الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٦٣
الحديث رقم ٢٢٦٣ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب استئجار المشركين عند الضرورة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٨٩⦘
ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيًا خِرِّيتًا، الْخِرِّيتُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ.»
٢٢٦٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى : أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
قالت عائشة رضي الله عنها: لم أعرف أبواي أبا بكر وأم رومان إلا وهما يدينان بدين الإسلام، وُلدتُ وهما مسلمان، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلا جاءنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار وآخره، فلما ابُتلي المؤمنون بأذى المشركين وأذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة خرج أبو بكر ليهاجر إلى الحبشة، فلما وصل موضعًا اسمه بَرْك الغِماد التقى به ابن الدَّغِنَة، وهو سيد قبيلة القارة، فسأله: إلى أين ستذهب يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: تسبب قومي في إخراجي، فأريد أن أسير في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن من مثلك يا أبا بكر لا يُخرَج من أرضه ولا يَخرج ويَتركها؛ لأنك تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، وتصل القرابة، وتُكرم الضيف، وتساعد على حوادث الحق، وخروج مثلك خسارة لقومك، فأنا مجيرٌ لك مؤمِّنُكَ ممن أخافك منهم، فارجع واعبد ربك ببلدك، فدار ابن الدغنة في سادات قريش، فقال لهم: إن أبا بكر مثله لا يُخرج ولا يخرج، وذكر لهم الأسباب التي قالها.
فلم تنكر قريش إجارة وحماية ابن الدغنة، واشترطوا عليه، فقالوا له: اجعل أبا بكر يعبد ربَّه في بيته، فليصلِّ فيه ويقرأ ما يريد، ولا يؤذينا بذلك ولا يجهر به، فإننا نخاف أن يُخرِجَ نساءنا وأبناءنا من دينهم إلى دينه، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فمكث أبو بكر يعبد ربه في بيته، ولا يجهر بصوته، ولا يقرأ في مكانٍ آخر غير بيته، ثم ظهر لأبي بكر رأي في أمره بخلاف ما كان يفعله، فبنى مسجدًا في امتداد بيته أمامه، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فجعل نساء المشركين وأبناؤهم يزدحمون عليه، وهم معجبون به وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا كثير البكاء، لا يملك دمع عينيه إذا قرأ القرآن من رقة قلبه، فأخاف ذلك أسيادَ قريش من المشركين، لما يعلمون من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا لدين الإسلام، فطلبوا ابن الدغنة فجاء إليهم، فقالوا: إنا قد أمّنا أبا بكر بجوارك، بشرط أن يعبد ربه في بيته، ولقد تعّدى ذلك، فبنى مسجدًا بفناء داره، وجهر بالصلاة والقراءة فيه، وقد خِفْنا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فيدخلوا في دينه، فاجعله ينتهي عن فعل هذا، فإذا أحب أن يعبد ربه في بيته فقط فليفعل، وإذا امتنع وأراد أن يجهر بذلك فسأله أن يُرجع إليك عهدك له، فإنا لا نحب أن ننقض عهدك، ولن نترك الإنكار على أبي بكر في الجهر بالعبادة؛ خوف نسائنا وأبنائنا، قالت عائشة: فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال له: لقد علمت الشرط الذي عاهدتك عليه من عدم الإجهار، فإما أن تبقى على الشرط الذي شرطوه، وإما أن تُرجع لي عهدي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني غُدِرت رجلًا عقدت له عقدًا، فقال أبو بكر: فأنا أردّ لك أمانك لي، وأرضى بأمان الله وحمايته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وقتها بمكة، فقال النبي للمسلمين: لقد رأيت مكان هجرتكم، وفيها نخل وهي بين أرضين بهما حجارة سوداء، فهاجر من هاجر من المسلمين إلى المدينة، وعاد أغلب من كان في الحبشة إلى المدينة، واستعد أبو بكر طالبًا للهجرة من مكة إلى المدينة، فقاله له النبي عليه الصلاة والسلام: على مهلك، فإني آمل أن يؤذن لي في الهجرة، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك أفديك بأبي؟ قال: نعم، فامتنع أبو بكر عن الهجرة ليصحب النبي عليه الصلاة والسلام، وأطعم أبو بكر راحلتين من الإبل كانتا عنده من ورق السمر، وهو ما يخبط بالعصا فيسقط من ورق الشجر، فبات يطعمهما منه لمدة أربعة أشهر، قالت عائشة: فبينما نحن في يوم جالسين في بيت أبي بكر في أول الزوال عند شدة الحر، قال شخص لأبي بكر: هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء مغطيًّا رأسه، جاء في وقت لم يكن يأتينا فيه، فقال أبو بكر: أفديه بأبي وأمي، والله لم يأتِ به في هذا الوقت إلا أمر حدث، لأن عادته أن يأتي إليهم في أول النهار وآخره، لا في وسطه، قالت عائشة رضي الله عنها: فجاء عليه الصلاة والسلام فاستأذن في الدخول، فأذن له فدخل، فقال لأبي بكر: أخرج الذين معك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك يقصد عائشة وأمها وأختها، أفديك بأبي يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: فإني قد أذن الله لي في الخروج إلى المدينة، فقال أبو بكر: هل تسمح أن أصاحبك بأبي أنت يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال عليه الصلاة والسلام: لا آخذها إلا بعد دفع ثمنها، قالت عائشة: فجهزنا الراحلتين أسرع تجهيز وصنعنا لهما زادًا في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من ملابسها التي تشد به وسطها، فربطت به على فم الجراب، ولذلك سميت ذات النطاقين.
قالت عائشة رضي الله عنها: ثم ذهب النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر إلى غار في جبل ثور، فجلسا فيه ثلاث ليال، يبيت في الغار معهما عبد الله بن أبي بكر الصديق، وهو غلام شاب حاذق سريع الفهم، فيخرج من عندهما وقت السحر، فيصبح وهو في قريش بمكة، وكأنه بات فيها لشدة رجوعه في الخفاء، فلا يسمع خبرًا من قريش فيه المكروه لهما إلا حفظه، فيأتيهم بذلك الخبر حين يأتي الظلام، ويحفظ لهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر شاة من غنم، فيتركها تذهب لهما في ساعة من العِشاء كل ليلة، فيحلبان ويشربان، فيبيتان في رسل، وهو اللبن الموضوع فيه الحجارة المحماة لتذهب وخامته وثقله، حتى يسمعان صوت عامر بن فهيرة، وهو يزجر الغنم في ظلام آخر الليل، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث التي أقاما فيها بالغار، واستأجر النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر رجلًا من بني الديل، وهو من بني عبد بن عدي، يهديهما إلى الطريق وكان ماهرًا بالهداية، وقد كان حليفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو كافر فائتمناه فأعطوه راحلتيهما، وواعداه في غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صباح اليوم الثالث وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل عبد الله بن أريقط، فقادهم إلى المدينة من طريق السواحل.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣ - بَاب اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ
٢٢٦٣ - حَدَّثَنَي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا - الْخِرِّيتُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. وَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى بِامْتِنَاعِ اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا إِلَّا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ كَتَعَذُّرِ وُجُودِ مُسْلِمٍ يَكْفِي فِي ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَ بِهَا نَخْلَ خَيْبَرَ وَزَرْعَهَا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِمْ الْحَدِيثَ. وَفِي اسْتِشْهَادِهِ بِقِصَّةِ مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَزْرَعُوهَا وَبِاسْتِئْجَارِهِ الدَّلِيلَ الْمُشْرِكَ لَمَّا هَاجَرَ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَصْرِيحٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ مَنْعِ اسْتِئْجَارِهِمْ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَضْمُومًا إِلَى قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، فَأَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَخْبَارِ بِمَا تَرْجَمَ بِهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ اسْتِئْجَارَهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَلَّةِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُؤَاجِرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ مِنَ الْمُشْرِكِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِذْلَالِ الْمُسْلِمِ اهـ.
وَحَدِيثُ مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ يَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مَوْصُولًا، وَأَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ: إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ دَعْنَا نَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَنَا الشَّطْرُ وَلَكُمُ الشَّطْرُ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا أَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا يُصْلِحُ أَرْضَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَنَزَّلَ الْمُصَنِّفُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَنْزِلَةَ مَنْ لَمْ يُوجَدْ، وَحَدِيثُ الدَّلِيلِ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: اسْتَأْجَرَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ: وَاسْتَأْجَرَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْأَصْلِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قِصَّةٍ قَبْلَهَا، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بَعْدَهَا بِسَنَدِهِ الْآتِي مُطَوَّلًا، وَوَقَعَ هُنَا فَاسْتَأْجَرَ بِالْفَاءِ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ زَادَ الْوَاوَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ اقْتَطَعَ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (هَادِيًا) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: خِرِّيتًا وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ، وَقَوْلُهُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ كَذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ، وَنَحْكِي الْخِلَافَ فِي تَسْمِيَةِ الْهَادِي الْمَذْكُورِ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ عَلَى هِدَايَةِ الطَّرِيقِ إِذَا أُمِنَ إِلَيْهِ، وَاسْتِئْجَارُ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا عَلَى عَمَلٍ وَاحِدٍ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٢٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد بن زاذان، أبو إسحاق، التَّميميُّ الفرَّاء الرَّازي (١) الصَّغير، قال (٢): (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها قالت: (وَاسْتَأْجَرَ) بواو العطف على قصَّةٍ في هذا الحديث، وهي ثابتةٌ في أصله الطَّويل المسوق عند المؤلِّف في «باب هجرة النَّبيِّ ﷺ وأصحابه إلى المدينة» [خ¦٣٩٠٥] عن يحيى ابن بُكَيرٍ عن اللَّيث عن عُقيلٍ عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة قالت: لم أعقل أبويَّ إلَّا وهما يدينان الدِّين … الحديث، وفيه: خروج أبي بكرٍ مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتَّى بَلَغَ بَرْكَ الغِمَاد لقيه ابن الدَّغِنَة، وخروجه مع النَّبيِّ ﷺ إلى غار ثورٍ، فمكثا فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهما عبد الله (٣) بن أبي بكرٍ، وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ (٤)، فيُدلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريشٍ بمكَّة كبائتٍ معهم، فلا يسمع أمرًا يُكَادان به إلَّا وعاه حتَّى يأتيهما بخبر (٥) ذلك حين (٦) يختلط الظَّلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهَيرة مولى أبي بكرٍ مِنْحَةً من غنمٍ، فيُريحُها عليهما حين تذهب ساعةً من العِشاء، فيبيتان في رِسْلٍ -وهو لبن مِنْحَتِهما ورَضِيفِهِما حتَّى يَنْعِقَ (٧) - بها عامر بن فُهَيرة بغَلَسٍ، يفعل ذلك كلَّ ليلةٍ من اللَّيالي، وسقط واو العطف المذكور لأبي ذرٍّ، واستأجر (النَّبِيُّ) ولأبي الوقت: «رسول الله» (ﷺ
وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا) مشركًا (مِنْ بَنِي الدِّيلِ) بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة، هو عبد الله بن أُرَيْقِطٍ، وقال ابن هشامٍ: رجلًا من بني سهم بن عمرٍو، وكان مشركًا، وهذا موضع التَّرجمة (ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ (١) بْنِ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملة وتشديد التَّحتيَّة: بطنٌ من بني بكرٍ (هَادِيًا) للطَّريق (خِرِّيتًا) بكسر الخاء المعجمة وتشديد الرَّاء وسكون التَّحتيَّة، بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، صفتان لـ «رجلٍ»، ونسب الحافظ ابن حجرٍ الأخيرة لزيادة الكُشْمِيْهَنِيِّ. قال الزُّهريُّ: (-الخِرِّيتُ: المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ) أي: عبد الله بن أُرَيْقِطٍ (يَمِينَ حِلْفٍ) بكسر الحاء المهملة وبعد اللَّام السَّاكنة فاءٌ، و «غَمَسَ»: بفتح الغين المعجمة والميم والسِّين المهملة، أي: دخل (فِي) جملة (آلِ (٢) العَاصِ بْنِ وَائِلٍ) بالهمز، من بني سهمٍ، رهطٌ من قريشٍ، وغمس نفسه فيهم وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيديهم في دمٍ أو خلوقٍ أو شيءٍ يكون فيه تلويثٌ، فيكون ذلك تأكيدًا للحلف (وَهْوَ) أي: عبد الله بن أُرَيْقِطٍ (عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ) بكسر الميم المُخفَّفة بعد الهمزة المفتوحة المقصورة، من أمَّنتُ فلانًا، فهو آمنٌ، وذلك مأمونٌ، والضَّمير للنَّبيِّ ﷺ والصِّدِّيق (٣) (فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا) تثنية راحلةٍ، من الإبل: البعير القويُّ على الأسفار والأحمال، يستوي فيه الذَّكر والأنثى (٤)، والتَّاء للمبالغة (وَوَعَدَاهُ) ولأبي ذرٍّ: «وواعداه» بالألف (٥) قبل العين، فالأولى من الوعد، والثَّانية من المواعدة (غَارَ ثَوْرٍ) بالمُثلَّثة: كهفًا بجبلٍ أسفل مكَّة (بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلَا وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) بضمِّ الفاء وفتح الهاء وبعد الياء السَّاكنة راءٌ مفتوحةٌ
(وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ) بكسر الدَّال المهملة وسكون الياء، من غير همزٍ (١)، هو عبد الله بن أُرَيْقِطٍ (فَأَخَذَ بِهِمْ) أي: أخذ بالنَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعامرٍ عبدُ الله بن أريقط (٢) الدَّليلُ، وفي نسخةٍ: «أسفل مكَّة» (وَهوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ) وفي «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥]: فأخذ بهم طريق السَّاحل، بدون (٣) لفظ: «وهو».
وهذا الحديث أخرجه في «باب الإجارة» [خ¦٢٢٦٤] و «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اسْتَأْجَرَ) الرَّجل (أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ) عملًا (بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ) وجواب «إذا» قوله: (جَازَ) التَّآجر (وَهُمَا) أي: المؤجِر والمستأجر (عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِي اشْتَرَطَاهُ (٤) إِذَا جَاءَ الأَجَلُ) قال العينيُّ: وهو جائزٌ عند مالكٍ وأصحابه بعد اليوم أو اليومين، أو ما قرب إذا أنقده الأجرة، واختلفوا فيما إذا لم ينقده، فأجازه مالكٌ وابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز لأنَّه لا يدري أيعيش أم لا. وقياسه أن يستأجر منه منزلًا مدَّةً معلومةً قبل مجيء السَّنة بأيَّامٍ، كأن يقول: آجرتك الدَّار (٥) سنةً بعد عشرة أيَّامٍ، فمذهب الشَّافعيَّة عدم الصِّحَّة؛ لأنَّ منفعتها إذ ذاك غير مقدورة التَّسليم في الحال، فأشبه بيع العين على أن يسلِّمها غدًا، وهو بخلاف إجارة الذِّمَّة، فإنَّه يجوز فيها تأجيل العمل، كما في «السَّلم»، فلو آجر السَّنة الثَّانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز لاتِّصال المدَّتين مع اتِّحاد المستأجر، فهو كما لو آجرهما دفعةً واحدةً، بخلاف ما لو آجرها من غيره لعدم اتِّحاد المستأجر، وقال الحنفيَّة: إذا قال في شعبان مثلًا: آجرتك داري في أوَّل يومٍ من رمضان جاز مطلقًا؛ لأنَّ العقد يتحدَّد بحدوث المنافع، وهو مذهب المالكيَّة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
القيراط الَّذِي هُوَ جُزْء من الدِّينَار أَو الدِّرْهَم وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قراريط اسْم مَوضِع بِمَكَّة قرب جِيَاد وَلم يرد القراريط من النَّقْد وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ الَّذِي قَالَه الْحَرْبِيّ أصح وَهُوَ تبع فِي ذَلِك شَيْخه ابْن نَاصِر فَإِنَّهُ خطأ سويدا فِي تَفْسِيره وَقَالَ بَعضهم لَكِن رجح الأول لِأَن أهل مَكَّة لَا يعْرفُونَ مَكَانا يُقَال لَهُ قراريط (قلت) وَكَذَلِكَ لَا يعْرفُونَ القيراط الَّذِي هُوَ من النَّقْد وَلذَلِك جَاءَ فِي الصَّحِيح " ستفتحون أَرضًا يذكر فِيهَا القراط " وَلَكِن لَا يلْزم من عدم معرفتهم القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع والقراريط الَّتِي من النَّقْد لَا يكون للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك علم فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أخبر بِأَنَّهُ رعى الْغنم على قراريط علمُوا فِي ذَلِك الْوَقْت أَنَّهَا اسْم مَوضِع وَلم يَكُونُوا علمُوا بِهِ قبل ذَلِك لكَون هَذَا الِاسْم قد هجر اسْتِعْمَاله من قديم الزَّمَان فأظهره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي ذَلِك الْوَقْت وَيدل على تأييد ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن كلمة على فِي أصل وَضعهَا للاستعلاء والاستعلاء حَقِيقَة لَا يكون إِلَّا على القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع وعَلى القراريط من النَّقْد يكون بطرِيق الْمجَاز فَلَا يُصَار إِلَى الْمجَاز إِلَّا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة وَلَا تعذر هُنَا وَالثَّانِي جَاءَ فِي رِوَايَة كنت أرعى غنم أَهلِي بجياد وَهُوَ مَوضِع بِأَسْفَل مَكَّة فَهَذَا يدل على أَنه يرْعَى تَارَة بجياد وَتارَة بقراريط الَّذِي هُوَ الْمَكَان وَهَذَا يدل أَيْضا أَنه مَا كَانَ يرْعَى بِأُجْرَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا دخل للقراريط من النَّقْد فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت مَتى كَانَ هَذَا الرَّعْي فِي عمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قلت) علم بالاستقراء من كَلَام ابْن إِسْحَاق والواقدي أَنه كَانَ وَعَمه نَحْو الْعشْرين سنة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِيهِ (قلت) التقدمة والتوطئة فِي تَعْرِيفه سياسة الْعباد وَحُصُول التمرن على مَا سيكلف من الْقيام بِأَمْر أمته (فَإِن قلت) مَا وَجه تَخْصِيص الْغنم فِيهِ (قلت) لِأَنَّهَا أَضْعَف من غَيرهَا وأسرع انقيادا وَهِي من دَوَاب الْجنَّة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي ذكره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِك (قلت) إِظْهَار تواضعه لرَبه مَعَ كَونه أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وتنبيه أمته على مُلَازمَة التَّوَاضُع وَاجْتنَاب الْكبر وَلَو بلغ أقْصَى الْمنَازل الدنياوية وَفِيه أَيْضا اتِّبَاع لأخوته من الرُّسُل الَّذين رعوا الْغنم وَفِي حَدِيث للنسائي قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعث مُوسَى وَهُوَ راعي غنم وَبعث دَاوُد وَهُوَ راعي غنم عَلَيْهِمَا وَعَلِيهِ صلوَات الله وَسَلَامه دَائِما أبدا
(بَاب اسْتِئْجَار الْمُشْركين عِنْد الضَّرُورَة أَو إِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم استيجار الْمُسلمين أهل الشّرك عِنْد الضَّرُورَة وَهَذِه التَّرْجَمَة تشعر بِأَنَّهُ لَا يرى اسْتِئْجَار الْمُشرك سَوَاء كَانَ من أهل الذِّمَّة أَو من غَيرهم عِنْد عدم الضَّرُورَة إِلَّا عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى أحد مِنْهُم لأجل الضَّرُورَة نَحْو عدم وجود أحد من أهل الْإِسْلَام يَكْفِي ذَلِك أَو عِنْد عَدمه أصلا وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَإِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام وَقَوله " لم يُوجد " على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي بعض النّسخ " وَإِذا لم يجد على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي وَإِذا لم يجد الْمُسلم أحدا من أهل الْإِسْلَام لِأَن يستأجره وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف يعلم مِمَّا قبله لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ وَقد قَرَّرْنَاهُ (وعامل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر) مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامل يهود خَيْبَر على الْعَمَل فِي أرْضهَا إِذْ لم يُوجد من الْمُسلمين من يَنُوب منابهم فِي عمل الأَرْض فِي ذَلِك الْوَقْت وَلما قوي الْإِسْلَام اسْتغنى عَنْهُم حَتَّى أجلاهم عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَسقط بذلك قَول بَعضهم وَفِي استشهاده بِقصَّة مُعَاملَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر على أَن يزرعوها نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح بِالْمَقْصُودِ (قلت) كَيفَ يَنْفِي التَّصْرِيح بِالْمَقْصُودِ فِيهِ فَإِن مُعَامَلَته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر على الزِّرَاعَة فِي معنى استئجاره إيَّاهُم صَرِيحًا
٤ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا واستأجر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل ثمَّ من بني عبد بن عدي هاديا خريتا. الخريت الماهر بالهداية قد غمس يَمِين حلف فِي آل العَاصِي
ابْن وَائِل وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فأمناه فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما ووعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صَبِيحَة لَيَال ثَلَاث فارتحلا وَانْطَلق مَعَهُمَا عَامر بن فهَيْرَة وَالدَّلِيل الديلِي فَأخذ بهم وَهُوَ على طَرِيق السَّاحِل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي " واستأجر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل " وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ استأجرا هَذَا الرجل وَهُوَ مُشْرك إِذْ لم يجدا أحدا من أهل الْإِسْلَام وَقَول بَعضهم وَفِي استشهاده باستئجار الدَّلِيل الْمُشرك على ذَلِك نظر قَول واه صادر من غير ترو وَلَا تَأمل على مَا لَا يخفى وَهَذَا الحَدِيث يَأْتِي كَامِلا فِي أَوَاخِر كتاب الْإِجَارَة قَوْله " واستأجر " بواو الْعَطف إِنَّمَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا وَقع " اسْتَأْجر " بِدُونِ حرف الْعَطف وَهِي ثَابِتَة فِي الأَصْل فِي نفس الحَدِيث الطَّوِيل لِأَن الْقِصَّة معطوفة على قصَّة قبلهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي واستأجر ذكر بِالْوَاو إشعارا بِأَنَّهُ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر فِي حِكَايَة هِجْرَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فعطف هَذَا عَلَيْهَا (قلت) نسب بَعضهم الْكرْمَانِي فِي قَوْله هَذَا إِلَى الْوَهم حَيْثُ قَالَ وَوهم من زعم أَن المُصَنّف زَاد الْوَاو للتّنْبِيه على أَنه اقتطع هَذَا الْقدر من الحَدِيث انْتهى (قلت) هَذَا الْقَائِل وهم فِي نَقله كَلَام الْكرْمَانِي على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يقل بِأَن المُصَنّف زَاد الْوَاو إِلَى آخِره على هَذَا الْوَجْه وَمَا غر هَذَا الْقَائِل فِيمَا قَالَه إِلَّا قَول الْكرْمَانِي إشعارا وَقَوله فعطف هَذَا عَلَيْهَا وَأخذ مِنْهُمَا مَا ذهب إِلَيْهِ وهمه فنسبه إِلَى الْوَهم وَمعنى قَوْله إشعارا يَعْنِي للإشعار بِأَنَّهُ وَاو الْعَطف حَيْثُ قَالَ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر يَعْنِي من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَمعنى قَوْله فعطف هَذَا عَلَيْهَا يَعْنِي أظهر وَاو الْعَطف على الْكَلِمَات الَّتِي تقدّمت لَا أَنه زَاد المُصَنّف من عِنْده وَاو الْعَطف قَوْله " رجلا من بني الديل " وَاسم هَذَا الرجل عبد الله بن أَرقم فِيمَا قَالَه ابْن إِسْحَق وَقَالَ ابْن هِشَام عبد الله بن أريقط وَقَالَ مَالك اسْمه رقيط والديلي بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام وَقَالَ الرشاطي الديل فِي الأزد الديلِي بن هداء بن زيد وَفِي ثَعْلَب الديل بن زيد وَفِي إياد الديل بن أُميَّة وَفِي ضبة الديل بن ثَعْلَبَة وَفِي عبد الْقَيْس الديل بن عَمْرو وَالنِّسْبَة إِلَى ذَلِك كُله الديل بِكَسْر الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء من دَال يديل إِذا تعلق الشَّيْء وتحرك وَيُقَال مِنْهُ اندال يندال وَقَالَ ابْن هِشَام رجلا من بني الديلِي بن بكر وَكَانَت أمه من بني سهم بن عَمْرو وَكَانَ مُشْركًا قَوْله " من بني الديل " جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله رجلا قَوْله " ثمَّ من بني عبد بن عدي " وَعبد خلاف الْحر وعدي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء من بني بكر قَوْله " هاديا " صفة لرجلا أَيْضا من هداه الطَّرِيق إِذا أرشده إِلَيْهِ قَوْله " خريتا " أَيْضا صفة بعد صفة والخريت بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق وَهُوَ الماهر الَّذِي يَهْتَدِي لأخرات الْمَفَازَة وَهِي طرقها الْخفية ومضايقها وَقيل أَرَادَ بِهِ أَنه يَهْتَدِي لمثل خرت الإبرة من الطَّرِيق أَي ثقبها وَحكى الْكسَائي خرتنا الأَرْض إِذا عرفناها وَلم تخف علينا طرقها قَوْله " الخريت الماهر " بالهداية مدرج من قَول الزُّهْرِيّ قَوْله " قد غمس يَمِين حلف " أَي دخل فِي جُمْلَتهمْ وغمس نَفسه فِي ذَلِك وَالْحلف بِكَسْر الْحَاء الْعَهْد الَّذِي يكون بَين الْقَوْم وَإِنَّمَا قَالَ غمس إِمَّا لِأَن عَادَتهم أَنهم كَانُوا يغمسون أَيْديهم فِي المَاء وَنَحْوه عِنْد التَّحَالُف وَإِمَّا أَنه أَرَادَ بالغمس الشدَّة قَوْله " الْعَاصِ بن وَائِل " بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف وباللام وَيُقَال العَاصِي بِالْيَاءِ وبدونه وَآل الْعَاصِ هم بَنو سهم رَهْط من قُرَيْش قَوْله " فأمناه " أَي فأمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر الرجل من أمنت فلَانا فَهُوَ آمن وَذَاكَ مَأْمُون قَوْله " راحلتيهما " تَثْنِيَة رَاحِلَة وَهِي من الْإِبِل الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء وَالتَّاء فِيهَا للْمُبَالَغَة وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اشتراهما بثمانمائة دِرْهَم وَكَانَ حبسهما فِي دَاره يعلفها إعدادا للسَّفر قَالَ ابْن إِسْحَاق لما قرب أَبُو بكر الراحلتين إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قدم لَهُ أفضلهما فَقَالَ اركب يَا رَسُول الله فدَاك أبي وَأمي فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي لَا أركب بَعِيرًا لَيْسَ لي قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله بِأبي وَأمي قَالَ مَا الثّمن الَّذِي ابتعتها بِهِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَخَذتهَا بذلك " قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله وروى الْوَاقِدِيّ أَنه أَخذ
القصوى وروى ابْن عَسَاكِر بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت هِيَ الجدعاء فركبا وانطلقا وَأَرْدَفَ أَبُو بكر عَامر بن فهَيْرَة مَوْلَاهُ خَلفه للْخدمَة فِي الطَّرِيق قَوْله " غَار ثَوْر " الْغَار بالغين الْمُعْجَمَة الْكَهْف وثور اسْم الْحَيَوَان الْمَشْهُور جبل بِأَسْفَل مَكَّة وَفِيه الْغَار الَّذِي بَات فِيهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر لما هاجرا قَوْله " مَعَهُمَا " أَي مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " عَامر بن فهَيْرَة " بِضَم الْفَاء وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء الْأَزْدِيّ وَكَانَ أسود اللَّوْن مَمْلُوكا للطفيل بن عبد الله فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر الصّديق مِنْهُ فَأعْتقهُ وَكَانَ دُخُوله فِي الْإِسْلَام قبل دُخُول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَار الأرقم وَكَانَ حسن الْإِسْلَام وَهَاجَر مَعَهُمَا إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ ثالثهما قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة بِفَتْح الْمِيم وبالنون سنة أَربع من الْهِجْرَة قَوْله " فَأخذ بهم " أَي فَأخذ الدَّلِيل الديلِي بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأبي بكر وعامر بن فهَيْرَة أَي ملتبسا بهم قَوْله " وَهُوَ على طَرِيق السَّاحِل " أَي طَرِيق سَاحل الْبَحْر ويروى فَأخذ بهم طَرِيق سَاحل الْبَحْر (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ اسْتِئْجَار الْمُسلم الْكَافِر على هدايته الطَّرِيق قلت وعَلى غَيرهَا أَيْضا. وَفِيه اسْتِئْجَار الرجلَيْن الْوَاحِد على عمل وَاحِد لَهما. وَفِيه اسْتِئْجَار الرجل على أَن يدْخل فِي الْعَمَل بعد أَيَّام مَعْلُومَة فَيصح عقدهما قبل الْعَمَل وَقِيَاسه أَن يسْتَأْجر منزلا مُدَّة مَعْلُومَة قبل مَجِيء السّنة بأيام وَأَجَازَ مَالك وَأَصْحَابه اسْتِئْجَار الْأَجِير على أَن يعْمل بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ أَو مَا قرب هَذَا إِذا نَقده الْأُجْرَة وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا اسْتَأْجرهُ ليعْمَل بعد شهر أَو سنة وَلم ينقده فَأَجَازَهُ مَالك وَابْن الْقَاسِم وَقَالَ أَشهب لَا يجوز وَوَجهه أَنه لَا يدْرِي أيعيش الْمُسْتَأْجر أَو الدَّابَّة وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز فِي الرَّاحِلَة الْمعينَة والأجير الْمعِين وَأما إِذا كَانَ كِرَاء مَضْمُونا فَيجوز فِيهِ ضرب الْأَجَل الْبعيد وَتَقْدِيم رَأس المَال وَلَا يجوز أَن يتَأَخَّر رَأس المَال إِلَى الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة لِأَنَّهُ إِذا تَأَخّر كَانَ من بَاب بيع الدّين بِالدّينِ وَتَفْسِير الْكِرَاء الْمَضْمُون أَن يستأجره على حَملَة بِعَينهَا على غير دَابَّة مُعينَة وَالْإِجَارَة الْمَضْمُونَة أَن يستأجره على بِنَاء بَيت لَا يشْتَرط عَلَيْهِ عمل يَده ويصف لَهُ طوله وَعرضه وَجَمِيع آلَته على أَن الْمُؤْنَة فِيهِ كلهَا على الْعَامِل مَضْمُونا عَلَيْهِ حَتَّى يتمه فَإِن مَاتَ قبل تَمَامه كَانَ ذَلِك فِي مَاله وَلَا يضرّهُ بعد الْأَجَل وَفِيه ائتمان أهل الشّرك على السِّرّ وَالْمَال إِذا عهد مِنْهُم وَفَاء ومروءة كَمَا استأمن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذَا الْمُشرك لما كَانُوا عَلَيْهِ من بَقِيَّة دين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِن كَانَ من الْأَعْدَاء لكنه علم مِنْهُ مُرُوءَة وائتمنه من أجلهَا على سره فِي الْخُرُوج من مَكَّة وعَلى الناقتين اللَّتَيْنِ دفعهما إِلَيْهِ ليوافيهما بهما بعد ثَلَاث فِي غَار ثَوْر
(بَاب إِذا اسْتَأْجر أَجِيرا ليعْمَل لَهُ بعد ثَلَاثَة أَيَّام أَو بعد شهر أَو بعد سِتَّة أشهر أَو بعد سنة جَازَ وهما على شَرطهمَا الَّذِي اشترطاه إِذا جَاءَ الْأَجَل)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اسْتَأْجر شخص أَجِيرا إِلَى آخِره قَوْله " جَازَ " جَوَاب إِذا قَوْله " وهما " أَي الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر على شَرطهمَا قَوْله " إِذا جَاءَ الْأَجَل " أَي الْأَجَل الْمَضْرُوب الْمَذْكُور وَقد ذكرنَا خلاف مَالك وَأَصْحَابه فِيهِ
٥ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل قَالَ ابْن شهَاب فَأَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا زوج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت واستأجر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما وواعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال براحلتيهما صبح ثَلَاث) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اسْتِئْجَار النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الرجل الْمَذْكُور على أَن ينظر فِي أَمر راحلتيهما ثَلَاثَة أَيَّام وَأَن يحضرهما بعد ثَلَاثَة أَيَّام عِنْد غَار ثَوْر ثمَّ خدمهما بِمَا قصداه من الدّلَالَة على الطَّرِيق بعد تِلْكَ الثَّلَاثَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣ - بَاب اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ
٢٢٦٣ - حَدَّثَنَي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا - الْخِرِّيتُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ - قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. وَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى بِامْتِنَاعِ اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا إِلَّا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ كَتَعَذُّرِ وُجُودِ مُسْلِمٍ يَكْفِي فِي ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَ بِهَا نَخْلَ خَيْبَرَ وَزَرْعَهَا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِمْ الْحَدِيثَ. وَفِي اسْتِشْهَادِهِ بِقِصَّةِ مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَزْرَعُوهَا وَبِاسْتِئْجَارِهِ الدَّلِيلَ الْمُشْرِكَ لَمَّا هَاجَرَ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَصْرِيحٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ مَنْعِ اسْتِئْجَارِهِمْ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَضْمُومًا إِلَى قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، فَأَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَخْبَارِ بِمَا تَرْجَمَ بِهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ يُجِيزُونَ اسْتِئْجَارَهُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَلَّةِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُؤَاجِرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ مِنَ الْمُشْرِكِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِذْلَالِ الْمُسْلِمِ اهـ.
وَحَدِيثُ مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ يَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مَوْصُولًا، وَأَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ: إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ دَعْنَا نَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَنَا الشَّطْرُ وَلَكُمُ الشَّطْرُ الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا أَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَا يُصْلِحُ أَرْضَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَنَزَّلَ الْمُصَنِّفُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَنْزِلَةَ مَنْ لَمْ يُوجَدْ، وَحَدِيثُ الدَّلِيلِ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: اسْتَأْجَرَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي الْوَقْتِ: وَاسْتَأْجَرَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْأَصْلِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى قِصَّةٍ قَبْلَهَا، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بَعْدَهَا بِسَنَدِهِ الْآتِي مُطَوَّلًا، وَوَقَعَ هُنَا فَاسْتَأْجَرَ بِالْفَاءِ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ زَادَ الْوَاوَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ اقْتَطَعَ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (هَادِيًا) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: خِرِّيتًا وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ، وَقَوْلُهُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ كَذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ، وَنَحْكِي الْخِلَافَ فِي تَسْمِيَةِ الْهَادِي الْمَذْكُورِ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ عَلَى هِدَايَةِ الطَّرِيقِ إِذَا أُمِنَ إِلَيْهِ، وَاسْتِئْجَارُ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا عَلَى عَمَلٍ وَاحِدٍ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٢٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد بن زاذان، أبو إسحاق، التَّميميُّ الفرَّاء الرَّازي (١) الصَّغير، قال (٢): (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها قالت: (وَاسْتَأْجَرَ) بواو العطف على قصَّةٍ في هذا الحديث، وهي ثابتةٌ في أصله الطَّويل المسوق عند المؤلِّف في «باب هجرة النَّبيِّ ﷺ وأصحابه إلى المدينة» [خ¦٣٩٠٥] عن يحيى ابن بُكَيرٍ عن اللَّيث عن عُقيلٍ عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة قالت: لم أعقل أبويَّ إلَّا وهما يدينان الدِّين … الحديث، وفيه: خروج أبي بكرٍ مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتَّى بَلَغَ بَرْكَ الغِمَاد لقيه ابن الدَّغِنَة، وخروجه مع النَّبيِّ ﷺ إلى غار ثورٍ، فمكثا فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهما عبد الله (٣) بن أبي بكرٍ، وهو غلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ (٤)، فيُدلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريشٍ بمكَّة كبائتٍ معهم، فلا يسمع أمرًا يُكَادان به إلَّا وعاه حتَّى يأتيهما بخبر (٥) ذلك حين (٦) يختلط الظَّلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهَيرة مولى أبي بكرٍ مِنْحَةً من غنمٍ، فيُريحُها عليهما حين تذهب ساعةً من العِشاء، فيبيتان في رِسْلٍ -وهو لبن مِنْحَتِهما ورَضِيفِهِما حتَّى يَنْعِقَ (٧) - بها عامر بن فُهَيرة بغَلَسٍ، يفعل ذلك كلَّ ليلةٍ من اللَّيالي، وسقط واو العطف المذكور لأبي ذرٍّ، واستأجر (النَّبِيُّ) ولأبي الوقت: «رسول الله» (ﷺ
وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا) مشركًا (مِنْ بَنِي الدِّيلِ) بكسر الدَّال المهملة وسكون التَّحتيَّة، هو عبد الله بن أُرَيْقِطٍ، وقال ابن هشامٍ: رجلًا من بني سهم بن عمرٍو، وكان مشركًا، وهذا موضع التَّرجمة (ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ (١) بْنِ عَدِيٍّ) بفتح العين وكسر الدَّال المهملة وتشديد التَّحتيَّة: بطنٌ من بني بكرٍ (هَادِيًا) للطَّريق (خِرِّيتًا) بكسر الخاء المعجمة وتشديد الرَّاء وسكون التَّحتيَّة، بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، صفتان لـ «رجلٍ»، ونسب الحافظ ابن حجرٍ الأخيرة لزيادة الكُشْمِيْهَنِيِّ. قال الزُّهريُّ: (-الخِرِّيتُ: المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ) أي: عبد الله بن أُرَيْقِطٍ (يَمِينَ حِلْفٍ) بكسر الحاء المهملة وبعد اللَّام السَّاكنة فاءٌ، و «غَمَسَ»: بفتح الغين المعجمة والميم والسِّين المهملة، أي: دخل (فِي) جملة (آلِ (٢) العَاصِ بْنِ وَائِلٍ) بالهمز، من بني سهمٍ، رهطٌ من قريشٍ، وغمس نفسه فيهم وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيديهم في دمٍ أو خلوقٍ أو شيءٍ يكون فيه تلويثٌ، فيكون ذلك تأكيدًا للحلف (وَهْوَ) أي: عبد الله بن أُرَيْقِطٍ (عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ) بكسر الميم المُخفَّفة بعد الهمزة المفتوحة المقصورة، من أمَّنتُ فلانًا، فهو آمنٌ، وذلك مأمونٌ، والضَّمير للنَّبيِّ ﷺ والصِّدِّيق (٣) (فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا) تثنية راحلةٍ، من الإبل: البعير القويُّ على الأسفار والأحمال، يستوي فيه الذَّكر والأنثى (٤)، والتَّاء للمبالغة (وَوَعَدَاهُ) ولأبي ذرٍّ: «وواعداه» بالألف (٥) قبل العين، فالأولى من الوعد، والثَّانية من المواعدة (غَارَ ثَوْرٍ) بالمُثلَّثة: كهفًا بجبلٍ أسفل مكَّة (بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلَا وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ) بضمِّ الفاء وفتح الهاء وبعد الياء السَّاكنة راءٌ مفتوحةٌ
(وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ) بكسر الدَّال المهملة وسكون الياء، من غير همزٍ (١)، هو عبد الله بن أُرَيْقِطٍ (فَأَخَذَ بِهِمْ) أي: أخذ بالنَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعامرٍ عبدُ الله بن أريقط (٢) الدَّليلُ، وفي نسخةٍ: «أسفل مكَّة» (وَهوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ) وفي «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥]: فأخذ بهم طريق السَّاحل، بدون (٣) لفظ: «وهو».
وهذا الحديث أخرجه في «باب الإجارة» [خ¦٢٢٦٤] و «الهجرة» [خ¦٣٩٠٥].
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اسْتَأْجَرَ) الرَّجل (أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ) عملًا (بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ) وجواب «إذا» قوله: (جَازَ) التَّآجر (وَهُمَا) أي: المؤجِر والمستأجر (عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِي اشْتَرَطَاهُ (٤) إِذَا جَاءَ الأَجَلُ) قال العينيُّ: وهو جائزٌ عند مالكٍ وأصحابه بعد اليوم أو اليومين، أو ما قرب إذا أنقده الأجرة، واختلفوا فيما إذا لم ينقده، فأجازه مالكٌ وابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز لأنَّه لا يدري أيعيش أم لا. وقياسه أن يستأجر منه منزلًا مدَّةً معلومةً قبل مجيء السَّنة بأيَّامٍ، كأن يقول: آجرتك الدَّار (٥) سنةً بعد عشرة أيَّامٍ، فمذهب الشَّافعيَّة عدم الصِّحَّة؛ لأنَّ منفعتها إذ ذاك غير مقدورة التَّسليم في الحال، فأشبه بيع العين على أن يسلِّمها غدًا، وهو بخلاف إجارة الذِّمَّة، فإنَّه يجوز فيها تأجيل العمل، كما في «السَّلم»، فلو آجر السَّنة الثَّانية لمستأجر الأولى قبل انقضائها جاز لاتِّصال المدَّتين مع اتِّحاد المستأجر، فهو كما لو آجرهما دفعةً واحدةً، بخلاف ما لو آجرها من غيره لعدم اتِّحاد المستأجر، وقال الحنفيَّة: إذا قال في شعبان مثلًا: آجرتك داري في أوَّل يومٍ من رمضان جاز مطلقًا؛ لأنَّ العقد يتحدَّد بحدوث المنافع، وهو مذهب المالكيَّة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
القيراط الَّذِي هُوَ جُزْء من الدِّينَار أَو الدِّرْهَم وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قراريط اسْم مَوضِع بِمَكَّة قرب جِيَاد وَلم يرد القراريط من النَّقْد وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ الَّذِي قَالَه الْحَرْبِيّ أصح وَهُوَ تبع فِي ذَلِك شَيْخه ابْن نَاصِر فَإِنَّهُ خطأ سويدا فِي تَفْسِيره وَقَالَ بَعضهم لَكِن رجح الأول لِأَن أهل مَكَّة لَا يعْرفُونَ مَكَانا يُقَال لَهُ قراريط (قلت) وَكَذَلِكَ لَا يعْرفُونَ القيراط الَّذِي هُوَ من النَّقْد وَلذَلِك جَاءَ فِي الصَّحِيح " ستفتحون أَرضًا يذكر فِيهَا القراط " وَلَكِن لَا يلْزم من عدم معرفتهم القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع والقراريط الَّتِي من النَّقْد لَا يكون للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك علم فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أخبر بِأَنَّهُ رعى الْغنم على قراريط علمُوا فِي ذَلِك الْوَقْت أَنَّهَا اسْم مَوضِع وَلم يَكُونُوا علمُوا بِهِ قبل ذَلِك لكَون هَذَا الِاسْم قد هجر اسْتِعْمَاله من قديم الزَّمَان فأظهره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي ذَلِك الْوَقْت وَيدل على تأييد ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن كلمة على فِي أصل وَضعهَا للاستعلاء والاستعلاء حَقِيقَة لَا يكون إِلَّا على القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع وعَلى القراريط من النَّقْد يكون بطرِيق الْمجَاز فَلَا يُصَار إِلَى الْمجَاز إِلَّا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة وَلَا تعذر هُنَا وَالثَّانِي جَاءَ فِي رِوَايَة كنت أرعى غنم أَهلِي بجياد وَهُوَ مَوضِع بِأَسْفَل مَكَّة فَهَذَا يدل على أَنه يرْعَى تَارَة بجياد وَتارَة بقراريط الَّذِي هُوَ الْمَكَان وَهَذَا يدل أَيْضا أَنه مَا كَانَ يرْعَى بِأُجْرَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا دخل للقراريط من النَّقْد فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت مَتى كَانَ هَذَا الرَّعْي فِي عمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قلت) علم بالاستقراء من كَلَام ابْن إِسْحَاق والواقدي أَنه كَانَ وَعَمه نَحْو الْعشْرين سنة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِيهِ (قلت) التقدمة والتوطئة فِي تَعْرِيفه سياسة الْعباد وَحُصُول التمرن على مَا سيكلف من الْقيام بِأَمْر أمته (فَإِن قلت) مَا وَجه تَخْصِيص الْغنم فِيهِ (قلت) لِأَنَّهَا أَضْعَف من غَيرهَا وأسرع انقيادا وَهِي من دَوَاب الْجنَّة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي ذكره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِك (قلت) إِظْهَار تواضعه لرَبه مَعَ كَونه أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وتنبيه أمته على مُلَازمَة التَّوَاضُع وَاجْتنَاب الْكبر وَلَو بلغ أقْصَى الْمنَازل الدنياوية وَفِيه أَيْضا اتِّبَاع لأخوته من الرُّسُل الَّذين رعوا الْغنم وَفِي حَدِيث للنسائي قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعث مُوسَى وَهُوَ راعي غنم وَبعث دَاوُد وَهُوَ راعي غنم عَلَيْهِمَا وَعَلِيهِ صلوَات الله وَسَلَامه دَائِما أبدا
(بَاب اسْتِئْجَار الْمُشْركين عِنْد الضَّرُورَة أَو إِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم استيجار الْمُسلمين أهل الشّرك عِنْد الضَّرُورَة وَهَذِه التَّرْجَمَة تشعر بِأَنَّهُ لَا يرى اسْتِئْجَار الْمُشرك سَوَاء كَانَ من أهل الذِّمَّة أَو من غَيرهم عِنْد عدم الضَّرُورَة إِلَّا عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى أحد مِنْهُم لأجل الضَّرُورَة نَحْو عدم وجود أحد من أهل الْإِسْلَام يَكْفِي ذَلِك أَو عِنْد عَدمه أصلا وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَإِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام وَقَوله " لم يُوجد " على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي بعض النّسخ " وَإِذا لم يجد على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي وَإِذا لم يجد الْمُسلم أحدا من أهل الْإِسْلَام لِأَن يستأجره وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف يعلم مِمَّا قبله لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ وَقد قَرَّرْنَاهُ (وعامل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر) مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامل يهود خَيْبَر على الْعَمَل فِي أرْضهَا إِذْ لم يُوجد من الْمُسلمين من يَنُوب منابهم فِي عمل الأَرْض فِي ذَلِك الْوَقْت وَلما قوي الْإِسْلَام اسْتغنى عَنْهُم حَتَّى أجلاهم عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَسقط بذلك قَول بَعضهم وَفِي استشهاده بِقصَّة مُعَاملَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر على أَن يزرعوها نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح بِالْمَقْصُودِ (قلت) كَيفَ يَنْفِي التَّصْرِيح بِالْمَقْصُودِ فِيهِ فَإِن مُعَامَلَته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر على الزِّرَاعَة فِي معنى استئجاره إيَّاهُم صَرِيحًا
٤ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا واستأجر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل ثمَّ من بني عبد بن عدي هاديا خريتا. الخريت الماهر بالهداية قد غمس يَمِين حلف فِي آل العَاصِي
ابْن وَائِل وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فأمناه فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما ووعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صَبِيحَة لَيَال ثَلَاث فارتحلا وَانْطَلق مَعَهُمَا عَامر بن فهَيْرَة وَالدَّلِيل الديلِي فَأخذ بهم وَهُوَ على طَرِيق السَّاحِل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي " واستأجر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل " وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ استأجرا هَذَا الرجل وَهُوَ مُشْرك إِذْ لم يجدا أحدا من أهل الْإِسْلَام وَقَول بَعضهم وَفِي استشهاده باستئجار الدَّلِيل الْمُشرك على ذَلِك نظر قَول واه صادر من غير ترو وَلَا تَأمل على مَا لَا يخفى وَهَذَا الحَدِيث يَأْتِي كَامِلا فِي أَوَاخِر كتاب الْإِجَارَة قَوْله " واستأجر " بواو الْعَطف إِنَّمَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا وَقع " اسْتَأْجر " بِدُونِ حرف الْعَطف وَهِي ثَابِتَة فِي الأَصْل فِي نفس الحَدِيث الطَّوِيل لِأَن الْقِصَّة معطوفة على قصَّة قبلهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي واستأجر ذكر بِالْوَاو إشعارا بِأَنَّهُ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر فِي حِكَايَة هِجْرَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فعطف هَذَا عَلَيْهَا (قلت) نسب بَعضهم الْكرْمَانِي فِي قَوْله هَذَا إِلَى الْوَهم حَيْثُ قَالَ وَوهم من زعم أَن المُصَنّف زَاد الْوَاو للتّنْبِيه على أَنه اقتطع هَذَا الْقدر من الحَدِيث انْتهى (قلت) هَذَا الْقَائِل وهم فِي نَقله كَلَام الْكرْمَانِي على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يقل بِأَن المُصَنّف زَاد الْوَاو إِلَى آخِره على هَذَا الْوَجْه وَمَا غر هَذَا الْقَائِل فِيمَا قَالَه إِلَّا قَول الْكرْمَانِي إشعارا وَقَوله فعطف هَذَا عَلَيْهَا وَأخذ مِنْهُمَا مَا ذهب إِلَيْهِ وهمه فنسبه إِلَى الْوَهم وَمعنى قَوْله إشعارا يَعْنِي للإشعار بِأَنَّهُ وَاو الْعَطف حَيْثُ قَالَ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر يَعْنِي من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَمعنى قَوْله فعطف هَذَا عَلَيْهَا يَعْنِي أظهر وَاو الْعَطف على الْكَلِمَات الَّتِي تقدّمت لَا أَنه زَاد المُصَنّف من عِنْده وَاو الْعَطف قَوْله " رجلا من بني الديل " وَاسم هَذَا الرجل عبد الله بن أَرقم فِيمَا قَالَه ابْن إِسْحَق وَقَالَ ابْن هِشَام عبد الله بن أريقط وَقَالَ مَالك اسْمه رقيط والديلي بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام وَقَالَ الرشاطي الديل فِي الأزد الديلِي بن هداء بن زيد وَفِي ثَعْلَب الديل بن زيد وَفِي إياد الديل بن أُميَّة وَفِي ضبة الديل بن ثَعْلَبَة وَفِي عبد الْقَيْس الديل بن عَمْرو وَالنِّسْبَة إِلَى ذَلِك كُله الديل بِكَسْر الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء من دَال يديل إِذا تعلق الشَّيْء وتحرك وَيُقَال مِنْهُ اندال يندال وَقَالَ ابْن هِشَام رجلا من بني الديلِي بن بكر وَكَانَت أمه من بني سهم بن عَمْرو وَكَانَ مُشْركًا قَوْله " من بني الديل " جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله رجلا قَوْله " ثمَّ من بني عبد بن عدي " وَعبد خلاف الْحر وعدي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء من بني بكر قَوْله " هاديا " صفة لرجلا أَيْضا من هداه الطَّرِيق إِذا أرشده إِلَيْهِ قَوْله " خريتا " أَيْضا صفة بعد صفة والخريت بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق وَهُوَ الماهر الَّذِي يَهْتَدِي لأخرات الْمَفَازَة وَهِي طرقها الْخفية ومضايقها وَقيل أَرَادَ بِهِ أَنه يَهْتَدِي لمثل خرت الإبرة من الطَّرِيق أَي ثقبها وَحكى الْكسَائي خرتنا الأَرْض إِذا عرفناها وَلم تخف علينا طرقها قَوْله " الخريت الماهر " بالهداية مدرج من قَول الزُّهْرِيّ قَوْله " قد غمس يَمِين حلف " أَي دخل فِي جُمْلَتهمْ وغمس نَفسه فِي ذَلِك وَالْحلف بِكَسْر الْحَاء الْعَهْد الَّذِي يكون بَين الْقَوْم وَإِنَّمَا قَالَ غمس إِمَّا لِأَن عَادَتهم أَنهم كَانُوا يغمسون أَيْديهم فِي المَاء وَنَحْوه عِنْد التَّحَالُف وَإِمَّا أَنه أَرَادَ بالغمس الشدَّة قَوْله " الْعَاصِ بن وَائِل " بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف وباللام وَيُقَال العَاصِي بِالْيَاءِ وبدونه وَآل الْعَاصِ هم بَنو سهم رَهْط من قُرَيْش قَوْله " فأمناه " أَي فأمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر الرجل من أمنت فلَانا فَهُوَ آمن وَذَاكَ مَأْمُون قَوْله " راحلتيهما " تَثْنِيَة رَاحِلَة وَهِي من الْإِبِل الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء وَالتَّاء فِيهَا للْمُبَالَغَة وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اشتراهما بثمانمائة دِرْهَم وَكَانَ حبسهما فِي دَاره يعلفها إعدادا للسَّفر قَالَ ابْن إِسْحَاق لما قرب أَبُو بكر الراحلتين إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قدم لَهُ أفضلهما فَقَالَ اركب يَا رَسُول الله فدَاك أبي وَأمي فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي لَا أركب بَعِيرًا لَيْسَ لي قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله بِأبي وَأمي قَالَ مَا الثّمن الَّذِي ابتعتها بِهِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَخَذتهَا بذلك " قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله وروى الْوَاقِدِيّ أَنه أَخذ
القصوى وروى ابْن عَسَاكِر بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت هِيَ الجدعاء فركبا وانطلقا وَأَرْدَفَ أَبُو بكر عَامر بن فهَيْرَة مَوْلَاهُ خَلفه للْخدمَة فِي الطَّرِيق قَوْله " غَار ثَوْر " الْغَار بالغين الْمُعْجَمَة الْكَهْف وثور اسْم الْحَيَوَان الْمَشْهُور جبل بِأَسْفَل مَكَّة وَفِيه الْغَار الَّذِي بَات فِيهِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر لما هاجرا قَوْله " مَعَهُمَا " أَي مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله " عَامر بن فهَيْرَة " بِضَم الْفَاء وَفتح الْهَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الرَّاء الْأَزْدِيّ وَكَانَ أسود اللَّوْن مَمْلُوكا للطفيل بن عبد الله فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر الصّديق مِنْهُ فَأعْتقهُ وَكَانَ دُخُوله فِي الْإِسْلَام قبل دُخُول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَار الأرقم وَكَانَ حسن الْإِسْلَام وَهَاجَر مَعَهُمَا إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ ثالثهما قتل يَوْم بِئْر مَعُونَة بِفَتْح الْمِيم وبالنون سنة أَربع من الْهِجْرَة قَوْله " فَأخذ بهم " أَي فَأخذ الدَّلِيل الديلِي بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأبي بكر وعامر بن فهَيْرَة أَي ملتبسا بهم قَوْله " وَهُوَ على طَرِيق السَّاحِل " أَي طَرِيق سَاحل الْبَحْر ويروى فَأخذ بهم طَرِيق سَاحل الْبَحْر (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ اسْتِئْجَار الْمُسلم الْكَافِر على هدايته الطَّرِيق قلت وعَلى غَيرهَا أَيْضا. وَفِيه اسْتِئْجَار الرجلَيْن الْوَاحِد على عمل وَاحِد لَهما. وَفِيه اسْتِئْجَار الرجل على أَن يدْخل فِي الْعَمَل بعد أَيَّام مَعْلُومَة فَيصح عقدهما قبل الْعَمَل وَقِيَاسه أَن يسْتَأْجر منزلا مُدَّة مَعْلُومَة قبل مَجِيء السّنة بأيام وَأَجَازَ مَالك وَأَصْحَابه اسْتِئْجَار الْأَجِير على أَن يعْمل بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ أَو مَا قرب هَذَا إِذا نَقده الْأُجْرَة وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا اسْتَأْجرهُ ليعْمَل بعد شهر أَو سنة وَلم ينقده فَأَجَازَهُ مَالك وَابْن الْقَاسِم وَقَالَ أَشهب لَا يجوز وَوَجهه أَنه لَا يدْرِي أيعيش الْمُسْتَأْجر أَو الدَّابَّة وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا يجوز فِي الرَّاحِلَة الْمعينَة والأجير الْمعِين وَأما إِذا كَانَ كِرَاء مَضْمُونا فَيجوز فِيهِ ضرب الْأَجَل الْبعيد وَتَقْدِيم رَأس المَال وَلَا يجوز أَن يتَأَخَّر رَأس المَال إِلَى الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة لِأَنَّهُ إِذا تَأَخّر كَانَ من بَاب بيع الدّين بِالدّينِ وَتَفْسِير الْكِرَاء الْمَضْمُون أَن يستأجره على حَملَة بِعَينهَا على غير دَابَّة مُعينَة وَالْإِجَارَة الْمَضْمُونَة أَن يستأجره على بِنَاء بَيت لَا يشْتَرط عَلَيْهِ عمل يَده ويصف لَهُ طوله وَعرضه وَجَمِيع آلَته على أَن الْمُؤْنَة فِيهِ كلهَا على الْعَامِل مَضْمُونا عَلَيْهِ حَتَّى يتمه فَإِن مَاتَ قبل تَمَامه كَانَ ذَلِك فِي مَاله وَلَا يضرّهُ بعد الْأَجَل وَفِيه ائتمان أهل الشّرك على السِّرّ وَالْمَال إِذا عهد مِنْهُم وَفَاء ومروءة كَمَا استأمن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذَا الْمُشرك لما كَانُوا عَلَيْهِ من بَقِيَّة دين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَإِن كَانَ من الْأَعْدَاء لكنه علم مِنْهُ مُرُوءَة وائتمنه من أجلهَا على سره فِي الْخُرُوج من مَكَّة وعَلى الناقتين اللَّتَيْنِ دفعهما إِلَيْهِ ليوافيهما بهما بعد ثَلَاث فِي غَار ثَوْر
(بَاب إِذا اسْتَأْجر أَجِيرا ليعْمَل لَهُ بعد ثَلَاثَة أَيَّام أَو بعد شهر أَو بعد سِتَّة أشهر أَو بعد سنة جَازَ وهما على شَرطهمَا الَّذِي اشترطاه إِذا جَاءَ الْأَجَل)
أَي هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا اسْتَأْجر شخص أَجِيرا إِلَى آخِره قَوْله " جَازَ " جَوَاب إِذا قَوْله " وهما " أَي الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر على شَرطهمَا قَوْله " إِذا جَاءَ الْأَجَل " أَي الْأَجَل الْمَضْرُوب الْمَذْكُور وَقد ذكرنَا خلاف مَالك وَأَصْحَابه فِيهِ
٥ - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل قَالَ ابْن شهَاب فَأَخْبرنِي عُرْوَة بن الزبير أَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا زوج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت واستأجر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما وواعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال براحلتيهما صبح ثَلَاث) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اسْتِئْجَار النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الرجل الْمَذْكُور على أَن ينظر فِي أَمر راحلتيهما ثَلَاثَة أَيَّام وَأَن يحضرهما بعد ثَلَاثَة أَيَّام عِنْد غَار ثَوْر ثمَّ خدمهما بِمَا قصداه من الدّلَالَة على الطَّرِيق بعد تِلْكَ الثَّلَاثَة