الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣١٢
الحديث رقم ٢٣١٢ من كتاب «كتاب الوكالة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا باع الوكيل شيئا فاسدا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٠٢⦘
ﷺ: مِنْ أَيْنَ هَذَا، قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِهِ.»
٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ:
جاء بلال رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني جيد، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من جودته وقال: من أين هذا؟
قال بلال: كان عندنا تمر، فبعت الصاعين من الردي بصاع من هذا الجيد، ليكون مطعم النبي صلى الله عليه وسلم منه.
فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وتأوه، لأن المعصية عنده هي أعظم المصائب.
وقال: عملك هذا، هو عين الربا المحرم، فلا تفعل، ولكن إذا أردت استبدال رديء، فبع الرديء بدراهم، ثم اِشتر بالدراهم تمرًا جيدًا. فهذه طريقة مباحة تعملها، لاجتناب الوقوع في المحرم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتَوْكِيلِ الْبَعْضِ لِحِفْظِهَا وَتَفْرِقَتِهَا.
١١ - بَاب إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ
٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ -، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخدري ﵁ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بهِ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ الْحَدِيثَ. وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالرَّدِّ بَلْ فِيهِ إِشْعَارٌ بِهِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ: هَذَا الرِّبَا فَرُدَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَفِيهِ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لَمْ يَقَعْ فِيهِ الْأَمْرُ بِالرَّدِّ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا، وَمَرَّةً وَقَعَ فِيهَا الْأَمْرُ بِالرَّدِّ وَذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَالْعِلْمِ بِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ فِي إِحْدَى الْقِصَّتَيْنِ، سَوَادُ بْنُ غَزِيَّةَ عَامِلُ خَيْبَرَ، وَفِي الْأُخْرَى بِلَالٌ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ: كَانَ عِنْدِي تَمْرٌ دُونٌ، فَابْتَعْتُ مِنْهُ تَمْرًا أَجْوَدَ مِنْهُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ، انْطَلِقْ فَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَخُذْ تَمْرَكَ وَبِعْهُ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ مِنْ هَذَا التَّمْرِ ثُمَّ جِئْنِي بِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَجَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ. وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ ابْنَ رَاهْوَيْهِ تَغَايُرُ السِّيَاقَيْنِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا، فَهُنَا قَالَ إِسْحَاقُ:، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَمِنْ عَادَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ التَّعْبِيرُ عَنْ مَشَايِخِهِ بِالْإِخْبَارِ لَا التَّحْدِيثِ. وَوَقَعَ هُنَا: عَنْ يَحْيَى، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَكَذَلِكَ وَقَعَتِ الْمُغَايَرَةُ فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ، وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرِ بَرْنِيٍّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ مَعْرُوفٌ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ تَمْرَةٍ تُشْبِهُ الْبَرْنِيَّةَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا: خَيْرُ تَمَرَاتِكُمُ الْبَرْنِيُّ، يُذْهِبُ الدَّاءَ وَلَا دَاءَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ عِنْدِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عِنْدَنَا.
قَوْلُهُ: (رَدِيءٌ) بِالْهَمْزَةِ وَزْنَ عَظِيمٍ.
قَوْلُهُ: (لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ بِالنُّونِ الْمَضْمُومَةِ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْعَيْنُ مَفْتُوحَةٌ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا)، كَذَا فِيهِ بِالتَّكْرَارِ مَرَّتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمُرَادُهُ بِعَيْنِ الرِّبَا نَفْسُهُ، وَقَوْلُهُ: أَوَّهْ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّوَجُّعِ وَهِيَ مُشَدَّدَةُ الْوَاوِ مَفْتُوحَةٌ، وَقَدْ تُكْسَرُ وَالْهَاءُ سَاكِنَةٌ، وَرُبَّمَا حَذَفُوهَا، وَيُقَالُ: بِسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ مَدَّ الْهَمْزَةِ بَدَلَ التَّشْدِيدِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا تَأَوَّهَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ، وَقَالَهُ إِمَّا لِلتَّأَلُّمِ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا بَاعَ الوَكِيلُ شَيْئًا) ممَّا وُكِّل فيه بيعًا (فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ) يعني: يُرَدُّ.
٢٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيمٍ، أو ابن منصورٍ كما جزم به أبو عليٍّ الجيَّانيُّ؛ لأنَّ مسلمًا أخرج هذا الحديث بعينه عن إسحاق بن منصورٍ، لكن قال في «الفتح»: وليس ذلك بلازمٍ، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ) العَوْذِيَّ بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذَّال المعجمة: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ) المؤذِّن (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، قال في «الصَّحاح»: ضربٌ من التَّمر. قال الرَّاجز:
المُطْعِمان اللَّحم بالعَشِجِّ
وبالغداة فِلَق البرنِجِّ
فأبدل من الياء جيمًا، وزاد في «المُحكَم»: أنَّه أصفرُ مدوَّرٌ وهو أجود التَّمر، وفي «مُسنَد أحمد» مرفوعًا: «خير تمركم البرنيُّ يُذهِب الدَّاء» (فَقَالَ لَهُ (١) النَّبِيُّ ﷺ: مِنْ أَيْنَ هَذَا) التَّمر البرنيُّ؟ (قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «عندي» (تَمْرٌ رَدِيٌّ) بتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة في
الفرع وأصله (١)، وفي غيره: «رديءٌ» بالهمزة على وزن «فعيلٍ» على الأصل، من رَدُؤَ الشَّيء يردؤ رداءةً، فهو رديءٌ، أي: فاسدٌ، وأردأته: أفسدته، قاله الجوهريُّ، فخُفِّف بقلب الهمزة ياءً لانكسار ما قبلها، وأُدغِمت الياء في الياء، فصار رديٌّ بتشديد الياء -كما مرَّ- (فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِيُطْعِمَ) بلالٌ (٢) (النَّبِيَّ ﷺ) كذا في الفرع وأصله (٣): «ليُطعِم» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر العين، وفي بعض الأصول: «لنُطعِم» بالنُّون بدل التَّحتيَّة، و «النَّبيَّ» نُصِب على الرِّوايتين على المفعوليَّة، قال العينيُّ كابن حجرٍ: وهذه رواية أبي ذرٍّ، ولغيره: «ليَطعَم» بفتح التَّحتيَّة والعين، من طعم يطعم، و «النَّبيُّ»: رُفِع به، وقول البرماويِّ كالكِرمانيِّ: وفي بعضها: «لمَطعَمِ» بالميم، أي: مفتوحةً كالعين، و «النَّبيِّ»: خُفِض بالإضافة، لم أقف عليه في شيءٍ من نسخ البخاريَّ، نعم هو في «صحيح مسلمٍ» كذلك (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ) القول الصَّادر من بلالٍ: (أَوَّهْ أَوَّهْ) هذا (عَيْنُ الرِّبَا) هذا (عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ) بتكرير كلٍّ من «عين الرِّبا» و «أوَّه» مرَّتين، و «أَوَّهْ»: بفتح الهمزة وتشديد الواو وسكون الهاء، بمعنى: التَّحزُّن، قال السَّفاقسيُّ: وإنَّما تأوَّه ليكون أبلغ في الزَّجر، وقاله إمَّا للتَّألُّم من هذا الفعل، وإمَّا من سوء الفهم، زاد مسلمٌ من طريق أبي نضرة عن أبي سعيدٍ في نحو هذه القصَّة: «فردُّوه»، ومعلومٌ أنَّ بيع الرِّبا ممَّا يجب ردُّه (وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ) التَّمر الجيِّد (فَبِعِ التَّمْرَ) الرَّديء (بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ) الجيِّد (بِهِ) أي: بثمن الرَّديء حتَّى لا تقع في الرِّبا، ولغير أبي ذرٍّ: «ثمَّ اشتره» أي: التَّمر الجيِّد.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ.
(١٢) (باب الوَكَالَةِ (٤) فِي الوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ) أي: الوكيل (وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ) أي: وإطعام الوكيل صديقه وأكله بما يتعارفه الوكلاء فيه (٥)؛ لأنَّه حبس نفسه لتصرُّف مُوكِّله
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الدَّاء أَي: يكْشف ويزال.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن السَّارِق لَا يقطع فِي مجاعَة، وَأَنه يجوز أَن يُعْفَى عَنهُ قبل أَن يبلغ الإِمَام. وَفِيه: أَن الشَّيْطَان قد يعلم علما ينْتَفع بِهِ إِذا صدق. وَفِيه: أَن الكذوب قد يصدق مَعَ الندرة. وَفِيه: عَلَامَات النُّبُوَّة لقَوْله: مَا فعل أسيرك البارحة. وَفِيه: تَفْسِير لقَوْله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) . يَعْنِي: الشَّيَاطِين، إِن المُرَاد بذلك مَا هم عَلَيْهِ من خلقهمْ الروحانية، فَإِذا استحضروا فِي صُورَة الْأَجْسَام المدركة بِالْعينِ جَازَت رُؤْيَتهمْ، كَمَا شخص الشَّيْطَان لأبي هُرَيْرَة فِي صُورَة سَارِق. وَفِيه: أَن الْجِنّ يَأْكُلُون الطَّعَام، وَهُوَ مُوَافق لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سَأَلُونِي الزَّاد) . وَقَالَ ابْن التِّين: وَفِي شعر الْعَرَب أَنهم لَا يَأْكُلُون. وَفِيه: ظُهُور الْجِنّ وتكلمهم بِكَلَام الْإِنْس. وَفِيه: قبُول عذر السَّارِق. وَفِيه: وَعِيد أبي هُرَيْرَة بِرَفْعِهِ إِلَيْهِ وخدعة الشَّيْطَان. وَفِيه: فِي الثَّالِثَة بَلَاغ فِي الْإِعْذَار. وَفِيه: فضل آيَة الْكُرْسِيّ. وَفِيه: أَن للشَّيْطَان نَصِيبا مِمَّن ترك ذكر الله تَعَالَى عِنْد الْمَنَام. وَفِيه: أَن من أقيم فِي حفظ شَيْء يُسمى وَكيلا. وَفِيه: أَن الْجِنّ تسرق وتخدع. وَفِيه: جَوَاز جمع زَكَاة الْفطر قبل لَيْلَة الْفطر، وتوكيل الْبَعْض لحفظها وتفرقتها. وَفِيه: جَوَاز تعلم الْعلم مِمَّن لم يعْمل بِعِلْمِهِ.
١١ - (بابٌ إذَا باعَ الوَكِيلُ شَيْئاً فاسِداً فَبَيعُهُ مَرْدُودٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بَاعَ الْوَكِيل شَيْئا من الْأَشْيَاء الَّتِي وكل فِيهَا بيعا فَاسِدا فبيعه مَرْدُود.
٢١٣٢ - حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بنُ صَالِحٍ قَالَ حَدثنَا مُعَاوِيَةُ هوَ ابنُ سَلَاّمٍ عنْ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عُقْبَةَ بنَ عبدِ الْغافِرِ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جاءَ بِلالٌ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أيْنَ هَذَا قَالَ بِلالٌ كانَ عِنْدَنا تَمرٌ رَدِيءٌ فبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصاعٍ لِنُطْعِمَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَ ذَلِكَ أوَّهُ أوهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبا لَا تَفْعَلْ ولَكِنْ إذَا أرَدْتَ أنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْع آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (عين الرِّبَا لَا تفعل) لِأَن من الْمَعْلُوم أَن بيع الرِّبَا مِمَّا يجب رده. وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِالرَّدِّ، بل فِيهِ إِشْعَار بِهِ، وَلَعَلَّه أَشَارَ بذلك إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه، فَعِنْدَ مُسلم من طَرِيق أبي نَضرة عَن أبي سعيد فِي نَحْو هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ: هَذَا الرِّبَا فَردُّوهُ. انْتهى. قلت: الَّذِي يعلم بِالرَّدِّ من الحَدِيث فَوق الْعلم بتصريح الرَّد، لِأَن فِيهِ الرَّد بِمرَّة وَاحِدَة، وَالْمَفْهُوم من متن الحَدِيث بمرات. الأولى: قَوْله: (أوه أوه) ، بالتكرار، وَالثَّانِي: قَوْله: (عين الرِّبَا) ، وَالثَّالِثَة: قَوْله: (لَا تفعل) ، وَالرَّابِعَة: قَوْله: (وَلَكِن) إِلَى آخِره.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق، اخْتلف فِيهِ، فَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: إِسْحَاق هَذَا لم ينْسبهُ أحد من شُيُوخنَا فِيمَا بَلغنِي، قَالَ: وَيُشبه أَن يكون إِسْحَاق بن مَنْصُور، فقد روى مُسلم عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور عَن يحيى بن صَالح هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: وَجزم أَبُو عَليّ الجياني بِأَنَّهُ ابْن مَنْصُور. قلت: من أَيْن هَذَا الْجَزْم من أبي عَليّ الجياني؟ بل قَوْله يدل على أَنه مُتَرَدّد فِيهِ لقَوْله: وَيُشبه أَن يكون إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَلَا يلْزم من إِخْرَاج مُسلم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى بن صَالح هَذَا الحَدِيث أَن يكون رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا كَذَلِك. الثَّانِي: يحيى ابْن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي، ووحاظ بطن من حمير. الثَّالِث: مُعَاوِيَة بن سَلام، بتَشْديد اللَّام: أَبُو سَلام. الرَّابِع: يحيى ابْن أبي كثير، وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: ابْن عبد الغافر العوذي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالذال الْمُعْجَمَة، قتل فِي الجماجم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، واسْمه: سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه إِن كَانَ ابْن رَاهَوَيْه فَهُوَ مروزي سكن نيسابور، وَإِن كَانَ ابْن مَنْصُور فَهُوَ أَيْضا مروزي انْتقل بآخرة إِلَى نيسابور، وَيحيى بن صَالح حمصي وَمُعَاوِيَة بن سَلام الحبشي الْأسود، وَيحيى بن أبي كثير يمامي طائي. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكر غير مَنْسُوب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هِشَام بن عمار.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (برني) ، بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر النُّون بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة: وَهُوَ ضرب من التَّمْر أصفر مدور، وَهُوَ أَجود التمور، قَالَه صَاحب (الْمُحكم) : قَالَ بَعضهم: قيل لَهُ ذَلِك لِأَن كل تَمْرَة تشبه البرنية. قلت: كَلَامه يشْعر أَن الْيَاء فِيهِ للنسبة، وَلَيْسَت الْيَاء فِيهِ للنسبة، فَكَأَنَّهُ مَوْضُوع، هَكَذَا مثل كرْسِي وَنَحْوه. قَوْله: (كَانَ عندنَا) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَانَ عِنْدِي. قَوْله: (رَدِيء) ، قَالَ بَعضهم: رَدِيء، بِالْهَمْزَةِ على وزن: عَظِيم. قلت: نعم هُوَ مَهْمُوز اللَّام من: ردىء الشَّيْء يردأ رداءة، فَهُوَ رَدِيء، أَي: فَاسد، وأردأته أَي: أفسدته، وَلَكِن لما كثر اسْتِعْمَاله حسن فِيهِ التَّخْفِيف بِأَن قلبت الْهمزَة يَاء لانكسار مَا قبلهَا وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَت: رديّ بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (لنطعم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: لأجل أَن نطعم، وَاللَّام فِيهِ مَكْسُورَة وَالنُّون مَضْمُومَة من الْإِطْعَام، وَلَفظ النَّبِي مَنْصُوب بِهِ، هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: ليطعم، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْعين من: طعم يطعم، وَلَفظ النَّبِي مَرْفُوع بِهِ. قَوْله: (عِنْد ذَلِك) ، أَي: عِنْد قَول بِلَال. قَوْله: (أوه) مرَّتَيْنِ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو وَسُكُون الْهَاء، وَهِي كلمة تقال عِنْد الشكاية والحزن. وَقَالَ ابْن قرقول: بِالْقصرِ وَالتَّشْدِيد وَسُكُون الْهَاء، وَكَذَا روينَاهُ، وَقيل: بِمد الْهمزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَقد يُقَال بِالْمدِّ لتطويل الصَّوْت بالشكاية، وَقيل بِسُكُون الْوَاو وَكسر الْهَاء، وَمن الْعَرَب من يمد الْهمزَة وَيجْعَل بعْدهَا واوين: آووه، وَكله بِمَعْنى: التحزن، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا تأوه ليَكُون أبلغ فِي الزّجر، وَقَالَهُ إِمَّا للتألم من هَذَا الْفِعْل، وَإِمَّا من سوء الْفَهم. قَوْله: (عين الرِّبَا) ، بالتكرار أَيْضا أَي: هَذَا البيع نفس الرِّبَا حَقِيقَة، وَوَقع فِي مُسلم مرّة وَاحِدَة. قَوْله: (وَلَكِن إِذا أردْت أَن تشتري) ، أَي: أَن تشتري التَّمْر الْجيد. قَوْله: (فبع التَّمْر) ، أَي: فبع التَّمْر الرَّدِيء بِبيع آخر، أَي: بِبيع شَيْء آخر، بِأَن تبيعه بحنطة أَو شعير مثلا. قَوْله: (ثمَّ اشتره) ، أَي: ثمَّ اشْتَرِ التَّمْر الْجيد، ويروى: ثمَّ اشْتَرِ بِهِ، أَي: بِثمن الرَّدِيء، فعلى هَذِه الرِّوَايَة مفعول: اشترِ مَحْذُوف تَقْدِيره: ثمَّ اشْتَرِ الْجيد بِثمن الرَّدِيء، وَيدل على مَا قُلْنَاهُ مَا قد رُوِيَ عَن بِلَال فِي هَذَا الْخَبَر: انْطلق فَرده على صَاحبه وَخذ تمرك وبعه بحنطة أَو شعير ثمَّ اشْتَرِ بِهِ من هَذَا التَّمْر، ثمَّ جئني بِهِ، رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن بِلَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَلَكِن إِذا أردْت أَن تشتري التَّمْر فبعه بِبيع آخر ثمَّ اشترِه، أَي: إِذا أردْت أَن تشتري التَّمْر الْجيد فبع التَّمْر الرَّدِيء بِبيع آخر ثمَّ اشْتَرِ الْجيد، وَبَين التركيبين مُغَايرَة ظَاهرا، وَلَكِن فِي الْحَقِيقَة يرجعان إِلَى معنى وَاحِد، وَهُوَ أَن لَا يَشْتَرِي الْجيد بِضعْف الرَّدِيء، بل إِذا أَرَادَ أَن يَشْتَرِي الْجيد يَبِيع ذَلِك الردي، بِشَيْء، وَيَأْخُذ ثمنه، ثمَّ يَشْتَرِي بِهِ التَّمْر الْجيد، حَتَّى لَا يَقع الرِّبَا فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه الْكَرِيم: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وذروا مَا بَقِي من الربوا} . إِلَى قَوْله: {فلكم من رُؤُوس أَمْوَالكُم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) . قد أَمر الله برد عقد الرِّبَا، ورد رَأس المَال وَلَا خلاف أَيْضا أَن من بَاعَ بيعا فَاسِدا أَن بَيْعه مَرْدُود.
واستفيد من حَدِيث الْبَاب حُرْمَة الرِّبَا وَعظم أمره، وَقد تقدم الْبَحْث فِيهِ فِي: بَاب مَا إِذا أَرَادَ بيع تمر بِتَمْر خير مِنْهُ، وَهُوَ فِي كتاب الْبيُوع.
٢١ - (بابُ الوَكالَةِ فِي الوَقْفِ ونَفَقَتِهِ وأنْ يُطْعِمَ صَدِيقا لَهُ ويَأكُلَ بالمَعْرُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي الْوَقْف. قَوْله: (وَنَفَقَته) أَي: نَفَقَة الْوَكِيل، يدل عَلَيْهِ لفظ الْوكَالَة. قَوْله: (وَأَن يطعم) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وإطعام الْوَكِيل صديقه من مَال الْوَقْف الَّذِي هُوَ وَكيل فِيهِ. قَوْله: (وَيَأْكُل) أَي: الْوَكِيل (بِالْمَعْرُوفِ) يَعْنِي: بِمَا يتعارفه الوكلاء فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حبس نَفسه لتصرف مُوكله وَالْقِيَام بأَمْره قِيَاسا على ولي الْيَتِيم؟ قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَتَوْكِيلِ الْبَعْضِ لِحِفْظِهَا وَتَفْرِقَتِهَا.
١١ - بَاب إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ
٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ -، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخدري ﵁ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بهِ.
قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ الْحَدِيثَ. وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالرَّدِّ بَلْ فِيهِ إِشْعَارٌ بِهِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ: هَذَا الرِّبَا فَرُدَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَفِيهِ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً لَمْ يَقَعْ فِيهِ الْأَمْرُ بِالرَّدِّ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا، وَمَرَّةً وَقَعَ فِيهَا الْأَمْرُ بِالرَّدِّ وَذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَالْعِلْمِ بِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ فِي إِحْدَى الْقِصَّتَيْنِ، سَوَادُ بْنُ غَزِيَّةَ عَامِلُ خَيْبَرَ، وَفِي الْأُخْرَى بِلَالٌ.
وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ: كَانَ عِنْدِي تَمْرٌ دُونٌ، فَابْتَعْتُ مِنْهُ تَمْرًا أَجْوَدَ مِنْهُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا الرِّبَا بِعَيْنِهِ، انْطَلِقْ فَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَخُذْ تَمْرَكَ وَبِعْهُ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ مِنْ هَذَا التَّمْرِ ثُمَّ جِئْنِي بِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، وَجَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ. وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ ابْنَ رَاهْوَيْهِ تَغَايُرُ السِّيَاقَيْنِ مَتْنًا وَإِسْنَادًا، فَهُنَا قَالَ إِسْحَاقُ:، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى وَمِنْ عَادَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ التَّعْبِيرُ عَنْ مَشَايِخِهِ بِالْإِخْبَارِ لَا التَّحْدِيثِ. وَوَقَعَ هُنَا: عَنْ يَحْيَى، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَكَذَلِكَ وَقَعَتِ الْمُغَايَرَةُ فِي سِيَاقِ الْمَتْنِ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ، وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ بِالْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرِ بَرْنِيٍّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا نُونٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ مَعْرُوفٌ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ تَمْرَةٍ تُشْبِهُ الْبَرْنِيَّةَ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا: خَيْرُ تَمَرَاتِكُمُ الْبَرْنِيُّ، يُذْهِبُ الدَّاءَ وَلَا دَاءَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ عِنْدِي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عِنْدَنَا.
قَوْلُهُ: (رَدِيءٌ) بِالْهَمْزَةِ وَزْنَ عَظِيمٍ.
قَوْلُهُ: (لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ ﷺ بِالنُّونِ الْمَضْمُومَةِ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْعَيْنُ مَفْتُوحَةٌ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: لِمَطْعَمِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا)، كَذَا فِيهِ بِالتَّكْرَارِ مَرَّتَيْنِ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَمُرَادُهُ بِعَيْنِ الرِّبَا نَفْسُهُ، وَقَوْلُهُ: أَوَّهْ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ التَّوَجُّعِ وَهِيَ مُشَدَّدَةُ الْوَاوِ مَفْتُوحَةٌ، وَقَدْ تُكْسَرُ وَالْهَاءُ سَاكِنَةٌ، وَرُبَّمَا حَذَفُوهَا، وَيُقَالُ: بِسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ مَدَّ الْهَمْزَةِ بَدَلَ التَّشْدِيدِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا تَأَوَّهَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ، وَقَالَهُ إِمَّا لِلتَّأَلُّمِ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا بَاعَ الوَكِيلُ شَيْئًا) ممَّا وُكِّل فيه بيعًا (فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ) يعني: يُرَدُّ.
٢٣١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن رَاهُوْيَه كما جزم به أبو نُعيمٍ، أو ابن منصورٍ كما جزم به أبو عليٍّ الجيَّانيُّ؛ لأنَّ مسلمًا أخرج هذا الحديث بعينه عن إسحاق بن منصورٍ، لكن قال في «الفتح»: وليس ذلك بلازمٍ، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحَاظيُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ) العَوْذِيَّ بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالذَّال المعجمة: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ) المؤذِّن (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، قال في «الصَّحاح»: ضربٌ من التَّمر. قال الرَّاجز:
المُطْعِمان اللَّحم بالعَشِجِّ
وبالغداة فِلَق البرنِجِّ
فأبدل من الياء جيمًا، وزاد في «المُحكَم»: أنَّه أصفرُ مدوَّرٌ وهو أجود التَّمر، وفي «مُسنَد أحمد» مرفوعًا: «خير تمركم البرنيُّ يُذهِب الدَّاء» (فَقَالَ لَهُ (١) النَّبِيُّ ﷺ: مِنْ أَيْنَ هَذَا) التَّمر البرنيُّ؟ (قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «عندي» (تَمْرٌ رَدِيٌّ) بتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة في
الفرع وأصله (١)، وفي غيره: «رديءٌ» بالهمزة على وزن «فعيلٍ» على الأصل، من رَدُؤَ الشَّيء يردؤ رداءةً، فهو رديءٌ، أي: فاسدٌ، وأردأته: أفسدته، قاله الجوهريُّ، فخُفِّف بقلب الهمزة ياءً لانكسار ما قبلها، وأُدغِمت الياء في الياء، فصار رديٌّ بتشديد الياء -كما مرَّ- (فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِيُطْعِمَ) بلالٌ (٢) (النَّبِيَّ ﷺ) كذا في الفرع وأصله (٣): «ليُطعِم» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر العين، وفي بعض الأصول: «لنُطعِم» بالنُّون بدل التَّحتيَّة، و «النَّبيَّ» نُصِب على الرِّوايتين على المفعوليَّة، قال العينيُّ كابن حجرٍ: وهذه رواية أبي ذرٍّ، ولغيره: «ليَطعَم» بفتح التَّحتيَّة والعين، من طعم يطعم، و «النَّبيُّ»: رُفِع به، وقول البرماويِّ كالكِرمانيِّ: وفي بعضها: «لمَطعَمِ» بالميم، أي: مفتوحةً كالعين، و «النَّبيِّ»: خُفِض بالإضافة، لم أقف عليه في شيءٍ من نسخ البخاريَّ، نعم هو في «صحيح مسلمٍ» كذلك (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ) القول الصَّادر من بلالٍ: (أَوَّهْ أَوَّهْ) هذا (عَيْنُ الرِّبَا) هذا (عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ) بتكرير كلٍّ من «عين الرِّبا» و «أوَّه» مرَّتين، و «أَوَّهْ»: بفتح الهمزة وتشديد الواو وسكون الهاء، بمعنى: التَّحزُّن، قال السَّفاقسيُّ: وإنَّما تأوَّه ليكون أبلغ في الزَّجر، وقاله إمَّا للتَّألُّم من هذا الفعل، وإمَّا من سوء الفهم، زاد مسلمٌ من طريق أبي نضرة عن أبي سعيدٍ في نحو هذه القصَّة: «فردُّوه»، ومعلومٌ أنَّ بيع الرِّبا ممَّا يجب ردُّه (وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ) التَّمر الجيِّد (فَبِعِ التَّمْرَ) الرَّديء (بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ) الجيِّد (بِهِ) أي: بثمن الرَّديء حتَّى لا تقع في الرِّبا، ولغير أبي ذرٍّ: «ثمَّ اشتره» أي: التَّمر الجيِّد.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع» وكذا النَّسائيُّ.
(١٢) (باب الوَكَالَةِ (٤) فِي الوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ) أي: الوكيل (وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ) أي: وإطعام الوكيل صديقه وأكله بما يتعارفه الوكلاء فيه (٥)؛ لأنَّه حبس نفسه لتصرُّف مُوكِّله
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الدَّاء أَي: يكْشف ويزال.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن السَّارِق لَا يقطع فِي مجاعَة، وَأَنه يجوز أَن يُعْفَى عَنهُ قبل أَن يبلغ الإِمَام. وَفِيه: أَن الشَّيْطَان قد يعلم علما ينْتَفع بِهِ إِذا صدق. وَفِيه: أَن الكذوب قد يصدق مَعَ الندرة. وَفِيه: عَلَامَات النُّبُوَّة لقَوْله: مَا فعل أسيرك البارحة. وَفِيه: تَفْسِير لقَوْله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) . يَعْنِي: الشَّيَاطِين، إِن المُرَاد بذلك مَا هم عَلَيْهِ من خلقهمْ الروحانية، فَإِذا استحضروا فِي صُورَة الْأَجْسَام المدركة بِالْعينِ جَازَت رُؤْيَتهمْ، كَمَا شخص الشَّيْطَان لأبي هُرَيْرَة فِي صُورَة سَارِق. وَفِيه: أَن الْجِنّ يَأْكُلُون الطَّعَام، وَهُوَ مُوَافق لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سَأَلُونِي الزَّاد) . وَقَالَ ابْن التِّين: وَفِي شعر الْعَرَب أَنهم لَا يَأْكُلُون. وَفِيه: ظُهُور الْجِنّ وتكلمهم بِكَلَام الْإِنْس. وَفِيه: قبُول عذر السَّارِق. وَفِيه: وَعِيد أبي هُرَيْرَة بِرَفْعِهِ إِلَيْهِ وخدعة الشَّيْطَان. وَفِيه: فِي الثَّالِثَة بَلَاغ فِي الْإِعْذَار. وَفِيه: فضل آيَة الْكُرْسِيّ. وَفِيه: أَن للشَّيْطَان نَصِيبا مِمَّن ترك ذكر الله تَعَالَى عِنْد الْمَنَام. وَفِيه: أَن من أقيم فِي حفظ شَيْء يُسمى وَكيلا. وَفِيه: أَن الْجِنّ تسرق وتخدع. وَفِيه: جَوَاز جمع زَكَاة الْفطر قبل لَيْلَة الْفطر، وتوكيل الْبَعْض لحفظها وتفرقتها. وَفِيه: جَوَاز تعلم الْعلم مِمَّن لم يعْمل بِعِلْمِهِ.
١١ - (بابٌ إذَا باعَ الوَكِيلُ شَيْئاً فاسِداً فَبَيعُهُ مَرْدُودٌ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا بَاعَ الْوَكِيل شَيْئا من الْأَشْيَاء الَّتِي وكل فِيهَا بيعا فَاسِدا فبيعه مَرْدُود.
٢١٣٢ - حدَّثنا إسْحاقُ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى بنُ صَالِحٍ قَالَ حَدثنَا مُعَاوِيَةُ هوَ ابنُ سَلَاّمٍ عنْ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عُقْبَةَ بنَ عبدِ الْغافِرِ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سعيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ جاءَ بِلالٌ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أيْنَ هَذَا قَالَ بِلالٌ كانَ عِنْدَنا تَمرٌ رَدِيءٌ فبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصاعٍ لِنُطْعِمَ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدَ ذَلِكَ أوَّهُ أوهْ عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبا لَا تَفْعَلْ ولَكِنْ إذَا أرَدْتَ أنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْع آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من قَوْله: (عين الرِّبَا لَا تفعل) لِأَن من الْمَعْلُوم أَن بيع الرِّبَا مِمَّا يجب رده. وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِالرَّدِّ، بل فِيهِ إِشْعَار بِهِ، وَلَعَلَّه أَشَارَ بذلك إِلَى مَا ورد فِي بعض طرقه، فَعِنْدَ مُسلم من طَرِيق أبي نَضرة عَن أبي سعيد فِي نَحْو هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ: هَذَا الرِّبَا فَردُّوهُ. انْتهى. قلت: الَّذِي يعلم بِالرَّدِّ من الحَدِيث فَوق الْعلم بتصريح الرَّد، لِأَن فِيهِ الرَّد بِمرَّة وَاحِدَة، وَالْمَفْهُوم من متن الحَدِيث بمرات. الأولى: قَوْله: (أوه أوه) ، بالتكرار، وَالثَّانِي: قَوْله: (عين الرِّبَا) ، وَالثَّالِثَة: قَوْله: (لَا تفعل) ، وَالرَّابِعَة: قَوْله: (وَلَكِن) إِلَى آخِره.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق، اخْتلف فِيهِ، فَقَالَ أَبُو نعيم: هُوَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: إِسْحَاق هَذَا لم ينْسبهُ أحد من شُيُوخنَا فِيمَا بَلغنِي، قَالَ: وَيُشبه أَن يكون إِسْحَاق بن مَنْصُور، فقد روى مُسلم عَن إِسْحَاق ابْن مَنْصُور عَن يحيى بن صَالح هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ بَعضهم: وَجزم أَبُو عَليّ الجياني بِأَنَّهُ ابْن مَنْصُور. قلت: من أَيْن هَذَا الْجَزْم من أبي عَليّ الجياني؟ بل قَوْله يدل على أَنه مُتَرَدّد فِيهِ لقَوْله: وَيُشبه أَن يكون إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَلَا يلْزم من إِخْرَاج مُسلم عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى بن صَالح هَذَا الحَدِيث أَن يكون رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا كَذَلِك. الثَّانِي: يحيى ابْن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي، ووحاظ بطن من حمير. الثَّالِث: مُعَاوِيَة بن سَلام، بتَشْديد اللَّام: أَبُو سَلام. الرَّابِع: يحيى ابْن أبي كثير، وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: ابْن عبد الغافر العوذي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وبالذال الْمُعْجَمَة، قتل فِي الجماجم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، واسْمه: سعد بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه إِن كَانَ ابْن رَاهَوَيْه فَهُوَ مروزي سكن نيسابور، وَإِن كَانَ ابْن مَنْصُور فَهُوَ أَيْضا مروزي انْتقل بآخرة إِلَى نيسابور، وَيحيى بن صَالح حمصي وَمُعَاوِيَة بن سَلام الحبشي الْأسود، وَيحيى بن أبي كثير يمامي طائي. وَفِيه: أَن شَيْخه ذكر غير مَنْسُوب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هِشَام بن عمار.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (برني) ، بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء وَكسر النُّون بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة: وَهُوَ ضرب من التَّمْر أصفر مدور، وَهُوَ أَجود التمور، قَالَه صَاحب (الْمُحكم) : قَالَ بَعضهم: قيل لَهُ ذَلِك لِأَن كل تَمْرَة تشبه البرنية. قلت: كَلَامه يشْعر أَن الْيَاء فِيهِ للنسبة، وَلَيْسَت الْيَاء فِيهِ للنسبة، فَكَأَنَّهُ مَوْضُوع، هَكَذَا مثل كرْسِي وَنَحْوه. قَوْله: (كَانَ عندنَا) ، هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: كَانَ عِنْدِي. قَوْله: (رَدِيء) ، قَالَ بَعضهم: رَدِيء، بِالْهَمْزَةِ على وزن: عَظِيم. قلت: نعم هُوَ مَهْمُوز اللَّام من: ردىء الشَّيْء يردأ رداءة، فَهُوَ رَدِيء، أَي: فَاسد، وأردأته أَي: أفسدته، وَلَكِن لما كثر اسْتِعْمَاله حسن فِيهِ التَّخْفِيف بِأَن قلبت الْهمزَة يَاء لانكسار مَا قبلهَا وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء فَصَارَت: رديّ بتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (لنطعم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: لأجل أَن نطعم، وَاللَّام فِيهِ مَكْسُورَة وَالنُّون مَضْمُومَة من الْإِطْعَام، وَلَفظ النَّبِي مَنْصُوب بِهِ، هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره: ليطعم، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْعين من: طعم يطعم، وَلَفظ النَّبِي مَرْفُوع بِهِ. قَوْله: (عِنْد ذَلِك) ، أَي: عِنْد قَول بِلَال. قَوْله: (أوه) مرَّتَيْنِ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْوَاو وَسُكُون الْهَاء، وَهِي كلمة تقال عِنْد الشكاية والحزن. وَقَالَ ابْن قرقول: بِالْقصرِ وَالتَّشْدِيد وَسُكُون الْهَاء، وَكَذَا روينَاهُ، وَقيل: بِمد الْهمزَة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَقد يُقَال بِالْمدِّ لتطويل الصَّوْت بالشكاية، وَقيل بِسُكُون الْوَاو وَكسر الْهَاء، وَمن الْعَرَب من يمد الْهمزَة وَيجْعَل بعْدهَا واوين: آووه، وَكله بِمَعْنى: التحزن، وَقَالَ ابْن التِّين: إِنَّمَا تأوه ليَكُون أبلغ فِي الزّجر، وَقَالَهُ إِمَّا للتألم من هَذَا الْفِعْل، وَإِمَّا من سوء الْفَهم. قَوْله: (عين الرِّبَا) ، بالتكرار أَيْضا أَي: هَذَا البيع نفس الرِّبَا حَقِيقَة، وَوَقع فِي مُسلم مرّة وَاحِدَة. قَوْله: (وَلَكِن إِذا أردْت أَن تشتري) ، أَي: أَن تشتري التَّمْر الْجيد. قَوْله: (فبع التَّمْر) ، أَي: فبع التَّمْر الرَّدِيء بِبيع آخر، أَي: بِبيع شَيْء آخر، بِأَن تبيعه بحنطة أَو شعير مثلا. قَوْله: (ثمَّ اشتره) ، أَي: ثمَّ اشْتَرِ التَّمْر الْجيد، ويروى: ثمَّ اشْتَرِ بِهِ، أَي: بِثمن الرَّدِيء، فعلى هَذِه الرِّوَايَة مفعول: اشترِ مَحْذُوف تَقْدِيره: ثمَّ اشْتَرِ الْجيد بِثمن الرَّدِيء، وَيدل على مَا قُلْنَاهُ مَا قد رُوِيَ عَن بِلَال فِي هَذَا الْخَبَر: انْطلق فَرده على صَاحبه وَخذ تمرك وبعه بحنطة أَو شعير ثمَّ اشْتَرِ بِهِ من هَذَا التَّمْر، ثمَّ جئني بِهِ، رَوَاهُ الطَّبَرِيّ من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن بِلَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: وَلَكِن إِذا أردْت أَن تشتري التَّمْر فبعه بِبيع آخر ثمَّ اشترِه، أَي: إِذا أردْت أَن تشتري التَّمْر الْجيد فبع التَّمْر الرَّدِيء بِبيع آخر ثمَّ اشْتَرِ الْجيد، وَبَين التركيبين مُغَايرَة ظَاهرا، وَلَكِن فِي الْحَقِيقَة يرجعان إِلَى معنى وَاحِد، وَهُوَ أَن لَا يَشْتَرِي الْجيد بِضعْف الرَّدِيء، بل إِذا أَرَادَ أَن يَشْتَرِي الْجيد يَبِيع ذَلِك الردي، بِشَيْء، وَيَأْخُذ ثمنه، ثمَّ يَشْتَرِي بِهِ التَّمْر الْجيد، حَتَّى لَا يَقع الرِّبَا فِيهِ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه الْكَرِيم: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وذروا مَا بَقِي من الربوا} . إِلَى قَوْله: {فلكم من رُؤُوس أَمْوَالكُم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) . قد أَمر الله برد عقد الرِّبَا، ورد رَأس المَال وَلَا خلاف أَيْضا أَن من بَاعَ بيعا فَاسِدا أَن بَيْعه مَرْدُود.
واستفيد من حَدِيث الْبَاب حُرْمَة الرِّبَا وَعظم أمره، وَقد تقدم الْبَحْث فِيهِ فِي: بَاب مَا إِذا أَرَادَ بيع تمر بِتَمْر خير مِنْهُ، وَهُوَ فِي كتاب الْبيُوع.
٢١ - (بابُ الوَكالَةِ فِي الوَقْفِ ونَفَقَتِهِ وأنْ يُطْعِمَ صَدِيقا لَهُ ويَأكُلَ بالمَعْرُوفِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي الْوَقْف. قَوْله: (وَنَفَقَته) أَي: نَفَقَة الْوَكِيل، يدل عَلَيْهِ لفظ الْوكَالَة. قَوْله: (وَأَن يطعم) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وإطعام الْوَكِيل صديقه من مَال الْوَقْف الَّذِي هُوَ وَكيل فِيهِ. قَوْله: (وَيَأْكُل) أَي: الْوَكِيل (بِالْمَعْرُوفِ) يَعْنِي: بِمَا يتعارفه الوكلاء فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حبس نَفسه لتصرف مُوكله وَالْقِيَام بأَمْره قِيَاسا على ولي الْيَتِيم؟ قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ: