الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٤٩
الحديث رقم ٢٥٤٩ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ وَقَوْلِهِ: عَبْدِي أَوْ أَمَتِي وَقَالَ اللهُ تَعَالَى:
⦗١٥٠⦘
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وَقَالَ ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ وَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ سَيِّدِكَ وَمَنْ سَيِّدُكُمْ
٢٥٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
طريق عبد الله بن وهبٍ وأبي صفوان الأمويِّ، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق سليمان ابن بلالٍ، وأبو (١) عوانة من طريق عثمان بن عمر (٢).
٢٥٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه، واسم أبيه إبراهيم السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: نِعْمَ مَا) بكسر النُّون وسكون العين وتخفيف الميم، كذا في الفرع وغيره، وقال في «الفتح»: بفتح النُّون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى، قلت: وبها قرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائيُّ وخلفٌ والأعمش في قوله تعالى: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] في سورة البقرة (٣) على الأصل؛ لأنَّ الأصل: نَعِمَ (٤) كعَلِم، ويجوز كسر النُّون إتباعًا لكسرة العين مع تشديد الميم، وهي لغة هُذَيلٍ، وكسر النُّون مع إسكان العين، وهي قراءة قالون وأبي (٥) عمرٍو وأبي بكرٍ وأبي جعفرٍ واليزيديِّ (٦) والحسن، واختاره أبو عبيدٍ، وحكاه لغةً للنَّبيِّ ﷺ في قوله: «نعمَّا المالُ الصَّالح»، وتصحيح الحاكم في «المستدرك» فتحَ النُّون وكسر العين روايةٌ أخرى، فلا يمنع، لكنَّ بعضهم يجعل الإسكان من وَهْم الرُّواة عن أبي عمرٍو، وممَّن أنكره المُبرِّد والزَّجَّاج والفارسيُّ؛ لأنَّ فيه جمعًا بين ساكنين (٧) على غير حدِّهما، قال المبرِّد: لا يقدر أحدٌ أن ينطق به، وإنَّما يروم (٨) الجمع بين ساكنين، فيحرِّك ولا يشعر، وقال الفارسيُّ: لعلَّ أبا عمرٍو أخفى عينه (٩)، فظنَّه الرَّاوي
سكونًا، وأُجيب: بأنَّ الأصلَ في جامع شروط الرِّواية الضَّبطُ، واغتُفِر التقاء السَّاكنين وإن كان الأوَّل غير مدٍّ لعروضه كالوقف، وتجويز هذه الأوجه حكاه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» عند قوله: «نعمَّا للمملوك (١)» المضبوط في الرِّواية فيه: بكسر النُّون والعين وتشديد الميم، أمَّا في رواية البخاريِّ فالذي رأيته في كثيرٍ من الأصول المعتمدة ورويته: كسر النُّون وسكون العين وتخفيف الميم، ومن حفظ غير ما ذكرته في رواية البخاريِّ فهو حجَّةٌ، وفاعل «نِعْمَ» ضميرٌ مستترٌ فيها مُفسَّرٌ بقوله: «يُحسِن»، أي: نعمَّا مملوكٌ (لأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ) ولمسلمٍ من طريق همَّام بن منبِّهٍ عن أبي هريرة: «نِعِمَّا للمملوك أن يُتوفَّى (٢) يُحسِن عبادةَ الله وصحابةَ سيِّده، نِعِمَّا له»، وأمَّا قول ابن مالكٍ رحمه الله تعالى: إنَّ «ما» مساويةٌ للضَّمير في الإبهام، فلا تمييز؛ لأنَّ التَّمييز لبيان الجنس المُميَّز عنه، فقال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ رحمه الله تعالى في «المصابيح»: إنَّه مدفوعٌ بأنَّ «ما» ليس مساويًا للضَّمير؛ لأنَّ المرادَ شيءٌ عظيمٌ، قال: وموضع «يُحسِن عبادَة ربِّه … » إلى آخره تفسيرٌ لـ «ما» في المعنى، فلا محلَّ لها من الإعراب (٣).
(١٧) (باب كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ) أي: التَّرافع (عَلَى الرَّقِيقِ، وَ) كراهية (قَوْلِهِ) أي: الشَّخص لمن يملكه من الرَّقيق: (عَبْدِي أَوْ أَمَتِي) كراهية تنزيهٍ (وَ) يجوز أن يقول ذلك (قَالَ اللهُ تَعَالَى) (٤) في سورة النور: (﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]) (وَقَالَ) ﷿ في سورة النحل: (﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]) وفي سورة يوسف ﵊: (﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]) (وَقَالَ) تعالى في سورة النساء: (﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]) جمع فتاةٍ، وهي الأَمَة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَأْتِي الحوائط، فَمن رَآهُ من العبيد كلف مَا لَا يُطيق وضع عَنهُ، وَمن أقل رزقه زَاده فِيهِ. قَالَ مَالك: وَكَذَلِكَ يفعل فِيمَن يفعل من الأجراء وَلَا يطيقه، وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أوصيكم بالضعيفين: الْمَرْأَة والمملوك، وَأمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم موَالِي أبي طيبَة أَن يخففوا عَنهُ من خراجه. وَفِي (التَّوْضِيح) : التَّسْوِيَة فِي الْمطعم والملبس اسْتِحْبَاب، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء، فَلَو كَانَ سَيّده يَأْكُل الْفَائِق ويلبس العالي فَلَا يجب عَلَيْهِ أَن يُسَاوِي مَمْلُوكه فِيهِ، وَمَا أحسن تَعْلِيل مَالك، وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن من قَوْله: لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت، وَإِنَّمَا كَانَ الْغَالِب من قوتهم التَّمْر وَالشعِير، وَقد صَحَّ أَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: للمملوك طَعَامه وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق، فَإِن زَاد على مَا فرض عَلَيْهِ من قوته وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ كَانَ متفضلاً مُتَطَوعا. وَقَالَ ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن: لَو أَن رجلا عمل لنَفسِهِ خبيصاً فَأَكله دون خادمه، مَا كَانَ بذلك بَأْس، وَكَانَ يُفْتِي أَنه: إِذا أطْعم خادمه من الْخبز الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ فقد أطْعمهُ مِمَّا يَأْكُل مِنْهُ، لِأَن: من، عِنْد الْعَرَب للتَّبْعِيض. وَلَو قَالَ: أطعموهم من كل مَا تَأْكُلُونَ، لعم الخبيص وَغَيره، وَكَذَا فِي اللبَاس. قَوْله: (فَإِن كلفْتُمُوهُمْ) فَإِن قلت: إِذا نهى عَن التَّكْلِيف فَكيف عقبه بقوله: فَإِن كلفْتُمُوهُمْ؟ قلت: النَّهْي للتنزيه قَالَه الْكرْمَانِي، وَفِيه نظر، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {لَا يُكَلف الله نفسا إلَاّ وسعهَا} (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . وَلما لم يُكَلف الله فَوق طاقتنا، وَنحن عبيده، وَجب علينا أَن نمتثل لحكمه وطريقته فِي عبيدنا، وروى هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، مَرْفُوعا: لَا تستخدموا رقيقكم بِاللَّيْلِ، فَإِن النَّهَار لكم وَاللَّيْل لَهُم. وروى معمى عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة يرفعهُ إِلَى سلمَان: أَن رجلأ أَتَاهُ وَهُوَ يعجن، فَقَالَ: أَيْن الْخَادِم؟ قَالَ: أَرْسلتهُ لحَاجَة، فَلم نَكُنْ لنجمع عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ: أَن نرسله وَلَا نكفيه عمله، ووقف عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على تَاجر لَا يعرفهُ، فَاشْترى مِنْهُ قميصين بِعشْرَة دَرَاهِم، فَقَالَ لعَبْدِهِ: إختر أَيهمَا شِئْت.
وَفِيه من الْفَوَائِد: النَّهْي عَن سبّ الرَّقِيق وتعييرهم بِمن ولدهم. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَيْهِم والرفق بهم، وَيلْحق بالرقيق من كَانَ فِي مَعْنَاهُ من أجِير ومستخدم فِي أَمر وَنَحْوهمَا، وَفِيه عدم الترفع على الْمُسلم والإحتقار. وَفِيه: الْمُحَافظَة على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَفِيه: إِطْلَاق الْأَخ على الرَّقِيق.
٦١ - (بابُ العَبْدِ إذَا أحْسنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل العَبْد أَو فِي بَيَان ثَوَابه إِذا أحسن عبَادَة ربه، بِأَن أَقَامَهَا بشروطها. قَوْله: (ونصح) ، من النَّصِيحَة، وَهِي كلمة جَامِعَة مَعْنَاهَا: حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ، وَهُوَ إِرَادَة صَلَاح حَاله وتخليصه من الْخلَل وتصفيته من الْغِشّ.
٦٤٥٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ العَبْدُ إذَا نصَحَ سَيِّدَهُ وأحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(الحَدِيث ٦٤٥٢ طرفه فِي: ٠٥٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي وَهُوَ عبد الله بن مسلمة شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: حض الْمَمْلُوك على نصح سَيّده، لِأَنَّهُ راعٍ فِي مَاله، وَهُوَ مسؤول عَمَّا استرعى. قَوْله: (كَانَ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ) ، مرّة لنصح سَيّده وَمرَّة لإحسان عبَادَة ربه.
٧٤٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ قَالَ أخبرنَا سفْيانُ عنْ صالِحٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي موساى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قالَ قالَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّمَا رَجلٍ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأدِيبَهَا وأعْتَقَهَا وتَزَوَّجَهَا فلَهُ أجْرَانِ وأيُّما عَبْدٍ أدَّى حَقَّ الله وحقَّ مَوالِيهِ فلَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَيّمَا عبد) إِلَى آخِره لِأَن أَدَاء حق الله هُوَ معنى: أحسن عبَادَة ربه، وَأَدَاء حق موَالِيه هُوَ معنى نصح سَيّده. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَصَالح هُوَ ابْن صَالح أَبُو حَيّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، وَأَبُو بردة اسْمه الْحَارِث أَو عَامر، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس. وَالنّصف الأول من الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْجَارِيَة قد مر عَن قريب فِي: بَاب فضل من أدب جَارِيَته، وَالنّصف الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي فِيهِ أَمر العَبْد قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن الشّعبِيّ، وَقد مر
الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَصَالح بن حَيَّان هَذَا هُوَ صَالح بن صَالح أَبُو حَيّ الْمَذْكُور، غير أَن البُخَارِيّ ذكره هُنَاكَ بنسبته إِلَى جده، فَإِنَّهُ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، وَلَيْسَ بِصَالح بن حَيَّان الْقرشِي الْكُوفِي الَّذِي يروي عَن أبي وَائِل، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.
٨٤٥٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ يَقولُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للعبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أجْرَانِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله والحَجُّ وبِرُّ أُمِّي لأحْبَبْتُ أنْ أموتَ وأنَا مَمْلُوكٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَوَقع فِي كتاب ابْن بطال عزو حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ غلط، فَإِنَّهُ أسقط حَدِيث أبي مُوسَى وَركبهُ على حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد السجسْتانِي الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَفِي الْأَيْمَان عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (للْعَبد الْمَمْلُوك) إِنَّمَا وصف العَبْد بالمملوك، لِأَن العَبْد أَعم من أَن يكون مَمْلُوكا وَغير مَمْلُوك، فَإِن النَّاس كلهم عبيد الله. قَوْله: (الصَّالح) ، أَي: فِي عبَادَة الرب ونصح السَّيِّد. قَوْله: (أَجْرَانِ) ، قَالَ ابْن بطال: لما كَانَ للْعَبد فِي عبَادَة ربه أجر، كَذَلِك لَهُ فِي نصح السَّيِّد أجر، وَلَا يُقَال: الأجران متساويان، لِأَن طَاعَة الله تَعَالَى أوجب من طَاعَته. قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، قَالَ ابْن بطال: لفظ: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ. .) إِلَى آخِره هُوَ من قَول أبي هُرَيْرَة، وَكَذَا قَالَه الدَّاودِيّ وَغَيره، وَقَالُوا: يدل على أَنه مدرج يَعْنِي: الحَدِيث لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (وبرُّ أُمِّي) ، وَلم يكن للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِينَئِذٍ أم يبرها، وجنح الْكرْمَانِي إِلَى أَنه من كَلَام الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: مَاتَ أم الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ طِفْل، فَمَا معمى بره أمه؟ قلت: لتعليم الْأمة، أَو على سَبِيل فرض الْحَيَاة، أَو المُرَاد بِهِ أمه الَّتِي أَرْضَعَتْه، وَهِي حليمة السعدية. انْتهى. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على مَا اطلع عَلَيْهِ من يَدعِي الإدراج لما تكلّف هَذَا التَّأْوِيل المتعسف، وَقد صرح بالإدراج الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِلَفْظ: وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ ... إِلَى آخِره، وَكَذَلِكَ أخرجه الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي فِي كتاب (الْبر والصلة) عَن ابْن الْمُبَارك، وَصرح مُسلم أَيْضا بذلك، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، قَالَا: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أخبرنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب، سَمِعت سعيد بن الْمسيب يَقُول: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (للْعَبد الْمَمْلُوك الصَّالح أَجْرَانِ، وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَالْحج وبر أُمِّي لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) . قَالَ: وبلغنا أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن يحجّ حَتَّى مَاتَت أمه لصحبتها، قَالَ أَبُو الطَّاهِر: فِي حَدِيثه (للْعَبد المصلح) وَلم يذكر الْمَمْلُوك. انْتهى. وَاسم أم أبي هُرَيْرَة: أُمَيْمَة، بِالتَّصْغِيرِ، وَقيل: مَيْمُونَة، وَهِي صحابية ثَبت ذكر إسْلَامهَا فِي (صَحِيح مُسلم) وَبَين أَبُو مُوسَى اسْمهَا فِي ذيل (الْمعرفَة) ، وإنمااستثنى أَبُو هُرَيْرَة هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لِأَن الْجِهَاد وَالْحج يشْتَرط فيهمَا إِذن السَّيِّد، وَكَذَلِكَ بر الْأُم، قد يحْتَاج إِلَى إِذن السَّيِّد فِي بعض وجوهه، بِخِلَاف بَقِيَّة الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة، وَلم يتَعَرَّض للعبادات الْمَالِيَّة إِمَّا لكَونه كَانَ إِذْ ذَاك لم يكن لَهُ مَال يزِيد على قدر حَاجته فيمكنه صرفه فِي القربات بِدُونِ إِذن السَّيِّد، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن للْعَبد أَن يتَصَرَّف فِي مَاله بِغَيْر إِذْنه. فَإِن قيل: فِي قَوْله: أَجْرَانِ، يلْزم كَون أجر المماليك ضعف أجر السادات؟ قلت: أجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مَحْذُور فِي ذَلِك، أَو يكون أجر المماليك مضاعفاً من هَذِه الْجِهَة، وَقد يكون للسادات جِهَات أُخْرَى يسْتَحق بهَا أجر العَبْد، أَو يكون المُرَاد تَرْجِيح العَبْد الْمُؤَدِّي للحقين على العَبْد الْمُؤَدِّي لأَحَدهمَا. وَالله أعلم. قَوْله: (لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) ، الْوَاو، فِيهِ للْحَال. قَالَ الْخطابِيّ: وَلِهَذَا الْمَعْنى امتحن الله، عز وَجل، أنبياءه، عَلَيْهِم السَّلَام، ابتلى يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، بِالرّقِّ
ودانيال حِين سباه بخْتنصر، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَن خضر، عَلَيْهِ السَّلَام، حِين سُئِلَ لوجه الله فَلم يكن عِنْده مَا يُعْطِيهِ، فَقَالَ لَا أملك إلَاّ نَفسِي، فبعني واستنفق ثمني، وَنَحْو ذَلِك.
٩٤٥٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسامَةَ عنِ الأعْمَشِ قَالَ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَعِمَّا مَا لِأَحَدِكُمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن مَعْنَاهُ: نعمَّا للمملوك يحسن عبَادَة ربه، على مَا نبينه عَن قريب. وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر فَذكره بنسبته إِلَى جده السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.
قَوْله: (نعمَّا مَا لأَحَدهم) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين وإدغام الْمِيم فِي الْأُخْرَى، وَيجوز كسر النُّون وَفتحهَا أَيْضا مَعَ إسكان الْعين وتحريك الْمِيم، فالجملة أَربع لُغَات. قَالَ الزّجاج: مَا، بِمَعْنى الشَّيْء، فالتقدير: نعم الشَّيْء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الْحسن الْقَابِسِيّ: نعم مَا، بتَشْديد الْمِيم الأولى وَفتحهَا، وَلَا وَجه لَهُ، وَالصَّوَاب إدغامها فِي: مَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الله نعمَّا يعظكم بِهِ} (النِّسَاء: ٨٥) . والمخصوص بالمدح مَحْذُوف. قَوْله: (يحسن) مُبين لَهُ تَقْدِيره: نعمَّا لمملوك لأَحَدهم يحسن عبَادَة ربه وَينْصَح لسَيِّده.
٧١ - (بابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ علَى الرَّقِيقِ وقَوْلِهِ عَبْدِي أوْ أمَتِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التطاول أَي الترفع والتجاوز عَن الْحَد فِيهِ. قيل: المُرَاد بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَذَلِكَ لِأَن الْكل عبيد الله،، وَالله لطيف بعباده رَفِيق بهم، فَيَنْبَغِي للسادة امْتِثَال ذَلِك فِي عبيدهم، وَمن ملكهم الله إيَّاهُم، وَيجب عَلَيْهِم حسن الْملك ولين الْجَانِب، كَمَا يجب على العبيد حسن الطَّاعَة والنصح لسادتهم والانقياد لَهُم وَترك مخالفتهم. قَوْله: (وَقَوله) ، بِالْجَرِّ، عطف على: كَرَاهِيَة التطاول، وَالتَّقْدِير: وكراهية قَول الشَّخْص لمن يملكهُ من العبيد: عَبِيدِي، وَلمن يملك من الْجَوَارِي: أمتِي، وَالْكَرَاهَة فِيهِ أَيْضا للتنزيه من غير تَحْرِيم.
وَجه الْكَرَاهَة: أَن هَذَا الأسم من بَاب الْمُضَاف وَمُقْتَضَاهُ إِثْبَات الْعُبُودِيَّة لَهُ، وَصَاحبه الَّذِي هُوَ الْمَالِك عبد لله تَعَالَى متعبد بأَمْره وَنَهْيه، فإدخال مَمْلُوك الله تَعَالَى تَحت هَذَا الأسم يُوجب الشّرك، وَمعنى المضاهاة، فَلذَلِك اسْتحبَّ لَهُ أَن يَقُول: فَتَاي وَفَتَاتِي، وَالْمعْنَى فِي ذَلِك كُله يرجع إِلَى الْبَرَاءَة من الْكبر، والأليق بالشخص الَّذِي هُوَ عبد الله ومملوك لَهُ أَن لَا يَقُول: عَبدِي، وَإِن كَانَ قد ملك قياده فِي الِاسْتِخْدَام ابتلاء فِيهِ من الله بخلقه، قَالَ الله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ} (الْفرْقَان: ٠٢) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن قَالَ عَبدِي أَو أمتِي وَلم يرد التكبر فأرجو أَن لَا إِثْم عَلَيْهِ.
وقالَ الله تَعَالَى {والصَّالِحِينَ مِنْ عَبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ} (النُّور: ٢٣) . وَقَالَ: {عَبْداً مَمْلُوكاً} (النَّحْل: ٥٧) . {وألْفَيا سَيِّدَهَا لَدَى الْبابِ} (يُوسُف: ٥٢) . وَقَالَ {مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِناتِ} (النِّسَاء: ٥٢) . وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ {واذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} (يُوسُف: ٢٤) . أيْ سَيَّدِكَ ومَنْ سَيِّدِكُمْ
ذكر هَذَا كُله دَلِيلا لجَوَاز أَن يَقُول: عَبدِي وَأمتِي، وَأَن النَّهْي الَّذِي ورد فِي الحَدِيث عَن قَول الرجل: عَبدِي وَأمتِي. وَعَن قَوْله: إسق ربَّكَ، وَنَحْوه للتنزيه لَا للتَّحْرِيم. قَوْله: {وَالصَّالِحِينَ من بادكم وَإِمَائِكُمْ} هُوَ فِي سُورَة النُّور، وأوله: {وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله وَالله وَاسع عليم} (النُّور: ٢٣) . وَلما أَمر الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة بغض الْأَبْصَار وَحفظ الْفروج، بقوله: {قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم} (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، بَين بعده أَن الَّذِي أَمر بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يحل، فَبين بعد ذَلِك طَرِيق الْحل، فَقَالَ: {وَأنْكحُوا الْأَيَامَى} (النُّور: ٢٣) . أَصْلهَا: أيائم، فَقلب، والأيم للرجل وَالْمَرْأَة، فالأيامي: هم الَّذين لَا أَزوَاج لَهُم من الرِّجَال وَالنِّسَاء، يُقَال: رجل أيم وَامْرَأَة إيم وأيمة. وآم الرجل وآمت الْمَرْأَة بأيم أيمة، وأيوماً إِذا لم يتزوجا بكرين كَانَا أَو ثيبين، وَقَالَ ابْن بطال: جَازَ أَن يَقُول الرجل: عَبدِي وَأمتِي، لقَوْله تَعَالَى: {وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (النُّور: ٢٣) . وَإِنَّمَا نهى عَنهُ على سَبِيل الغلظة لَا على سَبِيل التَّحْرِيم، وَكره ذَلِك لاشْتِرَاط اللَّفْظ، إِذْ يُقَال: عبد الله
وَأمة الله. قَوْله: (وَقَالَ {عبدا مَمْلُوكا} (النَّحْل: ٥٧)) هُوَ فِي سُورَة النَّحْل، وأوله: {وَضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء ... } (النَّحْل: ٥٧) . الْآيَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول: بَاب من ملك الْعَرَب رَقِيقا. قَوْله: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف، وَقَبله: {واستبقا الْبَاب وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) . الْآيَة، والقصة مَشْهُورَة، وَالْمعْنَى: تسابقا إِلَى الْبَاب يَعْنِي: يُوسُف وزليخا فنفر يُوسُف عَنْهَا فأسرع يُرِيد الْبَاب ليخرج، وأسرعت زليخا وَرَاءه لتمنعه من الْخُرُوج، وقدت قَمِيصه من دُبُرٍ لِأَنَّهَا جبذته من خَلفه فشقت قَمِيصه، وألفيا سَيِّدهَا أَي: صادفا ولَقِيا بَعْلهَا، وَهُوَ قطفير، وَإِنَّمَا قَالَ: سَيِّدهَا، وَلم يقل: سيدهما، لِأَن ملك يُوسُف لم يَصح، فَلم يكن سيداً لَهُ على الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَقَالَ: {من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات} (النِّسَاء: ٥٢)) هُوَ فِي سُورَة النِّسَاء، وأوله: {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات ... } (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، يَعْنِي: مِنْهُ لم يجد مِنْكُم طولا أَي: سَعَة وقدرة أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات من الْحَرَائِر العفائف وَالْمُؤْمِنَات، فتزوجوا من الْإِمَاء الْمُؤْمِنَات اللَّاتِي يملكهن الْمُؤْمِنُونَ، والفتيات جمع فتاة وَهِي: الآمة. قَوْله: (وَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قومُوا إِلَى سيدكم) ، هُوَ قِطْعَة من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي على مَا يَأْتِي، فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد، قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول: نزل أهل قُرَيْظَة على حكم سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأرْسل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى سعد، فَأتى على حمَار، فَلَمَّا دنا من الْمَسْجِد قَالَ للْأَنْصَار: (قومُوا إِلَى سيدكم) الحَدِيث، وخاطب الْأَنْصَار بقوله: (قومُوا إِلَى سيدكم) يُرِيد بِهِ سعد بن معَاذ، فَمن هَذَا أَخذ أَن لَا يمْنَع العَبْد أَن يَقُول: سَيِّدي ومولاء، لِأَن مرجع السِّيَادَة إِلَى معنى الرياسة على من تَحت يَده والسياسة لَهُ وَحسن التَّدْبِير، وَلذَلِك سمى الزَّوْج سيداً، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) . وَقد قيل لمَالِك: هَل كره أحد بِالْمَدِينَةِ قَوْله لسَيِّده: يَا سَيِّدي؟ قَالَ: لَا. وَاحْتج بِهَذِهِ الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عمرَان: ٩٣) . قيل لَهُ: يَقُولُونَ: السَّيِّد هُوَ الله؟ قَالَ: أَيْن هُوَ فِي كتاب الله تَعَالَى؟ وَإِنَّمَا فِي الْقُرْآن: {ربِّ اغْفِر لي ولوالدي} (نوح: ٨٢) . قيل: أنكر أَن يَدْعُو يَا سَيِّدي. قَالَ: مَا فِي الْقُرْآن أحب إِلَيّ، وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد قَالَ بعض أهل اللُّغَة: إِنَّمَا سمى السَّيِّد لِأَنَّهُ يملك السوَاد الْأَعْظَم، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحسن: إِن ابْني هَذَا سيد. قَوْله: ( {واذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤)) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف وأوله: {وَقَالَ للَّذي ظن أَنه ناجٍ مِنْهُمَا: أذكرني عِنْد رَبك ... } (يُوسُف: ٢٤) الْآيَة، وقصته مَشْهُورَة، مَعْنَاهُ: صفني عِنْد الْملك بصفتي، وقص عَلَيْهِ بقصتي لَعَلَّه يرحمني ويخرجني من السجْن، فَلَمَّا وكل أمره إِلَى غير الله أمكثه فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا يُقَال أطْعم رَبك، لِأَن الْإِنْسَان مربوب مَأْمُور بإخلاص التَّوْحِيد وَترك الْإِشْرَاك مَعَه، فكره لَهُ المضاهاة بالإسم. وَأما غَيره من سَائِر الْحَيَوَان والجماد فَلَا بَأْس بِإِطْلَاق هَذَا الإسم عَلَيْهِ عِنْد الْإِضَافَة، كَقَوْلِهِم: رب الدَّار، وَرب الدَّابَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ورد فِي الْقُرْآن مثل قَوْله: {إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي} (يُوسُف: ٣٢) . {واذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤) . قلت: ذَاك شرع من قبلنَا. فَإِن قلت: كَمَا أَنه لَا رب حَقِيقَة غير الله، كَذَا لَا سيد وَلَا مولى حَقِيقَة أَيْضا إلَاّ الله تَعَالَى، فَلِمَ جَازَ هَذَا وَامْتنع هَذَا؟ قلت: التربية الْحَقِيقِيَّة مُخْتَصَّة بِاللَّه تَعَالَى، بِخِلَاف السِّيَادَة فَإِنَّهَا ظَاهِرَة، بعض النَّاس سَادَات على الآخرين، وَأما الْمولى فقد جَاءَ بمعاني بَعْضهَا لَا يَصح إلَاّ على الْمَخْلُوق. قَوْله: (وَمن سيدكم؟) هَذِه اللَّفْظَة سَقَطت من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَثبتت فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَهِي قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق حجاج الصَّواف عَن أبي الزبير، قَالَ: حَدثنَا جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قُلْنَا: الْجد بن قيس على أَنا نبخله. قَالَ وَأي داى أدوى من الْبُخْل؟ بل سيدكم عَمْرو بن الجموح، وَكَانَ عَمْرو على أصنامهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يُولِمُ عَن رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا تزوج. وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه. وَالْحَد، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال: هُوَ ابْن قيس بن صَخْر بن خنساء بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم، بِسُكُون النُّون: ابْن كَعْب بن سَلمَة، بِكَسْر اللَّام، يكنى أَبَا عبد الله، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ يرْمى بالنفاق، وَيُقَال: إِنَّه تَابَ وَحسنت تَوْبَته وعاش إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما عَمْرو بن الجموح، بِفَتْح الْجِيم وَضم الْمِيم المخففة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: فَهُوَ ابْن زيد بن حرَام، بمهملتين: ابْن كَعْب بن غنم بن سَلمَة، قَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ مَا سَادَات بني سَلمَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عَقبي، وَفِي قَول: بَدْرِي، اسْتشْهد يَوْم أحد، هُوَ وَابْنه خَلاد. فَإِن قلت: ذكر ابْن مَنْدَه من حَدِيث كَعْب بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قَالُوا: جد بن قيس، فَذكر الحَدِيث، فَقَالَ: سيدكم
بشر بن الْبَراء بن معْرور) ، بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن صَخْر، يجْتَمع مَعَ عَمْرو بن الجموح فِي صَخْر؟ قلت: اخْتلف فِي وَصله وإرساله على الزُّهْرِيّ، على أَنه يُمكن التَّوْفِيق بِأَن تحمل قصَّة بشر على أَنَّهَا كَانَت بعد قتل عَمْرو بن الجموح، وَمَات بشر الْمَذْكُور بعد خَيْبَر، أكل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الشَّاة المسمومة، وَكَانَ قد شهد الْعقبَة وبدراً، ذكره إِبْنِ إِسْحَاق.
٠٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وأحْسنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن العَبْد إِذا نصح سَيّده وَأحسن عبَادَة ربه، يكره تطاول مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي أول: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق وَفِي النذور عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى.
١٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويُؤَدِّي إلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ والنَّصِيحَةِ والطَّاعَةِ لَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَيُؤَدِّي إِلَى سَيّده) إِلَى آخِره، لِأَنَّهُ إِذا قَامَ بِمَا ذكر فِيهِ يكره التطاول عَلَيْهِ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته، وَعَن قريب فِي: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، مَعَ زِيَادَة ونقصان، يظْهر ذَلِك عِنْد النّظر بِالتَّأَمُّلِ. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة، واسْمه الْحَارِث أَو عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس. قَوْله: (الْمَمْلُوك) مُبْتَدأ وَخَبره الْجُمْلَة، وَهِي قَوْله: (لَهُ أَجْرَانِ) ، ويروى: للمملوك، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة يكون قَوْله: أَجْرَانِ مُبْتَدأ، وَقَوله: للمملوك، مقدما خَبره. وَلَا يكون فِي هَذِه الرِّوَايَة لَفْظَة: لَهُ.
٢٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُحَدِّثُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ لَا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّىءْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ ولْيَقُلْ سَيِّدي ومَوْلا وَلَا يَقُلْ أحَدُكُم عَبْدِي أمَتي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتَاتِي وغُلامِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم عَبدِي أمتِي) فَإِن من جملَة التَّرْجَمَة قَوْله: عَبدِي وَأمتِي.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، لم يذكر مُحَمَّد هَذَا مَنْسُوبا فِي أَكثر الرِّوَايَات إلَاّ فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام، وَكَذَا حَكَاهُ الجياني عَن رِوَايَة ابْن السكن، وَحكى عَن الْحَاكِم أَنه الذهلي. وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد ابْن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَلَا يبعد أَن يكون مُحَمَّد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن رَافع، لِأَنَّهُ روى عَنهُ أَيْضا فِي (الصَّحِيح) . الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: همام بن مُنَبّه. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: تحديث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّيغَة نَادِر.
قَوْله: (أطْعم) بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الْإِطْعَام، (وَرَبك) مَنْصُوب مَفْعُوله. قَوْله: (وضىء) ، أَمر بِمن: وضأه يوضئه. قَوْله: (إسق) ،، بِكَسْر الْهمزَة: أَمر من سقَاهُ يسْقِيه، تثبت فِي الِابْتِدَاء وَتسقط فِي الدرج. قَوْله: (وَليقل سَيِّدي ومولاي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يُقَال: سيدك ومولاك، لتناسب: رَبك. قلت: الأول خطاب للسادات. وَالثَّانِي: للمماليك. أَي: لَا يَقُول السَّيِّد الْمَمْلُوك: أطْعم رَبك، إِذْ فِيهِ نوع من التكبر، وَلَا يَقُول العَبْد أَيْضا لفظا
يكون فِيهِ نوع تَعْظِيم لَهُ، بل يَقُول: أطعمت سَيِّدي ومولاي وَنَحْوه. قلت: روى مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة فِي ذَا الحَدِيث نَحوه، وَزَاد: وَلَا يقل أحدكُم مولَايَ، فَإِن مولاكم الله. قلت: اخْتلفُوا فِي هَذِه الزِّيَادَة على الْأَعْمَش، مِنْهُم من ذكرهَا، وَمِنْهُم من حذفهَا، وَقَالَ عِيَاض: حذفهَا أصح، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَشْهُور حذفهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا صرنا إِلَى التَّرْجِيح للتعارض مَعَ تعذر الْجمع وَعدم الْعلم بالتاريخ. وَسبب النَّهْي عَن قَول: أطْعم رَبك، وَنَحْوه مَا ذَكرْنَاهُ فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز أَن يُقَال لأحد غير الله: رب، كَمَا لَا يجوز أَن يُقَال: إِلَه. قلت: النَّهْي عِنْد الْإِطْلَاق، وَأما الْإِضَافَة فَيجوز، كَمَا فِي {أذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤) . وَنَحْو ذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي للتنزيه، وَمَا ورد من ذَلِك فلبيان الْجَوَاز، وَقيل: هُوَ مَخْصُوص بِغَيْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يرد مَا فِي الْقُرْآن، إِذْ المُرَاد النَّهْي عَن الْإِكْثَار من ذَلِك واتخاذ اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة عَادَة، وَلَيْسَ المُرَاد النَّهْي عَن ذكرهَا فِي الْجُمْلَة. فَإِن قلت: ذكر قَوْله: (أطْعم رَبك، وضىء رَبك، إسق رَبك) ، أَمْثِلَة تدل على التَّخْصِيص أم لَا؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا ذكرت دون غَيرهَا لغَلَبَة اسْتِعْمَالهَا فِي المخاطبات. قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم: عَبدِي أمتِي) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته، من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (كلكُمْ عبيد الله وكل نِسَائِكُم إِمَاء الله) ، فأرشد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الْعلَّة، لِأَن حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة إِنَّمَا يَسْتَحِقهَا الله، عز وَجل، وَلِأَن فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيق بالمخلوق اسْتِعْمَاله لنَفسِهِ. قَوْله: (وَليقل: فَتَاي وَفَتَاتِي) ، زَاد مُسلم: وجاريتي، فأرشد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى مَا يُؤَدِّي المعني مَعَ السَّلامَة من التعاظم، لِأَن لفظ: الْفَتى والغلام، لَا يدل على مَحْض الْملك كدلالة العَبْد، فقد كثر اسْتِعْمَال الْفَتى فِي الْحر، وَكَذَلِكَ الْغُلَام وَالْجَارِيَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالنَّهْي من اسْتَعْملهُ على جِهَة التعاظم لَا من أَرَادَ التَّعْرِيف.
٣٥٥٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جريرُ بنُ حازِمٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أعْتَقَ نَصيباً لَهُ مِنَ العَبْدِ فَكانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يبْلُغُ قيمَتَهُ يُقَوَّمُ علَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وأُعْتِقَ مِنْ مالِهِ وإلَاّ فَقدْ عَتَقَ منْهُ مَا عَتَقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لَو لم يحكم عَلَيْهِ بِعِتْق كُله عِنْد الْيَسَار لَكَانَ بذلك متطاولاً عَلَيْهِ، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب إِذا أعتق عبدا بَين اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حداد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ... إِلَى آخِره.
٤٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فالأميرُ الَّذِي علَى النَّاسِ راعٍ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتهِ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والمَرْأةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ بَعْلِهَا وَولَدِهِ وهْيَ مَسْئولَةٌ عَنْهُم والْعَبْدُ راعٍ على مالِ سَيِّدِهِ وهْوَ مَسئُولٌ عنْهُ ألَاّ فكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَالْعَبْد رَاع على مَال سَيّده) فَإِنَّهُ إِذا كَانَ ناصحاً لَهُ فِي خدمته مُؤديا الْأَمَانَة يَنْبَغِي أَن يُعينهُ وَلَا يَتَطَاوَل عَلَيْهِ. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد. والْحَدِيث مضى أَيْضا فِي آخر كتاب الاستقراض فِي: بَاب العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى والمدن: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم ... إِلَى آخِره.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
طريق عبد الله بن وهبٍ وأبي صفوان الأمويِّ، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» من طريق سليمان ابن بلالٍ، وأبو (١) عوانة من طريق عثمان بن عمر (٢).
٢٥٤٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبه إلى جدِّه، واسم أبيه إبراهيم السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: نِعْمَ مَا) بكسر النُّون وسكون العين وتخفيف الميم، كذا في الفرع وغيره، وقال في «الفتح»: بفتح النُّون وكسر العين وإدغام الميم في الأخرى، قلت: وبها قرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائيُّ وخلفٌ والأعمش في قوله تعالى: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] في سورة البقرة (٣) على الأصل؛ لأنَّ الأصل: نَعِمَ (٤) كعَلِم، ويجوز كسر النُّون إتباعًا لكسرة العين مع تشديد الميم، وهي لغة هُذَيلٍ، وكسر النُّون مع إسكان العين، وهي قراءة قالون وأبي (٥) عمرٍو وأبي بكرٍ وأبي جعفرٍ واليزيديِّ (٦) والحسن، واختاره أبو عبيدٍ، وحكاه لغةً للنَّبيِّ ﷺ في قوله: «نعمَّا المالُ الصَّالح»، وتصحيح الحاكم في «المستدرك» فتحَ النُّون وكسر العين روايةٌ أخرى، فلا يمنع، لكنَّ بعضهم يجعل الإسكان من وَهْم الرُّواة عن أبي عمرٍو، وممَّن أنكره المُبرِّد والزَّجَّاج والفارسيُّ؛ لأنَّ فيه جمعًا بين ساكنين (٧) على غير حدِّهما، قال المبرِّد: لا يقدر أحدٌ أن ينطق به، وإنَّما يروم (٨) الجمع بين ساكنين، فيحرِّك ولا يشعر، وقال الفارسيُّ: لعلَّ أبا عمرٍو أخفى عينه (٩)، فظنَّه الرَّاوي
سكونًا، وأُجيب: بأنَّ الأصلَ في جامع شروط الرِّواية الضَّبطُ، واغتُفِر التقاء السَّاكنين وإن كان الأوَّل غير مدٍّ لعروضه كالوقف، وتجويز هذه الأوجه حكاه النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» عند قوله: «نعمَّا للمملوك (١)» المضبوط في الرِّواية فيه: بكسر النُّون والعين وتشديد الميم، أمَّا في رواية البخاريِّ فالذي رأيته في كثيرٍ من الأصول المعتمدة ورويته: كسر النُّون وسكون العين وتخفيف الميم، ومن حفظ غير ما ذكرته في رواية البخاريِّ فهو حجَّةٌ، وفاعل «نِعْمَ» ضميرٌ مستترٌ فيها مُفسَّرٌ بقوله: «يُحسِن»، أي: نعمَّا مملوكٌ (لأَحَدِهِمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ) ولمسلمٍ من طريق همَّام بن منبِّهٍ عن أبي هريرة: «نِعِمَّا للمملوك أن يُتوفَّى (٢) يُحسِن عبادةَ الله وصحابةَ سيِّده، نِعِمَّا له»، وأمَّا قول ابن مالكٍ رحمه الله تعالى: إنَّ «ما» مساويةٌ للضَّمير في الإبهام، فلا تمييز؛ لأنَّ التَّمييز لبيان الجنس المُميَّز عنه، فقال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ رحمه الله تعالى في «المصابيح»: إنَّه مدفوعٌ بأنَّ «ما» ليس مساويًا للضَّمير؛ لأنَّ المرادَ شيءٌ عظيمٌ، قال: وموضع «يُحسِن عبادَة ربِّه … » إلى آخره تفسيرٌ لـ «ما» في المعنى، فلا محلَّ لها من الإعراب (٣).
(١٧) (باب كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ) أي: التَّرافع (عَلَى الرَّقِيقِ، وَ) كراهية (قَوْلِهِ) أي: الشَّخص لمن يملكه من الرَّقيق: (عَبْدِي أَوْ أَمَتِي) كراهية تنزيهٍ (وَ) يجوز أن يقول ذلك (قَالَ اللهُ تَعَالَى) (٤) في سورة النور: (﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]) (وَقَالَ) ﷿ في سورة النحل: (﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]) وفي سورة يوسف ﵊: (﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]) (وَقَالَ) تعالى في سورة النساء: (﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]) جمع فتاةٍ، وهي الأَمَة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَأْتِي الحوائط، فَمن رَآهُ من العبيد كلف مَا لَا يُطيق وضع عَنهُ، وَمن أقل رزقه زَاده فِيهِ. قَالَ مَالك: وَكَذَلِكَ يفعل فِيمَن يفعل من الأجراء وَلَا يطيقه، وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أوصيكم بالضعيفين: الْمَرْأَة والمملوك، وَأمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم موَالِي أبي طيبَة أَن يخففوا عَنهُ من خراجه. وَفِي (التَّوْضِيح) : التَّسْوِيَة فِي الْمطعم والملبس اسْتِحْبَاب، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء، فَلَو كَانَ سَيّده يَأْكُل الْفَائِق ويلبس العالي فَلَا يجب عَلَيْهِ أَن يُسَاوِي مَمْلُوكه فِيهِ، وَمَا أحسن تَعْلِيل مَالك، وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن من قَوْله: لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت، وَإِنَّمَا كَانَ الْغَالِب من قوتهم التَّمْر وَالشعِير، وَقد صَحَّ أَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: للمملوك طَعَامه وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق، فَإِن زَاد على مَا فرض عَلَيْهِ من قوته وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ كَانَ متفضلاً مُتَطَوعا. وَقَالَ ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن: لَو أَن رجلا عمل لنَفسِهِ خبيصاً فَأَكله دون خادمه، مَا كَانَ بذلك بَأْس، وَكَانَ يُفْتِي أَنه: إِذا أطْعم خادمه من الْخبز الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ فقد أطْعمهُ مِمَّا يَأْكُل مِنْهُ، لِأَن: من، عِنْد الْعَرَب للتَّبْعِيض. وَلَو قَالَ: أطعموهم من كل مَا تَأْكُلُونَ، لعم الخبيص وَغَيره، وَكَذَا فِي اللبَاس. قَوْله: (فَإِن كلفْتُمُوهُمْ) فَإِن قلت: إِذا نهى عَن التَّكْلِيف فَكيف عقبه بقوله: فَإِن كلفْتُمُوهُمْ؟ قلت: النَّهْي للتنزيه قَالَه الْكرْمَانِي، وَفِيه نظر، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {لَا يُكَلف الله نفسا إلَاّ وسعهَا} (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . وَلما لم يُكَلف الله فَوق طاقتنا، وَنحن عبيده، وَجب علينا أَن نمتثل لحكمه وطريقته فِي عبيدنا، وروى هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، مَرْفُوعا: لَا تستخدموا رقيقكم بِاللَّيْلِ، فَإِن النَّهَار لكم وَاللَّيْل لَهُم. وروى معمى عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة يرفعهُ إِلَى سلمَان: أَن رجلأ أَتَاهُ وَهُوَ يعجن، فَقَالَ: أَيْن الْخَادِم؟ قَالَ: أَرْسلتهُ لحَاجَة، فَلم نَكُنْ لنجمع عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ: أَن نرسله وَلَا نكفيه عمله، ووقف عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على تَاجر لَا يعرفهُ، فَاشْترى مِنْهُ قميصين بِعشْرَة دَرَاهِم، فَقَالَ لعَبْدِهِ: إختر أَيهمَا شِئْت.
وَفِيه من الْفَوَائِد: النَّهْي عَن سبّ الرَّقِيق وتعييرهم بِمن ولدهم. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَيْهِم والرفق بهم، وَيلْحق بالرقيق من كَانَ فِي مَعْنَاهُ من أجِير ومستخدم فِي أَمر وَنَحْوهمَا، وَفِيه عدم الترفع على الْمُسلم والإحتقار. وَفِيه: الْمُحَافظَة على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَفِيه: إِطْلَاق الْأَخ على الرَّقِيق.
٦١ - (بابُ العَبْدِ إذَا أحْسنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل العَبْد أَو فِي بَيَان ثَوَابه إِذا أحسن عبَادَة ربه، بِأَن أَقَامَهَا بشروطها. قَوْله: (ونصح) ، من النَّصِيحَة، وَهِي كلمة جَامِعَة مَعْنَاهَا: حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ، وَهُوَ إِرَادَة صَلَاح حَاله وتخليصه من الْخلَل وتصفيته من الْغِشّ.
٦٤٥٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ العَبْدُ إذَا نصَحَ سَيِّدَهُ وأحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(الحَدِيث ٦٤٥٢ طرفه فِي: ٠٥٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي وَهُوَ عبد الله بن مسلمة شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: حض الْمَمْلُوك على نصح سَيّده، لِأَنَّهُ راعٍ فِي مَاله، وَهُوَ مسؤول عَمَّا استرعى. قَوْله: (كَانَ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ) ، مرّة لنصح سَيّده وَمرَّة لإحسان عبَادَة ربه.
٧٤٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ قَالَ أخبرنَا سفْيانُ عنْ صالِحٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي موساى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قالَ قالَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّمَا رَجلٍ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأدِيبَهَا وأعْتَقَهَا وتَزَوَّجَهَا فلَهُ أجْرَانِ وأيُّما عَبْدٍ أدَّى حَقَّ الله وحقَّ مَوالِيهِ فلَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَيّمَا عبد) إِلَى آخِره لِأَن أَدَاء حق الله هُوَ معنى: أحسن عبَادَة ربه، وَأَدَاء حق موَالِيه هُوَ معنى نصح سَيّده. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَصَالح هُوَ ابْن صَالح أَبُو حَيّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، وَأَبُو بردة اسْمه الْحَارِث أَو عَامر، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس. وَالنّصف الأول من الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْجَارِيَة قد مر عَن قريب فِي: بَاب فضل من أدب جَارِيَته، وَالنّصف الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي فِيهِ أَمر العَبْد قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن الشّعبِيّ، وَقد مر
الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَصَالح بن حَيَّان هَذَا هُوَ صَالح بن صَالح أَبُو حَيّ الْمَذْكُور، غير أَن البُخَارِيّ ذكره هُنَاكَ بنسبته إِلَى جده، فَإِنَّهُ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، وَلَيْسَ بِصَالح بن حَيَّان الْقرشِي الْكُوفِي الَّذِي يروي عَن أبي وَائِل، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.
٨٤٥٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ يَقولُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للعبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أجْرَانِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله والحَجُّ وبِرُّ أُمِّي لأحْبَبْتُ أنْ أموتَ وأنَا مَمْلُوكٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَوَقع فِي كتاب ابْن بطال عزو حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ غلط، فَإِنَّهُ أسقط حَدِيث أبي مُوسَى وَركبهُ على حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد السجسْتانِي الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَفِي الْأَيْمَان عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (للْعَبد الْمَمْلُوك) إِنَّمَا وصف العَبْد بالمملوك، لِأَن العَبْد أَعم من أَن يكون مَمْلُوكا وَغير مَمْلُوك، فَإِن النَّاس كلهم عبيد الله. قَوْله: (الصَّالح) ، أَي: فِي عبَادَة الرب ونصح السَّيِّد. قَوْله: (أَجْرَانِ) ، قَالَ ابْن بطال: لما كَانَ للْعَبد فِي عبَادَة ربه أجر، كَذَلِك لَهُ فِي نصح السَّيِّد أجر، وَلَا يُقَال: الأجران متساويان، لِأَن طَاعَة الله تَعَالَى أوجب من طَاعَته. قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، قَالَ ابْن بطال: لفظ: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ. .) إِلَى آخِره هُوَ من قَول أبي هُرَيْرَة، وَكَذَا قَالَه الدَّاودِيّ وَغَيره، وَقَالُوا: يدل على أَنه مدرج يَعْنِي: الحَدِيث لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (وبرُّ أُمِّي) ، وَلم يكن للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِينَئِذٍ أم يبرها، وجنح الْكرْمَانِي إِلَى أَنه من كَلَام الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: مَاتَ أم الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ طِفْل، فَمَا معمى بره أمه؟ قلت: لتعليم الْأمة، أَو على سَبِيل فرض الْحَيَاة، أَو المُرَاد بِهِ أمه الَّتِي أَرْضَعَتْه، وَهِي حليمة السعدية. انْتهى. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على مَا اطلع عَلَيْهِ من يَدعِي الإدراج لما تكلّف هَذَا التَّأْوِيل المتعسف، وَقد صرح بالإدراج الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِلَفْظ: وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ ... إِلَى آخِره، وَكَذَلِكَ أخرجه الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي فِي كتاب (الْبر والصلة) عَن ابْن الْمُبَارك، وَصرح مُسلم أَيْضا بذلك، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، قَالَا: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أخبرنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب، سَمِعت سعيد بن الْمسيب يَقُول: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (للْعَبد الْمَمْلُوك الصَّالح أَجْرَانِ، وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَالْحج وبر أُمِّي لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) . قَالَ: وبلغنا أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن يحجّ حَتَّى مَاتَت أمه لصحبتها، قَالَ أَبُو الطَّاهِر: فِي حَدِيثه (للْعَبد المصلح) وَلم يذكر الْمَمْلُوك. انْتهى. وَاسم أم أبي هُرَيْرَة: أُمَيْمَة، بِالتَّصْغِيرِ، وَقيل: مَيْمُونَة، وَهِي صحابية ثَبت ذكر إسْلَامهَا فِي (صَحِيح مُسلم) وَبَين أَبُو مُوسَى اسْمهَا فِي ذيل (الْمعرفَة) ، وإنمااستثنى أَبُو هُرَيْرَة هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لِأَن الْجِهَاد وَالْحج يشْتَرط فيهمَا إِذن السَّيِّد، وَكَذَلِكَ بر الْأُم، قد يحْتَاج إِلَى إِذن السَّيِّد فِي بعض وجوهه، بِخِلَاف بَقِيَّة الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة، وَلم يتَعَرَّض للعبادات الْمَالِيَّة إِمَّا لكَونه كَانَ إِذْ ذَاك لم يكن لَهُ مَال يزِيد على قدر حَاجته فيمكنه صرفه فِي القربات بِدُونِ إِذن السَّيِّد، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن للْعَبد أَن يتَصَرَّف فِي مَاله بِغَيْر إِذْنه. فَإِن قيل: فِي قَوْله: أَجْرَانِ، يلْزم كَون أجر المماليك ضعف أجر السادات؟ قلت: أجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مَحْذُور فِي ذَلِك، أَو يكون أجر المماليك مضاعفاً من هَذِه الْجِهَة، وَقد يكون للسادات جِهَات أُخْرَى يسْتَحق بهَا أجر العَبْد، أَو يكون المُرَاد تَرْجِيح العَبْد الْمُؤَدِّي للحقين على العَبْد الْمُؤَدِّي لأَحَدهمَا. وَالله أعلم. قَوْله: (لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) ، الْوَاو، فِيهِ للْحَال. قَالَ الْخطابِيّ: وَلِهَذَا الْمَعْنى امتحن الله، عز وَجل، أنبياءه، عَلَيْهِم السَّلَام، ابتلى يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، بِالرّقِّ
ودانيال حِين سباه بخْتنصر، وَكَذَا مَا رُوِيَ عَن خضر، عَلَيْهِ السَّلَام، حِين سُئِلَ لوجه الله فَلم يكن عِنْده مَا يُعْطِيهِ، فَقَالَ لَا أملك إلَاّ نَفسِي، فبعني واستنفق ثمني، وَنَحْو ذَلِك.
٩٤٥٢ - حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْر قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسامَةَ عنِ الأعْمَشِ قَالَ حدَّثنا أبُو صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَعِمَّا مَا لِأَحَدِكُمْ يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ لِأَن مَعْنَاهُ: نعمَّا للمملوك يحسن عبَادَة ربه، على مَا نبينه عَن قريب. وَإِسْحَاق بن نصر هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نصر فَذكره بنسبته إِلَى جده السَّعْدِيّ البُخَارِيّ، كَانَ ينزل بِالْمَدِينَةِ بِبَاب بني سعد وَهُوَ من أَفْرَاده وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان.
قَوْله: (نعمَّا مَا لأَحَدهم) ، بِفَتْح النُّون وَكسر الْعين وإدغام الْمِيم فِي الْأُخْرَى، وَيجوز كسر النُّون وَفتحهَا أَيْضا مَعَ إسكان الْعين وتحريك الْمِيم، فالجملة أَربع لُغَات. قَالَ الزّجاج: مَا، بِمَعْنى الشَّيْء، فالتقدير: نعم الشَّيْء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَقع فِي نُسْخَة الشَّيْخ أبي الْحسن الْقَابِسِيّ: نعم مَا، بتَشْديد الْمِيم الأولى وَفتحهَا، وَلَا وَجه لَهُ، وَالصَّوَاب إدغامها فِي: مَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إنَّ الله نعمَّا يعظكم بِهِ} (النِّسَاء: ٨٥) . والمخصوص بالمدح مَحْذُوف. قَوْله: (يحسن) مُبين لَهُ تَقْدِيره: نعمَّا لمملوك لأَحَدهم يحسن عبَادَة ربه وَينْصَح لسَيِّده.
٧١ - (بابُ كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ علَى الرَّقِيقِ وقَوْلِهِ عَبْدِي أوْ أمَتِي)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التطاول أَي الترفع والتجاوز عَن الْحَد فِيهِ. قيل: المُرَاد بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَذَلِكَ لِأَن الْكل عبيد الله،، وَالله لطيف بعباده رَفِيق بهم، فَيَنْبَغِي للسادة امْتِثَال ذَلِك فِي عبيدهم، وَمن ملكهم الله إيَّاهُم، وَيجب عَلَيْهِم حسن الْملك ولين الْجَانِب، كَمَا يجب على العبيد حسن الطَّاعَة والنصح لسادتهم والانقياد لَهُم وَترك مخالفتهم. قَوْله: (وَقَوله) ، بِالْجَرِّ، عطف على: كَرَاهِيَة التطاول، وَالتَّقْدِير: وكراهية قَول الشَّخْص لمن يملكهُ من العبيد: عَبِيدِي، وَلمن يملك من الْجَوَارِي: أمتِي، وَالْكَرَاهَة فِيهِ أَيْضا للتنزيه من غير تَحْرِيم.
وَجه الْكَرَاهَة: أَن هَذَا الأسم من بَاب الْمُضَاف وَمُقْتَضَاهُ إِثْبَات الْعُبُودِيَّة لَهُ، وَصَاحبه الَّذِي هُوَ الْمَالِك عبد لله تَعَالَى متعبد بأَمْره وَنَهْيه، فإدخال مَمْلُوك الله تَعَالَى تَحت هَذَا الأسم يُوجب الشّرك، وَمعنى المضاهاة، فَلذَلِك اسْتحبَّ لَهُ أَن يَقُول: فَتَاي وَفَتَاتِي، وَالْمعْنَى فِي ذَلِك كُله يرجع إِلَى الْبَرَاءَة من الْكبر، والأليق بالشخص الَّذِي هُوَ عبد الله ومملوك لَهُ أَن لَا يَقُول: عَبدِي، وَإِن كَانَ قد ملك قياده فِي الِاسْتِخْدَام ابتلاء فِيهِ من الله بخلقه، قَالَ الله تَعَالَى: {وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ} (الْفرْقَان: ٠٢) . وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِن قَالَ عَبدِي أَو أمتِي وَلم يرد التكبر فأرجو أَن لَا إِثْم عَلَيْهِ.
وقالَ الله تَعَالَى {والصَّالِحِينَ مِنْ عَبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ} (النُّور: ٢٣) . وَقَالَ: {عَبْداً مَمْلُوكاً} (النَّحْل: ٥٧) . {وألْفَيا سَيِّدَهَا لَدَى الْبابِ} (يُوسُف: ٥٢) . وَقَالَ {مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِناتِ} (النِّسَاء: ٥٢) . وَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ {واذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} (يُوسُف: ٢٤) . أيْ سَيَّدِكَ ومَنْ سَيِّدِكُمْ
ذكر هَذَا كُله دَلِيلا لجَوَاز أَن يَقُول: عَبدِي وَأمتِي، وَأَن النَّهْي الَّذِي ورد فِي الحَدِيث عَن قَول الرجل: عَبدِي وَأمتِي. وَعَن قَوْله: إسق ربَّكَ، وَنَحْوه للتنزيه لَا للتَّحْرِيم. قَوْله: {وَالصَّالِحِينَ من بادكم وَإِمَائِكُمْ} هُوَ فِي سُورَة النُّور، وأوله: {وَانْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِم الله من فَضله وَالله وَاسع عليم} (النُّور: ٢٣) . وَلما أَمر الله تَعَالَى قبل هَذِه الْآيَة بغض الْأَبْصَار وَحفظ الْفروج، بقوله: {قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم ويحفظوا فروجهم} (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، بَين بعده أَن الَّذِي أَمر بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يحل، فَبين بعد ذَلِك طَرِيق الْحل، فَقَالَ: {وَأنْكحُوا الْأَيَامَى} (النُّور: ٢٣) . أَصْلهَا: أيائم، فَقلب، والأيم للرجل وَالْمَرْأَة، فالأيامي: هم الَّذين لَا أَزوَاج لَهُم من الرِّجَال وَالنِّسَاء، يُقَال: رجل أيم وَامْرَأَة إيم وأيمة. وآم الرجل وآمت الْمَرْأَة بأيم أيمة، وأيوماً إِذا لم يتزوجا بكرين كَانَا أَو ثيبين، وَقَالَ ابْن بطال: جَازَ أَن يَقُول الرجل: عَبدِي وَأمتِي، لقَوْله تَعَالَى: {وَالصَّالِحِينَ من عبادكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (النُّور: ٢٣) . وَإِنَّمَا نهى عَنهُ على سَبِيل الغلظة لَا على سَبِيل التَّحْرِيم، وَكره ذَلِك لاشْتِرَاط اللَّفْظ، إِذْ يُقَال: عبد الله
وَأمة الله. قَوْله: (وَقَالَ {عبدا مَمْلُوكا} (النَّحْل: ٥٧)) هُوَ فِي سُورَة النَّحْل، وأوله: {وَضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء ... } (النَّحْل: ٥٧) . الْآيَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول: بَاب من ملك الْعَرَب رَقِيقا. قَوْله: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف، وَقَبله: {واستبقا الْبَاب وقدت قَمِيصه من دبر وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) . الْآيَة، والقصة مَشْهُورَة، وَالْمعْنَى: تسابقا إِلَى الْبَاب يَعْنِي: يُوسُف وزليخا فنفر يُوسُف عَنْهَا فأسرع يُرِيد الْبَاب ليخرج، وأسرعت زليخا وَرَاءه لتمنعه من الْخُرُوج، وقدت قَمِيصه من دُبُرٍ لِأَنَّهَا جبذته من خَلفه فشقت قَمِيصه، وألفيا سَيِّدهَا أَي: صادفا ولَقِيا بَعْلهَا، وَهُوَ قطفير، وَإِنَّمَا قَالَ: سَيِّدهَا، وَلم يقل: سيدهما، لِأَن ملك يُوسُف لم يَصح، فَلم يكن سيداً لَهُ على الْحَقِيقَة. قَوْله: (وَقَالَ: {من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات} (النِّسَاء: ٥٢)) هُوَ فِي سُورَة النِّسَاء، وأوله: {وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات ... } (النِّسَاء: ٥٢) . الْآيَة، يَعْنِي: مِنْهُ لم يجد مِنْكُم طولا أَي: سَعَة وقدرة أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات من الْحَرَائِر العفائف وَالْمُؤْمِنَات، فتزوجوا من الْإِمَاء الْمُؤْمِنَات اللَّاتِي يملكهن الْمُؤْمِنُونَ، والفتيات جمع فتاة وَهِي: الآمة. قَوْله: (وَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قومُوا إِلَى سيدكم) ، هُوَ قِطْعَة من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي على مَا يَأْتِي، فَقَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا غنْدر حَدثنَا شُعْبَة عَن سعد، قَالَ: سَمِعت أَبَا أُمَامَة، قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول: نزل أهل قُرَيْظَة على حكم سعد بن معَاذ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَأرْسل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى سعد، فَأتى على حمَار، فَلَمَّا دنا من الْمَسْجِد قَالَ للْأَنْصَار: (قومُوا إِلَى سيدكم) الحَدِيث، وخاطب الْأَنْصَار بقوله: (قومُوا إِلَى سيدكم) يُرِيد بِهِ سعد بن معَاذ، فَمن هَذَا أَخذ أَن لَا يمْنَع العَبْد أَن يَقُول: سَيِّدي ومولاء، لِأَن مرجع السِّيَادَة إِلَى معنى الرياسة على من تَحت يَده والسياسة لَهُ وَحسن التَّدْبِير، وَلذَلِك سمى الزَّوْج سيداً، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وألفيا سَيِّدهَا لَدَى الْبَاب} (يُوسُف: ٥٢) . وَقد قيل لمَالِك: هَل كره أحد بِالْمَدِينَةِ قَوْله لسَيِّده: يَا سَيِّدي؟ قَالَ: لَا. وَاحْتج بِهَذِهِ الْآيَة، وَقَوله تَعَالَى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عمرَان: ٩٣) . قيل لَهُ: يَقُولُونَ: السَّيِّد هُوَ الله؟ قَالَ: أَيْن هُوَ فِي كتاب الله تَعَالَى؟ وَإِنَّمَا فِي الْقُرْآن: {ربِّ اغْفِر لي ولوالدي} (نوح: ٨٢) . قيل: أنكر أَن يَدْعُو يَا سَيِّدي. قَالَ: مَا فِي الْقُرْآن أحب إِلَيّ، وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد قَالَ بعض أهل اللُّغَة: إِنَّمَا سمى السَّيِّد لِأَنَّهُ يملك السوَاد الْأَعْظَم، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحسن: إِن ابْني هَذَا سيد. قَوْله: ( {واذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤)) هُوَ فِي سُورَة يُوسُف وأوله: {وَقَالَ للَّذي ظن أَنه ناجٍ مِنْهُمَا: أذكرني عِنْد رَبك ... } (يُوسُف: ٢٤) الْآيَة، وقصته مَشْهُورَة، مَعْنَاهُ: صفني عِنْد الْملك بصفتي، وقص عَلَيْهِ بقصتي لَعَلَّه يرحمني ويخرجني من السجْن، فَلَمَّا وكل أمره إِلَى غير الله أمكثه فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: لَا يُقَال أطْعم رَبك، لِأَن الْإِنْسَان مربوب مَأْمُور بإخلاص التَّوْحِيد وَترك الْإِشْرَاك مَعَه، فكره لَهُ المضاهاة بالإسم. وَأما غَيره من سَائِر الْحَيَوَان والجماد فَلَا بَأْس بِإِطْلَاق هَذَا الإسم عَلَيْهِ عِنْد الْإِضَافَة، كَقَوْلِهِم: رب الدَّار، وَرب الدَّابَّة، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قد ورد فِي الْقُرْآن مثل قَوْله: {إِنَّه رَبِّي أحسن مثواي} (يُوسُف: ٣٢) . {واذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤) . قلت: ذَاك شرع من قبلنَا. فَإِن قلت: كَمَا أَنه لَا رب حَقِيقَة غير الله، كَذَا لَا سيد وَلَا مولى حَقِيقَة أَيْضا إلَاّ الله تَعَالَى، فَلِمَ جَازَ هَذَا وَامْتنع هَذَا؟ قلت: التربية الْحَقِيقِيَّة مُخْتَصَّة بِاللَّه تَعَالَى، بِخِلَاف السِّيَادَة فَإِنَّهَا ظَاهِرَة، بعض النَّاس سَادَات على الآخرين، وَأما الْمولى فقد جَاءَ بمعاني بَعْضهَا لَا يَصح إلَاّ على الْمَخْلُوق. قَوْله: (وَمن سيدكم؟) هَذِه اللَّفْظَة سَقَطت من رِوَايَة النَّسَفِيّ وَأبي ذَر وَأبي الْوَقْت، وَثبتت فِي رِوَايَة البَاقِينَ، وَهِي قِطْعَة من حَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي (الْأَدَب الْمُفْرد) من طَرِيق حجاج الصَّواف عَن أبي الزبير، قَالَ: حَدثنَا جَابر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قُلْنَا: الْجد بن قيس على أَنا نبخله. قَالَ وَأي داى أدوى من الْبُخْل؟ بل سيدكم عَمْرو بن الجموح، وَكَانَ عَمْرو على أصنامهم فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يُولِمُ عَن رَسُول لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا تزوج. وَأخرجه الْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه. وَالْحَد، بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الدَّال: هُوَ ابْن قيس بن صَخْر بن خنساء بن سِنَان بن عبيد بن عدي بن غنم، بِسُكُون النُّون: ابْن كَعْب بن سَلمَة، بِكَسْر اللَّام، يكنى أَبَا عبد الله، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ يرْمى بالنفاق، وَيُقَال: إِنَّه تَابَ وَحسنت تَوْبَته وعاش إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأما عَمْرو بن الجموح، بِفَتْح الْجِيم وَضم الْمِيم المخففة وَفِي آخِره حاء مُهْملَة: فَهُوَ ابْن زيد بن حرَام، بمهملتين: ابْن كَعْب بن غنم بن سَلمَة، قَالَ ابْن إِسْحَاق: كَانَ مَا سَادَات بني سَلمَة، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عَقبي، وَفِي قَول: بَدْرِي، اسْتشْهد يَوْم أحد، هُوَ وَابْنه خَلاد. فَإِن قلت: ذكر ابْن مَنْدَه من حَدِيث كَعْب بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من سيدكم يَا بني سَلمَة؟) قَالُوا: جد بن قيس، فَذكر الحَدِيث، فَقَالَ: سيدكم
بشر بن الْبَراء بن معْرور) ، بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة: ابْن صَخْر، يجْتَمع مَعَ عَمْرو بن الجموح فِي صَخْر؟ قلت: اخْتلف فِي وَصله وإرساله على الزُّهْرِيّ، على أَنه يُمكن التَّوْفِيق بِأَن تحمل قصَّة بشر على أَنَّهَا كَانَت بعد قتل عَمْرو بن الجموح، وَمَات بشر الْمَذْكُور بعد خَيْبَر، أكل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الشَّاة المسمومة، وَكَانَ قد شهد الْعقبَة وبدراً، ذكره إِبْنِ إِسْحَاق.
٠٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا نَصَحَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ وأحْسنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(انْظُر الحَدِيث ٦٤٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن العَبْد إِذا نصح سَيّده وَأحسن عبَادَة ربه، يكره تطاول مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الحَدِيث مضى فِي أول: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق وَفِي النذور عَن زُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن الْمثنى.
١٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي مُوساى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ ويُؤَدِّي إلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ والنَّصِيحَةِ والطَّاعَةِ لَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَيُؤَدِّي إِلَى سَيّده) إِلَى آخِره، لِأَنَّهُ إِذا قَامَ بِمَا ذكر فِيهِ يكره التطاول عَلَيْهِ. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته، وَعَن قريب فِي: بَاب العَبْد إِذا أحسن عبَادَة ربه، مَعَ زِيَادَة ونقصان، يظْهر ذَلِك عِنْد النّظر بِالتَّأَمُّلِ. وَأَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة، وبريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة، واسْمه الْحَارِث أَو عَامر بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس. قَوْله: (الْمَمْلُوك) مُبْتَدأ وَخَبره الْجُمْلَة، وَهِي قَوْله: (لَهُ أَجْرَانِ) ، ويروى: للمملوك، فَإِن صحت هَذِه الرِّوَايَة يكون قَوْله: أَجْرَانِ مُبْتَدأ، وَقَوله: للمملوك، مقدما خَبره. وَلَا يكون فِي هَذِه الرِّوَايَة لَفْظَة: لَهُ.
٢٥٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرٌ عنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يُحَدِّثُ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ لَا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّىءْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ ولْيَقُلْ سَيِّدي ومَوْلا وَلَا يَقُلْ أحَدُكُم عَبْدِي أمَتي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتَاتِي وغُلامِي.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم عَبدِي أمتِي) فَإِن من جملَة التَّرْجَمَة قَوْله: عَبدِي وَأمتِي.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد، لم يذكر مُحَمَّد هَذَا مَنْسُوبا فِي أَكثر الرِّوَايَات إلَاّ فِي رِوَايَة أبي عَليّ بن شبويه، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام، وَكَذَا حَكَاهُ الجياني عَن رِوَايَة ابْن السكن، وَحكى عَن الْحَاكِم أَنه الذهلي. وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد ابْن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق. وَلَا يبعد أَن يكون مُحَمَّد هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن رَافع، لِأَنَّهُ روى عَنهُ أَيْضا فِي (الصَّحِيح) . الثَّانِي: عبد الرَّزَّاق بن همام. الثَّالِث: معمر بن رَاشد. الرَّابِع: همام بن مُنَبّه. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِخْبَار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: تحديث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّيغَة نَادِر.
قَوْله: (أطْعم) بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الْإِطْعَام، (وَرَبك) مَنْصُوب مَفْعُوله. قَوْله: (وضىء) ، أَمر بِمن: وضأه يوضئه. قَوْله: (إسق) ،، بِكَسْر الْهمزَة: أَمر من سقَاهُ يسْقِيه، تثبت فِي الِابْتِدَاء وَتسقط فِي الدرج. قَوْله: (وَليقل سَيِّدي ومولاي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: السِّيَاق يَقْتَضِي أَن يُقَال: سيدك ومولاك، لتناسب: رَبك. قلت: الأول خطاب للسادات. وَالثَّانِي: للمماليك. أَي: لَا يَقُول السَّيِّد الْمَمْلُوك: أطْعم رَبك، إِذْ فِيهِ نوع من التكبر، وَلَا يَقُول العَبْد أَيْضا لفظا
يكون فِيهِ نوع تَعْظِيم لَهُ، بل يَقُول: أطعمت سَيِّدي ومولاي وَنَحْوه. قلت: روى مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة فِي ذَا الحَدِيث نَحوه، وَزَاد: وَلَا يقل أحدكُم مولَايَ، فَإِن مولاكم الله. قلت: اخْتلفُوا فِي هَذِه الزِّيَادَة على الْأَعْمَش، مِنْهُم من ذكرهَا، وَمِنْهُم من حذفهَا، وَقَالَ عِيَاض: حذفهَا أصح، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَشْهُور حذفهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا صرنا إِلَى التَّرْجِيح للتعارض مَعَ تعذر الْجمع وَعدم الْعلم بالتاريخ. وَسبب النَّهْي عَن قَول: أطْعم رَبك، وَنَحْوه مَا ذَكرْنَاهُ فِي أَوَائِل الْكتاب. وَقَالَ ابْن بطال: لَا يجوز أَن يُقَال لأحد غير الله: رب، كَمَا لَا يجوز أَن يُقَال: إِلَه. قلت: النَّهْي عِنْد الْإِطْلَاق، وَأما الْإِضَافَة فَيجوز، كَمَا فِي {أذكرني عِنْد رَبك} (يُوسُف: ٢٤) . وَنَحْو ذَلِك، وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي للتنزيه، وَمَا ورد من ذَلِك فلبيان الْجَوَاز، وَقيل: هُوَ مَخْصُوص بِغَيْر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يرد مَا فِي الْقُرْآن، إِذْ المُرَاد النَّهْي عَن الْإِكْثَار من ذَلِك واتخاذ اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة عَادَة، وَلَيْسَ المُرَاد النَّهْي عَن ذكرهَا فِي الْجُمْلَة. فَإِن قلت: ذكر قَوْله: (أطْعم رَبك، وضىء رَبك، إسق رَبك) ، أَمْثِلَة تدل على التَّخْصِيص أم لَا؟ قلت: لَا، وَإِنَّمَا ذكرت دون غَيرهَا لغَلَبَة اسْتِعْمَالهَا فِي المخاطبات. قَوْله: (وَلَا يقل أحدكُم: عَبدِي أمتِي) ، زَاد مُسلم فِي رِوَايَته، من طَرِيق الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: (كلكُمْ عبيد الله وكل نِسَائِكُم إِمَاء الله) ، فأرشد، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى الْعلَّة، لِأَن حَقِيقَة الْعُبُودِيَّة إِنَّمَا يَسْتَحِقهَا الله، عز وَجل، وَلِأَن فِيهَا تَعْظِيمًا لَا يَلِيق بالمخلوق اسْتِعْمَاله لنَفسِهِ. قَوْله: (وَليقل: فَتَاي وَفَتَاتِي) ، زَاد مُسلم: وجاريتي، فأرشد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِلَى مَا يُؤَدِّي المعني مَعَ السَّلامَة من التعاظم، لِأَن لفظ: الْفَتى والغلام، لَا يدل على مَحْض الْملك كدلالة العَبْد، فقد كثر اسْتِعْمَال الْفَتى فِي الْحر، وَكَذَلِكَ الْغُلَام وَالْجَارِيَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بِالنَّهْي من اسْتَعْملهُ على جِهَة التعاظم لَا من أَرَادَ التَّعْرِيف.
٣٥٥٢ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا جريرُ بنُ حازِمٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أعْتَقَ نَصيباً لَهُ مِنَ العَبْدِ فَكانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يبْلُغُ قيمَتَهُ يُقَوَّمُ علَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وأُعْتِقَ مِنْ مالِهِ وإلَاّ فَقدْ عَتَقَ منْهُ مَا عَتَقَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه لَو لم يحكم عَلَيْهِ بِعِتْق كُله عِنْد الْيَسَار لَكَانَ بذلك متطاولاً عَلَيْهِ، وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْعتْق فِي: بَاب إِذا أعتق عبدا بَين اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي النُّعْمَان عَن حداد عَن أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ... إِلَى آخِره.
٤٥٥٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا يَحيى عنْ عُبَيْدِ الله قَالَ حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ فالأميرُ الَّذِي علَى النَّاسِ راعٍ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتهِ وهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ والمَرْأةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ بَعْلِهَا وَولَدِهِ وهْيَ مَسْئولَةٌ عَنْهُم والْعَبْدُ راعٍ على مالِ سَيِّدِهِ وهْوَ مَسئُولٌ عنْهُ ألَاّ فكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَالْعَبْد رَاع على مَال سَيّده) فَإِنَّهُ إِذا كَانَ ناصحاً لَهُ فِي خدمته مُؤديا الْأَمَانَة يَنْبَغِي أَن يُعينهُ وَلَا يَتَطَاوَل عَلَيْهِ. وَيحيى هُوَ الْقطَّان، وَعبيد الله هُوَ ابْن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب الْعمريّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن سعيد. والْحَدِيث مضى أَيْضا فِي آخر كتاب الاستقراض فِي: بَاب العَبْد رَاع فِي مَال سَيّده، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله عَن عبد الله بن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي كتاب الْجُمُعَة فِي: بَاب الْجُمُعَة فِي الْقرى والمدن: عَن بشر بن مُحَمَّد عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم ... إِلَى آخِره.