ جَدِّهِ ، بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ:
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْأَيَّام فَهَذَا بِعَيْنِه ظَاهر التَّرْجَمَة وَلَكِن فِيهَا ابْتِدَاء الْعَمَل بعد الثَّلَاثَة وقاس عَلَيْهَا البُخَارِيّ إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْعَمَل بعد شهر أَو بعد سنة وقاس الْأَجَل الْبعيد على الْأجر الْقَرِيب إِذْ لَا قَائِل بِالْفَصْلِ فَجعل الحَدِيث دَلِيلا على جَوَاز الْأَجَل مُطلقًا وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق هَهُنَا فَلَا يرد اعْتِرَاض من قَالَ أَنه لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهُمَا استأجراه على أَن لَا يعلم إِلَّا بعد ثَلَاث بل الَّذِي فِي الْخَبَر أَنَّهُمَا استأجراه وابتدأ فِي الْعَمَل من وقته بتسليمهما إِلَيْهِ راحلتيهما وبحفظهما فَكَانَ خروجهما وَخُرُوجه بعد ثَلَاث على الراحلتين اللَّتَيْنِ قَامَ بأمرهما إِلَى ذَلِك الْوَقْت انْتهى قلت هَذَا الْقَائِل صدر كَلَامه هَذَا أَولا بقوله ظن البُخَارِيّ ظنا فَعمل عَلَيْهِ بل هُوَ الَّذِي ظن
ظنا فَعمل عَلَيْهِ، بل هُوَ الَّذِي ظن ظنا فَعمل عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ظن أَن ابْتِدَاء الْإِجَارَة من أول مَا تسلم الرجل الراحلتين، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل أول الْإِجَارَة بعد الثَّلَاث، وَلم تكن إجارتهما إِيَّاه لخدمة الراحلتين، بل كَانَت الْإِجَارَة لأجل الدّلَالَة على الطَّرِيق، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ تسليمهما الراحلتين إِيَّاه لأجل مُجَرّد النّظر فيهمَا، وَلأَجل حفظهما إِلَى مُضِيّ الثَّلَاث، فَإِن ادّعى هَذَا الْمُعْتَرض بِبُطْلَان الْإِجَارَة إِذا لم يشرع فِي الْعَمَل من حِين الْإِجَارَة فَيحْتَاج إِلَى إِقَامَة برهَان، وَلَا يرد أَيْضا اعْتِرَاض من قَالَ: إِن الإبتداء فِي الْعَمَل بعد شهر أَو سنة غرر، فَلَا يدْرِي هَل يعِيش الرجل أم لَا، واغتفر الأمد الْيَسِير لِأَن العطبفيه نَادِر، وَالْغَالِب السَّلامَة. انْتهى. قلت: يكون الحكم فِي الأمد الْكثير بعروض الْمَوْت مثل مَا يكون فِي الأمد الْقصير بعروضه، لِأَن عدم الْعرُوض فِيهِ غير مُحَقّق، فَلَا غرر حِينَئِذٍ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَالْحكم فِي الْمَوْت وجوب الضَّمَان فيهمَا، وَالله أعلم.
٥ - (بابُ الأجِيرِ فِي الْغَزْوِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِئْجَار الْأَجِير فِي الْغَزْو، وَقَالَ ابْن بطال: اسْتِئْجَار الْأَجِير للْخدمَة وكفاية مؤونة الْعَمَل فِي الْغَزْو وَغَيره سَوَاء، وَيحْتَمل أَن يكون أَشَارَ إِلَى أَن الْجِهَاد، وَإِن كَانَ القصدبه تَحْصِيل الْأجر، فَلَا يُنَافِي ذَلِك الِاسْتِعَانَة بالخادم، خُصُوصا لمن لَا يقدر على معاطاة الْأُمُور بِنَفسِهِ.
٦ - (حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن علية قَالَ أخبرنَا ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن يعلى بن أُميَّة رَضِي الله عَنهُ قَالَ غزوت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَيش الْعسرَة فَكَانَ من أوثق أعمالي فِي نَفسِي فَكَانَ لي أجِير فقاتل إنْسَانا فعض أَحدهمَا إِصْبَع صَاحبه فَانْتزع إصبعه فأندر ثنيته فَسَقَطت فَانْطَلق إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فأهدر ثنيته وَقَالَ أفيدع إصبعه فِي فِيك تقضمها قَالَ أَحْسبهُ قَالَ كَمَا يقضم الْفَحْل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَكَانَ لي أجِير. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة الأول يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي الثَّانِي إِسْمَاعِيل بن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَعليَّة اسْم أمه وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم بن مقسم الْأَسدي الثَّالِث عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الرَّابِع عَطاء بن أبي رَبَاح الْخَامِس صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة التَّمِيمِي أَو التَّيْمِيّ حَلِيف لقريش السَّادِس يعلى بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام مَقْصُورا ابْن أُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَيُقَال لَهُ ابْن منية بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ اسْم أمه وَالْأول اسْم أَبِيه أَبُو صَفْوَان (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه بغدادي وَإِنَّمَا قيل لَهُ الدَّوْرَقِي لِأَنَّهُ وأقاربه كَانُوا يلبسُونَ قلانس تسمى الدورقية فنسبوا إِلَيْهَا وَلَيْسوا من بلد دورق وَإِسْمَاعِيل بَصرِي والبقية كلهم مكيون وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَفِيه عَن عَطاء عَن صَفْوَان وَفِي رِوَايَة همام الْمَاضِيَة فِي الْحَج حَدثنِي صَفْوَان بن يعلى
(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَفِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد وَفِي الدِّيات مُخْتَصرا عَن أبي عَاصِم أربعتهم عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَنهُ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن شَيبَان بن فروخ وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار وَعَن أبي غَسَّان وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقصاص وَعَن عبد الْجَبَّار وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فرقهما وَعَن عبد الْجَبَّار وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا وَعَن أبي بكر بن إِسْحَاق (ذكره مَعْنَاهُ) قَوْله " جَيش الْعسرَة " بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَهِي غَزْوَة تَبُوك وتعرف أَيْضا بالفاضحة وَقيل لَهَا الْعسرَة لِأَن الْحر كَانَ فِيهَا شَدِيدا والجدب كثيرا وَحين طابت الثِّمَار وَكَانَ النَّاس يحبونَ الْمقَام فِي ثمارهم وظلالهم وَكَانَت فِي رَجَب قَالَ ابْن سعد يَوْم الْخَمِيس وَقَالَ ابْن التِّين خرج فِي أول يَوْم من رَجَب وَرجع فِي سلخ شَوَّال وَقيل رَمَضَان من سنة تسع من الْهِجْرَة قَوْله " فَكَانَ من أوثق أعمالي فِي نَفسِي " أَي مَكَان الْغَزْو من أحكم أعمالي فِي نَفسِي وأقواها اعْتِمَادًا عَلَيْهِ وَيُؤْخَذ مِنْهُ ذكر الرجل الصَّالح عمله قَوْله " فَكَانَ لي أجِير " وَهُوَ الَّذِي يخْدم بِالْأُجْرَةِ قَوْله " فقاتل " أَي الْأَجِير إنْسَانا وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم " أَن يعلى قَاتل رجلا " قَالَ مُسلم حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن بشار وَاللَّفْظ لِابْنِ الْمثنى قَالَا حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن زُرَارَة عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ قَاتل يَعْنِي ابْن منية أَو ابْن أُميَّة رجلا فعض أَحدهمَا صَاحبه فَانْتزع يَده من فِيهِ فَنزع ثنيته وَقَالَ ابْن الْمثنى ثنتيه فاختصما إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ " يعَض أحدكُم كَمَا يعَض الْفَحْل لَا دِيَة لَك " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَرِوَايَة البُخَارِيّ " أَن أَجِيرا ليعلى " هُوَ الأولى إِذْ لَا يَلِيق بيعلى مَعَ جلالته وفضله ذَلِك الْفِعْل وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّحِيح الْمَعْرُوف فِيمَا قَالَه الْحفاظ أَنه أجِير يعلى لَا يعلى وَيحْتَمل أَنَّهُمَا قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره فِي وَقت أَو فِي وَقْتَيْنِ انْتهى قَوْله " يَده " ويروى " ذراعه " قَوْله " أصْبع صَاحبه " فِي الْأصْبع تسع لُغَات والعاشر أصبوع قَوْله " فندر ثنيته " أَي أسقطها بجذبه والثنية مقدم الْأَسْنَان وللإنسان أَربع ثنايا ثِنْتَانِ من فَوق وثنتان من أَسْفَل قَوْله " أفيدع " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار قَوْله " فيقضمها " بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة من القضم وَهُوَ الْأكل بأطراف الْأَسْنَان يُقَال قضمت الدَّابَّة شعيرها بِالْكَسْرِ تقضمه وَفِي الواعي أصل القضم الدق وَالْكَسْر وَلَا يكون إِلَّا فِي الشَّيْء الصلب وماضيه على مَا ذكره ثَعْلَب بِكَسْر الْعين وَحكى ثَابت وَابْن طَلْحَة فتح الْعين وَقَالَ ابْن التِّين القضم هُوَ الْأكل بِأَدْنَى الأضراس قَوْله " الْفَحْل " الذّكر من الْإِبِل وَنَحْوه (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) وَبِه احْتج أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين فِي أَن المعضوض إِذا جبذ يَده فَسَقَطت أَسْنَان العاض أَو فك لحييْهِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا صال الْفَحْل على رجل فَدفعهُ فَأتى عَلَيْهِ لم يلْزمه قِيمَته وَعند مَالك يضمن المعضوض قَالَ الْقُرْطُبِيّ لم يقل أحد بِالْقصاصِ فِي ذَلِك فِيمَا علمت وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الضَّمَان فأسقطه أَبُو حنيفَة وَبَعض أَصْحَابنَا وَضَمنَهُ الشَّافِعِي وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك قَالَ وَنزل بعض أَصْحَابنَا القَوْل بِالضَّمَانِ على مَا إِذا أمكنه نزع يَده بِرِفْق فانتزعها بعنف وَحمل بعض أَصْحَابنَا الحَدِيث على أَنه كَانَ متحرك الثنايا وَقَالَ أَبُو عبد الْملك لم يَصح الحَدِيث عِنْد مَالك وَفِيه اسْتِئْجَار الْأَجِير للْخدمَة وكفاية مُؤنَة الْعَمَل فِي الْغَزْو وَغَيره سَوَاء وَأما الْقِتَال فَلَا يسْتَأْجر عَلَيْهِ لِأَن على كل مُسلم أَن يُقَاتل حَتَّى تكون كلمة الله هِيَ الْعليا
(قَالَ ابْن جريج وحَدثني عبد الله بن أبي مليكَة عَن جده بِمثل هَذِه الصّفة أَن رجلا عض يَد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ) ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَعبد الله بن أبي مليكَة تَصْغِير ملكة مَنْسُوب إِلَى جده وَقيل إِلَى جد أَبِيه فَإِنَّهُ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة واسْمه زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان وَله صُحْبَة وَمِنْهُم من زَاد فِي نِسْبَة عبد الله بَين عبيد الله وَزُهَيْر وَقَالَ أَن الَّذِي يكنى أَبَا مليكَة هُوَ عبد الله بن زُهَيْر فعلى الأول فَالْحَدِيث من رِوَايَة زُهَيْر بن عبد الله عَن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعَلى الثَّانِي من رِوَايَة عبد الله بن زُهَيْر فَالضَّمِير فِي جده على الأول يعود على عبد الله
ثمَّ الْكَلَام فِي تَفْسِير الْآيَات الْكَرِيمَة. قَوْله: {إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك} (الْقَصَص: ٧٢) . أَي: أُرِيد أَن أزَوجك {إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي} (الْقَصَص: ٨٢) . نَفسك مُدَّة ثَمَانِي حجج أَي: على أَن تكون أَجِيرا لي ثَمَانِي سِنِين من أجرته إِذا كنت لَهُ أَجِيرا، كَقَوْلِك: أبوته إِذا كنت لَهُ أَبَا، وثماني حجج ظرفه، وَيجوز أَن يكون من آجرته كَذَا إِذا أثْبته إِيَّاه، وَمِنْه تَعْزِيَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (آجركم الله وَرَحِمَكُمْ الله) ، وثماني حجج مفعول بِهِ، أَي: رعية ثَمَانِي حجج، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ أَن يمهرها إِجَارَة نَفسه فِي رعية الْغنم، وَلَا بُد من تَسْلِيم مَا هُوَ مَال؟ أَلَا ترى إِلَى أبي حنيفَة كَيفَ منع أَن يتَزَوَّج امْرَأَة بِأَن يخدمها سنة؟ وَجوز أَن يَتَزَوَّجهَا بِأَن يخدمها عَبده سنة أَو يسكنهَا دَاره سنة، لِأَنَّهُ فِي الأول سلم نَفسه، وَلَيْسَ بِمَال وَفِي الثَّانِي هُوَ مُسلم مَالا، وَهُوَ العَبْد أَو الدَّار. قلت: الْأَمر على مَذْهَب أبي حنيفَة كَمَا ذكرت، وَأما الشَّافِعِي فقد جوز التَّزْوِيج على الْإِجَازَة بِبَعْض الْأَعْمَال والخدمة إِذا كَانَ الْمُسْتَأْجر لَهُ أَو المخدوم فِيهِ أمرا مَعْلُوما، وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ جَائِزا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة، وَيجوز أَن يكون الْمهْر شَيْئا آخر، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يكون رعي غنمه هَذِه الْمدَّة، وَأَرَادَ أَن ينكحه ابْنَته، فَذكر لَهُ المرادين، وعلق الْإِنْكَاح بالرعية على معنى: أَنِّي أفعل هَذَا إِذا فعلت ذَلِك، على وَجه المفاهدة لَا على وَجه المعاقدة، وَيجوز أَن يستأجره لرعي غنمه ثَمَانِي سِنِين بمبلغ مَعْلُوم ويوفيه إِيَّاه ثمَّ ينكحه ابْنَته بِهِ، وَيجْعَل قَوْله: على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج، عبارَة عَمَّا جرى بَينهمَا {فَإِن أتممت الْعَمَل عشرا فَمن عنْدك} (الْقَصَص: ٧٢) . فإتمامه من عنْدك، وَالْمعْنَى: فَهُوَ من عنْدك لَا من عِنْدِي، يَعْنِي: لَا ألزمك وَلَا أحتمه عَلَيْك، وَلَكِن إِن فعلته فَهُوَ مِنْك تَفْضِيل وتبرع، وإلَاّ فَلَا عَلَيْك {وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك} (الْقَصَص: ٧٢) . فِي هَذِه الْمدَّة فأكلفك مَا يصعب عَلَيْك: {ستجدني إِن شَاءَ الله من الصَّالِحين} (الْقَصَص: ٧٢) . فِي حسن الْعشْرَة وَالْوَفَاء بالعهد، وَهَذَا شَرط للْأَب وَلَيْسَ بِصَدَاق، وَقيل: صدَاق، وَالْأول أظهر لقَوْله: {تَأْجُرنِي} (الْقَصَص: ٧٢) . وَلم يقل: تأجرها، وَإِنَّمَا قَالَ: إِن شَاءَ الله، للاتكال على توفيقه ومعونته. قَوْله: {قَالَ ذَلِك} (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: قَالَ مُوسَى لشعيب عَلَيْهِمَا السَّلَام، ذَلِك مُبْتَدأ {بيني وَبَيْنك} (الْقَصَص: ٨٢) . خَبره، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا عاهده عَلَيْهِ شُعَيْب. ثمَّ قَالَ مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {أَيّمَا الْأَجَليْنِ} (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: أجل من الْأَجَليْنِ أطولهما الَّذِي هُوَ الْعشْر وأقصرهما الَّذِي هُوَ ثَمَان. {قضيت} أَي: أوفيتك إِيَّاه وفرغت من الْعَمَل فِيهِ {فَلَا عدان عَليّ} أَي: لَا سَبِيل عَليّ، وَالْمعْنَى: لَا تَعْتَد عَليّ بِأَن تلزمني أَكثر مِنْهُ. قَوْله: {وَالله على مَا نقُول وَكيل} (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: على مَا نقُول من النِّكَاح وَالْأَجْر وَالْإِجَارَة وَكيل، أَي: حفيظ وَشَاهد، وَلما اسْتعْمل وَكيل فِي مَوضِع الشَّاهِد عدى بعلى، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: سَأَلَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (أَي الْأَجَل قضى مُوسَى؟ فَقَالَ: أتمهما وأكملهما) .
يأجُرُ فُلَانا يُعْطِيهِ أجْرا ومِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ آجَرَكَ الله
يأجر، بِضَم الْجِيم، وَالْمَقْصُود مِنْهُ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج} (الْقَصَص: ٧٢) . وَبِهَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة فِي (الْمجَاز) . قَوْله: (وَمِنْه) أَي: وَمن هذاالمعنى قَوْلهم فِي التَّعْزِيَة: آجرك الله أَي: يعطيك أجره، وَهَكَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة أَيْضا، وَزَاد: يأجرك أَي: يثيبك. وَقيل: الْمَعْنى فِي قَوْله: على أَن تَأْجُرنِي أَن تكون لي أَجِيرا، أَو التَّقْدِير: على أَن تَأْجُرنِي نَفسك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي جَوَاب من قَالَ: مَا الْفَائِدَة فِي عقد هَذَا الْبَاب إِذْ لم يذكر فِيهِ حَدِيثا؟ بِأَن البُخَارِيّ كثيرا مَا يقْصد بتراجم الْأَبْوَاب بَيَان الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة، فَأَرَادَ هُنَا بَيَان جَوَاز مثل هَذِه الْإِجَارَة، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ، ثمَّ قَالَ: قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ كَمَا ترْجم، لِأَن الْعَمَل كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم. انْتهى. قلت: قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٧ - (بابٌ إذَا اسْتَأجَرَ أَجِيرا علَى أنْ يُقِيمَ حائِطا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ جازَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اسْتَأْجر أحد أَجِيرا لأجل إِقَامَة حَائِط يُرِيد أَن ينْقض، أَي: بسقط، يُقَال: انقض الطَّائِر سقط من الْهَوَاء بِسُرْعَة. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب: إِذا، وَقَالَ ابْن التِّين: تبويب البُخَارِيّ يدل على أَن هَذَا جَائِز لجَمِيع النَّاس، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك للخضر، عَلَيْهِ السَّلَام، خَاصَّة، وَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَرَادَ أَن يَبْنِي لَهُ حَائِطا من الأَصْل، أَو يصلح لَهُ حَائِطا. انْتهى. قلت: يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا جَائِزا لجَمِيع النَّاس، وتخصيصه بالخضر، عَلَيْهِ السَّلَام، لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَجه ذَلِك على الْعُمُوم أَن حَائِط رجل إِذا أشرف على السُّقُوط، فخيف من سُقُوطه، فاستأجر أحدا يعلقه حَتَّى لَا يسْقط فَإِنَّهُ يجوز بِلَا خلاف، ثمَّ بعد التَّعْلِيق إِمَّا أَن يرمه وَيقطع عَيبه، أَو يهده ويبنيه جَدِيدا. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا جَازَ الِاسْتِئْجَار عَلَيْهِ لقَوْل مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {لَو
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْأَيَّام فَهَذَا بِعَيْنِه ظَاهر التَّرْجَمَة وَلَكِن فِيهَا ابْتِدَاء الْعَمَل بعد الثَّلَاثَة وقاس عَلَيْهَا البُخَارِيّ إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْعَمَل بعد شهر أَو بعد سنة وقاس الْأَجَل الْبعيد على الْأجر الْقَرِيب إِذْ لَا قَائِل بِالْفَصْلِ فَجعل الحَدِيث دَلِيلا على جَوَاز الْأَجَل مُطلقًا وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق هَهُنَا فَلَا يرد اعْتِرَاض من قَالَ أَنه لَيْسَ فِي الْخَبَر أَنَّهُمَا استأجراه على أَن لَا يعلم إِلَّا بعد ثَلَاث بل الَّذِي فِي الْخَبَر أَنَّهُمَا استأجراه وابتدأ فِي الْعَمَل من وقته بتسليمهما إِلَيْهِ راحلتيهما وبحفظهما فَكَانَ خروجهما وَخُرُوجه بعد ثَلَاث على الراحلتين اللَّتَيْنِ قَامَ بأمرهما إِلَى ذَلِك الْوَقْت انْتهى قلت هَذَا الْقَائِل صدر كَلَامه هَذَا أَولا بقوله ظن البُخَارِيّ ظنا فَعمل عَلَيْهِ بل هُوَ الَّذِي ظن
ظنا فَعمل عَلَيْهِ، بل هُوَ الَّذِي ظن ظنا فَعمل عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ظن أَن ابْتِدَاء الْإِجَارَة من أول مَا تسلم الرجل الراحلتين، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل أول الْإِجَارَة بعد الثَّلَاث، وَلم تكن إجارتهما إِيَّاه لخدمة الراحلتين، بل كَانَت الْإِجَارَة لأجل الدّلَالَة على الطَّرِيق، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ تسليمهما الراحلتين إِيَّاه لأجل مُجَرّد النّظر فيهمَا، وَلأَجل حفظهما إِلَى مُضِيّ الثَّلَاث، فَإِن ادّعى هَذَا الْمُعْتَرض بِبُطْلَان الْإِجَارَة إِذا لم يشرع فِي الْعَمَل من حِين الْإِجَارَة فَيحْتَاج إِلَى إِقَامَة برهَان، وَلَا يرد أَيْضا اعْتِرَاض من قَالَ: إِن الإبتداء فِي الْعَمَل بعد شهر أَو سنة غرر، فَلَا يدْرِي هَل يعِيش الرجل أم لَا، واغتفر الأمد الْيَسِير لِأَن العطبفيه نَادِر، وَالْغَالِب السَّلامَة. انْتهى. قلت: يكون الحكم فِي الأمد الْكثير بعروض الْمَوْت مثل مَا يكون فِي الأمد الْقصير بعروضه، لِأَن عدم الْعرُوض فِيهِ غير مُحَقّق، فَلَا غرر حِينَئِذٍ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَالْحكم فِي الْمَوْت وجوب الضَّمَان فيهمَا، وَالله أعلم.
٥ - (بابُ الأجِيرِ فِي الْغَزْوِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم اسْتِئْجَار الْأَجِير فِي الْغَزْو، وَقَالَ ابْن بطال: اسْتِئْجَار الْأَجِير للْخدمَة وكفاية مؤونة الْعَمَل فِي الْغَزْو وَغَيره سَوَاء، وَيحْتَمل أَن يكون أَشَارَ إِلَى أَن الْجِهَاد، وَإِن كَانَ القصدبه تَحْصِيل الْأجر، فَلَا يُنَافِي ذَلِك الِاسْتِعَانَة بالخادم، خُصُوصا لمن لَا يقدر على معاطاة الْأُمُور بِنَفسِهِ.
٦ - (حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن علية قَالَ أخبرنَا ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي عَطاء عَن صَفْوَان بن يعلى عَن يعلى بن أُميَّة رَضِي الله عَنهُ قَالَ غزوت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَيش الْعسرَة فَكَانَ من أوثق أعمالي فِي نَفسِي فَكَانَ لي أجِير فقاتل إنْسَانا فعض أَحدهمَا إِصْبَع صَاحبه فَانْتزع إصبعه فأندر ثنيته فَسَقَطت فَانْطَلق إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فأهدر ثنيته وَقَالَ أفيدع إصبعه فِي فِيك تقضمها قَالَ أَحْسبهُ قَالَ كَمَا يقضم الْفَحْل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله فَكَانَ لي أجِير. (ذكر رِجَاله) وهم سِتَّة الأول يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير الدَّوْرَقِي الثَّانِي إِسْمَاعِيل بن علية بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَعليَّة اسْم أمه وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم بن مقسم الْأَسدي الثَّالِث عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الرَّابِع عَطاء بن أبي رَبَاح الْخَامِس صَفْوَان بن يعلى بن أُميَّة التَّمِيمِي أَو التَّيْمِيّ حَلِيف لقريش السَّادِس يعلى بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام مَقْصُورا ابْن أُميَّة بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَيُقَال لَهُ ابْن منية بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ اسْم أمه وَالْأول اسْم أَبِيه أَبُو صَفْوَان (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه بغدادي وَإِنَّمَا قيل لَهُ الدَّوْرَقِي لِأَنَّهُ وأقاربه كَانُوا يلبسُونَ قلانس تسمى الدورقية فنسبوا إِلَيْهَا وَلَيْسوا من بلد دورق وَإِسْمَاعِيل بَصرِي والبقية كلهم مكيون وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَفِيه عَن عَطاء عَن صَفْوَان وَفِي رِوَايَة همام الْمَاضِيَة فِي الْحَج حَدثنِي صَفْوَان بن يعلى
(ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَفِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد وَفِي الدِّيات مُخْتَصرا عَن أبي عَاصِم أربعتهم عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَنهُ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عَمْرو بن زُرَارَة وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن شَيبَان بن فروخ وَعَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار وَعَن أبي غَسَّان وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن ابْن جريج وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقصاص وَعَن عبد الْجَبَّار وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فرقهما وَعَن عبد الْجَبَّار وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا وَعَن أبي بكر بن إِسْحَاق (ذكره مَعْنَاهُ) قَوْله " جَيش الْعسرَة " بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَهِي غَزْوَة تَبُوك وتعرف أَيْضا بالفاضحة وَقيل لَهَا الْعسرَة لِأَن الْحر كَانَ فِيهَا شَدِيدا والجدب كثيرا وَحين طابت الثِّمَار وَكَانَ النَّاس يحبونَ الْمقَام فِي ثمارهم وظلالهم وَكَانَت فِي رَجَب قَالَ ابْن سعد يَوْم الْخَمِيس وَقَالَ ابْن التِّين خرج فِي أول يَوْم من رَجَب وَرجع فِي سلخ شَوَّال وَقيل رَمَضَان من سنة تسع من الْهِجْرَة قَوْله " فَكَانَ من أوثق أعمالي فِي نَفسِي " أَي مَكَان الْغَزْو من أحكم أعمالي فِي نَفسِي وأقواها اعْتِمَادًا عَلَيْهِ وَيُؤْخَذ مِنْهُ ذكر الرجل الصَّالح عمله قَوْله " فَكَانَ لي أجِير " وَهُوَ الَّذِي يخْدم بِالْأُجْرَةِ قَوْله " فقاتل " أَي الْأَجِير إنْسَانا وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم " أَن يعلى قَاتل رجلا " قَالَ مُسلم حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى وَابْن بشار وَاللَّفْظ لِابْنِ الْمثنى قَالَا حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن زُرَارَة عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ قَاتل يَعْنِي ابْن منية أَو ابْن أُميَّة رجلا فعض أَحدهمَا صَاحبه فَانْتزع يَده من فِيهِ فَنزع ثنيته وَقَالَ ابْن الْمثنى ثنتيه فاختصما إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ " يعَض أحدكُم كَمَا يعَض الْفَحْل لَا دِيَة لَك " وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَرِوَايَة البُخَارِيّ " أَن أَجِيرا ليعلى " هُوَ الأولى إِذْ لَا يَلِيق بيعلى مَعَ جلالته وفضله ذَلِك الْفِعْل وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّحِيح الْمَعْرُوف فِيمَا قَالَه الْحفاظ أَنه أجِير يعلى لَا يعلى وَيحْتَمل أَنَّهُمَا قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره فِي وَقت أَو فِي وَقْتَيْنِ انْتهى قَوْله " يَده " ويروى " ذراعه " قَوْله " أصْبع صَاحبه " فِي الْأصْبع تسع لُغَات والعاشر أصبوع قَوْله " فندر ثنيته " أَي أسقطها بجذبه والثنية مقدم الْأَسْنَان وللإنسان أَربع ثنايا ثِنْتَانِ من فَوق وثنتان من أَسْفَل قَوْله " أفيدع " الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الْإِنْكَار قَوْله " فيقضمها " بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة من القضم وَهُوَ الْأكل بأطراف الْأَسْنَان يُقَال قضمت الدَّابَّة شعيرها بِالْكَسْرِ تقضمه وَفِي الواعي أصل القضم الدق وَالْكَسْر وَلَا يكون إِلَّا فِي الشَّيْء الصلب وماضيه على مَا ذكره ثَعْلَب بِكَسْر الْعين وَحكى ثَابت وَابْن طَلْحَة فتح الْعين وَقَالَ ابْن التِّين القضم هُوَ الْأكل بِأَدْنَى الأضراس قَوْله " الْفَحْل " الذّكر من الْإِبِل وَنَحْوه (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) وَبِه احْتج أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي آخَرين فِي أَن المعضوض إِذا جبذ يَده فَسَقَطت أَسْنَان العاض أَو فك لحييْهِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا صال الْفَحْل على رجل فَدفعهُ فَأتى عَلَيْهِ لم يلْزمه قِيمَته وَعند مَالك يضمن المعضوض قَالَ الْقُرْطُبِيّ لم يقل أحد بِالْقصاصِ فِي ذَلِك فِيمَا علمت وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الضَّمَان فأسقطه أَبُو حنيفَة وَبَعض أَصْحَابنَا وَضَمنَهُ الشَّافِعِي وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك قَالَ وَنزل بعض أَصْحَابنَا القَوْل بِالضَّمَانِ على مَا إِذا أمكنه نزع يَده بِرِفْق فانتزعها بعنف وَحمل بعض أَصْحَابنَا الحَدِيث على أَنه كَانَ متحرك الثنايا وَقَالَ أَبُو عبد الْملك لم يَصح الحَدِيث عِنْد مَالك وَفِيه اسْتِئْجَار الْأَجِير للْخدمَة وكفاية مُؤنَة الْعَمَل فِي الْغَزْو وَغَيره سَوَاء وَأما الْقِتَال فَلَا يسْتَأْجر عَلَيْهِ لِأَن على كل مُسلم أَن يُقَاتل حَتَّى تكون كلمة الله هِيَ الْعليا
(قَالَ ابْن جريج وحَدثني عبد الله بن أبي مليكَة عَن جده بِمثل هَذِه الصّفة أَن رجلا عض يَد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ) ابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وَعبد الله بن أبي مليكَة تَصْغِير ملكة مَنْسُوب إِلَى جده وَقيل إِلَى جد أَبِيه فَإِنَّهُ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة واسْمه زُهَيْر بن عبد الله بن جدعَان وَله صُحْبَة وَمِنْهُم من زَاد فِي نِسْبَة عبد الله بَين عبيد الله وَزُهَيْر وَقَالَ أَن الَّذِي يكنى أَبَا مليكَة هُوَ عبد الله بن زُهَيْر فعلى الأول فَالْحَدِيث من رِوَايَة زُهَيْر بن عبد الله عَن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعَلى الثَّانِي من رِوَايَة عبد الله بن زُهَيْر فَالضَّمِير فِي جده على الأول يعود على عبد الله
ثمَّ الْكَلَام فِي تَفْسِير الْآيَات الْكَرِيمَة. قَوْله: {إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك} (الْقَصَص: ٧٢) . أَي: أُرِيد أَن أزَوجك {إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي} (الْقَصَص: ٨٢) . نَفسك مُدَّة ثَمَانِي حجج أَي: على أَن تكون أَجِيرا لي ثَمَانِي سِنِين من أجرته إِذا كنت لَهُ أَجِيرا، كَقَوْلِك: أبوته إِذا كنت لَهُ أَبَا، وثماني حجج ظرفه، وَيجوز أَن يكون من آجرته كَذَا إِذا أثْبته إِيَّاه، وَمِنْه تَعْزِيَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (آجركم الله وَرَحِمَكُمْ الله) ، وثماني حجج مفعول بِهِ، أَي: رعية ثَمَانِي حجج، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ أَن يمهرها إِجَارَة نَفسه فِي رعية الْغنم، وَلَا بُد من تَسْلِيم مَا هُوَ مَال؟ أَلَا ترى إِلَى أبي حنيفَة كَيفَ منع أَن يتَزَوَّج امْرَأَة بِأَن يخدمها سنة؟ وَجوز أَن يَتَزَوَّجهَا بِأَن يخدمها عَبده سنة أَو يسكنهَا دَاره سنة، لِأَنَّهُ فِي الأول سلم نَفسه، وَلَيْسَ بِمَال وَفِي الثَّانِي هُوَ مُسلم مَالا، وَهُوَ العَبْد أَو الدَّار. قلت: الْأَمر على مَذْهَب أبي حنيفَة كَمَا ذكرت، وَأما الشَّافِعِي فقد جوز التَّزْوِيج على الْإِجَازَة بِبَعْض الْأَعْمَال والخدمة إِذا كَانَ الْمُسْتَأْجر لَهُ أَو المخدوم فِيهِ أمرا مَعْلُوما، وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ جَائِزا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة، وَيجوز أَن يكون الْمهْر شَيْئا آخر، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يكون رعي غنمه هَذِه الْمدَّة، وَأَرَادَ أَن ينكحه ابْنَته، فَذكر لَهُ المرادين، وعلق الْإِنْكَاح بالرعية على معنى: أَنِّي أفعل هَذَا إِذا فعلت ذَلِك، على وَجه المفاهدة لَا على وَجه المعاقدة، وَيجوز أَن يستأجره لرعي غنمه ثَمَانِي سِنِين بمبلغ مَعْلُوم ويوفيه إِيَّاه ثمَّ ينكحه ابْنَته بِهِ، وَيجْعَل قَوْله: على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج، عبارَة عَمَّا جرى بَينهمَا {فَإِن أتممت الْعَمَل عشرا فَمن عنْدك} (الْقَصَص: ٧٢) . فإتمامه من عنْدك، وَالْمعْنَى: فَهُوَ من عنْدك لَا من عِنْدِي، يَعْنِي: لَا ألزمك وَلَا أحتمه عَلَيْك، وَلَكِن إِن فعلته فَهُوَ مِنْك تَفْضِيل وتبرع، وإلَاّ فَلَا عَلَيْك {وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك} (الْقَصَص: ٧٢) . فِي هَذِه الْمدَّة فأكلفك مَا يصعب عَلَيْك: {ستجدني إِن شَاءَ الله من الصَّالِحين} (الْقَصَص: ٧٢) . فِي حسن الْعشْرَة وَالْوَفَاء بالعهد، وَهَذَا شَرط للْأَب وَلَيْسَ بِصَدَاق، وَقيل: صدَاق، وَالْأول أظهر لقَوْله: {تَأْجُرنِي} (الْقَصَص: ٧٢) . وَلم يقل: تأجرها، وَإِنَّمَا قَالَ: إِن شَاءَ الله، للاتكال على توفيقه ومعونته. قَوْله: {قَالَ ذَلِك} (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: قَالَ مُوسَى لشعيب عَلَيْهِمَا السَّلَام، ذَلِك مُبْتَدأ {بيني وَبَيْنك} (الْقَصَص: ٨٢) . خَبره، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا عاهده عَلَيْهِ شُعَيْب. ثمَّ قَالَ مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {أَيّمَا الْأَجَليْنِ} (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: أجل من الْأَجَليْنِ أطولهما الَّذِي هُوَ الْعشْر وأقصرهما الَّذِي هُوَ ثَمَان. {قضيت} أَي: أوفيتك إِيَّاه وفرغت من الْعَمَل فِيهِ {فَلَا عدان عَليّ} أَي: لَا سَبِيل عَليّ، وَالْمعْنَى: لَا تَعْتَد عَليّ بِأَن تلزمني أَكثر مِنْهُ. قَوْله: {وَالله على مَا نقُول وَكيل} (الْقَصَص: ٨٢) . أَي: على مَا نقُول من النِّكَاح وَالْأَجْر وَالْإِجَارَة وَكيل، أَي: حفيظ وَشَاهد، وَلما اسْتعْمل وَكيل فِي مَوضِع الشَّاهِد عدى بعلى، وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: سَأَلَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (أَي الْأَجَل قضى مُوسَى؟ فَقَالَ: أتمهما وأكملهما) .
يأجُرُ فُلَانا يُعْطِيهِ أجْرا ومِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ آجَرَكَ الله
يأجر، بِضَم الْجِيم، وَالْمَقْصُود مِنْهُ تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج} (الْقَصَص: ٧٢) . وَبِهَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة فِي (الْمجَاز) . قَوْله: (وَمِنْه) أَي: وَمن هذاالمعنى قَوْلهم فِي التَّعْزِيَة: آجرك الله أَي: يعطيك أجره، وَهَكَذَا فسر أَبُو عُبَيْدَة أَيْضا، وَزَاد: يأجرك أَي: يثيبك. وَقيل: الْمَعْنى فِي قَوْله: على أَن تَأْجُرنِي أَن تكون لي أَجِيرا، أَو التَّقْدِير: على أَن تَأْجُرنِي نَفسك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فِي جَوَاب من قَالَ: مَا الْفَائِدَة فِي عقد هَذَا الْبَاب إِذْ لم يذكر فِيهِ حَدِيثا؟ بِأَن البُخَارِيّ كثيرا مَا يقْصد بتراجم الْأَبْوَاب بَيَان الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة، فَأَرَادَ هُنَا بَيَان جَوَاز مثل هَذِه الْإِجَارَة، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ، ثمَّ قَالَ: قَالَ الْمُهلب: لَيْسَ كَمَا ترْجم، لِأَن الْعَمَل كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم. انْتهى. قلت: قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
٧ - (بابٌ إذَا اسْتَأجَرَ أَجِيرا علَى أنْ يُقِيمَ حائِطا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ جازَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اسْتَأْجر أحد أَجِيرا لأجل إِقَامَة حَائِط يُرِيد أَن ينْقض، أَي: بسقط، يُقَال: انقض الطَّائِر سقط من الْهَوَاء بِسُرْعَة. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب: إِذا، وَقَالَ ابْن التِّين: تبويب البُخَارِيّ يدل على أَن هَذَا جَائِز لجَمِيع النَّاس، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك للخضر، عَلَيْهِ السَّلَام، خَاصَّة، وَلَعَلَّ البُخَارِيّ أَرَادَ أَن يَبْنِي لَهُ حَائِطا من الأَصْل، أَو يصلح لَهُ حَائِطا. انْتهى. قلت: يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا جَائِزا لجَمِيع النَّاس، وتخصيصه بالخضر، عَلَيْهِ السَّلَام، لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَجه ذَلِك على الْعُمُوم أَن حَائِط رجل إِذا أشرف على السُّقُوط، فخيف من سُقُوطه، فاستأجر أحدا يعلقه حَتَّى لَا يسْقط فَإِنَّهُ يجوز بِلَا خلاف، ثمَّ بعد التَّعْلِيق إِمَّا أَن يرمه وَيقطع عَيبه، أَو يهده ويبنيه جَدِيدا. وَقَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا جَازَ الِاسْتِئْجَار عَلَيْهِ لقَوْل مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {لَو