«إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ.» ﷽بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٥٩

الحديث رقم ٢٥٥٩ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥٥٩ في صحيح البخاري

«إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ.»

بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ الْمُكَاتَبِ وَنُجُومُِهُِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ وَقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾

٢٥٥٩ (م) - وَقَالَ رَوْحٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ قَالَ مَا أُرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ تَأْثِرُهُ عَنْ أَحَدٍ قَالَ لَا ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَبَى فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ كَاتِبْهُ فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَيَتْلُو عُمَرُ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتَبَهُ.

٢٥٦٠ - قَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَعَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوَاقٍ نُجِّمَتْ عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَنَفِسَتْ فِيهَا أَرَأَيْتِ إِنْ عَدَدْتُ لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ فَأُعْتِقَكِ فَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا الْوَلَاءُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ.

بَابُ

⦗١٥٢⦘

مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتَبِ وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ. فِيهِ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٥٥٩

٢٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥٥٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِلَّا بِإِذْنٍ خَاصٍّ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٠ - بَاب إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ

٢٥٥٩ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ .

وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) الْعَبْدَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَذِكْرُ الْعَبْدِ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلِينَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ حُكْمِ الرَّقِيقِ، كَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَأَظُنُّ الْمُصَنِّفُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ.

قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ أبو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ ; وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَكَأَنَّ أَبَا ثَابِتٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو ثَابِتٍ فَهُوَ مَوْصُولٌ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ، وَفَاعِلُ قَالَ هُوَ ابْنُ وَهْبٍ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ لَفْظِ مَالِكٍ وَبِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْآخَرِ. وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ حَرِيصًا عَلَى تَمْيِيزِ ذَلِكَ. وَأَمَّا ابْنُ فُلَانٍ فَقَالَ الْمِزِّيُّ: يُقَالُ هُوَ ابْنُ سَمْعَانَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمْعَانَ الْمَدَنِيَّ، وَهُوَ يُوهِمُ تَضْعِيفَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَهُ قَبْلَهُ بَعْضُ الْقُدَمَاءِ أَيْضًا ; فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: قَالَ أَبُو حَرْبٍ: الَّذِي قَالَ ابْنُ فُلَانٍ هُوَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ فُلَانٍ هُوَ ابْنُ سَمْعَانَ.

قُلْتُ: وَأَبُو حَرْبٍ هَذَا هُوَ بَيَانٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خِرَاشٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ لَكِنْ قَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: ابْنُ فُلَانٍ: ابْنُ سَمْعَانَ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ كَنَّى عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ عَمْدًا لِضَعْفِهِ، وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ خَارِجَ الصَّحِيحِ نَسَبَهُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِمَا خَرَّجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ وَقَالَ فِيهِ ابْنُ سَمْعَانَ وَقَالَ بَعْدَهُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ فَقَالَ: ابْنُ فُلَانٍ، وَأَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ: ابْنُ سَمْعَانَ، وَابْنُ سَمْعَانَ الْمَذْكُورُ مَشْهُورٌ بِالضَّعْفِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ كَذَّبَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، ثُمَّ إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ مِنْ طَرِيقِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَقْرُونًا بِمَالِكٍ، بَلْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ رِوَايَةُ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ فَلْيَتَّقِ بَدَلَ فَلْيَجْتَنِبْ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ إِذَا ضَرَبَ وَمِثْلُهُ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ قَاتَلَ بِمَعْنَى قَتَلَ، وَأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ فِيهِ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهَا لِيَتَنَاوَلَ مَا يَقَعُ عِنْدَ دَفْعِ الصَّائِلِ مَثَلًا

فَيَنْهَى دَافِعَهُ عَنِ الْقَصْدِ بِالضَّرْبِ إِلَى وَجْهِهِ، وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ كُلُّ مَنْ ضُرِبَ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ تَأْدِيبٍ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ الَّتِي زَنَتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ بِرَجْمِهَا وَقَالَ: ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ تَعَيَّنَ إِهْلَاكُهُ فَمَنْ دُونَهُ أَوْلَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ الْإِدْرَاكُ بِأَعْضَائِهِ، فَيُخْشَى مِنْ ضَرْبِهِ أَنْ تَبْطُلَ أَوْ تَتَشَوَّهَ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا، وَالشَّيْنُ فِيهَا فَاحِشٌ لِظُهُورِهَا وَبُرُوزِهَا، بَلْ لَا يَسْلَمُ إِذَا ضَرَبَهُ غَالِبًا مِنْ شَيْنٍ اهـ.

وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورٌ حَسَنٌ، لَكِنْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ تَعْلِيلٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرَاغِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَزَادَ: فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الضَّمِيرِ عَلَى مَنْ يَعُودُ؟ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الْمَضْرُوبِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِكْرَامِ وَجْهِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ارْتِبَاطٌ بِمَا قَبْلَهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَعَادَ بَعْضُهُمُ الضَّمِيرَ عَلَى اللَّهِ مُتَمَسِّكًا بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ أَوْرَدَهُ بِالْمَعْنَى مُتَمَسِّكًا بِمَا تَوَهَّمَهُ فَغَلِطَ فِي ذَلِكَ.

وَقَدْ أَنْكَرَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ صِحَّةَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْبَارِي . قُلْتُ: الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَأَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ يَرُدُّ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ صُورَةَ وَجْهِ الْإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ وَجْهِ الرَّحْمَنِ فَتَعَيَّنَ إِجْرَاءُ مَا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ إِمْرَارِهِ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ تَشْبِيهٍ، أَوْ مِنْ تَأْوِيلِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالرَّحْمَنِ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ .. الْحَدِيثَ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى آدَمَ أَيْ عَلَى صِفَتِهِ أَيْ خَلَقَهُ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ الَّذِي فَضَلَ بِهِ الْحَيَوَانَ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ: غَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَأَجْرَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ انْتَهَى. وَقَالَ حَرْبٌ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ: صَحَّ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَوْسَجِ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ - أَيْ صُورَةِ الرَّجُلِ - فَقَالَ: كَذَبَ هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا تَقُولَنَّ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ وَجْهِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضِ النَّوَوِيُّ لِحُكْمِ هَذَا. انتهى. وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ الصَّحَابِيِّ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَطَمَ غُلَامَهُ فَقَالَ: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحْتَرَمَةٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.

٥٠ - كِتَابُ الْمُكَاتَبِ

قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي الْمُكَاتَبِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ كِتَابُ الْمُكَاتَبِ؛ وَأَثْبَتُوا كُلُّهُمُ الْبَسْمَلَةَ. وَالْمُكَاتَبُ بِالْفَتْحِ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْكِتَابَةُ، وَبِالْكَسْرِ مَنْ تَقَعُ مِنْهُ، وَكَافُ الْكِتَابَةِ تُكْسَرُ وَتُفْتَحُ كَعَيْنِ الْعِتَاقَةِ، قَالَ الرَّاغِبُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ كَتَبَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ - ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أَوْ بِمَعْنَى جَمَعَ وَضَمَّ، وَمِنْهُ كَتَبْتُ الْخَطَّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنْ مَعْنَى الِالْتِزَامِ، وَعَلَى الثَّانِي تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْخَطِّ لِوُجُودِهِ عِنْدَ عَقْدِهَا غَالِبًا.

قَالَ الرُّويَانِيُّ: الْكِتَابَةُ إِسْلَامِيَّةٌ وَلَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَذَا قَالَ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَأْبَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ التِّينِ: كَانَتِ الْكِتَابَةُ مُتَعَارَفَةٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كَلَامِهِ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ: قِيلَ: إِنَّ بَرِيرَةَ أَوَّلُ مُكَاتَبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانُوا يُكَاتِبُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ مِنَ الرِّجَالِ فِي الْإِسْلَامِ سَلْمَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ.

وَحَكَى ابْنُ التِّينِ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كُوتِبَ أَبُو الْمُؤَمِّلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَعِينُوهُ، وَأَوَّلَ مَنْ كُوتِبَ مِنَ النِّسَاءِ بَرِيرَةُ، كَمَا سَيَأْتِي حَدِيثُهَا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ، وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ بَعْدَ النَّبِيِّ أَبُو أُمَيَّةَ مَوْلَى عُمَرَ، ثُمَّ سِيرِينُ مَوْلَى أَنَسٍ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْكِتَابَةِ، وَأَحْسَنُهُ: تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ عَلَى مُعَاوَضَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَالْكِتَابَةُ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ إِلَّا إِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ، وَجَائِزَةٌ لَهُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا.

بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ

قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ هُنَا إِلَّا النَّسَفِيَّ وَأَبَا ذَرٍّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِيهَا حَدِيثًا، وَلَا أَعْرِفُ لِدُخُولِهَا فِي أَبْوَابِ الْمُكَاتَبِ مَعْنًى. ثُمَّ وَجَدْتُهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ مُقَدَّمَةً قَبْلَ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ فَهَذَا هُوَ الْمُتَّجَهُ، وَعَلَى هَذَا فَكَأنَ الْمُصَنِّفُ تَرْجَمَ بِهَا وَأَخْلَى بَيَاضًا لِيَكْتُبَ فِيهَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَكْتُبْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي غَيْرِهَا. وَقَدْ تَرْجَمَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بَابُ قَذْفِ الْعَبْدِ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ - جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ.

١ - بَاب الْمُكَاتِبِ وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ

وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وَقَالَ رَوْحٌ: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أتَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَأَبَى فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَالَ: كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَيَتْلُو عُمَرُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتَبَهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّدبير في أمر بيته وأولاده وخدمه وأضيافه، ورعايةُ الخادم حفظُ ما في يده من مال سيِّده والقيام بشغله (قَالَ) أي: ابن عمر: (فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ) أي: مثل الرَّاعي (وَكُلُّكُمْ) ولأبي الوقت: «فكلُّكم» (مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) حالٌ عمل فيه معنى التَّشبيه، ووجه التَّشبيه حفظُ الشَّيء وحُسن التَّعهُّد لما استُحفِظه، وهو القدر المشترك في التَّفصيل، قاله الطِّيبيُّ، وسبق بأتمَّ من هذا [خ¦٨٩٣].

(٢٠) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا ضَرَبَ) الرَّجلُ (العَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ).

٢٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) مُصغَّرًا، أبو ثابتٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، قال الحافظ ابن حجرٍ: وكأنَّ أبا ثابتٍ تفرَّد به عن ابن وهبٍ، فإنِّي لم أره في شيءٍ من المُصنَّفات إلَّا من طريقه، قال: أبو ثابتٍ بالسَّند (قَالَ) أي: ابن وهبٍ (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ فُلَانٍ) وكان ابن وهبٍ سمعه من مالكٍ، وبالقراءة على الآخر، وكان ابن وهبٍ حريصًا على تمييز ذلك، زاد أبو ذرٍّ في روايته عن المُستملي: «قال أبو إسحاق: قال أبو حربٍ: الذي قال ابنُ فلانٍ هو قول ابن وهبٍ، وهو»، أي: المبهم «ابن سمعان» (٢) يعني: عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدنيَّ، وقد أخرجه الدَّارقُطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من طريق عبد الرَّحمن بن خِرَاشٍ -بكسر المعجمة- عن البخاريِّ قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ محمَّد بن عبيد الله المدنيُّ … فذكر الحديث، لكن قال بدل قوله: «ابن

فلانٍ»: ابن سمعان، فكأنَّ البخاريَّ كنَّى به عنه (١) في «الصَّحيح» عمدًا لضعفه، فإنَّه مشهورٌ بالضَّعف، متروك الحديث، كذَّبه مالكٌ وأحمد وغيرهما، ولمَّا حدَّث به البخاريُّ خارج الصَّحيح نسبه، لكن ليس له في الصَّحيح إلَّا هذا الموضع على أنَّه لم يسق المتن من طريقه مع (٢) كونه مقرونًا، بل ساقه على لفظ رواية همَّامٍ عن أبي هريرة، وقد أخرجه أبو نعيمٍ في «المستخرج» من طريق العبَّاس بن الفضل عن أبي ثابتٍ فقال: «ابن فلانٍ»، وفي موضعٍ آخر فقال: «ابن سمعان» (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ). قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» (٣) (وَحَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ، قال (٤): (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ) ولمسلمٍ من طريق أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «فليتَّقِ» بدل «فليجتنب»، و «قاتل» بمعنى: قتل، فـ «المفاعلة» ليست على ظاهرها، ويؤيِّده حديث مسلمٍ من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: «إذا ضرب»، ومثله للنَّسائيِّ من طريق عجلان، ولأبي داود من طريق أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، وعند المؤلِّف في «الأدب المفرد» من طريق محمَّد بن عجلان: أخبرني سعيدٌ، عن أبي هريرة: «إذا ضرب أحدكم خادمه»، ويحتمل أن تكون على ظاهرها ليتناول ما يقع عند دفع الصَّائل (٥) مثلًا، فينتهي دافعه عن القصد بالضَّرب إلى وجهه، ويدخل في النَّهي كلُّ من ضرب في حدٍّ أو تعزيرٍ أو تأديبٍ، وفي حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصَّة التي زنت فأمر رسول الله برجمها، وقال: «ارموا واتَّقوا الوجه»، وقد وقع في «مسلمٍ» تعليل اتِّقاء الوجه، ففي حديث أبي هريرة من طريق أبي أيُّوب (٦): «فإنَّ الله خلق آدم على صورته»، والأكثر على أنَّ الضَّمير يعود على المضروب؛ لما تقدَّم من

الأمر بإكرام وجهه، ولولا أنَّ المراد التَّعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباطٌ بما قبلها، وقيل: يعود على آدم؛ أي (١): على (٢) صفته، فأُمِر بالاجتناب إكرامًا لآدم لمشابهته لصورة (٣) المضروب، ومراعاةً لحقِّ الأبوَّة، وظاهر النَّهي التَّحريم، ويؤيِّده حديث سويد بن مقرنٍ عند مسلمٍ: أنَّه رأى رجلًا لطم غلامه (٤)، فقال: أما علمت أنَّ الصُّورة محرَّمةٌ.

((٥٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم فِي المُكَاتَب) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة: الرَّقيق الذي يكاتبه مولاه (١) على مالٍ يؤدِّيه إليه، فإذا أدَّاه عتق، فإن عجز رُدَّ إلى الرِّقِّ، وبكسر التَّاء: السَّيِّد الذي تقع منه المُكاتَبة (٢)، و «الكِتابة» -بكسر الكاف-: عقدُ عتقٍ بلفظها بعوضٍ مُنَجَّمٍ بنجمين فأكثر، وهي خارجةٌ عن قواعد المعاملات عند من يقول: إنَّ العبد لا يملك؛ لدورانها بين السَّيِّد ورقيقه، ولأنَّها بيع ماله بماله، وكانت الكتابة متعارفةً قبل الإسلام، فأقرَّها الشَّارع ، وقال الرُّويانيُّ: إنَّها إسلاميَّةٌ لم تكن في الجاهليَّة، والأوَّل هو الصَّحيح، وأوَّل من كُوتِب في الإسلام بريرة، ومن الرِّجال سلمان، وهي لازمةٌ من جهة السَّيِّد إلَّا إن عجز العبد، وجائزةٌ له على الرَّاجح، ولغير أبي ذرٍّ -كما في «الفتح» -: «كتاب المُكاتَب» بدل قوله: «في المُكاتَب»، والبسملة ثابتةٌ للكلِّ (٣).

(١) (بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) لم يذكر فيه حديثًا أصلًا، ولعلَّه بيَّض له ليثبت فيه ما ورد في معناه فلم يُقدَّر له ذلك، نعم ترجم في «كتاب الحدود»: «وقذف العبد»، وساق فيه حديث [خ¦٦٨٥٨]: «من قذف مملوكه وهو بريءٌ ممَّا قال (٤) جُلِد يوم القيامة»، وقد سقطت هذه التَّرجمة عند أبي ذرٍّ والنَّسفيِّ، وهو الأَولى لما لا يخفى.

(باب المُكَاتَبِ) بفتح التَّاء (وَنُجُومُِهِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وبالرَّفع على الاستئناف (فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ) رُفِع بالابتداء، وخبره الجارُّ والمجرور، والجملة في موضع رفعٍ على الخبريَّة، وسقط للنَّسفيِّ قوله «نجمٌ»، فالجارُّ والمجرور (١) في موضع نصبٍ على الحال من قوله: «ونجومه»، ونجم (٢) الكتابة هو القدر المُعيَّن الذي يؤدِّيه المُكاتَب في وقتٍ مُعيَّنٍ، وأصله: أنَّ العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النَّجم؛ لأنَّهم لا يعرفون الحساب، فيقول أحدهم: إذا طلع النَّجم الفلانيُّ أدَّيت حقَّك، فسُمِّيت الأوقات نجومًا بذلك، ثمَّ سُمِّي المُؤدَّى في الوقت نجمًا.

(وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾) المكاتبة، وهو أن يقول الرَّجل لمملوكه: كاتبتك على ألفٍ مثلًا مُنجَّمًا إذا أدَّيته فأنت حرٌّ، ويبيِّن عدد النُّجوم وقسط كلِّ نجمٍ، وهو إمَّا أن يكون من الكتاب؛ لأنَّ السَّيِّد كتب على نفسه عتقه إذا وفى بالمال، أو لأنَّه (٣) ممَّا يُكتَب لتأجيله، أو من الكتب بمعنى الجمع؛ لأن (٤) العوض فيه يكون مُنجَّمًا بنجومٍ يُضَمُّ بعضها إلى بعضٍ (﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) عبدًا أو أَمَةً، والموصول بصلته مبتدأٌ، خبره

(﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾) أو مفعولٌ بمُضمَرٍ، هذا تفسيره، والفاء لتضمُّن معنى الشَّرط، واشترط الشَّافعيُّ التَّأجيل وقوفًا مع (١) التَّسمية بناءً على أنَّ الكتابة من الضَّمِّ، وأقلُّ ما يحصل به الضَّمُّ نجمان، ولأنَّه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء، وجوَّز الحنفيَّة والمالكيَّة الكتابة حالًّا ومُؤجَّلًا، ومُنجَّمًا وغير مُنجَّمٍ؛ لأنَّ الله تعالى لم يذكر التَّنجيم، وأُجيب: بأنَّ هذا احتجاجٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ المطلق لا يعمُّ مع أنَّ العجز عن الأداء في الحال يمنع صحَّتها كما في السَّلم فيما لا يوجد عند المحلِّ (﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) أمانةً وقدرةً على أداء المال بالاحتراف كما فسَّره بهما إمامنا الشَّافعيُّ ، وفسَّره ابن عبَّاسٍ بالقدرة على الكسب، والشَّافعيُّ ضمَّ إليها الأمانة؛ لأنَّه قد يضيِّع ما يكسبه فلا يعتق، وفي «المراسيل» لأبي داود عن يحيى بن أبي كثيرٍ قال: قال رسول الله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: «إن علمتم فيهم حرفةً، ولا ترسلوهم كَلًّا على النَّاس»، وقيل: المراد: الصَّلاح في الدِّين، وقيل: المال، وهما ضعيفان، ولو فُقِد الشَّرطان لم تُستَحبَّ (٢)، لكن لا تُكرَه (٣) لأنَّ الخير شرط الأمر، فلا يلزم من عدمه عدم الجواز، وقال ابن القطَّان: يُكرَه، والصَّحيح الأوَّل (﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]) أمرٌ للموالي أن يبذلوا لهم شيئًا من أموالهم، وفي معناه: حطُّ شيءٍ من مال الكتابة، وهو للوجوب عند الأكثر، ويكفي أقلُّ ما يُتمَوَّل، وذكر ابن السَّكن والماورديُّ من طريق ابن (٤) إسحاق عن خاله عبد الله بن صَبيحٍ عن أبيه وكان جدَّ ابن إسحاق أبا أمِّه قال: كنت مملوكًا لحاطبٍ، فسألته الكتابة، فأبى، ففِيَّ أُنزِلت: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ … الآية، قال ابن السَّكن: لم أرَ له ذكرًا إلَّا في هذا الحديث، و «صَبيحٌ» ضبطه في «فتح الباري»: بفتح الصَّاد المهملة، ولم يضبطه في «الإصابة»، لكنَّه ذكره عقب (٥) «صُبَيحٍ» -بالتَّصغير- والد أبي الضُّحى مسلم بن صُبَيحٍ، والأمر في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾

للنَّدب، وبه قطع جماهير العلماء؛ لأنَّ الكتابة معاوضةٌ (١) تتضمَّن الإرفاق، فلا تجب كغيرها إذا طلبها المملوك، وإلَّا لبطل أثر الملك واحتكم المماليك على المالكين.

(وَقَالَ رَوْحٌ) بمهملتين أولاهما مفتوحةٌ (٢)، بينهما واوٌ ساكنةٌ، ابن عبادة، ممَّا وصله إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن»، وعبد الرَّزَّاق والشَّافعيُّ (٣) من وجهين آخرين (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيِّ قال: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ: (أَوَاجِبٌ عَلَيَّ) إذا طلب منِّي مملوكٌ المكاتبة (٤) (إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «ما (٥) أَرَاهُ» بفتحها (إِلَّا وَاجِبًا، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: تَأْثُرُهُ) ولأبي ذرٍّ: «أتأثره» بهمزة الاستفهام، أي: أترويه (عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ) عطاءٌ: (لَا) أرويه عن أحدٍ (٦)، وظاهر هذا أنَّه من رواية عمرو بن دينارٍ عن عطاءٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس كذلك، بل وقع في هذه الرِّواية تحريفٌ لزم منه الخطأ، والصَّواب: ما رأيته في الأصل المعتمد من رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ بلفظ: «وقاله» -أي: الوجوب- عمرو بن دينارٍ، وفاعل «قلت لعطاءٍ: تأثره» ابن جريجٍ لا عمرٌو، وحينئذٍ فيكون قوله: «وقال عمرو بن دينارٍ» معترضًا بين قوله: «ما أراه إلَّا واجبًا» وبين قوله: «قلت لعطاءٍ: تأثره»، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه عبد الرَّزَّاق والشَّافعيُّ ومن طريقه البيهقيُّ -كما رأيته في «المعرفة» له- عن عبد الله بن الحارث، كلاهما عن ابن جريجٍ، ولفظه: قال: قلت لعطاء: أواجبٌ عليَّ إذا علمت أنَّ فيه خيرًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلَّا واجبًا -وقالها عمرو بن دينارٍ- وقلت لعطاءٍ: أتأثرها عن أحدٍ؟ قال: لا، قال ابن جريجٍ: (ثُمَّ أَخْبَرَنِي) أي: عطاءٌ (أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ الأنصاريَّ قاضي البصرة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ سِيرِينَ) بكسر السِّين المهملة، أبا عمرة، والد محمَّد بن سيرين الفقيه المشهور، وكان من سبي عين التَّمر قرب

الكوفة، فاشتراه أنسٌ في خلافة أبي بكرٍ، وذكره ابن حبَّان في «ثقات التَّابعين» (سَأَلَ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ الأنصاريَّ (المُكَاتَبَةَ -وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ- فَأَبَى) أي: فامتنع (١) أن يكاتبه (فَانْطَلَقَ) سيرين (إِلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب () فذكر له ذلك (فَقَالَ) عمر لأنسٍ: (كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ) بكسر الدَّال وتشديد الرَّاء: آلةٌ يُضرَب بها (وَيَتْلُو عُمَرُ) : (﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) فأدَّاه اجتهاده إلى أنَّ الأمر في الآية للوجوب، وأنسٌ إلى النَّدب (فَكَاتَبَهُ) وقرأت في «باب تعجيل الكتابة» من «المعرفة» للبيهقي عن أنس بن سيرين عن أبيه قال: كاتبني أنس بن مالك على عشرين ألف درهم فأتيته بكتابته فأبى أن يقبلها مني إلَّا نجومًا، فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له فقال: أراد أنس الميراث، وكتب إلى أنس أن اقبلها من الرجل فقبلها.

وقال الربيع: قال الشافعي: [و] (٢) روي عن عمر بن الخطاب: أن مكاتبًا لأنس جاءه فقال: إني أتيت بمكاتبتي إلى أنس فأبى أن يقبلها، فقال: أنس يريد الميراث، ثم أمر أنسًا أن يقبلها، أحسبه قال: فأبى، فقال: آخذها فأضعها في بيت المال فقبلها أنس، وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد (٣) الله بن أبي بكر بن أنس قال: هذه مكاتبة أنس عندنا، هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين، كاتبه على كذا وكذا ألفًا (٤)، وعلى غلامين يعملان مثل عمله.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِلَّا بِإِذْنٍ خَاصٍّ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٠ - بَاب إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ

٢٥٥٩ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ .

وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) الْعَبْدَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَذِكْرُ الْعَبْدِ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلِينَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ حُكْمِ الرَّقِيقِ، كَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَأَظُنُّ الْمُصَنِّفُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ.

قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ أبو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ ; وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَكَأَنَّ أَبَا ثَابِتٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو ثَابِتٍ فَهُوَ مَوْصُولٌ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ، وَفَاعِلُ قَالَ هُوَ ابْنُ وَهْبٍ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ لَفْظِ مَالِكٍ وَبِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْآخَرِ. وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ حَرِيصًا عَلَى تَمْيِيزِ ذَلِكَ. وَأَمَّا ابْنُ فُلَانٍ فَقَالَ الْمِزِّيُّ: يُقَالُ هُوَ ابْنُ سَمْعَانَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمْعَانَ الْمَدَنِيَّ، وَهُوَ يُوهِمُ تَضْعِيفَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَهُ قَبْلَهُ بَعْضُ الْقُدَمَاءِ أَيْضًا ; فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: قَالَ أَبُو حَرْبٍ: الَّذِي قَالَ ابْنُ فُلَانٍ هُوَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ فُلَانٍ هُوَ ابْنُ سَمْعَانَ.

قُلْتُ: وَأَبُو حَرْبٍ هَذَا هُوَ بَيَانٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خِرَاشٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ لَكِنْ قَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: ابْنُ فُلَانٍ: ابْنُ سَمْعَانَ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ كَنَّى عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ عَمْدًا لِضَعْفِهِ، وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ خَارِجَ الصَّحِيحِ نَسَبَهُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِمَا خَرَّجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ وَقَالَ فِيهِ ابْنُ سَمْعَانَ وَقَالَ بَعْدَهُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ فَقَالَ: ابْنُ فُلَانٍ، وَأَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ: ابْنُ سَمْعَانَ، وَابْنُ سَمْعَانَ الْمَذْكُورُ مَشْهُورٌ بِالضَّعْفِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ كَذَّبَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، ثُمَّ إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ مِنْ طَرِيقِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَقْرُونًا بِمَالِكٍ، بَلْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ رِوَايَةُ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ فَلْيَتَّقِ بَدَلَ فَلْيَجْتَنِبْ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ إِذَا ضَرَبَ وَمِثْلُهُ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ قَاتَلَ بِمَعْنَى قَتَلَ، وَأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ فِيهِ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهَا لِيَتَنَاوَلَ مَا يَقَعُ عِنْدَ دَفْعِ الصَّائِلِ مَثَلًا

فَيَنْهَى دَافِعَهُ عَنِ الْقَصْدِ بِالضَّرْبِ إِلَى وَجْهِهِ، وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ كُلُّ مَنْ ضُرِبَ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ تَأْدِيبٍ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ الَّتِي زَنَتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ بِرَجْمِهَا وَقَالَ: ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ تَعَيَّنَ إِهْلَاكُهُ فَمَنْ دُونَهُ أَوْلَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ الْإِدْرَاكُ بِأَعْضَائِهِ، فَيُخْشَى مِنْ ضَرْبِهِ أَنْ تَبْطُلَ أَوْ تَتَشَوَّهَ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا، وَالشَّيْنُ فِيهَا فَاحِشٌ لِظُهُورِهَا وَبُرُوزِهَا، بَلْ لَا يَسْلَمُ إِذَا ضَرَبَهُ غَالِبًا مِنْ شَيْنٍ اهـ.

وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورٌ حَسَنٌ، لَكِنْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ تَعْلِيلٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرَاغِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَزَادَ: فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الضَّمِيرِ عَلَى مَنْ يَعُودُ؟ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الْمَضْرُوبِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِكْرَامِ وَجْهِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ارْتِبَاطٌ بِمَا قَبْلَهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَعَادَ بَعْضُهُمُ الضَّمِيرَ عَلَى اللَّهِ مُتَمَسِّكًا بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ أَوْرَدَهُ بِالْمَعْنَى مُتَمَسِّكًا بِمَا تَوَهَّمَهُ فَغَلِطَ فِي ذَلِكَ.

وَقَدْ أَنْكَرَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ صِحَّةَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْبَارِي . قُلْتُ: الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَأَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ يَرُدُّ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ صُورَةَ وَجْهِ الْإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ وَجْهِ الرَّحْمَنِ فَتَعَيَّنَ إِجْرَاءُ مَا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ إِمْرَارِهِ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ تَشْبِيهٍ، أَوْ مِنْ تَأْوِيلِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالرَّحْمَنِ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ .. الْحَدِيثَ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى آدَمَ أَيْ عَلَى صِفَتِهِ أَيْ خَلَقَهُ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ الَّذِي فَضَلَ بِهِ الْحَيَوَانَ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ: غَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَأَجْرَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ انْتَهَى. وَقَالَ حَرْبٌ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ: صَحَّ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَوْسَجِ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ - أَيْ صُورَةِ الرَّجُلِ - فَقَالَ: كَذَبَ هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا تَقُولَنَّ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ وَجْهِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضِ النَّوَوِيُّ لِحُكْمِ هَذَا. انتهى. وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ الصَّحَابِيِّ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَطَمَ غُلَامَهُ فَقَالَ: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحْتَرَمَةٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.

٥٠ - كِتَابُ الْمُكَاتَبِ

قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي الْمُكَاتَبِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ كِتَابُ الْمُكَاتَبِ؛ وَأَثْبَتُوا كُلُّهُمُ الْبَسْمَلَةَ. وَالْمُكَاتَبُ بِالْفَتْحِ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْكِتَابَةُ، وَبِالْكَسْرِ مَنْ تَقَعُ مِنْهُ، وَكَافُ الْكِتَابَةِ تُكْسَرُ وَتُفْتَحُ كَعَيْنِ الْعِتَاقَةِ، قَالَ الرَّاغِبُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ كَتَبَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ - ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أَوْ بِمَعْنَى جَمَعَ وَضَمَّ، وَمِنْهُ كَتَبْتُ الْخَطَّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنْ مَعْنَى الِالْتِزَامِ، وَعَلَى الثَّانِي تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْخَطِّ لِوُجُودِهِ عِنْدَ عَقْدِهَا غَالِبًا.

قَالَ الرُّويَانِيُّ: الْكِتَابَةُ إِسْلَامِيَّةٌ وَلَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَذَا قَالَ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَأْبَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ التِّينِ: كَانَتِ الْكِتَابَةُ مُتَعَارَفَةٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كَلَامِهِ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ: قِيلَ: إِنَّ بَرِيرَةَ أَوَّلُ مُكَاتَبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانُوا يُكَاتِبُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ مِنَ الرِّجَالِ فِي الْإِسْلَامِ سَلْمَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ.

وَحَكَى ابْنُ التِّينِ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كُوتِبَ أَبُو الْمُؤَمِّلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : أَعِينُوهُ، وَأَوَّلَ مَنْ كُوتِبَ مِنَ النِّسَاءِ بَرِيرَةُ، كَمَا سَيَأْتِي حَدِيثُهَا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ، وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ بَعْدَ النَّبِيِّ أَبُو أُمَيَّةَ مَوْلَى عُمَرَ، ثُمَّ سِيرِينُ مَوْلَى أَنَسٍ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْكِتَابَةِ، وَأَحْسَنُهُ: تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ عَلَى مُعَاوَضَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَالْكِتَابَةُ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ إِلَّا إِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ، وَجَائِزَةٌ لَهُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا.

بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ

قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ هُنَا إِلَّا النَّسَفِيَّ وَأَبَا ذَرٍّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِيهَا حَدِيثًا، وَلَا أَعْرِفُ لِدُخُولِهَا فِي أَبْوَابِ الْمُكَاتَبِ مَعْنًى. ثُمَّ وَجَدْتُهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ مُقَدَّمَةً قَبْلَ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ فَهَذَا هُوَ الْمُتَّجَهُ، وَعَلَى هَذَا فَكَأنَ الْمُصَنِّفُ تَرْجَمَ بِهَا وَأَخْلَى بَيَاضًا لِيَكْتُبَ فِيهَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَكْتُبْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي غَيْرِهَا. وَقَدْ تَرْجَمَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بَابُ قَذْفِ الْعَبْدِ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ - جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ.

١ - بَاب الْمُكَاتِبِ وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ

وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وَقَالَ رَوْحٌ: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أتَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَأَبَى فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَالَ: كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَيَتْلُو عُمَرُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتَبَهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

التَّدبير في أمر بيته وأولاده وخدمه وأضيافه، ورعايةُ الخادم حفظُ ما في يده من مال سيِّده والقيام بشغله (قَالَ) أي: ابن عمر: (فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ) أي: مثل الرَّاعي (وَكُلُّكُمْ) ولأبي الوقت: «فكلُّكم» (مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) حالٌ عمل فيه معنى التَّشبيه، ووجه التَّشبيه حفظُ الشَّيء وحُسن التَّعهُّد لما استُحفِظه، وهو القدر المشترك في التَّفصيل، قاله الطِّيبيُّ، وسبق بأتمَّ من هذا [خ¦٨٩٣].

(٢٠) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا ضَرَبَ) الرَّجلُ (العَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ).

٢٥٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) مُصغَّرًا، أبو ثابتٍ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، قال الحافظ ابن حجرٍ: وكأنَّ أبا ثابتٍ تفرَّد به عن ابن وهبٍ، فإنِّي لم أره في شيءٍ من المُصنَّفات إلَّا من طريقه، قال: أبو ثابتٍ بالسَّند (قَالَ) أي: ابن وهبٍ (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ فُلَانٍ) وكان ابن وهبٍ سمعه من مالكٍ، وبالقراءة على الآخر، وكان ابن وهبٍ حريصًا على تمييز ذلك، زاد أبو ذرٍّ في روايته عن المُستملي: «قال أبو إسحاق: قال أبو حربٍ: الذي قال ابنُ فلانٍ هو قول ابن وهبٍ، وهو»، أي: المبهم «ابن سمعان» (٢) يعني: عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدنيَّ، وقد أخرجه الدَّارقُطنيُّ في «غرائب مالكٍ» من طريق عبد الرَّحمن بن خِرَاشٍ -بكسر المعجمة- عن البخاريِّ قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ محمَّد بن عبيد الله المدنيُّ … فذكر الحديث، لكن قال بدل قوله: «ابن

فلانٍ»: ابن سمعان، فكأنَّ البخاريَّ كنَّى به عنه (١) في «الصَّحيح» عمدًا لضعفه، فإنَّه مشهورٌ بالضَّعف، متروك الحديث، كذَّبه مالكٌ وأحمد وغيرهما، ولمَّا حدَّث به البخاريُّ خارج الصَّحيح نسبه، لكن ليس له في الصَّحيح إلَّا هذا الموضع على أنَّه لم يسق المتن من طريقه مع (٢) كونه مقرونًا، بل ساقه على لفظ رواية همَّامٍ عن أبي هريرة، وقد أخرجه أبو نعيمٍ في «المستخرج» من طريق العبَّاس بن الفضل عن أبي ثابتٍ فقال: «ابن فلانٍ»، وفي موضعٍ آخر فقال: «ابن سمعان» (عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدة (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ). قال المؤلِّف بالسَّند: «ح» (٣) (وَحَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ، قال (٤): (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامٍ) هو ابن منبِّهٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ) ولمسلمٍ من طريق أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «فليتَّقِ» بدل «فليجتنب»، و «قاتل» بمعنى: قتل، فـ «المفاعلة» ليست على ظاهرها، ويؤيِّده حديث مسلمٍ من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: «إذا ضرب»، ومثله للنَّسائيِّ من طريق عجلان، ولأبي داود من طريق أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، وعند المؤلِّف في «الأدب المفرد» من طريق محمَّد بن عجلان: أخبرني سعيدٌ، عن أبي هريرة: «إذا ضرب أحدكم خادمه»، ويحتمل أن تكون على ظاهرها ليتناول ما يقع عند دفع الصَّائل (٥) مثلًا، فينتهي دافعه عن القصد بالضَّرب إلى وجهه، ويدخل في النَّهي كلُّ من ضرب في حدٍّ أو تعزيرٍ أو تأديبٍ، وفي حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصَّة التي زنت فأمر رسول الله برجمها، وقال: «ارموا واتَّقوا الوجه»، وقد وقع في «مسلمٍ» تعليل اتِّقاء الوجه، ففي حديث أبي هريرة من طريق أبي أيُّوب (٦): «فإنَّ الله خلق آدم على صورته»، والأكثر على أنَّ الضَّمير يعود على المضروب؛ لما تقدَّم من

الأمر بإكرام وجهه، ولولا أنَّ المراد التَّعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباطٌ بما قبلها، وقيل: يعود على آدم؛ أي (١): على (٢) صفته، فأُمِر بالاجتناب إكرامًا لآدم لمشابهته لصورة (٣) المضروب، ومراعاةً لحقِّ الأبوَّة، وظاهر النَّهي التَّحريم، ويؤيِّده حديث سويد بن مقرنٍ عند مسلمٍ: أنَّه رأى رجلًا لطم غلامه (٤)، فقال: أما علمت أنَّ الصُّورة محرَّمةٌ.

((٥٠)) (بسم الله الرحمن الرحيم فِي المُكَاتَب) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة: الرَّقيق الذي يكاتبه مولاه (١) على مالٍ يؤدِّيه إليه، فإذا أدَّاه عتق، فإن عجز رُدَّ إلى الرِّقِّ، وبكسر التَّاء: السَّيِّد الذي تقع منه المُكاتَبة (٢)، و «الكِتابة» -بكسر الكاف-: عقدُ عتقٍ بلفظها بعوضٍ مُنَجَّمٍ بنجمين فأكثر، وهي خارجةٌ عن قواعد المعاملات عند من يقول: إنَّ العبد لا يملك؛ لدورانها بين السَّيِّد ورقيقه، ولأنَّها بيع ماله بماله، وكانت الكتابة متعارفةً قبل الإسلام، فأقرَّها الشَّارع ، وقال الرُّويانيُّ: إنَّها إسلاميَّةٌ لم تكن في الجاهليَّة، والأوَّل هو الصَّحيح، وأوَّل من كُوتِب في الإسلام بريرة، ومن الرِّجال سلمان، وهي لازمةٌ من جهة السَّيِّد إلَّا إن عجز العبد، وجائزةٌ له على الرَّاجح، ولغير أبي ذرٍّ -كما في «الفتح» -: «كتاب المُكاتَب» بدل قوله: «في المُكاتَب»، والبسملة ثابتةٌ للكلِّ (٣).

(١) (بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) لم يذكر فيه حديثًا أصلًا، ولعلَّه بيَّض له ليثبت فيه ما ورد في معناه فلم يُقدَّر له ذلك، نعم ترجم في «كتاب الحدود»: «وقذف العبد»، وساق فيه حديث [خ¦٦٨٥٨]: «من قذف مملوكه وهو بريءٌ ممَّا قال (٤) جُلِد يوم القيامة»، وقد سقطت هذه التَّرجمة عند أبي ذرٍّ والنَّسفيِّ، وهو الأَولى لما لا يخفى.

(باب المُكَاتَبِ) بفتح التَّاء (وَنُجُومُِهِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وبالرَّفع على الاستئناف (فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ) رُفِع بالابتداء، وخبره الجارُّ والمجرور، والجملة في موضع رفعٍ على الخبريَّة، وسقط للنَّسفيِّ قوله «نجمٌ»، فالجارُّ والمجرور (١) في موضع نصبٍ على الحال من قوله: «ونجومه»، ونجم (٢) الكتابة هو القدر المُعيَّن الذي يؤدِّيه المُكاتَب في وقتٍ مُعيَّنٍ، وأصله: أنَّ العرب كانوا يبنون أمورهم في المعاملة على طلوع النَّجم؛ لأنَّهم لا يعرفون الحساب، فيقول أحدهم: إذا طلع النَّجم الفلانيُّ أدَّيت حقَّك، فسُمِّيت الأوقات نجومًا بذلك، ثمَّ سُمِّي المُؤدَّى في الوقت نجمًا.

(وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾) المكاتبة، وهو أن يقول الرَّجل لمملوكه: كاتبتك على ألفٍ مثلًا مُنجَّمًا إذا أدَّيته فأنت حرٌّ، ويبيِّن عدد النُّجوم وقسط كلِّ نجمٍ، وهو إمَّا أن يكون من الكتاب؛ لأنَّ السَّيِّد كتب على نفسه عتقه إذا وفى بالمال، أو لأنَّه (٣) ممَّا يُكتَب لتأجيله، أو من الكتب بمعنى الجمع؛ لأن (٤) العوض فيه يكون مُنجَّمًا بنجومٍ يُضَمُّ بعضها إلى بعضٍ (﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) عبدًا أو أَمَةً، والموصول بصلته مبتدأٌ، خبره

(﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾) أو مفعولٌ بمُضمَرٍ، هذا تفسيره، والفاء لتضمُّن معنى الشَّرط، واشترط الشَّافعيُّ التَّأجيل وقوفًا مع (١) التَّسمية بناءً على أنَّ الكتابة من الضَّمِّ، وأقلُّ ما يحصل به الضَّمُّ نجمان، ولأنَّه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء، وجوَّز الحنفيَّة والمالكيَّة الكتابة حالًّا ومُؤجَّلًا، ومُنجَّمًا وغير مُنجَّمٍ؛ لأنَّ الله تعالى لم يذكر التَّنجيم، وأُجيب: بأنَّ هذا احتجاجٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ المطلق لا يعمُّ مع أنَّ العجز عن الأداء في الحال يمنع صحَّتها كما في السَّلم فيما لا يوجد عند المحلِّ (﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) أمانةً وقدرةً على أداء المال بالاحتراف كما فسَّره بهما إمامنا الشَّافعيُّ ، وفسَّره ابن عبَّاسٍ بالقدرة على الكسب، والشَّافعيُّ ضمَّ إليها الأمانة؛ لأنَّه قد يضيِّع ما يكسبه فلا يعتق، وفي «المراسيل» لأبي داود عن يحيى بن أبي كثيرٍ قال: قال رسول الله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: «إن علمتم فيهم حرفةً، ولا ترسلوهم كَلًّا على النَّاس»، وقيل: المراد: الصَّلاح في الدِّين، وقيل: المال، وهما ضعيفان، ولو فُقِد الشَّرطان لم تُستَحبَّ (٢)، لكن لا تُكرَه (٣) لأنَّ الخير شرط الأمر، فلا يلزم من عدمه عدم الجواز، وقال ابن القطَّان: يُكرَه، والصَّحيح الأوَّل (﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]) أمرٌ للموالي أن يبذلوا لهم شيئًا من أموالهم، وفي معناه: حطُّ شيءٍ من مال الكتابة، وهو للوجوب عند الأكثر، ويكفي أقلُّ ما يُتمَوَّل، وذكر ابن السَّكن والماورديُّ من طريق ابن (٤) إسحاق عن خاله عبد الله بن صَبيحٍ عن أبيه وكان جدَّ ابن إسحاق أبا أمِّه قال: كنت مملوكًا لحاطبٍ، فسألته الكتابة، فأبى، ففِيَّ أُنزِلت: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ … الآية، قال ابن السَّكن: لم أرَ له ذكرًا إلَّا في هذا الحديث، و «صَبيحٌ» ضبطه في «فتح الباري»: بفتح الصَّاد المهملة، ولم يضبطه في «الإصابة»، لكنَّه ذكره عقب (٥) «صُبَيحٍ» -بالتَّصغير- والد أبي الضُّحى مسلم بن صُبَيحٍ، والأمر في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾

للنَّدب، وبه قطع جماهير العلماء؛ لأنَّ الكتابة معاوضةٌ (١) تتضمَّن الإرفاق، فلا تجب كغيرها إذا طلبها المملوك، وإلَّا لبطل أثر الملك واحتكم المماليك على المالكين.

(وَقَالَ رَوْحٌ) بمهملتين أولاهما مفتوحةٌ (٢)، بينهما واوٌ ساكنةٌ، ابن عبادة، ممَّا وصله إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن»، وعبد الرَّزَّاق والشَّافعيُّ (٣) من وجهين آخرين (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّيِّ قال: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ: (أَوَاجِبٌ عَلَيَّ) إذا طلب منِّي مملوكٌ المكاتبة (٤) (إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، ولأبي ذرٍّ: «ما (٥) أَرَاهُ» بفتحها (إِلَّا وَاجِبًا، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: تَأْثُرُهُ) ولأبي ذرٍّ: «أتأثره» بهمزة الاستفهام، أي: أترويه (عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ) عطاءٌ: (لَا) أرويه عن أحدٍ (٦)، وظاهر هذا أنَّه من رواية عمرو بن دينارٍ عن عطاءٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وليس كذلك، بل وقع في هذه الرِّواية تحريفٌ لزم منه الخطأ، والصَّواب: ما رأيته في الأصل المعتمد من رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ بلفظ: «وقاله» -أي: الوجوب- عمرو بن دينارٍ، وفاعل «قلت لعطاءٍ: تأثره» ابن جريجٍ لا عمرٌو، وحينئذٍ فيكون قوله: «وقال عمرو بن دينارٍ» معترضًا بين قوله: «ما أراه إلَّا واجبًا» وبين قوله: «قلت لعطاءٍ: تأثره»، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه عبد الرَّزَّاق والشَّافعيُّ ومن طريقه البيهقيُّ -كما رأيته في «المعرفة» له- عن عبد الله بن الحارث، كلاهما عن ابن جريجٍ، ولفظه: قال: قلت لعطاء: أواجبٌ عليَّ إذا علمت أنَّ فيه خيرًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلَّا واجبًا -وقالها عمرو بن دينارٍ- وقلت لعطاءٍ: أتأثرها عن أحدٍ؟ قال: لا، قال ابن جريجٍ: (ثُمَّ أَخْبَرَنِي) أي: عطاءٌ (أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ الأنصاريَّ قاضي البصرة (أَخْبَرَهُ: أَنَّ سِيرِينَ) بكسر السِّين المهملة، أبا عمرة، والد محمَّد بن سيرين الفقيه المشهور، وكان من سبي عين التَّمر قرب

الكوفة، فاشتراه أنسٌ في خلافة أبي بكرٍ، وذكره ابن حبَّان في «ثقات التَّابعين» (سَأَلَ أَنَسًا) هو ابن مالكٍ الأنصاريَّ (المُكَاتَبَةَ -وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ- فَأَبَى) أي: فامتنع (١) أن يكاتبه (فَانْطَلَقَ) سيرين (إِلَى عُمَرَ) بن الخطَّاب () فذكر له ذلك (فَقَالَ) عمر لأنسٍ: (كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ) بكسر الدَّال وتشديد الرَّاء: آلةٌ يُضرَب بها (وَيَتْلُو عُمَرُ) : (﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) فأدَّاه اجتهاده إلى أنَّ الأمر في الآية للوجوب، وأنسٌ إلى النَّدب (فَكَاتَبَهُ) وقرأت في «باب تعجيل الكتابة» من «المعرفة» للبيهقي عن أنس بن سيرين عن أبيه قال: كاتبني أنس بن مالك على عشرين ألف درهم فأتيته بكتابته فأبى أن يقبلها مني إلَّا نجومًا، فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له فقال: أراد أنس الميراث، وكتب إلى أنس أن اقبلها من الرجل فقبلها.

وقال الربيع: قال الشافعي: [و] (٢) روي عن عمر بن الخطاب: أن مكاتبًا لأنس جاءه فقال: إني أتيت بمكاتبتي إلى أنس فأبى أن يقبلها، فقال: أنس يريد الميراث، ثم أمر أنسًا أن يقبلها، أحسبه قال: فأبى، فقال: آخذها فأضعها في بيت المال فقبلها أنس، وروى ابن أبي شيبة من طريق عبيد (٣) الله بن أبي بكر بن أنس قال: هذه مكاتبة أنس عندنا، هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين، كاتبه على كذا وكذا ألفًا (٤)، وعلى غلامين يعملان مثل عمله.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل