«مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٦٢

الحديث رقم ٢٢٦٢ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب رعي الغنم على قراريط.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. فقال…

«مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ، فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ.»

سند حديث: ٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ…

٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. فقال…

كل الأنبياء رعوا الغنم في حياتهم، وظاهر الحديث أن ذلك قبل النبوة، لذلك قال العلماء: الحكمة من ذلك أن يتمرن الإنسان على رعاية الخلق وتوجيههم إلى ما فيه الصلاح؛ لأن الراعي للغنم تارة يوجهها للمرعى وتارة يبقيها واقفة وتارة يردها إلى المراح، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- سيرعى الأمة ويوجهها إلى الخير عن علم وهدى وبصيرة كالراعي الذي عنده علم بالمراعي الحسنة، وعنده نصح وتوجيه للغنم إلى ما فيه خيرها، وما فيه غذاؤها وسقاؤها.
واختيرت الغنم لأن صاحب الغنم متصف بالسكينة والهدوء والاطمئنان بخلاف الإبل، فإن أصحابها في الغالب عندهم شدة وغلظة، لأن الإبل كذلك فيها الشدة والغلظة، فلهذا اختار الله سبحانه وتعالى لرسله أن يرعوا الغنم حتى يتعودوا ويتمرنوا على رعاية الخلق.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تواضع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- باشتغالهم بأبسط الحِرَف.
  • يستحب للعبد أن يتكسب ويطلب الرزق وإن قل، ففيه البركة لمن قنع، ويجب أن يتحرى في ذلك أن يكون حلالًا.
  • الحكمة من رعي الأنبياء الغنم؛ ليتمرنوا بذلك على سياسة الأمم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم. فقال…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَلِذَلِكَ قَالَ : لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَنْعُ تَوْلِيَةِ مَنْ يَحْرِصُ عَلَى الْوِلَايَةِ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ، وَإِلَى التَّحْرِيمِ جَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.

٢ - بَاب رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ

٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ) عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ وَهِيَ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ الْمُعَارِضَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا هُنَا لِلظَّرْفِيَّةِ كَمَا سَنُبَيِّنُ.

قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ) وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَّا رَاعَى الْغَنَمَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْمَنِيعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، قَالَ سُوَيْدٌ أَحَدُ رُوَاتِهِ: يَعْنِي: كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ، يَعْنِي: الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قَرَارِيطُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُرِدِ الْقَرَارِيطَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَبَعًا لِابْنِ نَاصِرٍ وَخَطَّأَ سُوَيْدًا فِي تَفْسِيرِهِ، لَكِنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا يَعْرِفُونَ بِهَا مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: قَرَارِيطُ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ قَالَ: افْتَخَرَ أَهْلُ الْإِبِلِ وَأَهْلُ الْغَنَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثَ دَاوُدُ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثْتُ وَأَنَا أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي بِجِيَادٍ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِيهِ رَدًّا لِتَأْوِيلِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَرْعَى بِالْأُجْرَةِ لِأَهْلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكَانَ فَعَبَّرَ تَارَةً بِجِيَادٍ وَتَارَةً بِقَرَارِيطَ. وَلَيْسَ الرَّدُّ بِجَيِّدٍ إِذْ لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ أَنْ يَرْعَى لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ وَلِغَيْرِهِمْ بِأُجْرَةٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَهْلِي أَهْلُ مَكَّةَ فَيَتَّحِدُ الْخَبَرَانِ وَيَكُونُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ بَيَّنَ الْأُجْرَةَ وَفِي الْآخَرِ بَيَّنَ الْمَكَانَ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ مِنَ النَّقْدِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: يَسْتَفْتِحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَالُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ نَفْيِ الْمَعْرِفَةِ بِوَاضِحٍ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِلْهَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رَعْيِ الْغَنَمِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَرُّنُ بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أُمَّتِهِمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتِهَا مَا يُحَصِّلُ لَهُمُ الْحِلْمَ وَالشَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَعْيِهَا وَجَمْعِهَا بَعْدَ تَفَرُّقِهَا فِي الْمَرْعَى وَنَقْلِهَا مِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَسْرَحٍ وَدَفْعِ عَدُوِّهَا مِنْ سَبُعٍ وَغَيْرِهِ كَالسَّارِقِ، وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعَهَا وَشِدَّةَ تَفَرُّقِهَا مَعَ ضَعْفِهَا وَاحْتِيَاجِهَا إِلَى الْمُعَاهَدَةِ أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْرَ عَلَى الْأُمَّةِ وَعَرَفُوا اخْتِلَافَ طِبَاعَهَا وَتَفَاوُتَ عُقُولِهَا فَجَبَرُوا كَسْرَهَا وَرَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا التَّعَاهُدَ لَهَا فَيَكُونُ تَحَمُّلُهُمْ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ أَسْهَلَ مِمَّا لَوْ كُلِّفُوا الْقِيَامَ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ التَّدْرِيجِ عَلَى ذَلِكَ بِرَعْيِ الْغَنَمِ، وَخُصَّتِ الْغَنَمُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا أَضْعَفَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ تَفَرُّقَهَا أَكْثَرُ مِنْ تَفَرُّقِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ لِإِمْكَانِ ضَبْطِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ بِالرَّبْطِ دُونَهَا فِي الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ، وَمَعَ أَكْثَرِيَّةِ تَفَرُّقِهَا فَهِيَ أَسْرَعُ انْقِيَادًا مِنْ غَيْرِهَا.

وَفِي ذِكْرِ النَّبِيِّ لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عُلِمَ كَوْنُهُ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَظِيمِ التَّوَاضُعِ لِرَبِّهِ وَالتَّصْرِيحِ بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ما أطلعاني على ما في أنفُسِهما وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، فكأنِّي أنظر إلى سِواكه تحت شفته قَلَصَتْ، أي: انزوت (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ (١): «قال»: (لَنْ) بالنُّون (أَوْ) قال: (لَا) بالألف، شكٌّ من (٢) الرَّاوي (نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) لِمَا فيه من التُّهمة بسبب حرصه، ولأنَّ من سأل الولاية وُكِلَ إليها ولا يُعان عليها، وفي نسخة الميدوميِّ: «إنَّا لا نستعمل»، وذكر السَّفاقسيُّ: أنَّ في بعض النُّسخ: «لن أُوَلِّي نستعمل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو وتشديد اللَّام مع كسرها، فعلٌ مستقبلٌ، من الولاية، قال القطب الحلبيُّ: فعلى هذه الرِّواية يكون لفظ «نستعمل» زائدًا، ويكون تقدير الكلام: لن أولِّي على عملنا، وقد وقع هذا الحديث في «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] من طريق بُرَيد (٣) بن عبد الله عن (٤) أبي بردة بلفظ: «إنَّا لا نولِّي على عملنا»، وهو يعضد (٥) هذا التَّقدير، قاله ابن حجرٍ، ولمَّا كان في الغالب أنَّ الذي يطلب العمل إنَّما يطلبه لأجرةٍ طابق ذلك ما ترجم له.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٦١] و «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] وفي «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القضاء».

(٢) (بابُ رَعْيِ الغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ) جمع قيراطٍ، وهو نصف دانقٍ (٦)، أو نصف عشر الدِّينار، أو جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا.

٢٢٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأزرقيُّ القوَّاس (المَكِّيُّ) صاحب «أخبار مكَّة» قال:

(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا راعِيَ الغنم» بألفٍ (١) بعد الرَّاء وكسر العين (فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟) بحذف همزة الاستفهام، أي: أَوَ أنت (٢) أيضا رَعَيْتَها؟ (فَقَالَ) : (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) وفي رواية ابن ماجه عن سُوَيد بن سعيدٍ عن عمرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مكَّة بالقراريط. وقال سويدٌ شيخ ابن ماجه: يعني: كلَّ شاةٍ بقيراطٍ، يعني: القيراط الذي هو جزءٌ من الدِّينار أو الدِّرهم، وقال أبو إسحاق الحربيُّ: قراريط (٣) اسم موضعٍ بمكَّة، وصحَّحه ابن الجوزيِّ كابن ناصرٍ، وأيَّده مغلطاي: بأنَّ العرب لم تكن تعرف القيراط، قال ابن حجرٍ: لكنَّ الأرجح الأوَّل؛ لأنَّ أهل مكَّة لا تعرف بها مكانًا يُقال له: قراريط. انتهى. وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف (٤) القيراط الذي هو من النَّقد، ولذا قال -كما في «الصَّحيح» -: «تفتحون أرضًا يُذكَر فيها القيراط»، لكن لا يلزم من عدم معرفتهم لهما أن يكون النَّبيُّ لا يعرف ذلك، والحكمة في إلهامهم صلوات الله وسلامه عليهم رعي الغنم قبل النُّبوَّة؛ ليحصل لهم التَّمرُّن برعيها على ما يُكلَّفونه من القيام بأمر أمَّتهم، ولأنَّ في

مخالطتها زيادة الحِلْمِ والشَّفقة؛ لأنَّهم إذا صبروا على مشقَّة الرَّعي، ودفعوا عنها السِّباع الضَّارية والأيدي الخاطفة، وعلموا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النَّقل من مرعًى إلى مرعًى، ومن مسرحٍ إلى مسرحٍ (١)، فرفقوا بضعيفها وأحسنوا تعاهدها، فهو توطئةٌ لتعريفهم سياسة أممهم، وخصَّ الغنم لأنَّها أضعف من غيرها، وفي ذكره لذلك بعد أن علم أنَّه أشرف خلق الله تعالى ما فيه من التَّواضع والتَّصريح بمنَّته عليه.

وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٢) في «التِّجارات».

(٣) (بابُ اسْتِئْجَارِ) المسلمين (المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) أي: عند عدم وجود مسلمٍ (أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلَامِ) وفي نسخةٍ: «عند الضَّرورة إذا لم يجد أهل الإسلام» (وَعَامَلَ النَّبِيُّ يَهُودَ خَيْبَرَ) على العمل في أرضها إذا (٣) لم يجد أحدًا من المسلمين ينوب منابهم في ذلك، قال ابن بطَّالٍ: عامَّة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضَّرورة وغيرها؛ لِمَا في ذلك من المذلَّة لهم، وإنَّما الممتنع أن يؤاجر (٤) المسلم نفسه من المشرك؛ لِمَا فيه من إذلاله (٥).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِبَعْضِه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْقَضَاء عَن عَمْرو بن عَليّ، خمستهم عَن يحيى بن سعيد بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ومعى) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) أَي: من الْجَمَاعَة الْأَشْعَرِيين، والأشعري نِسْبَة إِلَى الْأَشْعر وَهُوَ نبت بن أدد بن يشحب بن عريب بن يزِيد بن كهلان، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْأَشْعَرِيّ، لِأَن أمه وَلدته وَهُوَ أشعر. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَي: فَقلت: يَا رَسُول الله! مَا علمت أَنَّهُمَا أَي: أَن الرجلَيْن يطلبان الْعَمَل. وَسَيَجِيءُ فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَفِيه: معي رجلَانِ من الْأَشْعَرِيين وَكِلَاهُمَا سَأَلَا، أَي: الْعَمَل، فَقلت: وَالَّذِي بَعثك مَا أطلعت على مَا فِي أَنفسهمَا وَلَا علمت أَنَّهُمَا يطلبان الْعَمَل ... الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالَ: لن أَو لَا) أَي: فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لن نستعمل على عَملنَا من أَرَادَهُ) ، وَقَوله: أوَ، لَشك الرَّاوِي، أَي: لَا نولي من أَرَادَ الْعَمَل. وَذكر ابْن التِّين أَنه ضبط فِي بعض النّسخ: لن أولي، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة، مضارع فعل من التَّوْلِيَة. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي: فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون لفظ: نستعمل، زَائِد، أَو يكون تَقْدِير الْكَلَام: لن أولى على عَملنَا، وَقد وَقع هَذَا الحَدِيث فِي الْأَحْكَام من طَرِيق بريد بن عبد الله عَن أبي بردة بِلَفْظ: إِنَّا لَا نولي على عَملنَا، وَهَذَا يُؤَيّد مَا ذكره الشَّيْخ قطب الدّين، رَحمَه الله. وَقَالَ ابْن بطال: لما كَانَ طلب العمالة دلَالَة على الْحِرْص وَجب أَن يحْتَرز من الْحَرِيص عَلَيْهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا نهي، وَظَاهره التَّحْرِيم، كَمَا قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تسْأَل الْإِمَارَة وَإِنَّا وَالله لَا نولي على عَملنَا هَذَا أحدا يسْأَله ويحرص عَلَيْهِ) ، فَلَمَّا أعرض عَنْهُمَا وَلم يولهما لحرصهما، ولى أَبَا مُوسَى الَّذِي لَا يحرص عَلَيْهَا والسائل الْحَرِيص يُوكل إِلَيْهَا وَلَا يعان عَلَيْهَا.

٢ - (بابُ رَعْي الغَنمِ عَلى قَرَارِيطَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رعي الْغنم على قراريط، وَهُوَ جمع قراط بتَشْديد الرَّاء فأبدل أحد حرفي التَّضْعِيف يَاء، وَمثل هَذَا كثير فِي لُغَة الْعَرَب، والقيراط نصف دانق، وَقيل: هُوَ نصف عشر الدِّينَار، وَقيل: هُوَ جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جُزْءا، وَقَالَ بَعضهم: على، هُنَا بِمَعْنى: الْبَاء، وَهِي للسَّبَبِيَّة أَو الْمُعَاوضَة، وَقيل: إِنَّهَا للظرفية. قلت: تَجِيء، على، بِمَعْنى: الْبَاء، نَحْو: حقيق عَليّ أَن لَا أَقُول، وَقد قَرَأَهُ أبي بِالْبَاء، وَلَكِن كَونهَا للسَّبَبِيَّة غير بعيد، وَكَذَلِكَ كَونهَا للمعاوضة، إِلَّا أَن كَونهَا للظرفية بعيد أللهم إلَاّ أَن يُقَال: إِن القراريط، إسم مَوضِع.

٢٦٢٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ جَدِّهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا بَعَثَ الله نَبِيَّا إلَاّ رَعَى الغَنَمَ فَقَالَ أصْحَابُهُ وأنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أرْعَاهَا عَلى قرَاريطَ لأِهْلِ مَكَّةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت أرعاها على قراريط لأهل مَكَّة) .

ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْأَزْرَقِيّ، وَيُقَال: الزرقي. الثَّانِي: عَمْرو بن يحيى بن سعيد. الثَّالِث: جده سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه من أَفْرَاده، وهما مكيان، وَأَن سعيد بن عَمْرو جد عَمْرو بن يحيى مدنِي الأَصْل، كَانَ مَعَ أَبِيه إِذْ غلب على دمشق، فَلَمَّا قتل أَبوهُ سيره عبد الْملك بن مَرْوَان مَعَ أهل بَيته إِلَى الْحجاز ثمَّ سكن الْكُوفَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مر فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ.

والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي التِّجَارَات عَن سُوَيْد بن سعيد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إلَاّ راعي الْغنم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إلَاّ راعي الْغنم. قَوْله: (وَأَنت) ، أَي: وَأَنت أَيْضا رعيت الْغنم، فَقَالَ: نعم. قَوْله: (على قراريط) ، وَاخْتلف فِي القراريط، فَقيل: هِيَ قراريط النقط، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن سُوَيْد بن سعيد عَن عَمْرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مَكَّة بالقراريط، وَقَالَ سُوَيْد: شيخ ابْن ماجة، يَعْنِي: كل شَاة بقيراط، يَعْنِي:

القيراط الَّذِي هُوَ جُزْء من الدِّينَار أَو الدِّرْهَم وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قراريط اسْم مَوضِع بِمَكَّة قرب جِيَاد وَلم يرد القراريط من النَّقْد وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ الَّذِي قَالَه الْحَرْبِيّ أصح وَهُوَ تبع فِي ذَلِك شَيْخه ابْن نَاصِر فَإِنَّهُ خطأ سويدا فِي تَفْسِيره وَقَالَ بَعضهم لَكِن رجح الأول لِأَن أهل مَكَّة لَا يعْرفُونَ مَكَانا يُقَال لَهُ قراريط (قلت) وَكَذَلِكَ لَا يعْرفُونَ القيراط الَّذِي هُوَ من النَّقْد وَلذَلِك جَاءَ فِي الصَّحِيح " ستفتحون أَرضًا يذكر فِيهَا القراط " وَلَكِن لَا يلْزم من عدم معرفتهم القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع والقراريط الَّتِي من النَّقْد لَا يكون للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك علم فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أخبر بِأَنَّهُ رعى الْغنم على قراريط علمُوا فِي ذَلِك الْوَقْت أَنَّهَا اسْم مَوضِع وَلم يَكُونُوا علمُوا بِهِ قبل ذَلِك لكَون هَذَا الِاسْم قد هجر اسْتِعْمَاله من قديم الزَّمَان فأظهره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي ذَلِك الْوَقْت وَيدل على تأييد ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن كلمة على فِي أصل وَضعهَا للاستعلاء والاستعلاء حَقِيقَة لَا يكون إِلَّا على القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع وعَلى القراريط من النَّقْد يكون بطرِيق الْمجَاز فَلَا يُصَار إِلَى الْمجَاز إِلَّا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة وَلَا تعذر هُنَا وَالثَّانِي جَاءَ فِي رِوَايَة كنت أرعى غنم أَهلِي بجياد وَهُوَ مَوضِع بِأَسْفَل مَكَّة فَهَذَا يدل على أَنه يرْعَى تَارَة بجياد وَتارَة بقراريط الَّذِي هُوَ الْمَكَان وَهَذَا يدل أَيْضا أَنه مَا كَانَ يرْعَى بِأُجْرَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا دخل للقراريط من النَّقْد فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت مَتى كَانَ هَذَا الرَّعْي فِي عمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قلت) علم بالاستقراء من كَلَام ابْن إِسْحَاق والواقدي أَنه كَانَ وَعَمه نَحْو الْعشْرين سنة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِيهِ (قلت) التقدمة والتوطئة فِي تَعْرِيفه سياسة الْعباد وَحُصُول التمرن على مَا سيكلف من الْقيام بِأَمْر أمته (فَإِن قلت) مَا وَجه تَخْصِيص الْغنم فِيهِ (قلت) لِأَنَّهَا أَضْعَف من غَيرهَا وأسرع انقيادا وَهِي من دَوَاب الْجنَّة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي ذكره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِك (قلت) إِظْهَار تواضعه لرَبه مَعَ كَونه أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وتنبيه أمته على مُلَازمَة التَّوَاضُع وَاجْتنَاب الْكبر وَلَو بلغ أقْصَى الْمنَازل الدنياوية وَفِيه أَيْضا اتِّبَاع لأخوته من الرُّسُل الَّذين رعوا الْغنم وَفِي حَدِيث للنسائي قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعث مُوسَى وَهُوَ راعي غنم وَبعث دَاوُد وَهُوَ راعي غنم عَلَيْهِمَا وَعَلِيهِ صلوَات الله وَسَلَامه دَائِما أبدا

(بَاب اسْتِئْجَار الْمُشْركين عِنْد الضَّرُورَة أَو إِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم استيجار الْمُسلمين أهل الشّرك عِنْد الضَّرُورَة وَهَذِه التَّرْجَمَة تشعر بِأَنَّهُ لَا يرى اسْتِئْجَار الْمُشرك سَوَاء كَانَ من أهل الذِّمَّة أَو من غَيرهم عِنْد عدم الضَّرُورَة إِلَّا عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى أحد مِنْهُم لأجل الضَّرُورَة نَحْو عدم وجود أحد من أهل الْإِسْلَام يَكْفِي ذَلِك أَو عِنْد عَدمه أصلا وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَإِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام وَقَوله " لم يُوجد " على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي بعض النّسخ " وَإِذا لم يجد على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي وَإِذا لم يجد الْمُسلم أحدا من أهل الْإِسْلَام لِأَن يستأجره وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف يعلم مِمَّا قبله لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ وَقد قَرَّرْنَاهُ (وعامل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر) مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامل يهود خَيْبَر على الْعَمَل فِي أرْضهَا إِذْ لم يُوجد من الْمُسلمين من يَنُوب منابهم فِي عمل الأَرْض فِي ذَلِك الْوَقْت وَلما قوي الْإِسْلَام اسْتغنى عَنْهُم حَتَّى أجلاهم عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَسقط بذلك قَول بَعضهم وَفِي استشهاده بِقصَّة مُعَاملَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر على أَن يزرعوها نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح بِالْمَقْصُودِ (قلت) كَيفَ يَنْفِي التَّصْرِيح بِالْمَقْصُودِ فِيهِ فَإِن مُعَامَلَته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر على الزِّرَاعَة فِي معنى استئجاره إيَّاهُم صَرِيحًا

٤ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا واستأجر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل ثمَّ من بني عبد بن عدي هاديا خريتا. الخريت الماهر بالهداية قد غمس يَمِين حلف فِي آل العَاصِي

ابْن وَائِل وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فأمناه فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما ووعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صَبِيحَة لَيَال ثَلَاث فارتحلا وَانْطَلق مَعَهُمَا عَامر بن فهَيْرَة وَالدَّلِيل الديلِي فَأخذ بهم وَهُوَ على طَرِيق السَّاحِل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي " واستأجر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل " وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ استأجرا هَذَا الرجل وَهُوَ مُشْرك إِذْ لم يجدا أحدا من أهل الْإِسْلَام وَقَول بَعضهم وَفِي استشهاده باستئجار الدَّلِيل الْمُشرك على ذَلِك نظر قَول واه صادر من غير ترو وَلَا تَأمل على مَا لَا يخفى وَهَذَا الحَدِيث يَأْتِي كَامِلا فِي أَوَاخِر كتاب الْإِجَارَة قَوْله " واستأجر " بواو الْعَطف إِنَّمَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا وَقع " اسْتَأْجر " بِدُونِ حرف الْعَطف وَهِي ثَابِتَة فِي الأَصْل فِي نفس الحَدِيث الطَّوِيل لِأَن الْقِصَّة معطوفة على قصَّة قبلهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي واستأجر ذكر بِالْوَاو إشعارا بِأَنَّهُ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر فِي حِكَايَة هِجْرَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فعطف هَذَا عَلَيْهَا (قلت) نسب بَعضهم الْكرْمَانِي فِي قَوْله هَذَا إِلَى الْوَهم حَيْثُ قَالَ وَوهم من زعم أَن المُصَنّف زَاد الْوَاو للتّنْبِيه على أَنه اقتطع هَذَا الْقدر من الحَدِيث انْتهى (قلت) هَذَا الْقَائِل وهم فِي نَقله كَلَام الْكرْمَانِي على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يقل بِأَن المُصَنّف زَاد الْوَاو إِلَى آخِره على هَذَا الْوَجْه وَمَا غر هَذَا الْقَائِل فِيمَا قَالَه إِلَّا قَول الْكرْمَانِي إشعارا وَقَوله فعطف هَذَا عَلَيْهَا وَأخذ مِنْهُمَا مَا ذهب إِلَيْهِ وهمه فنسبه إِلَى الْوَهم وَمعنى قَوْله إشعارا يَعْنِي للإشعار بِأَنَّهُ وَاو الْعَطف حَيْثُ قَالَ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر يَعْنِي من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَمعنى قَوْله فعطف هَذَا عَلَيْهَا يَعْنِي أظهر وَاو الْعَطف على الْكَلِمَات الَّتِي تقدّمت لَا أَنه زَاد المُصَنّف من عِنْده وَاو الْعَطف قَوْله " رجلا من بني الديل " وَاسم هَذَا الرجل عبد الله بن أَرقم فِيمَا قَالَه ابْن إِسْحَق وَقَالَ ابْن هِشَام عبد الله بن أريقط وَقَالَ مَالك اسْمه رقيط والديلي بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام وَقَالَ الرشاطي الديل فِي الأزد الديلِي بن هداء بن زيد وَفِي ثَعْلَب الديل بن زيد وَفِي إياد الديل بن أُميَّة وَفِي ضبة الديل بن ثَعْلَبَة وَفِي عبد الْقَيْس الديل بن عَمْرو وَالنِّسْبَة إِلَى ذَلِك كُله الديل بِكَسْر الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء من دَال يديل إِذا تعلق الشَّيْء وتحرك وَيُقَال مِنْهُ اندال يندال وَقَالَ ابْن هِشَام رجلا من بني الديلِي بن بكر وَكَانَت أمه من بني سهم بن عَمْرو وَكَانَ مُشْركًا قَوْله " من بني الديل " جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله رجلا قَوْله " ثمَّ من بني عبد بن عدي " وَعبد خلاف الْحر وعدي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء من بني بكر قَوْله " هاديا " صفة لرجلا أَيْضا من هداه الطَّرِيق إِذا أرشده إِلَيْهِ قَوْله " خريتا " أَيْضا صفة بعد صفة والخريت بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق وَهُوَ الماهر الَّذِي يَهْتَدِي لأخرات الْمَفَازَة وَهِي طرقها الْخفية ومضايقها وَقيل أَرَادَ بِهِ أَنه يَهْتَدِي لمثل خرت الإبرة من الطَّرِيق أَي ثقبها وَحكى الْكسَائي خرتنا الأَرْض إِذا عرفناها وَلم تخف علينا طرقها قَوْله " الخريت الماهر " بالهداية مدرج من قَول الزُّهْرِيّ قَوْله " قد غمس يَمِين حلف " أَي دخل فِي جُمْلَتهمْ وغمس نَفسه فِي ذَلِك وَالْحلف بِكَسْر الْحَاء الْعَهْد الَّذِي يكون بَين الْقَوْم وَإِنَّمَا قَالَ غمس إِمَّا لِأَن عَادَتهم أَنهم كَانُوا يغمسون أَيْديهم فِي المَاء وَنَحْوه عِنْد التَّحَالُف وَإِمَّا أَنه أَرَادَ بالغمس الشدَّة قَوْله " الْعَاصِ بن وَائِل " بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف وباللام وَيُقَال العَاصِي بِالْيَاءِ وبدونه وَآل الْعَاصِ هم بَنو سهم رَهْط من قُرَيْش قَوْله " فأمناه " أَي فأمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر الرجل من أمنت فلَانا فَهُوَ آمن وَذَاكَ مَأْمُون قَوْله " راحلتيهما " تَثْنِيَة رَاحِلَة وَهِي من الْإِبِل الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء وَالتَّاء فِيهَا للْمُبَالَغَة وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اشتراهما بثمانمائة دِرْهَم وَكَانَ حبسهما فِي دَاره يعلفها إعدادا للسَّفر قَالَ ابْن إِسْحَاق لما قرب أَبُو بكر الراحلتين إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قدم لَهُ أفضلهما فَقَالَ اركب يَا رَسُول الله فدَاك أبي وَأمي فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي لَا أركب بَعِيرًا لَيْسَ لي قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله بِأبي وَأمي قَالَ مَا الثّمن الَّذِي ابتعتها بِهِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَخَذتهَا بذلك " قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله وروى الْوَاقِدِيّ أَنه أَخذ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَلِذَلِكَ قَالَ : لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَنْعُ تَوْلِيَةِ مَنْ يَحْرِصُ عَلَى الْوِلَايَةِ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ، وَإِلَى التَّحْرِيمِ جَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.

٢ - بَاب رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ

٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ) عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ وَهِيَ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ الْمُعَارِضَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا هُنَا لِلظَّرْفِيَّةِ كَمَا سَنُبَيِّنُ.

قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ) وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَّا رَاعَى الْغَنَمَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: كُنْتُ أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ وَكَذَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْمَنِيعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، قَالَ سُوَيْدٌ أَحَدُ رُوَاتِهِ: يَعْنِي: كُلَّ شَاةٍ بِقِيرَاطٍ، يَعْنِي: الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قَرَارِيطُ اسْمُ مَوْضِعٍ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُرِدِ الْقَرَارِيطَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ تَبَعًا لِابْنِ نَاصِرٍ وَخَطَّأَ سُوَيْدًا فِي تَفْسِيرِهِ، لَكِنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا يَعْرِفُونَ بِهَا مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: قَرَارِيطُ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ قَالَ: افْتَخَرَ أَهْلُ الْإِبِلِ وَأَهْلُ الْغَنَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثَ دَاوُدُ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثْتُ وَأَنَا أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي بِجِيَادٍ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِيهِ رَدًّا لِتَأْوِيلِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَرْعَى بِالْأُجْرَةِ لِأَهْلِهِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكَانَ فَعَبَّرَ تَارَةً بِجِيَادٍ وَتَارَةً بِقَرَارِيطَ. وَلَيْسَ الرَّدُّ بِجَيِّدٍ إِذْ لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ أَنْ يَرْعَى لِأَهْلِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ وَلِغَيْرِهِمْ بِأُجْرَةٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَهْلِي أَهْلُ مَكَّةَ فَيَتَّحِدُ الْخَبَرَانِ وَيَكُونُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ بَيَّنَ الْأُجْرَةَ وَفِي الْآخَرِ بَيَّنَ الْمَكَانَ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ الْقِيرَاطَ الَّذِي هُوَ مِنَ النَّقْدِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: يَسْتَفْتِحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَالُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ نَفْيِ الْمَعْرِفَةِ بِوَاضِحٍ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِلْهَامِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رَعْيِ الْغَنَمِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمُ التَّمَرُّنُ بِرَعْيِهَا عَلَى مَا يُكَلَّفُونَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ أُمَّتِهِمْ، وَلِأَنَّ فِي مُخَالَطَتِهَا مَا يُحَصِّلُ لَهُمُ الْحِلْمَ وَالشَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا صَبَرُوا عَلَى رَعْيِهَا وَجَمْعِهَا بَعْدَ تَفَرُّقِهَا فِي الْمَرْعَى وَنَقْلِهَا مِنْ مَسْرَحٍ إِلَى مَسْرَحٍ وَدَفْعِ عَدُوِّهَا مِنْ سَبُعٍ وَغَيْرِهِ كَالسَّارِقِ، وَعَلِمُوا اخْتِلَافَ طِبَاعَهَا وَشِدَّةَ تَفَرُّقِهَا مَعَ ضَعْفِهَا وَاحْتِيَاجِهَا إِلَى الْمُعَاهَدَةِ أَلِفُوا مِنْ ذَلِكَ الصَّبْرَ عَلَى الْأُمَّةِ وَعَرَفُوا اخْتِلَافَ طِبَاعَهَا وَتَفَاوُتَ عُقُولِهَا فَجَبَرُوا كَسْرَهَا وَرَفَقُوا بِضَعِيفِهَا وَأَحْسَنُوا التَّعَاهُدَ لَهَا فَيَكُونُ تَحَمُّلُهُمْ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ أَسْهَلَ مِمَّا لَوْ كُلِّفُوا الْقِيَامَ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لِمَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ التَّدْرِيجِ عَلَى ذَلِكَ بِرَعْيِ الْغَنَمِ، وَخُصَّتِ الْغَنَمُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا أَضْعَفَ مِنْ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ تَفَرُّقَهَا أَكْثَرُ مِنْ تَفَرُّقِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ لِإِمْكَانِ ضَبْطِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ بِالرَّبْطِ دُونَهَا فِي الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ، وَمَعَ أَكْثَرِيَّةِ تَفَرُّقِهَا فَهِيَ أَسْرَعُ انْقِيَادًا مِنْ غَيْرِهَا.

وَفِي ذِكْرِ النَّبِيِّ لِذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عُلِمَ كَوْنُهُ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَظِيمِ التَّوَاضُعِ لِرَبِّهِ وَالتَّصْرِيحِ بِمِنَّتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ما أطلعاني على ما في أنفُسِهما وما شعرت أنَّهما يطلبان العمل، فكأنِّي أنظر إلى سِواكه تحت شفته قَلَصَتْ، أي: انزوت (فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ (١): «قال»: (لَنْ) بالنُّون (أَوْ) قال: (لَا) بالألف، شكٌّ من (٢) الرَّاوي (نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ) لِمَا فيه من التُّهمة بسبب حرصه، ولأنَّ من سأل الولاية وُكِلَ إليها ولا يُعان عليها، وفي نسخة الميدوميِّ: «إنَّا لا نستعمل»، وذكر السَّفاقسيُّ: أنَّ في بعض النُّسخ: «لن أُوَلِّي نستعمل» بضمِّ الهمزة وفتح الواو وتشديد اللَّام مع كسرها، فعلٌ مستقبلٌ، من الولاية، قال القطب الحلبيُّ: فعلى هذه الرِّواية يكون لفظ «نستعمل» زائدًا، ويكون تقدير الكلام: لن أولِّي على عملنا، وقد وقع هذا الحديث في «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] من طريق بُرَيد (٣) بن عبد الله عن (٤) أبي بردة بلفظ: «إنَّا لا نولِّي على عملنا»، وهو يعضد (٥) هذا التَّقدير، قاله ابن حجرٍ، ولمَّا كان في الغالب أنَّ الذي يطلب العمل إنَّما يطلبه لأجرةٍ طابق ذلك ما ترجم له.

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الإجارة» [خ¦٢٢٦١] و «الأحكام» [خ¦٧١٤٩] وفي «استتابة المرتدِّين» [خ¦٦٩٢٣]، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «القضاء».

(٢) (بابُ رَعْيِ الغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ) جمع قيراطٍ، وهو نصف دانقٍ (٦)، أو نصف عشر الدِّينار، أو جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جزءًا.

٢٢٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأزرقيُّ القوَّاس (المَكِّيُّ) صاحب «أخبار مكَّة» قال:

(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم (عَنْ جَدِّهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا راعِيَ الغنم» بألفٍ (١) بعد الرَّاء وكسر العين (فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟) بحذف همزة الاستفهام، أي: أَوَ أنت (٢) أيضا رَعَيْتَها؟ (فَقَالَ) : (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ) وفي رواية ابن ماجه عن سُوَيد بن سعيدٍ عن عمرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مكَّة بالقراريط. وقال سويدٌ شيخ ابن ماجه: يعني: كلَّ شاةٍ بقيراطٍ، يعني: القيراط الذي هو جزءٌ من الدِّينار أو الدِّرهم، وقال أبو إسحاق الحربيُّ: قراريط (٣) اسم موضعٍ بمكَّة، وصحَّحه ابن الجوزيِّ كابن ناصرٍ، وأيَّده مغلطاي: بأنَّ العرب لم تكن تعرف القيراط، قال ابن حجرٍ: لكنَّ الأرجح الأوَّل؛ لأنَّ أهل مكَّة لا تعرف بها مكانًا يُقال له: قراريط. انتهى. وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف (٤) القيراط الذي هو من النَّقد، ولذا قال -كما في «الصَّحيح» -: «تفتحون أرضًا يُذكَر فيها القيراط»، لكن لا يلزم من عدم معرفتهم لهما أن يكون النَّبيُّ لا يعرف ذلك، والحكمة في إلهامهم صلوات الله وسلامه عليهم رعي الغنم قبل النُّبوَّة؛ ليحصل لهم التَّمرُّن برعيها على ما يُكلَّفونه من القيام بأمر أمَّتهم، ولأنَّ في

مخالطتها زيادة الحِلْمِ والشَّفقة؛ لأنَّهم إذا صبروا على مشقَّة الرَّعي، ودفعوا عنها السِّباع الضَّارية والأيدي الخاطفة، وعلموا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، وعرفوا ضعفها واحتياجها إلى النَّقل من مرعًى إلى مرعًى، ومن مسرحٍ إلى مسرحٍ (١)، فرفقوا بضعيفها وأحسنوا تعاهدها، فهو توطئةٌ لتعريفهم سياسة أممهم، وخصَّ الغنم لأنَّها أضعف من غيرها، وفي ذكره لذلك بعد أن علم أنَّه أشرف خلق الله تعالى ما فيه من التَّواضع والتَّصريح بمنَّته عليه.

وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (٢) في «التِّجارات».

(٣) (بابُ اسْتِئْجَارِ) المسلمين (المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) أي: عند عدم وجود مسلمٍ (أَوْ إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلَامِ) وفي نسخةٍ: «عند الضَّرورة إذا لم يجد أهل الإسلام» (وَعَامَلَ النَّبِيُّ يَهُودَ خَيْبَرَ) على العمل في أرضها إذا (٣) لم يجد أحدًا من المسلمين ينوب منابهم في ذلك، قال ابن بطَّالٍ: عامَّة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضَّرورة وغيرها؛ لِمَا في ذلك من المذلَّة لهم، وإنَّما الممتنع أن يؤاجر (٤) المسلم نفسه من المشرك؛ لِمَا فيه من إذلاله (٥).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بِبَعْضِه. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة وَفِي الْقَضَاء عَن عَمْرو بن عَليّ، خمستهم عَن يحيى بن سعيد بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ومعى) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (من الْأَشْعَرِيين) أَي: من الْجَمَاعَة الْأَشْعَرِيين، والأشعري نِسْبَة إِلَى الْأَشْعر وَهُوَ نبت بن أدد بن يشحب بن عريب بن يزِيد بن كهلان، وَإِنَّمَا قيل لَهُ: الْأَشْعَرِيّ، لِأَن أمه وَلدته وَهُوَ أشعر. قَوْله: (فَقلت) ، الْقَائِل هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَي: فَقلت: يَا رَسُول الله! مَا علمت أَنَّهُمَا أَي: أَن الرجلَيْن يطلبان الْعَمَل. وَسَيَجِيءُ فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَفِيه: معي رجلَانِ من الْأَشْعَرِيين وَكِلَاهُمَا سَأَلَا، أَي: الْعَمَل، فَقلت: وَالَّذِي بَعثك مَا أطلعت على مَا فِي أَنفسهمَا وَلَا علمت أَنَّهُمَا يطلبان الْعَمَل ... الحَدِيث. قَوْله: (فَقَالَ: لن أَو لَا) أَي: فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لن نستعمل على عَملنَا من أَرَادَهُ) ، وَقَوله: أوَ، لَشك الرَّاوِي، أَي: لَا نولي من أَرَادَ الْعَمَل. وَذكر ابْن التِّين أَنه ضبط فِي بعض النّسخ: لن أولي، بِضَم الْهمزَة وَفتح الْوَاو وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة، مضارع فعل من التَّوْلِيَة. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي: فعلى هَذِه الرِّوَايَة يكون لفظ: نستعمل، زَائِد، أَو يكون تَقْدِير الْكَلَام: لن أولى على عَملنَا، وَقد وَقع هَذَا الحَدِيث فِي الْأَحْكَام من طَرِيق بريد بن عبد الله عَن أبي بردة بِلَفْظ: إِنَّا لَا نولي على عَملنَا، وَهَذَا يُؤَيّد مَا ذكره الشَّيْخ قطب الدّين، رَحمَه الله. وَقَالَ ابْن بطال: لما كَانَ طلب العمالة دلَالَة على الْحِرْص وَجب أَن يحْتَرز من الْحَرِيص عَلَيْهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذَا نهي، وَظَاهره التَّحْرِيم، كَمَا قَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تسْأَل الْإِمَارَة وَإِنَّا وَالله لَا نولي على عَملنَا هَذَا أحدا يسْأَله ويحرص عَلَيْهِ) ، فَلَمَّا أعرض عَنْهُمَا وَلم يولهما لحرصهما، ولى أَبَا مُوسَى الَّذِي لَا يحرص عَلَيْهَا والسائل الْحَرِيص يُوكل إِلَيْهَا وَلَا يعان عَلَيْهَا.

٢ - (بابُ رَعْي الغَنمِ عَلى قَرَارِيطَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رعي الْغنم على قراريط، وَهُوَ جمع قراط بتَشْديد الرَّاء فأبدل أحد حرفي التَّضْعِيف يَاء، وَمثل هَذَا كثير فِي لُغَة الْعَرَب، والقيراط نصف دانق، وَقيل: هُوَ نصف عشر الدِّينَار، وَقيل: هُوَ جُزْء من أَرْبَعَة وَعشْرين جُزْءا، وَقَالَ بَعضهم: على، هُنَا بِمَعْنى: الْبَاء، وَهِي للسَّبَبِيَّة أَو الْمُعَاوضَة، وَقيل: إِنَّهَا للظرفية. قلت: تَجِيء، على، بِمَعْنى: الْبَاء، نَحْو: حقيق عَليّ أَن لَا أَقُول، وَقد قَرَأَهُ أبي بِالْبَاء، وَلَكِن كَونهَا للسَّبَبِيَّة غير بعيد، وَكَذَلِكَ كَونهَا للمعاوضة، إِلَّا أَن كَونهَا للظرفية بعيد أللهم إلَاّ أَن يُقَال: إِن القراريط، إسم مَوضِع.

٢٦٢٢ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ قَالَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ جَدِّهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا بَعَثَ الله نَبِيَّا إلَاّ رَعَى الغَنَمَ فَقَالَ أصْحَابُهُ وأنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أرْعَاهَا عَلى قرَاريطَ لأِهْلِ مَكَّةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كنت أرعاها على قراريط لأهل مَكَّة) .

ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْأَزْرَقِيّ، وَيُقَال: الزرقي. الثَّانِي: عَمْرو بن يحيى بن سعيد. الثَّالِث: جده سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي. الرَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه من أَفْرَاده، وهما مكيان، وَأَن سعيد بن عَمْرو جد عَمْرو بن يحيى مدنِي الأَصْل، كَانَ مَعَ أَبِيه إِذْ غلب على دمشق، فَلَمَّا قتل أَبوهُ سيره عبد الْملك بن مَرْوَان مَعَ أهل بَيته إِلَى الْحجاز ثمَّ سكن الْكُوفَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مر فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء بِالْحِجَارَةِ.

والْحَدِيث أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي التِّجَارَات عَن سُوَيْد بن سعيد.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إلَاّ راعي الْغنم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: إلَاّ راعي الْغنم. قَوْله: (وَأَنت) ، أَي: وَأَنت أَيْضا رعيت الْغنم، فَقَالَ: نعم. قَوْله: (على قراريط) ، وَاخْتلف فِي القراريط، فَقيل: هِيَ قراريط النقط، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن سُوَيْد بن سعيد عَن عَمْرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مَكَّة بالقراريط، وَقَالَ سُوَيْد: شيخ ابْن ماجة، يَعْنِي: كل شَاة بقيراط، يَعْنِي:

القيراط الَّذِي هُوَ جُزْء من الدِّينَار أَو الدِّرْهَم وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قراريط اسْم مَوضِع بِمَكَّة قرب جِيَاد وَلم يرد القراريط من النَّقْد وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ الَّذِي قَالَه الْحَرْبِيّ أصح وَهُوَ تبع فِي ذَلِك شَيْخه ابْن نَاصِر فَإِنَّهُ خطأ سويدا فِي تَفْسِيره وَقَالَ بَعضهم لَكِن رجح الأول لِأَن أهل مَكَّة لَا يعْرفُونَ مَكَانا يُقَال لَهُ قراريط (قلت) وَكَذَلِكَ لَا يعْرفُونَ القيراط الَّذِي هُوَ من النَّقْد وَلذَلِك جَاءَ فِي الصَّحِيح " ستفتحون أَرضًا يذكر فِيهَا القراط " وَلَكِن لَا يلْزم من عدم معرفتهم القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع والقراريط الَّتِي من النَّقْد لَا يكون للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك علم فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أخبر بِأَنَّهُ رعى الْغنم على قراريط علمُوا فِي ذَلِك الْوَقْت أَنَّهَا اسْم مَوضِع وَلم يَكُونُوا علمُوا بِهِ قبل ذَلِك لكَون هَذَا الِاسْم قد هجر اسْتِعْمَاله من قديم الزَّمَان فأظهره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي ذَلِك الْوَقْت وَيدل على تأييد ذَلِك شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن كلمة على فِي أصل وَضعهَا للاستعلاء والاستعلاء حَقِيقَة لَا يكون إِلَّا على القراريط الَّذِي هُوَ اسْم مَوضِع وعَلى القراريط من النَّقْد يكون بطرِيق الْمجَاز فَلَا يُصَار إِلَى الْمجَاز إِلَّا عِنْد تعذر الْحَقِيقَة وَلَا تعذر هُنَا وَالثَّانِي جَاءَ فِي رِوَايَة كنت أرعى غنم أَهلِي بجياد وَهُوَ مَوضِع بِأَسْفَل مَكَّة فَهَذَا يدل على أَنه يرْعَى تَارَة بجياد وَتارَة بقراريط الَّذِي هُوَ الْمَكَان وَهَذَا يدل أَيْضا أَنه مَا كَانَ يرْعَى بِأُجْرَة فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا دخل للقراريط من النَّقْد فِي هَذَا الْموضع فَإِن قلت مَتى كَانَ هَذَا الرَّعْي فِي عمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (قلت) علم بالاستقراء من كَلَام ابْن إِسْحَاق والواقدي أَنه كَانَ وَعَمه نَحْو الْعشْرين سنة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِيهِ (قلت) التقدمة والتوطئة فِي تَعْرِيفه سياسة الْعباد وَحُصُول التمرن على مَا سيكلف من الْقيام بِأَمْر أمته (فَإِن قلت) مَا وَجه تَخْصِيص الْغنم فِيهِ (قلت) لِأَنَّهَا أَضْعَف من غَيرهَا وأسرع انقيادا وَهِي من دَوَاب الْجنَّة (فَإِن قلت) مَا الْحِكْمَة فِي ذكره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِك (قلت) إِظْهَار تواضعه لرَبه مَعَ كَونه أكْرم الْخلق عَلَيْهِ وتنبيه أمته على مُلَازمَة التَّوَاضُع وَاجْتنَاب الْكبر وَلَو بلغ أقْصَى الْمنَازل الدنياوية وَفِيه أَيْضا اتِّبَاع لأخوته من الرُّسُل الَّذين رعوا الْغنم وَفِي حَدِيث للنسائي قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعث مُوسَى وَهُوَ راعي غنم وَبعث دَاوُد وَهُوَ راعي غنم عَلَيْهِمَا وَعَلِيهِ صلوَات الله وَسَلَامه دَائِما أبدا

(بَاب اسْتِئْجَار الْمُشْركين عِنْد الضَّرُورَة أَو إِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم استيجار الْمُسلمين أهل الشّرك عِنْد الضَّرُورَة وَهَذِه التَّرْجَمَة تشعر بِأَنَّهُ لَا يرى اسْتِئْجَار الْمُشرك سَوَاء كَانَ من أهل الذِّمَّة أَو من غَيرهم عِنْد عدم الضَّرُورَة إِلَّا عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى أحد مِنْهُم لأجل الضَّرُورَة نَحْو عدم وجود أحد من أهل الْإِسْلَام يَكْفِي ذَلِك أَو عِنْد عَدمه أصلا وَأَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَإِذا لم يُوجد أهل الْإِسْلَام وَقَوله " لم يُوجد " على صِيغَة الْمَجْهُول وَفِي بعض النّسخ " وَإِذا لم يجد على صِيغَة الْمَعْلُوم أَي وَإِذا لم يجد الْمُسلم أحدا من أهل الْإِسْلَام لِأَن يستأجره وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف يعلم مِمَّا قبله لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ وَقد قَرَّرْنَاهُ (وعامل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر) مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامل يهود خَيْبَر على الْعَمَل فِي أرْضهَا إِذْ لم يُوجد من الْمُسلمين من يَنُوب منابهم فِي عمل الأَرْض فِي ذَلِك الْوَقْت وَلما قوي الْإِسْلَام اسْتغنى عَنْهُم حَتَّى أجلاهم عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَسقط بذلك قَول بَعضهم وَفِي استشهاده بِقصَّة مُعَاملَة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر على أَن يزرعوها نظر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيح بِالْمَقْصُودِ (قلت) كَيفَ يَنْفِي التَّصْرِيح بِالْمَقْصُودِ فِيهِ فَإِن مُعَامَلَته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يهود خَيْبَر على الزِّرَاعَة فِي معنى استئجاره إيَّاهُم صَرِيحًا

٤ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى قَالَ أخبرنَا هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا واستأجر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل ثمَّ من بني عبد بن عدي هاديا خريتا. الخريت الماهر بالهداية قد غمس يَمِين حلف فِي آل العَاصِي

ابْن وَائِل وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فأمناه فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما ووعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صَبِيحَة لَيَال ثَلَاث فارتحلا وَانْطَلق مَعَهُمَا عَامر بن فهَيْرَة وَالدَّلِيل الديلِي فَأخذ بهم وَهُوَ على طَرِيق السَّاحِل) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي " واستأجر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل " وَهَذَا صَرِيح فِي أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ استأجرا هَذَا الرجل وَهُوَ مُشْرك إِذْ لم يجدا أحدا من أهل الْإِسْلَام وَقَول بَعضهم وَفِي استشهاده باستئجار الدَّلِيل الْمُشرك على ذَلِك نظر قَول واه صادر من غير ترو وَلَا تَأمل على مَا لَا يخفى وَهَذَا الحَدِيث يَأْتِي كَامِلا فِي أَوَاخِر كتاب الْإِجَارَة قَوْله " واستأجر " بواو الْعَطف إِنَّمَا وَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي الْوَقْت وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا وَقع " اسْتَأْجر " بِدُونِ حرف الْعَطف وَهِي ثَابِتَة فِي الأَصْل فِي نفس الحَدِيث الطَّوِيل لِأَن الْقِصَّة معطوفة على قصَّة قبلهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي واستأجر ذكر بِالْوَاو إشعارا بِأَنَّهُ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر فِي حِكَايَة هِجْرَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فعطف هَذَا عَلَيْهَا (قلت) نسب بَعضهم الْكرْمَانِي فِي قَوْله هَذَا إِلَى الْوَهم حَيْثُ قَالَ وَوهم من زعم أَن المُصَنّف زَاد الْوَاو للتّنْبِيه على أَنه اقتطع هَذَا الْقدر من الحَدِيث انْتهى (قلت) هَذَا الْقَائِل وهم فِي نَقله كَلَام الْكرْمَانِي على هَذَا الْوَجْه لِأَنَّهُ لم يقل بِأَن المُصَنّف زَاد الْوَاو إِلَى آخِره على هَذَا الْوَجْه وَمَا غر هَذَا الْقَائِل فِيمَا قَالَه إِلَّا قَول الْكرْمَانِي إشعارا وَقَوله فعطف هَذَا عَلَيْهَا وَأخذ مِنْهُمَا مَا ذهب إِلَيْهِ وهمه فنسبه إِلَى الْوَهم وَمعنى قَوْله إشعارا يَعْنِي للإشعار بِأَنَّهُ وَاو الْعَطف حَيْثُ قَالَ قد تقدم لَهَا كَلِمَات أخر يَعْنِي من الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَمعنى قَوْله فعطف هَذَا عَلَيْهَا يَعْنِي أظهر وَاو الْعَطف على الْكَلِمَات الَّتِي تقدّمت لَا أَنه زَاد المُصَنّف من عِنْده وَاو الْعَطف قَوْله " رجلا من بني الديل " وَاسم هَذَا الرجل عبد الله بن أَرقم فِيمَا قَالَه ابْن إِسْحَق وَقَالَ ابْن هِشَام عبد الله بن أريقط وَقَالَ مَالك اسْمه رقيط والديلي بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره لَام وَقَالَ الرشاطي الديل فِي الأزد الديلِي بن هداء بن زيد وَفِي ثَعْلَب الديل بن زيد وَفِي إياد الديل بن أُميَّة وَفِي ضبة الديل بن ثَعْلَبَة وَفِي عبد الْقَيْس الديل بن عَمْرو وَالنِّسْبَة إِلَى ذَلِك كُله الديل بِكَسْر الدَّال وَإِسْكَان الْيَاء من دَال يديل إِذا تعلق الشَّيْء وتحرك وَيُقَال مِنْهُ اندال يندال وَقَالَ ابْن هِشَام رجلا من بني الديلِي بن بكر وَكَانَت أمه من بني سهم بن عَمْرو وَكَانَ مُشْركًا قَوْله " من بني الديل " جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا صفة لقَوْله رجلا قَوْله " ثمَّ من بني عبد بن عدي " وَعبد خلاف الْحر وعدي بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر الدَّال وَتَشْديد الْيَاء من بني بكر قَوْله " هاديا " صفة لرجلا أَيْضا من هداه الطَّرِيق إِذا أرشده إِلَيْهِ قَوْله " خريتا " أَيْضا صفة بعد صفة والخريت بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بعْدهَا تَاء مثناة من فَوق وَهُوَ الماهر الَّذِي يَهْتَدِي لأخرات الْمَفَازَة وَهِي طرقها الْخفية ومضايقها وَقيل أَرَادَ بِهِ أَنه يَهْتَدِي لمثل خرت الإبرة من الطَّرِيق أَي ثقبها وَحكى الْكسَائي خرتنا الأَرْض إِذا عرفناها وَلم تخف علينا طرقها قَوْله " الخريت الماهر " بالهداية مدرج من قَول الزُّهْرِيّ قَوْله " قد غمس يَمِين حلف " أَي دخل فِي جُمْلَتهمْ وغمس نَفسه فِي ذَلِك وَالْحلف بِكَسْر الْحَاء الْعَهْد الَّذِي يكون بَين الْقَوْم وَإِنَّمَا قَالَ غمس إِمَّا لِأَن عَادَتهم أَنهم كَانُوا يغمسون أَيْديهم فِي المَاء وَنَحْوه عِنْد التَّحَالُف وَإِمَّا أَنه أَرَادَ بالغمس الشدَّة قَوْله " الْعَاصِ بن وَائِل " بِالْهَمْزَةِ بعد الْألف وباللام وَيُقَال العَاصِي بِالْيَاءِ وبدونه وَآل الْعَاصِ هم بَنو سهم رَهْط من قُرَيْش قَوْله " فأمناه " أَي فأمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بكر الرجل من أمنت فلَانا فَهُوَ آمن وَذَاكَ مَأْمُون قَوْله " راحلتيهما " تَثْنِيَة رَاحِلَة وَهِي من الْإِبِل الْبَعِير الْقوي على الْأَسْفَار والأحمال وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء وَالتَّاء فِيهَا للْمُبَالَغَة وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَ أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اشتراهما بثمانمائة دِرْهَم وَكَانَ حبسهما فِي دَاره يعلفها إعدادا للسَّفر قَالَ ابْن إِسْحَاق لما قرب أَبُو بكر الراحلتين إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قدم لَهُ أفضلهما فَقَالَ اركب يَا رَسُول الله فدَاك أبي وَأمي فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنِّي لَا أركب بَعِيرًا لَيْسَ لي قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله بِأبي وَأمي قَالَ مَا الثّمن الَّذِي ابتعتها بِهِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ أَخَذتهَا بذلك " قَالَ فَهِيَ لَك يَا رَسُول الله وروى الْوَاقِدِيّ أَنه أَخذ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله