الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٢٧
الحديث رقم ٢٣٢٧ من كتاب «كتاب الحرث والمزارعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب حدثنا محمد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ وَإِنْ جَاؤُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا وَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ وَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ مَعْمَرٌ لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ : سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والعجب كيف خفي هذا على النَّحويِّين حتَّى قلَّد الخالفُ منهم السَّالفَ، وساق فيه كلامًا طويلًا حاصله: أنَّ السَّرَاة مفردٌ لا جمعٌ، واستدلَّ عليه بما تقف عليه من كلامه (حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ) أي: منتشرٌ، ولمَّا أنشد حسَّان هذا أجابه أبو (١) سفيان بن الحارث بقوله (٢):
أدام اللهُ ذلكَ من صنيعٍ … وحرَّق في نواحيها السَّعيرُ
وفي ذلك نزلت ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً (٣)﴾ … الآية (٤) [الحشر: ٥] وإنَّما قال حسَّان ذلك؛ لأنَّ قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسدٍ صاحب عقد بني قريظة على نقض العهد بينه وبين رسول الله ﷺ حتَّى خرج معهم إلى الخندق، وقيل: إنَّما قطع النَّخل لأنَّها كانت تقابل القوم فقطعت، ليبرز مكانها فتكون مجالًا للحرب.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.
٢٣٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ابن مقاتلٍ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ) الزُّرقيِّ، أنَّه (سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة آخره جيمٌ، الأنصاريَّ (٥) (قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ
المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا) (١) هو مكان الزَّرع، أو مصدرٌ، أي: كنَّا أكثر أهل المدينة زرعًا، ونصبه على التَّمييز، وأصله: مُزترَعًا، فأُبدِلت التَّاء دالًا؛ لأنَّ مخرج التَّاء لا يوافق الزَّاي لشدَّتها (كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ) بضمِّ النُّون من الإكراء (بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى) القياس مُسمَّاةً لأنَّه حالٌ من «النَّاحية»، ولكنَّه ذكَّره باعتبار أنَّ ناحية الشَّيء بعضه، أو باعتبار الزَّرع (لِسَيِّدِ الأَرْضِ) أي: مالكها تنزيلًا لها منزلة العبد، وأطلق السَّيِّد عليه (قَالَ) رافع بن خديجٍ: (فَمِمَّا) أي: كثيرًا مّا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فمهما» (يُصَابُ ذَلِكَ) البعض، أي: تقع له (٢) مصيبةٌ ويتلف ذلك (وَتَسْلَمُ الأَرْضُ) أي: باقيها (وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ) البعض، قال في «المصابيح»: الظَّاهر تخريج «فممَّا» على أنَّها بمعنى: «ربَّما» على ما ذهب إليه السِّيرافيُّ وابنا طاهرٍ وخروفٍ والأعلم، وخرَّجوا عليه قول سيبويه: واعلم أنَّهم ممَّا يحذفون كذا. انتهى. ولأبي ذرٍّ: «ومهما» كالأوَّل (٣)، والأولى أولى؛ لأنَّ «مهما» تُستعمَل لأحد معانٍ ثلاثةٍ، أحدها: تضمُّن معنى الشَّرط فيما لا يعقل غير الزَّمان، والثَّاني: الزَّمان والشَّرط، وأنكر الزَّمخشريُّ ذلك، والثَّالث: الاستفهام ولا يناسب «مهما» إلَّا بالتَّعسُّف.
(فَنُهِينَا) عن هذا الإكراء على هذا الوجه؛ لأنَّه موجبٌ لحرمان أحد الطَّرفين فيؤدِّي إلى الأكل بالباطل (وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالوَرِقُ) بكسر الرَّاء، وللأَصيليِّ: «والفضَّة» (فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ) يُكرى بهما، ولم يرد نفي وجودهما، وهذا الباب بمنزلة الفصل من السَّابق، لكن استشكل إدخال الحديث فيه حتَّى قيل: إنَّه وُضِع في غير موضعه من النَّاسخ، وأُجيب بأنَّ وجه دخوله من حيث إنَّ من اكترى أرضًا لمدَّةٍ فله أن يزرع ويغرس فيها ما شاء (٤)، فإذا تمَّت المدَّة فلصاحب الأرض طلبه بقلعهما، فهو من إباحة قطع الشَّجر، وهذا كافٍ في المطابقة، وفيه أنَّ
كراء الأرض بجزءٍ ممَّا يخرج منها منهيٌّ عنه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ.
وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن الصَّحابيِّ (١)، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المزارعة» [خ¦٢٣٤٦] [خ¦٢٣٤٧] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٢]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا أبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «المزارعة»، وابن ماجه في «الأحكام».
(٨) (باب المُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ) وهو (٢) النِّصف (وَنَحْوِهِ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن الجدليِّ الكوفيُّ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) محمَّد بن عليِّ بن الحسين، الباقر، أنَّه (قَالَ: مَا بِالمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ) أي: مهاجريٍّ (إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ) الواو بمعنى: «أو»، وقوله في «الفتح»: -عاطفةٌ على الفعل لا على المجرور، أي: يزرعون على الثُّلث ويزرعون على الرُّبع- تعقَّبه في «عمدة القاري» بأنَّه لا يُقال: الحرف يُعطَف على الفعل،
وإنَّما الواو بمعنى: «أو»، فإذا أبقيناها على أصلها يكون فيه حذفٌ تقديره: وإلَّا يزرعون على الرُّبع، ولا يضرُّ تفرُّد قيسٍ الكوفيِّ بروايته هذا عن أبي جعفر المدنيِّ (١) عن المدنيِّين الرَّاوين عنه، فإنَّ انفراد الثِّقة الحافظ غير مؤثِّرٍ على أنَّه لم ينفرد به، فقد وافقه غيره في بعض معناه كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا (وَزَارَعَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ، فيما وصله ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صُلَيعٍ عنه (وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) وهو سعد بن أبي وقَّاصٍ (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة أيضًا من طريق موسى بن طلحة (وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فيما وصله أيضًا ابن أبي شيبة من طريق خالدٍ الحذَّاء (وَالقَاسِمُ) بن محمَّدٍ فيما وصله عبد الرَّزَّاق (وَعُرْوَةُ بن الزُّبَيْر) فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وَآلُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَآلُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَآلُ عَلِيٍّ) ابن أبي طالبٍ فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا، وآلُ الرَّجل: أهلُ بيته (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، فيما وصله سعيد بن منصورٍ.
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيُّ، أبو بكرٍ الكوفيُّ، فيما وصله ابن أبي شيبة: (كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) بن قيسٍ، النَّخعيَّ الكوفيَّ، وهو أخو الأسود بن يزيد وابن أخي علقمة بن قيسٍ (فِي الزَّرْعِ) زاد ابن أبي شيبة فيه: وأحمله إلى علقمة والأسود (٢)، فلو رَأَيَا به بأسًا لَنَهَيَانِي عنه (وَعَامَلَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ) بكسر الهمزة (عُمَرُ بِالبَذْرِ) بالذَّال المعجمة (مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاؤُوْا بِالبَذْرِ) من عندهم (فَلَهُمْ كَذَا) وهذا وصله ابن أبي شيبة، عن أبي خالدٍ الأحمر، عن يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عمر … فذكر نحوه، وهذا مُرسَلٌ، وأخرجه البيهقيُّ من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن
عمر بن عبد العزيز قال: لمَّا استُخلِف عمر أجلى أهل نجرانَ وأهل فَدَكٍ وتيماءَ وأهلَ خيبرَ، واشترى عُقُرَهم (١) وأموالهم، واستَعملَ يعلى بن أميَّة (٢) فأعطى البياض -يعني: بياض الأرض- على إن كان البذر والبقر والحديد من عمر، فلهم الثُّلث، ولعمر (٣) الثُّلثان، وإن كان منهم فلهم الشَّطر، وله الشَّطر (٤)، وأعطى النَّخل والعنب على أنَّ لعمر (٥) الثُّلثين، ولهم الثُّلث، وهذا مُرسَلٌ أيضًا فيتقوَّى أحدهما بالآخر، وكأنَّ المصنِّف أبهم المقدار بقوله: «فلهم كذا» لِما وقع فيه من الاختلاف؛ لأنَّ غرضه منه (٦) أنَّ عمر أجاز المعاملة بالجزء، وفي إيراد البخاريِّ هذا الأثر وغيره في هذه التَّرجمة ما يقتضي أنَّه يرى أنَّ المزارعة والمخابرة بمعنًى واحدٍ، وهو (٧) وجهٌ عند الشَّافعيَّة، والآخر أنَّهما مختلفا المعنى، فالمزارعة: العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من المالك، والمخابرة مثلها، لكنَّ البذر من العامل.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا) عليها (فَمَا خَرَجَ) منها (فَهْوَ بَيْنَهُمَا) وهذا وصله سعيد بن منصورٍ فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ، قال العينيُّ: لم أجده بعد الكشف (وَرَأَى ذَلِكَ) الذي قاله الحسن (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، قال ابن حجرٍ: وصله عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة نحوه، قال العينيُّ: لم أجده عندهما (وَقَالَ
الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى القُطْنُ عَلَى النِّصْفِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الجيم وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، و «القطنُ»: رفع نائبٍ عن الفاعل، وهذا موصولٌ فيما قاله الحافظ (١) ابن حجرٍ عند عبد الرَّزَّاق، ومثل القطن العصفر ولُقاط الزَّيتون والحصاد وغير ذلك ممَّا هو مجهولٌ، فأجازه جماعةٌ من التَّابعين، وهو قول أحمد قياسًا على القِراض؛ لأنَّه يعمل بالمال على جزءٍ منه معلوم لا يدري مبلغه (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله الأثرم (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (وَالحَكَمُ) بن عتيبة فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة -كما قاله في «الفتح» - وقال في «عمدة القاري»: لم أجد ذلك عنده (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (وَقَتَادَةُ) فيما وصله عنه ابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ) أي: الغزل للنَّسَّاج ينسجه، وإطلاق الثَّوب عليه من باب المجاز، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «الثَّورَ» (بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ) أي: يكون الثُّلث أو الرُّبع ونحوه للنَّسَّاج، والباقي لمالك (٢) الغزل (وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنه، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة» وفرعها: «معتمرٌ» بالفوقيَّة، فليُنظَر (٣): (لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ المَاشِيَةُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «تُكرَى الماشية» (عَلَى الثُّلُثِ أو الرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: ثلث الكراء الحاصل منها، أي: بأن يكريها لحمل طعامٍ (٤) مثلًا إلى مدَّةٍ معلومةٍ على أن يكون ذلك بينهما أثلاثًا أو أرباعًا، ورأيت بهامش «اليونينيَّة» ما لفظه (٥): وعند الحافظ أبي ذرٍّ على قوله: «إلى أجلٍ مسمًّى» علامة المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وهو يدلُّ على أنَّه عندهما دون الحَمُّويي، وهو ثابتٌ على ما تراه (٦) في روايته
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والعجب كيف خفي هذا على النَّحويِّين حتَّى قلَّد الخالفُ منهم السَّالفَ، وساق فيه كلامًا طويلًا حاصله: أنَّ السَّرَاة مفردٌ لا جمعٌ، واستدلَّ عليه بما تقف عليه من كلامه (حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ) أي: منتشرٌ، ولمَّا أنشد حسَّان هذا أجابه أبو (١) سفيان بن الحارث بقوله (٢):
أدام اللهُ ذلكَ من صنيعٍ … وحرَّق في نواحيها السَّعيرُ
وفي ذلك نزلت ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً (٣)﴾ … الآية (٤) [الحشر: ٥] وإنَّما قال حسَّان ذلك؛ لأنَّ قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسدٍ صاحب عقد بني قريظة على نقض العهد بينه وبين رسول الله ﷺ حتَّى خرج معهم إلى الخندق، وقيل: إنَّما قطع النَّخل لأنَّها كانت تقابل القوم فقطعت، ليبرز مكانها فتكون مجالًا للحرب.
(٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين بغير ترجمةٍ.
٢٣٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ابن مقاتلٍ» قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ) الزُّرقيِّ، أنَّه (سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) بفتح الخاء المعجمة آخره جيمٌ، الأنصاريَّ (٥) (قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ
المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا) (١) هو مكان الزَّرع، أو مصدرٌ، أي: كنَّا أكثر أهل المدينة زرعًا، ونصبه على التَّمييز، وأصله: مُزترَعًا، فأُبدِلت التَّاء دالًا؛ لأنَّ مخرج التَّاء لا يوافق الزَّاي لشدَّتها (كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ) بضمِّ النُّون من الإكراء (بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى) القياس مُسمَّاةً لأنَّه حالٌ من «النَّاحية»، ولكنَّه ذكَّره باعتبار أنَّ ناحية الشَّيء بعضه، أو باعتبار الزَّرع (لِسَيِّدِ الأَرْضِ) أي: مالكها تنزيلًا لها منزلة العبد، وأطلق السَّيِّد عليه (قَالَ) رافع بن خديجٍ: (فَمِمَّا) أي: كثيرًا مّا، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فمهما» (يُصَابُ ذَلِكَ) البعض، أي: تقع له (٢) مصيبةٌ ويتلف ذلك (وَتَسْلَمُ الأَرْضُ) أي: باقيها (وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ) البعض، قال في «المصابيح»: الظَّاهر تخريج «فممَّا» على أنَّها بمعنى: «ربَّما» على ما ذهب إليه السِّيرافيُّ وابنا طاهرٍ وخروفٍ والأعلم، وخرَّجوا عليه قول سيبويه: واعلم أنَّهم ممَّا يحذفون كذا. انتهى. ولأبي ذرٍّ: «ومهما» كالأوَّل (٣)، والأولى أولى؛ لأنَّ «مهما» تُستعمَل لأحد معانٍ ثلاثةٍ، أحدها: تضمُّن معنى الشَّرط فيما لا يعقل غير الزَّمان، والثَّاني: الزَّمان والشَّرط، وأنكر الزَّمخشريُّ ذلك، والثَّالث: الاستفهام ولا يناسب «مهما» إلَّا بالتَّعسُّف.
(فَنُهِينَا) عن هذا الإكراء على هذا الوجه؛ لأنَّه موجبٌ لحرمان أحد الطَّرفين فيؤدِّي إلى الأكل بالباطل (وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالوَرِقُ) بكسر الرَّاء، وللأَصيليِّ: «والفضَّة» (فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ) يُكرى بهما، ولم يرد نفي وجودهما، وهذا الباب بمنزلة الفصل من السَّابق، لكن استشكل إدخال الحديث فيه حتَّى قيل: إنَّه وُضِع في غير موضعه من النَّاسخ، وأُجيب بأنَّ وجه دخوله من حيث إنَّ من اكترى أرضًا لمدَّةٍ فله أن يزرع ويغرس فيها ما شاء (٤)، فإذا تمَّت المدَّة فلصاحب الأرض طلبه بقلعهما، فهو من إباحة قطع الشَّجر، وهذا كافٍ في المطابقة، وفيه أنَّ
كراء الأرض بجزءٍ ممَّا يخرج منها منهيٌّ عنه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ.
وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن الصَّحابيِّ (١)، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المزارعة» [خ¦٢٣٤٦] [خ¦٢٣٤٧] و «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٢]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا أبو داود، وأخرجه النَّسائيُّ في «المزارعة»، وابن ماجه في «الأحكام».
(٨) (باب المُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ) وهو (٢) النِّصف (وَنَحْوِهِ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن الجدليِّ الكوفيُّ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) محمَّد بن عليِّ بن الحسين، الباقر، أنَّه (قَالَ: مَا بِالمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ) أي: مهاجريٍّ (إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ) الواو بمعنى: «أو»، وقوله في «الفتح»: -عاطفةٌ على الفعل لا على المجرور، أي: يزرعون على الثُّلث ويزرعون على الرُّبع- تعقَّبه في «عمدة القاري» بأنَّه لا يُقال: الحرف يُعطَف على الفعل،
وإنَّما الواو بمعنى: «أو»، فإذا أبقيناها على أصلها يكون فيه حذفٌ تقديره: وإلَّا يزرعون على الرُّبع، ولا يضرُّ تفرُّد قيسٍ الكوفيِّ بروايته هذا عن أبي جعفر المدنيِّ (١) عن المدنيِّين الرَّاوين عنه، فإنَّ انفراد الثِّقة الحافظ غير مؤثِّرٍ على أنَّه لم ينفرد به، فقد وافقه غيره في بعض معناه كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبًا (وَزَارَعَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ، فيما وصله ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صُلَيعٍ عنه (وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) وهو سعد بن أبي وقَّاصٍ (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة أيضًا من طريق موسى بن طلحة (وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ) فيما وصله أيضًا ابن أبي شيبة من طريق خالدٍ الحذَّاء (وَالقَاسِمُ) بن محمَّدٍ فيما وصله عبد الرَّزَّاق (وَعُرْوَةُ بن الزُّبَيْر) فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وَآلُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَآلُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَآلُ عَلِيٍّ) ابن أبي طالبٍ فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا، وآلُ الرَّجل: أهلُ بيته (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، فيما وصله سعيد بن منصورٍ.
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيُّ، أبو بكرٍ الكوفيُّ، فيما وصله ابن أبي شيبة: (كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) بن قيسٍ، النَّخعيَّ الكوفيَّ، وهو أخو الأسود بن يزيد وابن أخي علقمة بن قيسٍ (فِي الزَّرْعِ) زاد ابن أبي شيبة فيه: وأحمله إلى علقمة والأسود (٢)، فلو رَأَيَا به بأسًا لَنَهَيَانِي عنه (وَعَامَلَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ) بكسر الهمزة (عُمَرُ بِالبَذْرِ) بالذَّال المعجمة (مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاؤُوْا بِالبَذْرِ) من عندهم (فَلَهُمْ كَذَا) وهذا وصله ابن أبي شيبة، عن أبي خالدٍ الأحمر، عن يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عمر … فذكر نحوه، وهذا مُرسَلٌ، وأخرجه البيهقيُّ من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن
عمر بن عبد العزيز قال: لمَّا استُخلِف عمر أجلى أهل نجرانَ وأهل فَدَكٍ وتيماءَ وأهلَ خيبرَ، واشترى عُقُرَهم (١) وأموالهم، واستَعملَ يعلى بن أميَّة (٢) فأعطى البياض -يعني: بياض الأرض- على إن كان البذر والبقر والحديد من عمر، فلهم الثُّلث، ولعمر (٣) الثُّلثان، وإن كان منهم فلهم الشَّطر، وله الشَّطر (٤)، وأعطى النَّخل والعنب على أنَّ لعمر (٥) الثُّلثين، ولهم الثُّلث، وهذا مُرسَلٌ أيضًا فيتقوَّى أحدهما بالآخر، وكأنَّ المصنِّف أبهم المقدار بقوله: «فلهم كذا» لِما وقع فيه من الاختلاف؛ لأنَّ غرضه منه (٦) أنَّ عمر أجاز المعاملة بالجزء، وفي إيراد البخاريِّ هذا الأثر وغيره في هذه التَّرجمة ما يقتضي أنَّه يرى أنَّ المزارعة والمخابرة بمعنًى واحدٍ، وهو (٧) وجهٌ عند الشَّافعيَّة، والآخر أنَّهما مختلفا المعنى، فالمزارعة: العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من المالك، والمخابرة مثلها، لكنَّ البذر من العامل.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصريُّ: (لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا) عليها (فَمَا خَرَجَ) منها (فَهْوَ بَيْنَهُمَا) وهذا وصله سعيد بن منصورٍ فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ، قال العينيُّ: لم أجده بعد الكشف (وَرَأَى ذَلِكَ) الذي قاله الحسن (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، قال ابن حجرٍ: وصله عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة نحوه، قال العينيُّ: لم أجده عندهما (وَقَالَ
الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى القُطْنُ عَلَى النِّصْفِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الجيم وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، و «القطنُ»: رفع نائبٍ عن الفاعل، وهذا موصولٌ فيما قاله الحافظ (١) ابن حجرٍ عند عبد الرَّزَّاق، ومثل القطن العصفر ولُقاط الزَّيتون والحصاد وغير ذلك ممَّا هو مجهولٌ، فأجازه جماعةٌ من التَّابعين، وهو قول أحمد قياسًا على القِراض؛ لأنَّه يعمل بالمال على جزءٍ منه معلوم لا يدري مبلغه (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله الأثرم (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (وَالحَكَمُ) بن عتيبة فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة -كما قاله في «الفتح» - وقال في «عمدة القاري»: لم أجد ذلك عنده (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (وَقَتَادَةُ) فيما وصله عنه ابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ) أي: الغزل للنَّسَّاج ينسجه، وإطلاق الثَّوب عليه من باب المجاز، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «الثَّورَ» (بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ) أي: يكون الثُّلث أو الرُّبع ونحوه للنَّسَّاج، والباقي لمالك (٢) الغزل (وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنه، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة» وفرعها: «معتمرٌ» بالفوقيَّة، فليُنظَر (٣): (لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ المَاشِيَةُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «تُكرَى الماشية» (عَلَى الثُّلُثِ أو الرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: ثلث الكراء الحاصل منها، أي: بأن يكريها لحمل طعامٍ (٤) مثلًا إلى مدَّةٍ معلومةٍ على أن يكون ذلك بينهما أثلاثًا أو أرباعًا، ورأيت بهامش «اليونينيَّة» ما لفظه (٥): وعند الحافظ أبي ذرٍّ على قوله: «إلى أجلٍ مسمًّى» علامة المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وهو يدلُّ على أنَّه عندهما دون الحَمُّويي، وهو ثابتٌ على ما تراه (٦) في روايته