«إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٣٣

الحديث رقم ٢٥٣٣ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أم الولد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن عتبة بن أبي وقاص، عهد إلى أخيه سعد بن…

«إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ زَمَنَ الْفَتْحِ، أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَخِي، ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ :

⦗١٤٧⦘

هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ، مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ

سند حديث: ٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إن عتبة بن أبي وقاص، عهد إلى أخيه سعد بن…

كانوا في الجاهلية يضربون على الإماء ضرائب يكتسبنها من فجورهن، ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه.
فزنا عتبة بن أبي وقاص في الجاهلية بأمة لزمعة بن الأسود، فجاءت بغلام، فأوصى (عتبة) إلى أخيه سعد بأن يلحق هذا الغلام بنسبه.
فلمَّا جاء فتح مكة، ورأى سعد الغلام، عرفه بشبهه بأخيه، فأراد استلحاقه.
فاختصم عليه هو وعبد بن زمعة، فأدلى سعد بحجته وهي: أن أخاه أقر بأنه ابنه، وبما بينهما من شبَه.
فقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد من وليدة أبي.
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلام، فرأى فيه شبها بيناً بعتبة.
ولكن قضى به لزمعه لأن الأصل أنَّه تابع لمالك الأمة، وقال: الولد منسوب للفراش، وللعاهر الزاني الخيبة والخسار، فهو بعيد عن الولد.
ولكن لما رأى شبه الغلام بعتبة، تورع صلى الله عليه وسلم أن يستبيح النظر إلى أخته سودة بنت زمعة بهذا النسب، فأمرها بالاحتجاب منه، احتياطا وتورُعاً.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن الولد للفراش، بشرط إمكان الإلحاق بصاحب الفراش.فالحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرم.
  • أن الزوجة تكون فراشاً بعقد النكاح والدخول المحقق، وأن الأمة فراش، لكن لا تعتبر إلا بوطء السيد، فلا يكفى مجرد الملك.
  • أن الاستلحاق لا يختص بالأب، بل يجوز من الأخ وغيره من الأقارب.
  • أن حكم الشبه إنما يعتمد عليه، إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه كالفراش.
  • أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجته سودة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع لما رأى الشبه قوياً بينه وبين عتبة بن أبي وقاص.
  • تنفيذ الأحكام اللازمة، والعمل بالحيطة في مسائل الاشتباه وأمهات المؤمنين لهن شأن في وجوب الحفاظ على حرمتهن، وبعدهن عن أسباب الرِّيب وعن كل ما قد يتنزه عنه؛ لأنهن خير النساء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إن عتبة بن أبي وقاص، عهد إلى أخيه سعد بن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْإِسْلَامَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ غُلَامُهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ) أَيْ ضَاعَ.

قَوْلُهُ: (فَهُوَ حِينَ يَقُولُ) أَيِ الْوَقْتُ الَّذِي وَصَلَ فِيهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ) أَيْ عِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنِ الشِّعْرَ مِنْ نَظْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى غُلَامِهِ. حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مُقَدَّمِ بْنِ حَجَّاجٍ السُّوَانيِّ أَنَّ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ لِأَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ فِي قِصَّةٍ لَهُ، فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ تَمَثَّلَ بِهِ.

قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ (يَا لَيْلَةً) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ فَاءٍ أَوْ وَاوٍ فِي أَوَّلِهِ لِيَصِيرَ مَوْزُونًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا يُسَمَّى فِي الْعَرُوضِ الْخَرْمَ بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ، وَهُوَ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ أَوَّلِ الْجُزْءِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي، وَمَا جَازَ حَذْفُهُ لَا يُقَالُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَعَنَائِهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالنُّونِ وَالْمَدِّ أَيْ تَعَبهَا، وَ (دَارَةِ الْكُفْرِ) الدَّارَةُ أَخَصُّ مِنَ الدَّارِ، وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

وَلَا سِيَّمَا يَوْمًا بِدَارَةِ جُلْجُلِ.

يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ

قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ فبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ.

قَوْلُهُ في الطريق الثانية (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، وَأَبُو سَعِيدٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مُكَبَّرٌ فَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ وَخَلَفٌ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعُبَيْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ مِمَّنْ يَرْوِي فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبَقَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّاعِ كَسْرَهَا.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتَقَهُ) أَيْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْفَاءُ هِيَ التَّفْسِيرِيَّةُ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حُرٌّ) وَصَلَهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَهُوَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتِقْهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ لَيْسَ فِيهِ حُرٌّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ أَثْبَتَ قَوْلَهُ حُرٌّ فِي أَحَدِهِمَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ الْبُخَارِيِّ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ وَهُوَ خَطَأٌ مِمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِتَصْرِيحِهِ بِنَفْيِهِ عَنْ شَيْخِهِ بِعَيْنِهِ.

قَوْلُهُ في الطريق الأخيرة (فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَأَصْلُهُ مِنْ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى، وَلَوْ كَانَتْ أَضَلَّ مُعَدَّاةً بِالْهَمْزِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَقَدْ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْعِتْقِ عِنْدَ بُلُوغِ الْغَرَضِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ الشِّعْرِ وَإِنْشَادِهِ وَالتَّمَثُّلِ بِهِ وَالتَّأَلُّمِ مِنَ النَّصَبِ وَالسَّهَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

٨ - بَاب أُمِّ الْوَلَدِ

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا.

٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كان عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ زَمَنَ الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ

اللَّهِ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ. مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ أُمِّ الْوَلَدِ) أَيْ هَلْ يُحْكَمُ بِعِتْقِهَا أَمْ لَا؟ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُفْصِحُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ السَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْخَلَفِ عَلَى الْمَنْعِ حَتَّى وَافَقَ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شُذُوذٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِمَعْنَاهُ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّبِّ السَّيِّدُ أَوِ الْمَالِكُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا عَدَمِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ إِمَامَانِ جَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْآخَرُ عَلَى مَنْعِهِ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ فَقَالَ: ظَاهِرُ قَوْلُهُ: رَبَّهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيِّدُهَا لِأَنَّ وَلَدَهَا مِنْ سَيِّدِهَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ سَيِّدِهَا لِمَصِيرِ مَآلِ الْإِنْسَانِ إِلَى وَلَدِهِ غَالِبًا، وَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ الْأَوْلَادَ مِنَ الْإِمَاءِ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَعَهْدِ أَصْحَابِهِ كَثِيرًا، وَالْحَدِيثُ مَسُوقٌ لِلْعَلَامَاتِ الَّتِي قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَدَلَّ عَلَى حُدُوثِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ التَّسَرِّي.

قَالَ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَهْلَ يَغْلِبُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ فَيَكْثُرَ تَرْدَادُ الْأَمَةِ فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَوْلُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي وَحُكْمُهُ لِابْنِ زَمْعَةَ بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِنَّ فِيهِ ثُبُوتَ أُمِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُرِّيَّتِهَا وَلَا لِإِرْقَاقِهَا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنِيرِ أَجَابَ بِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى حُرِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِرَاشًا فَسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَفَادَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي آخِرِ الْبَابِ مَا نَصُّهُ فَسَمَّى النَّبِيُّ أُمَّ وَلَدِ زَمْعَةَ أَمَةً وَوَلِيدَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَتِيقَةً اهـ. فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَيْلٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ أَحَدَ التَّأولَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ لَمْ تَكُنْ عَتِيقَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنْ مَنْ يَحْتَجُّ بِعِتْقِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ حُجَّةً، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ تَقْرِيرَ النَّبِيِّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ عَلَى قَوْلِهِ: أَمَةُ أَبِي يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ مِنْهُ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِمَّا قَالَ أنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَزَمْعَةُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُ يَمِينٍ فَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ الْأَحْرَارِ. قَالَ: وَلَعَلَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَقُولُ: إِنَّ الْوَلَدَ فِي الْأَمَةِ لِلْفِرَاشِ، فَلَا يُلْحِقُونَهُ بِالسَّيِّدِ، إِلَّا إِنْ أَقَرَّ بِهِ، وَيَخُصُّونَ الْفِرَاشَ بِالْحُرَّةِ، فَإِذَا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ قَالُوا: مَا كَانَتْ أَمَةً بَلْ كَانَتْ حُرَّةً، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى رَدِّ حُجَّتِهِمْ هَذِهِ بِمَا ذَكَرَهُ.

وَتَعَلَّقَ الْأَئِمَّةُ بِأَحَادِيثَ أَصَحُّهَا حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الولد ولا عدمه كما سبق تقريره في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٠] فليُراجَع، وقال ابن المنيِّر: استدلَّ البخاريُّ بقوله: «تلد الأَمَةُ ربَّها» على إثبات حريَّة أمِّ الولد، وأنَّها لا تُباع من جهة كونه من أشراط السَّاعة، أي: يعتق الرَّجلُ والمرأةُ أمَّهما الأَمَةَ ويعاملانها معاملة السَّيِّد تقبيحًا لذلك، وعدَّه من الفتن، ومن أشراط السَّاعة، فدلَّ على أنَّها مُحتَرمةٌ شرعًا.

٢٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (١) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «كان عتبة (٢) ابن أبي وقَّاصٍ» (عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريَّ، ولم تُسَمَّ الوليدة، نعم ذكر مصعبٌ الزُّبيريُّ في «نسب قريشٍ» أنَّها كانت أَمَةً يمانيةً، واسمُ ولدها عبدُ الرَّحمن (قَالَ عُتْبَةُ) بن أبي وقَّاصٍ: (إِنَّهُ) أي: عبد الرَّحمن (ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ) مكَّة (زَمَنَ الفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ) بالتَّنوين (ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن بنصب «ابنَ» (٣) على المفعوليَّة، ويُكتَب بالألف (فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ) أخي سودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ سَعْدٌ) بالتَّنوين، وفي «اليونينيَّة» برفعه من غير تنوينٍ (يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي: عبد الرَّحمن (ابْنُ أَخِي)

عتبة (عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي (١): عبد الرَّحمن (أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ) أبي (زَمْعَةَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت (٢): «هذا أخي ابن زمعة» (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) من جاريته (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن (فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ) أي: بعتبة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : هُوَ) أي: عبد الرَّحمن (لَكَ) أخٌ، إمَّا بالاستلحاق (٣) وإمَّا من (٤) القضاء بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره ، فألحق ولده به لمَّا علمه من فراشه (يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ الدَّال على الأصل، ونصب «ابن» (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ) زمعة (قَالَ رَسُولُ اللهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةَُ بِنْتَ زَمْعَةَ) بضمِّ «سودة» ونصبها على الوجهين

المشهورين في مثل: يا زيدَُ بن عمرٍو، وذلك أنَّ توابع المبنيِّ المفرد من التَّأكيد والصِّفة وعطف البيان تُرفَع على لفظه وتُنصَب على محلِّه، بيانه: أنَّ لفظ «سودة» في «يا سودة»، و «عبد» في «يا عبد» منادىً مبنيٌّ على الضَّمِّ، فإذا أُكِّد أو اتَّصف أو عُطِف عليه يجوز فيه الوجهان، وأمَّا «بنت زمعة» فالنَّصب لا غير؛ لأنَّه مضافٌ إضافةً معنويَّةً، وما كان كذلك من توابع المنادى وجب نصبه، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: يجوز رفع «بنت» فقال في «المصابيح»: هو خطأٌ منه، أو من النَّاسخ، والأمر هنا للنَّدب والاحتياط عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأخوَّته لها في ظاهر الشَّرع، قيل: يحتمل أن يكون قوله: «هو لك» أي: ملكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يُقِرَّ به، فلم يبق إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا (١) لأمِّه؛ ولذا (٢) أمرها بالاحتجاب منه، وهذا يردُّه قوله في رواية البخاريِّ في «المغازي» [خ¦٤٣٠٣]: هو لك فهو أخوك يا عبد وإذا ثبت أنَّه أخو عبدٍ لأبيه فهو أخو سودة لأبيها، وإنَّما أمرها بالاحتجاب (مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ) قال إمامنا الشَّافعيُّ : رؤيةُ ابن زمعة لسودة مباحةٌ، لكنَّه كرهه للشُّبهة، وأمرها بالتَّنزُّه عنه اختيارًا. انتهى. وقد (٣) استُشكِل الحديث من جهة خروجه عن الأصول المُجمَع عليها، وذلك أنَّ الاتِّفاق على (٤) أنَّه لا يدَّعي أحدٌ عن أحدٍ إلَّا بتوكلٍ من المدَّعى له، فكيف ادَّعى سعدٌ وليس وكيلًا عن أخيه عتبة، وادَّعى عبد بن زمعة على أبيه (٥) ولدًا بقوله: «أخي ابن وليدة أبي»، ولم يأتِ ببيِّنةٍ تشهد على إقرار أبيه زمعة بذلك، ولا تجوز دعواه على أمةٍ؟ وأُجيب: باحتمال أن يكون حكمًا مستوفيًا الشُّروطَ (٦)، ولم تستوعب الرُّواة القصَّة، وقد سبق [خ¦٢٠٥٣]: أنَّ عتبةَ عَهِدَ إلى أخيه سعدٍ: أنَّ ابن وليدةِ زمعةَ منِّي فاقبضه إليك، وإذا كان وصيَّ أخيه فهو أحقُّ بكفالة ابن

أخيه وحفظ نسبه، فتصحُّ دعواه بذلك، وكذا دعوى عبد بن زمعة المُخاصَمة في أخيه، فإنَّه كافله وعاصبه إن كان حرًّا، ومالكه إن كان عبدًا (١)، فلا يحتاج إلى إثبات وكالةٍ ولا وصيَّةٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يطلب الحضانة، وهي حقُّه، إذ أحدهما في دعواه عمٌّ والآخر أخٌ، وغرض المؤلِّف من هذا (٢) الحديث قول عبد بن زمعة: «أخي ابن وليدة زمعة وُلِد على فراشه»، وحكمه لابن زمعة بأنَّه أخوه: فإنَّ فيه ثبوت أمِّيَّة الأَمَة لكن ليس فيه تعريضٌ لحرِّيَّتها ولا لإرقاقها، لكن قال الكِرمانيُّ: إنَّه رأى في بعض النُّسخ في آخر الباب ما نصُّه: فسمَّى النَّبيُّ أمَّ ولد (٣) زمعة أمةً ووليدةً، فدلَّ على أنَّها لم تكن عتيقةً. انتهى. وحينئذٍ فهو ميلٌ من المؤلِّف إلى أنَّها لا تُعتَق بموت السَّيِّد؟ وأُجيب: بأنَّ عتق أمِّ الولد بموت السَّيِّد ثبت بأدلَّةٍ أخرى، وقيل: غرض البخاريِّ بإيراده أنَّ بعض الحنفيَّة لمَّا التزم أنَّ أمَّ الولد المُتنازَع فيه كانت حرَّةً، ردَّ ذلك، وقال: بل كانت عتقت، وكأنَّه قال: قد ورد في بعض طرقه [خ¦٢٧٤٥]: أنَّها أمةٌ، فمن ادَّعى أنَّها عتقت فعليه البيان، وأجاب ابن المنيِّر: بأنَّ البخاريَّ استدلَّ بقوله [خ¦٢٠٥٣]: «الولد للفراش» على أنَّ أمَّ الولد فراشٌ كالحرَّة بخلاف الأَمَة، ولهذا سوَّى بينها وبين الزَّوجة في هذا اللَّفظ العامِّ. وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفرائض» [خ¦٦٧٤٩] وقد اختلف السَّلف والخَلَف في عتق أمِّ الولد وفي جواز بيعها، فالثَّابت عن عمر عدم جواز بيعها، وهو مرويٌّ عن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وقول أكثر التَّابعين وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أكثر كتبه وعليه جمهور أصحابه، وهو قول أبي يوسف ومحمَّدٍ وزفر وأحمد وإسحاق، وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق جواز بيعها، وهو (٤) كذا عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وابن الزُّبير وجابرٍ، وفي حديثه: كنَّا نبيع سراريَّنا أمَّهاتِ أولادنا والنَّبيُّ حيٌّ، لا يرى (٥) بذلك بأسًا، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وفي لفظٍ: بِعْنا أمَّهات الأولاد على عهد النَّبيِّ وأبي بكرٍ،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢٣٥٢ - حدَّثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ لَ مَّا أقْبَلَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ ومَعَهُ غُلَامَهُ وهْوَ يَطْلُبُ الإسْلامَ فَضَلَّ أحَدُهُمَا صاحِبَهُ بِهاذَا وَقَالَ أما أنِّي أشْهِدُكَ أنَّهُ لله.

هَذَا طَرِيق آخر عَن شهَاب بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء: الْعَبْدي الْكُوفِي أَبُو عَمْرو عَن إِبْرَاهِيم بن حميد بن عبد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِي من قيس غيلَان الْكُوفِي ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَهُوَ يطْلب الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَيحْتَمل أَن يكون حَقِيقَة، وَإِن لم يسلم وَأسلم بعد، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد يظْهر الْإِسْلَام. قَوْله: (فضل) ، أَصله التَّعْدِيَة بالحرف لِأَنَّهُ قَالَ فِي الطَّرِيق الأول. فضل كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه، وَيكون نصب (صاحبَه) هُنَا بِنَزْع الْخَافِض، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قومَه سبعين} (الْأَعْرَاف: ٥٥١) . أَي: من قومه، وَالتَّقْدِير هُنَا: فضل أَحدهمَا عَن صَاحبه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ فِي الْأَشْيَاء الثَّابِتَة، كَمَا يُقَال: ضللت الْمَسْجِد وَالدَّار، إِذا لم يعرف موضعهما قلت: هَذَا من بَاب التَّوَسُّع، كَمَا يُقَال: دخلت الْمَسْجِد، حَتَّى قيل: إِن الصَّوَاب: فأضل أَحدهمَا صَاحبه.

٨ - (بابُ أُمِّ الوَلَدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أم الْوَلَد، وَلم يذكر الحكم مَا هُوَ، فَكَأَنَّهُ تَركه للْخلاف فِيهِ. قَالَ أَبُو عمر: اخْتلف السّلف وَالْخلف من الْعلمَاء فِي عتق أم الْوَلَد وَفِي جَوَاز بيعهَا، فالثابت عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عدم جَوَاز بيعهَا، وروى مثل ذَلِك عَن عُثْمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ قَول أَكثر التَّابِعين مِنْهُم: الْحسن وَعَطَاء ومحاهد وَسَالم وَابْن شهَاب وَإِبْرَاهِيم، وَإِلَى ذَلِك ذهب مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، فِي أَكثر كتبه، وَقد أجَاز بيعهَا فِي بعض كتبه، وَقَالَ الْمُزنِيّ: قطع فِي أَرْبَعَة عشر موضعا من كتبه بِأَن لَا تبَاع، وَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه، وَعَلِيهِ جُمْهُور أَصْحَابه، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالْحسن بن صَالح وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد وَأبي ثَوْر، وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَجَابِر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يجيزون بيع أم الْوَلَد، وَبِه قَالَ دَاوُد، وَقَالَ جَابر وَأَبُو سعيد: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَذكر عبد الرَّزَّاق: أَنبأَنَا ابْن جريج أَخْبرنِي أَبُو الزبير سمع جَابِرا، يَقُول: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِينَا لَا يرى بذلك بَأْسا) . وأنبأنا ابْن جريج أَنبأَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْوَلِيد أَن أَبَا إِسْحَاق الْهَمدَانِي أخبرهُ أَن أَبَا بكر الصّديق (كَانَ يَبِيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آمارته وَعمر فِي نصف إمارته) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (تعْتق فِي نصيب وَلَدهَا) ، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي مَارِيَة سريته: لما ولدت إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: (أعْتقهَا وَلَدهَا) ، من وَجه لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا يُثبتهُ أهل الحَدِيث، وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: (إيما أمة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهَا حرَّة إِذا مَاتَ سَيِّدهَا) ، فَقيل لَهُ: عَمَّن هَذَا؟ قَالَ: (عَن الْقُرْآن هَذَا) ، قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} (النِّسَاء: ٩٥) . وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أولي الْأَمر، وَقد قَالَ: أعْتقهَا وَلَدهَا وَإِن كَانَ سِقطاً.

قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ تَلِدَ الأمَةِ رَبَّها

هَذَا التَّعْلِيق مر مَوْصُولا مطولا فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الْإِيمَان، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَجه إِيرَاد هَذَا هُنَا هُوَ أَن مِنْهُم من اسْتدلَّ على جَوَاز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَمِنْهُم من منع ذَلِك فَكَانَ البُخَارِيّ أَرَادَ بِذكرِهِ هَذَا الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه لَا يدل على الْجَوَاز وَلَا الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) وَقد اسْتدلَّ إمامان من كبار الْعلمَاء على ذَلِك، اسْتدلَّ أَحدهمَا على الْإِبَاحَة، وَالْآخر على الْمَنْع، وَذَلِكَ عَجِيب مِنْهُمَا، وَقد أنكر عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَا أخبر، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِكَوْنِهِ من عَلَامَات السَّاعَة يكون محرما أَو مذموماً كتطاول الرعاء فِي الْبُنيان وفشو المَال وَكَون خمسين امْرَأَة لَهُنَّ قيم وَاحِد لَيْسَ بِحرَام بِلَا شكّ، وَإِنَّمَا هَذِه عَلَامَات، والعلامة لَا يشْتَرط فِيهَا شَيْء من ذَلِك، بل تكون بِالْخَيرِ وَالشَّر والمباح وَالْمحرم وَالْوَاجِب وَغَيره. انْتهى. قلت: وَجه اسْتِدْلَال الْمُجِيز أَن ظَاهر قَوْله:

(رَبهَا) ، أَن المُرَاد بِهِ سَيِّدهَا لِأَن وَلَدهَا من سَيِّدهَا يتنزل منزلَة سَيِّدهَا لمصير مآل الْإِنْسَان إِلَى وَلَده غَالِبا، وَوجه اسْتِدْلَال الْمَانِع أَن هَذَا إِخْبَار عَن غَلَبَة الْجَهْل فِي آخر الزَّمَان حَتَّى تبَاع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، فيكثر تردد الْأمة فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيهَا وَلَدهَا وَهُوَ لَا يدْرِي، فَيكون فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَلَا يخفى تعسف الْوَجْهَيْنِ.

٣٣٥٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُرْوَةَ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّ عُتْبَةَ بنَ أبِي وقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أخِيهِ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أنْ يَقْبِضَ إلَيْهِ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ قَالَ عُتْبَةُ إنَّهُ ابْني فلَمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَمَنَ الْفَتْحِ أخَذَ سَعْدٌ ابنُ ولِيدَةِ زَمْعَةَ فَأقْبَلَ بِهِ إلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأقْبَلَ معَهُ بِعَبْدِ بنِ زَمْعَةَ فقالَ سَعْدٌ يَا رسُولَ الله هَذَا ابنُ أخِي عَهِدَ إلَيَّ أنَّهُ ابْنُهُ فَقَالَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ يَا رسولَ الله هَذَا أخِي ابنُ ولِيدَةِ زَمعَة وُلدَ عَلى فِراشِهِ فنَظَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ابنُ وليدَةِ زَمْعَةَ فإذَا هُوَ أشْبَهُ النًّاسِ بهِ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ مِنْ أجْلِ أنَّهُ وُلِدَ علَى فِرَاشِ أَبِيه وَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بنْتَ زَمْعَةَ مِمَّا رَأى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ وكانتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا أخي، ولد على فرَاش أبي) وَحكمه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِن فِيهِ ثُبُوت أميَّة الْوَلَد. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ تعرض لحريتها وَلَا لرقيتها. قلت: التَّرْجَمَة فِي بَاب أم الْوَلَد مُطلقًا من غير تعرض للْحكم، كَمَا ذكرنَا فَتحصل الْمُطَابقَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَقيل: فِيهِ: إِشَارَة إِلَى حريَّة أم الْوَلَد لِأَنَّهُ جعلهَا فراشا، فسوى بَينهَا وَبَين الزَّوْجَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: زَاد فِي بعض النّسخ بعد تَمام الحَدِيث، قَالَ أَبُو عبد الله: سمى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أمة زَمعَة أمة ووليدة، فَدلَّ على أَنَّهَا لم تكن عتيقة بِهَذَا الحَدِيث. قلت: هَذَا يدل على أَن ميله إِلَى عدم عتق أم الْوَلَد بِمَوْت السَّيِّد، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُقَال غَرَض البُخَارِيّ فِيهِ بَيَان أَن بعض الْحَنَفِيَّة لَا يَقُولُونَ بِأَن الْوَلَد للْفراش فِي الْأمة إِذْ لَا يلحقون الْوَلَد بالسيد إلَاّ بِإِقْرَارِهِ، بل يخصصونه بفراش الْحرَّة، فَإِذا أَرَادوا تَأْوِيل مَا فِي هَذَا الحَدِيث فِي بعض الرِّوَايَات من أَن الْوَلَد للْفراش يَقُولُونَ: إِن أم الْوَلَد الْمُتَنَازع فِيهَا كَانَت حرَّة لَا أمة، ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث مضى فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير الشُّبُهَات، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نذْكر هُنَا بعض شيى لزِيَادَة الْفَائِدَة.

وَقَالَ ابْن بطال: الْقَضِيَّة مشكلة من جِهَة أَن عبدا ادّعى على أمة ولدا بقوله: أخي، وَلم يَأْتِ بِبَيِّنَة تشهد على إِقْرَار أَبِيه، فَكيف قبل دَعْوَاهُ؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى: أَن الْأمة إِذا وَطئهَا مَوْلَاهَا فقد لزمَه كل ولد تَجِيء بِهِ بعد ذَلِك، إدعاه أم لَا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يلْزم مَوْلَاهَا إلَاّ أَن يقرَّ بِهِ، وَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (هولك) ، وَلم يقل: هُوَ أَخُوك، فَيجوز أَن يُرِيد بِهِ: هُوَ مَمْلُوك لَك بِحَق مَا لَك عَلَيْهِ من الْيَد، وَلِهَذَا أَمر سَوْدَة بالاحتجاب مِنْهُ، فَلَو جعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ابْن زَمعَة لما حجب مِنْهُ أُخْته. وَقَالَت طَائِفَة: مَعْنَاهُ: هُوَ أَخُوك كَمَا ادعيت، قَضَاء مِنْهُ فِي ذَلِك بِعَمَلِهِ، لِأَن زَمعَة كَانَ صهره فَألْحق وَلَده بِهِ لما علمه من فراسته، لَا أَنه قضى بذلك لاستلحاق عبد لَهُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: (هُوَ لَك) ، أَي: بِيَدِك عَلَيْهِ لَا إِنَّك تملكه، وَلَكِن يمنه مِنْهُ كل من سواك، كَمَا قَالَ فِي اللّقطَة: هِيَ لَك تدفع غَيْرك عَنْهَا حَتَّى يَجِيء صَاحبهَا، وَلما كَانَ لعبد شريك وَهُوَ أُخْته سَوْدَة، وَلم يعلم مِنْهَا تَصْدِيق فِي ذَلِك، ألزم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عبدا مَا أقرَّ بِهِ على نَفسه، وَلم يَجْعَل ذَلِك حجَّة على أُخْته، فَأمرهَا بالاحتجاب. وَقَالَ الشَّافِعِي: رُؤْيَة ابْن زَمعَة لسودة مُبَاحَة، لكنه كرهه للشُّبْهَة، وأمرها بالتنزه عَنهُ اخْتِيَارا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ لَك ملك، يَعْنِي عبدا لِأَنَّهُ بَان وليدة أَبِيك، وكل أمة تَلد من غير سَيِّدهَا فولدها عبد، وَلم ينْقل فِي الحَدِيث اعْتِرَاف سَيِّدهَا بِوَطْئِهَا، وَلَا شهد بذلك عَلَيْهِ، فَلم يبْق إلَاّ الْقَضَاء بِأَنَّهُ عبد تبيع لأمه، لَا أَنه قضى لَهُ بِبَيِّنَة. وَأجَاب ابْن الْقصار بجوابين: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يدعى: عبد بن زَمعَة، أَنه حر وَأَنه أَخُوهُ ولد على فرَاش أَبِيه،

فَكيف يقْضِي لَهُ بِالْملكِ؟ وَلَو كَانَ مَمْلُوكا لعتق بِهَذَا القَوْل. وَالْآخر: أَنه لَو قضى لَهُ بِالْملكِ لم يقل الْوَلَد للْفراش، لِأَن الْمَمْلُوك لَا يلْحق بالفراش، ولكان يَقُول: هُوَ ملك لَك. وَقَالَ الْمُزنِيّ: يحْتَمل أَن يكون أجَاب فِيهِ على الْمَسْأَلَة. فأعلمهم بالحكم أَن هَذَا يكون إِذا ادّعى صَاحب فرَاش وَصَاحب زنا، لَا أَنه قَبِلَ قَول سعد على أَخِيه عتبَة، وَلَا على زَمعَة قَول ابْنه عبد بن زَمعَة أَنه أَخُوهُ، لِأَن كل اُحْدُ مِنْهُمَا أخبر عَن غَيره، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَنه لَا يقبل إِقْرَار أحد على غَيره، فَحكم بذلك ليعرفهم الحكم فِي مثله إِذا نزل. قَوْله: (أَخذ سعد ابْن وليدة زَمعَة) أَي: أَخذ سعد بن أبي وَقاص، وَهُوَ مَرْفُوع منون. وَقَوله: (ابْن وليدة) ، مَنْصُوب على أَنه مفعول، وَيَنْبَغِي أَن يكْتب: ابْن، بِالْألف. قَوْله: (هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة) ، بِرَفْع عبد، وَيجوز نَصبه، وَكَذَا: ابْن، وَكَذَا قَوْله: يَا سَوْدَة بنت زَمعَة. قلت: أما وَجه الرّفْع وَالنّصب فَهُوَ أَن تَوَابِع الْمَبْنِيّ المفردة من التَّأْكِيد وَالصّفة وَعطف الْبَيَان ترفع على لَفظه، وتنصب على مَحَله بَيَانه: أَن لفظ عبد فِي: يَا عبد، منادى مَبْنِيّ على الضَّم، فَإِذا أكذ أَو اتّصف أَو عطف عَلَيْهِ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (احتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة) ، أشكل مَعْنَاهُ قَدِيما على الْعلمَاء. فَذهب أَكثر الْقَائِلين بِأَن الْحَرَام لَا يحرم الْحَلَال، وَأَن الزِّنَا لَا تَأْثِير لَهُ فِي التَّحْرِيم، وَهُوَ قَول عبد الْملك بن الْمَاجشون، إلَاّ أَن قَوْله: كَانَ ذَلِك مِنْهُ على وَجه الِاحْتِيَاط والتنزه، وَأَن للرجل أَن يمْنَع امْرَأَته من رُؤْيَة أَخِيهَا، هَذَا قَول الشَّافِعِي. وَقَالَت طَائِفَة: كَانَ ذَلِك مِنْهُ لقطع الذريعة بعد حكمه بِالظَّاهِرِ، فَكَأَنَّهُ حكم بحكمين: حكم ظَاهر وَهُوَ: الْوَلَد للْفراش، وَحكم بَاطِن، وَهُوَ: الاحتجاب من أجل الشّبَه. كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِأَخ لَك يَا سَوْدَة إلَاّ فِي حكم الله تَعَالَى، فَأمرهَا بالاحتجاب مِنْهُ. قلت: وَمن هَذَا أَخذ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد: أَن وَطْء الزِّنَا محرم، وَمُوجب للْحكم وَأَنه يجْرِي مجْرى الْوَطْء الْحَلَال فِي التَّحْرِيم مِنْهُ، وحملوا أمره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لسودة بالاحتجاب على الْوُجُوب، وَهُوَ أحد قولي مَالك. وَفِي قَوْله الآخر: الْأَمر هَهُنَا للاستحباب، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَذَلِكَ لأَنهم يَقُولُونَ: إِن وَطْء الزِّنَا لَا يحرم شَيْئا وَلَا يُوجب حكما، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم، وَذكر فِي حكم أم الْوَلَد سَبْعَة أَقْوَال: الأول: يجوز عتقهَا على مَال صرح بِهِ ابْن الْقصار فِي (فَتَاوِيهِ) الثَّانِي: يجوز بيعهَا مُطلقًا، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ. الثَّالِث: يجوز لسَيِّدهَا بيعهَا فِي حَيَاته، فَإِذا مَاتَ عتقت، وَحكي ذَلِك عَن الشَّافِعِي. الرَّابِع: أَنَّهَا تبَاع فِي الدّين، وَفِيه حَدِيث سَلامَة بن معقل فِي (سنَن أبي دَاوُد) . الْخَامِس: أَنَّهَا تبَاع، وَلَكِن إِن كَانَ وَلَدهَا مَوْجُودا عِنْد موت أَبِيه سَيِّدهَا حسب من نصِيبه إِن كَانَ ثمَّ مشارك لَهُ فِي التَّرِكَة، وَهُوَ مَذْهَب ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: أَنه يجوز بيعهَا بِشَرْط الْعتْق، وَلَا يجوز بِغَيْرِهِ. السَّابِع: أَنَّهَا إِن عَقَّت وأبِقَتْ لم يجز بيعهَا، وَإِن فجرت أَو كفرت جَازَ بيعهَا. حُكيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَحكى الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي التَّوَقُّف.

٩ - (بابُ بَيْعِ المُدَبِّرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْمُدبر: هَل يجوز أم لَا؟ وَقد ذكر هَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا فِي كتاب الْبيُوع.

٤٣٥٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُ ابنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ أعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْداً لَهُ عنْ دُبُرٍ فَدَعَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهِ فَباعَهُ قَالَ جابِرٌ ماتَ الغُلامُ عامَ أوَّلَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يُوضح حكم التَّرْجَمَة أَيْضا أَنه أطلقها، فَدلَّ أَن مذْهبه جَوَاز بيع الْمُدبر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْبيُوع مُسْتَوفى.

قَوْله: (عَن دبر) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وسكونها، وَاسم العَبْد: يَعْقُوب، وَالْمُعتق: أَبُو مَذْكُور، وَالْمُشْتَرِي: نعيم النحام. وَالثمن ثَمَانمِائَة دِرْهَم. قَوْله: (عَام أول) ، بِالصرْفِ وَعدم الصّرْف، لِأَنَّهُ إِمَّا: أفعل أَو فوعل، وَيجوز بِنَاؤُه على الضَّم، وَهَذِه الْإِضَافَة من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته، وَأَصله عَاما أول، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، فلنذكر هُنَا أَيْضا يعَض شَيْء. فَقَالَ قوم: يجوز بيع الْمُدبر وَيرجع فِيهِ مَتى شَاءَ، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وطاووس، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث، قَالُوا: وَهُوَ مَذْهَب عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا باعت مُدبرَة لَهَا سحرتها.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْإِسْلَامَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ غُلَامُهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ) أَيْ ضَاعَ.

قَوْلُهُ: (فَهُوَ حِينَ يَقُولُ) أَيِ الْوَقْتُ الَّذِي وَصَلَ فِيهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ (قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ) أَيْ عِنْدَ انْتِهَائِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنِ الشِّعْرَ مِنْ نَظْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى غُلَامِهِ. حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ مُقَدَّمِ بْنِ حَجَّاجٍ السُّوَانيِّ أَنَّ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ لِأَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ فِي قِصَّةٍ لَهُ، فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ تَمَثَّلَ بِهِ.

قَوْلُهُ فِي الشِّعْرِ (يَا لَيْلَةً) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ فَاءٍ أَوْ وَاوٍ فِي أَوَّلِهِ لِيَصِيرَ مَوْزُونًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا يُسَمَّى فِي الْعَرُوضِ الْخَرْمَ بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ، وَهُوَ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ أَوَّلِ الْجُزْءِ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي، وَمَا جَازَ حَذْفُهُ لَا يُقَالُ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِهِ.

قَوْلُهُ: (وَعَنَائِهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالنُّونِ وَالْمَدِّ أَيْ تَعَبهَا، وَ (دَارَةِ الْكُفْرِ) الدَّارَةُ أَخَصُّ مِنَ الدَّارِ، وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:

وَلَا سِيَّمَا يَوْمًا بِدَارَةِ جُلْجُلِ.

يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ

قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ فبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ. فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ.

قَوْلُهُ في الطريق الثانية (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ أَبُو قُدَامَةَ السَّرَخْسِيُّ كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، وَفِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، وَأَبُو سَعِيدٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ مُكَبَّرٌ فَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ وَخَلَفٌ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَعُبَيْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ مِمَّنْ يَرْوِي فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَأَبَقَ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ. وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّاعِ كَسْرَهَا.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتَقَهُ) أَيْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْفَاءُ هِيَ التَّفْسِيرِيَّةُ.

قَوْلُهُ: (لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حُرٌّ) وَصَلَهُ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَهُوَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: هُوَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْتِقْهُ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ لَيْسَ فِيهِ حُرٌّ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ أَثْبَتَ قَوْلَهُ حُرٌّ فِي أَحَدِهِمَا، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ الْبُخَارِيِّ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ وَهُوَ خَطَأٌ مِمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِتَصْرِيحِهِ بِنَفْيِهِ عَنْ شَيْخِهِ بِعَيْنِهِ.

قَوْلُهُ في الطريق الأخيرة (فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَأَصْلُهُ مِنْ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى، وَلَوْ كَانَتْ أَضَلَّ مُعَدَّاةً بِالْهَمْزِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَقَدْ ثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْعِتْقِ عِنْدَ بُلُوغِ الْغَرَضِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ الشِّعْرِ وَإِنْشَادِهِ وَالتَّمَثُّلِ بِهِ وَالتَّأَلُّمِ مِنَ النَّصَبِ وَالسَّهَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

٨ - بَاب أُمِّ الْوَلَدِ

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا.

٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كان عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ: إِنَّهُ ابْنِي. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ زَمَنَ الْفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ

اللَّهِ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ. مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (بَابُ أُمِّ الْوَلَدِ) أَيْ هَلْ يُحْكَمُ بِعِتْقِهَا أَمْ لَا؟ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُفْصِحُ بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ السَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْخَلَفِ عَلَى الْمَنْعِ حَتَّى وَافَقَ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شُذُوذٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بِمَعْنَاهُ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّبِّ السَّيِّدُ أَوِ الْمَالِكُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا عَدَمِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ إِمَامَانِ جَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْآخَرُ عَلَى مَنْعِهِ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ فَقَالَ: ظَاهِرُ قَوْلُهُ: رَبَّهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيِّدُهَا لِأَنَّ وَلَدَهَا مِنْ سَيِّدِهَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ سَيِّدِهَا لِمَصِيرِ مَآلِ الْإِنْسَانِ إِلَى وَلَدِهِ غَالِبًا، وَأَمَّا مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمَنْعِ فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ الْأَوْلَادَ مِنَ الْإِمَاءِ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَعَهْدِ أَصْحَابِهِ كَثِيرًا، وَالْحَدِيثُ مَسُوقٌ لِلْعَلَامَاتِ الَّتِي قُرْبَ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَدَلَّ عَلَى حُدُوثِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ التَّسَرِّي.

قَالَ: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَهْلَ يَغْلِبُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ فَيَكْثُرَ تَرْدَادُ الْأَمَةِ فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيَهَا وَلَدُهَا وَهُوَ لَا يَدْرِي، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَوْلُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي وَحُكْمُهُ لِابْنِ زَمْعَةَ بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِنَّ فِيهِ ثُبُوتَ أُمِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُرِّيَّتِهَا وَلَا لِإِرْقَاقِهَا، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنِيرِ أَجَابَ بِأَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى حُرِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا فِرَاشًا فَسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَفَادَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي آخِرِ الْبَابِ مَا نَصُّهُ فَسَمَّى النَّبِيُّ أُمَّ وَلَدِ زَمْعَةَ أَمَةً وَوَلِيدَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَتِيقَةً اهـ. فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مَيْلٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ أَحَدَ التَّأولَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ لَمْ تَكُنْ عَتِيقَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنْ مَنْ يَحْتَجُّ بِعِتْقِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ حُجَّةً، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ تَقْرِيرَ النَّبِيِّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ عَلَى قَوْلِهِ: أَمَةُ أَبِي يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ مِنْهُ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِمَّا قَالَ أنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَزَمْعَةُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكُ يَمِينٍ فَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ الْأَحْرَارِ. قَالَ: وَلَعَلَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَقُولُ: إِنَّ الْوَلَدَ فِي الْأَمَةِ لِلْفِرَاشِ، فَلَا يُلْحِقُونَهُ بِالسَّيِّدِ، إِلَّا إِنْ أَقَرَّ بِهِ، وَيَخُصُّونَ الْفِرَاشَ بِالْحُرَّةِ، فَإِذَا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ قَالُوا: مَا كَانَتْ أَمَةً بَلْ كَانَتْ حُرَّةً، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى رَدِّ حُجَّتِهِمْ هَذِهِ بِمَا ذَكَرَهُ.

وَتَعَلَّقَ الْأَئِمَّةُ بِأَحَادِيثَ أَصَحُّهَا حَدِيثَانِ: أَحَدُهُمَا:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الولد ولا عدمه كما سبق تقريره في «كتاب الإيمان» [خ¦٥٠] فليُراجَع، وقال ابن المنيِّر: استدلَّ البخاريُّ بقوله: «تلد الأَمَةُ ربَّها» على إثبات حريَّة أمِّ الولد، وأنَّها لا تُباع من جهة كونه من أشراط السَّاعة، أي: يعتق الرَّجلُ والمرأةُ أمَّهما الأَمَةَ ويعاملانها معاملة السَّيِّد تقبيحًا لذلك، وعدَّه من الفتن، ومن أشراط السَّاعة، فدلَّ على أنَّها مُحتَرمةٌ شرعًا.

٢٥٣٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (١) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «كان عتبة (٢) ابن أبي وقَّاصٍ» (عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة (أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) بن قيسٍ العامريَّ، ولم تُسَمَّ الوليدة، نعم ذكر مصعبٌ الزُّبيريُّ في «نسب قريشٍ» أنَّها كانت أَمَةً يمانيةً، واسمُ ولدها عبدُ الرَّحمن (قَالَ عُتْبَةُ) بن أبي وقَّاصٍ: (إِنَّهُ) أي: عبد الرَّحمن (ابْنِي، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ) مكَّة (زَمَنَ الفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ) بالتَّنوين (ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن بنصب «ابنَ» (٣) على المفعوليَّة، ويُكتَب بالألف (فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ) أخي سودة أمِّ المؤمنين (فَقَالَ سَعْدٌ) بالتَّنوين، وفي «اليونينيَّة» برفعه من غير تنوينٍ (يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي: عبد الرَّحمن (ابْنُ أَخِي)

عتبة (عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا) أي (١): عبد الرَّحمن (أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ) أبي (زَمْعَةَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت (٢): «هذا أخي ابن زمعة» (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ) من جاريته (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ) عبد الرَّحمن (فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ) أي: بعتبة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : هُوَ) أي: عبد الرَّحمن (لَكَ) أخٌ، إمَّا بالاستلحاق (٣) وإمَّا من (٤) القضاء بعلمه؛ لأنَّ زمعة كان صهره ، فألحق ولده به لمَّا علمه من فراشه (يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) بضمِّ الدَّال على الأصل، ونصب «ابن» (مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ) زمعة (قَالَ رَسُولُ اللهِ : احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةَُ بِنْتَ زَمْعَةَ) بضمِّ «سودة» ونصبها على الوجهين

المشهورين في مثل: يا زيدَُ بن عمرٍو، وذلك أنَّ توابع المبنيِّ المفرد من التَّأكيد والصِّفة وعطف البيان تُرفَع على لفظه وتُنصَب على محلِّه، بيانه: أنَّ لفظ «سودة» في «يا سودة»، و «عبد» في «يا عبد» منادىً مبنيٌّ على الضَّمِّ، فإذا أُكِّد أو اتَّصف أو عُطِف عليه يجوز فيه الوجهان، وأمَّا «بنت زمعة» فالنَّصب لا غير؛ لأنَّه مضافٌ إضافةً معنويَّةً، وما كان كذلك من توابع المنادى وجب نصبه، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: يجوز رفع «بنت» فقال في «المصابيح»: هو خطأٌ منه، أو من النَّاسخ، والأمر هنا للنَّدب والاحتياط عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأخوَّته لها في ظاهر الشَّرع، قيل: يحتمل أن يكون قوله: «هو لك» أي: ملكًا؛ لأنَّه ابن وليدة أبيك من غيره؛ لأنَّ زمعة لم يُقِرَّ به، فلم يبق إلَّا أنَّه عبدٌ تبعًا (١) لأمِّه؛ ولذا (٢) أمرها بالاحتجاب منه، وهذا يردُّه قوله في رواية البخاريِّ في «المغازي» [خ¦٤٣٠٣]: هو لك فهو أخوك يا عبد وإذا ثبت أنَّه أخو عبدٍ لأبيه فهو أخو سودة لأبيها، وإنَّما أمرها بالاحتجاب (مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ) قال إمامنا الشَّافعيُّ : رؤيةُ ابن زمعة لسودة مباحةٌ، لكنَّه كرهه للشُّبهة، وأمرها بالتَّنزُّه عنه اختيارًا. انتهى. وقد (٣) استُشكِل الحديث من جهة خروجه عن الأصول المُجمَع عليها، وذلك أنَّ الاتِّفاق على (٤) أنَّه لا يدَّعي أحدٌ عن أحدٍ إلَّا بتوكلٍ من المدَّعى له، فكيف ادَّعى سعدٌ وليس وكيلًا عن أخيه عتبة، وادَّعى عبد بن زمعة على أبيه (٥) ولدًا بقوله: «أخي ابن وليدة أبي»، ولم يأتِ ببيِّنةٍ تشهد على إقرار أبيه زمعة بذلك، ولا تجوز دعواه على أمةٍ؟ وأُجيب: باحتمال أن يكون حكمًا مستوفيًا الشُّروطَ (٦)، ولم تستوعب الرُّواة القصَّة، وقد سبق [خ¦٢٠٥٣]: أنَّ عتبةَ عَهِدَ إلى أخيه سعدٍ: أنَّ ابن وليدةِ زمعةَ منِّي فاقبضه إليك، وإذا كان وصيَّ أخيه فهو أحقُّ بكفالة ابن

أخيه وحفظ نسبه، فتصحُّ دعواه بذلك، وكذا دعوى عبد بن زمعة المُخاصَمة في أخيه، فإنَّه كافله وعاصبه إن كان حرًّا، ومالكه إن كان عبدًا (١)، فلا يحتاج إلى إثبات وكالةٍ ولا وصيَّةٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يطلب الحضانة، وهي حقُّه، إذ أحدهما في دعواه عمٌّ والآخر أخٌ، وغرض المؤلِّف من هذا (٢) الحديث قول عبد بن زمعة: «أخي ابن وليدة زمعة وُلِد على فراشه»، وحكمه لابن زمعة بأنَّه أخوه: فإنَّ فيه ثبوت أمِّيَّة الأَمَة لكن ليس فيه تعريضٌ لحرِّيَّتها ولا لإرقاقها، لكن قال الكِرمانيُّ: إنَّه رأى في بعض النُّسخ في آخر الباب ما نصُّه: فسمَّى النَّبيُّ أمَّ ولد (٣) زمعة أمةً ووليدةً، فدلَّ على أنَّها لم تكن عتيقةً. انتهى. وحينئذٍ فهو ميلٌ من المؤلِّف إلى أنَّها لا تُعتَق بموت السَّيِّد؟ وأُجيب: بأنَّ عتق أمِّ الولد بموت السَّيِّد ثبت بأدلَّةٍ أخرى، وقيل: غرض البخاريِّ بإيراده أنَّ بعض الحنفيَّة لمَّا التزم أنَّ أمَّ الولد المُتنازَع فيه كانت حرَّةً، ردَّ ذلك، وقال: بل كانت عتقت، وكأنَّه قال: قد ورد في بعض طرقه [خ¦٢٧٤٥]: أنَّها أمةٌ، فمن ادَّعى أنَّها عتقت فعليه البيان، وأجاب ابن المنيِّر: بأنَّ البخاريَّ استدلَّ بقوله [خ¦٢٠٥٣]: «الولد للفراش» على أنَّ أمَّ الولد فراشٌ كالحرَّة بخلاف الأَمَة، ولهذا سوَّى بينها وبين الزَّوجة في هذا اللَّفظ العامِّ. وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «الفرائض» [خ¦٦٧٤٩] وقد اختلف السَّلف والخَلَف في عتق أمِّ الولد وفي جواز بيعها، فالثَّابت عن عمر عدم جواز بيعها، وهو مرويٌّ عن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وقول أكثر التَّابعين وأبي حنيفة والشَّافعيِّ في أكثر كتبه وعليه جمهور أصحابه، وهو قول أبي يوسف ومحمَّدٍ وزفر وأحمد وإسحاق، وعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق جواز بيعها، وهو (٤) كذا عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وابن الزُّبير وجابرٍ، وفي حديثه: كنَّا نبيع سراريَّنا أمَّهاتِ أولادنا والنَّبيُّ حيٌّ، لا يرى (٥) بذلك بأسًا، أخرجه عبد الرَّزَّاق، وفي لفظٍ: بِعْنا أمَّهات الأولاد على عهد النَّبيِّ وأبي بكرٍ،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢٣٥٢ - حدَّثنا شِهَابُ بنُ عَبَّادٍ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حُمَيْدٍ عنْ إسْمَاعِيلَ عنْ قَيْسٍ قَالَ لَ مَّا أقْبَلَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ ومَعَهُ غُلَامَهُ وهْوَ يَطْلُبُ الإسْلامَ فَضَلَّ أحَدُهُمَا صاحِبَهُ بِهاذَا وَقَالَ أما أنِّي أشْهِدُكَ أنَّهُ لله.

هَذَا طَرِيق آخر عَن شهَاب بن عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء: الْعَبْدي الْكُوفِي أَبُو عَمْرو عَن إِبْرَاهِيم بن حميد بن عبد الرَّحْمَن الرُّؤَاسِي من قيس غيلَان الْكُوفِي ... إِلَى آخِره. قَوْله: (وَهُوَ يطْلب الْإِسْلَام) جملَة حَالية، وَيحْتَمل أَن يكون حَقِيقَة، وَإِن لم يسلم وَأسلم بعد، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد يظْهر الْإِسْلَام. قَوْله: (فضل) ، أَصله التَّعْدِيَة بالحرف لِأَنَّهُ قَالَ فِي الطَّرِيق الأول. فضل كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه، وَيكون نصب (صاحبَه) هُنَا بِنَزْع الْخَافِض، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قومَه سبعين} (الْأَعْرَاف: ٥٥١) . أَي: من قومه، وَالتَّقْدِير هُنَا: فضل أَحدهمَا عَن صَاحبه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا بِنَفسِهِ فِي الْأَشْيَاء الثَّابِتَة، كَمَا يُقَال: ضللت الْمَسْجِد وَالدَّار، إِذا لم يعرف موضعهما قلت: هَذَا من بَاب التَّوَسُّع، كَمَا يُقَال: دخلت الْمَسْجِد، حَتَّى قيل: إِن الصَّوَاب: فأضل أَحدهمَا صَاحبه.

٨ - (بابُ أُمِّ الوَلَدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أم الْوَلَد، وَلم يذكر الحكم مَا هُوَ، فَكَأَنَّهُ تَركه للْخلاف فِيهِ. قَالَ أَبُو عمر: اخْتلف السّلف وَالْخلف من الْعلمَاء فِي عتق أم الْوَلَد وَفِي جَوَاز بيعهَا، فالثابت عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عدم جَوَاز بيعهَا، وروى مثل ذَلِك عَن عُثْمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز، وَهُوَ قَول أَكثر التَّابِعين مِنْهُم: الْحسن وَعَطَاء ومحاهد وَسَالم وَابْن شهَاب وَإِبْرَاهِيم، وَإِلَى ذَلِك ذهب مَالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، فِي أَكثر كتبه، وَقد أجَاز بيعهَا فِي بعض كتبه، وَقَالَ الْمُزنِيّ: قطع فِي أَرْبَعَة عشر موضعا من كتبه بِأَن لَا تبَاع، وَهُوَ الصَّحِيح من مذْهبه، وَعَلِيهِ جُمْهُور أَصْحَابه، وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالْحسن بن صَالح وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي عبيد وَأبي ثَوْر، وَكَانَ أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَجَابِر وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يجيزون بيع أم الْوَلَد، وَبِه قَالَ دَاوُد، وَقَالَ جَابر وَأَبُو سعيد: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَذكر عبد الرَّزَّاق: أَنبأَنَا ابْن جريج أَخْبرنِي أَبُو الزبير سمع جَابِرا، يَقُول: (كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِينَا لَا يرى بذلك بَأْسا) . وأنبأنا ابْن جريج أَنبأَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْوَلِيد أَن أَبَا إِسْحَاق الْهَمدَانِي أخبرهُ أَن أَبَا بكر الصّديق (كَانَ يَبِيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي آمارته وَعمر فِي نصف إمارته) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (تعْتق فِي نصيب وَلَدهَا) ، وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي مَارِيَة سريته: لما ولدت إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: (أعْتقهَا وَلَدهَا) ، من وَجه لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا يُثبتهُ أهل الحَدِيث، وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَنه قَالَ: (إيما أمة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهَا حرَّة إِذا مَاتَ سَيِّدهَا) ، فَقيل لَهُ: عَمَّن هَذَا؟ قَالَ: (عَن الْقُرْآن هَذَا) ، قَالَ الله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} (النِّسَاء: ٩٥) . وَكَانَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، من أولي الْأَمر، وَقد قَالَ: أعْتقهَا وَلَدهَا وَإِن كَانَ سِقطاً.

قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ تَلِدَ الأمَةِ رَبَّها

هَذَا التَّعْلِيق مر مَوْصُولا مطولا فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الْإِيمَان، وَتقدم الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. وَجه إِيرَاد هَذَا هُنَا هُوَ أَن مِنْهُم من اسْتدلَّ على جَوَاز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَمِنْهُم من منع ذَلِك فَكَانَ البُخَارِيّ أَرَادَ بِذكرِهِ هَذَا الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه لَا يدل على الْجَوَاز وَلَا الْمَنْع. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح مُسلم) وَقد اسْتدلَّ إمامان من كبار الْعلمَاء على ذَلِك، اسْتدلَّ أَحدهمَا على الْإِبَاحَة، وَالْآخر على الْمَنْع، وَذَلِكَ عَجِيب مِنْهُمَا، وَقد أنكر عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَا أخبر، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِكَوْنِهِ من عَلَامَات السَّاعَة يكون محرما أَو مذموماً كتطاول الرعاء فِي الْبُنيان وفشو المَال وَكَون خمسين امْرَأَة لَهُنَّ قيم وَاحِد لَيْسَ بِحرَام بِلَا شكّ، وَإِنَّمَا هَذِه عَلَامَات، والعلامة لَا يشْتَرط فِيهَا شَيْء من ذَلِك، بل تكون بِالْخَيرِ وَالشَّر والمباح وَالْمحرم وَالْوَاجِب وَغَيره. انْتهى. قلت: وَجه اسْتِدْلَال الْمُجِيز أَن ظَاهر قَوْله:

(رَبهَا) ، أَن المُرَاد بِهِ سَيِّدهَا لِأَن وَلَدهَا من سَيِّدهَا يتنزل منزلَة سَيِّدهَا لمصير مآل الْإِنْسَان إِلَى وَلَده غَالِبا، وَوجه اسْتِدْلَال الْمَانِع أَن هَذَا إِخْبَار عَن غَلَبَة الْجَهْل فِي آخر الزَّمَان حَتَّى تبَاع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، فيكثر تردد الْأمة فِي الْأَيْدِي حَتَّى يَشْتَرِيهَا وَلَدهَا وَهُوَ لَا يدْرِي، فَيكون فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَحْرِيم بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد، وَلَا يخفى تعسف الْوَجْهَيْنِ.

٣٣٥٢ - حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني عُرْوَةَ بنُ الزُّبَيْرِ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ إنَّ عُتْبَةَ بنَ أبِي وقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أخِيهِ سَعْدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ أنْ يَقْبِضَ إلَيْهِ ابنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ قَالَ عُتْبَةُ إنَّهُ ابْني فلَمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَمَنَ الْفَتْحِ أخَذَ سَعْدٌ ابنُ ولِيدَةِ زَمْعَةَ فَأقْبَلَ بِهِ إلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأقْبَلَ معَهُ بِعَبْدِ بنِ زَمْعَةَ فقالَ سَعْدٌ يَا رسُولَ الله هَذَا ابنُ أخِي عَهِدَ إلَيَّ أنَّهُ ابْنُهُ فَقَالَ عبدُ بنُ زَمْعَةَ يَا رسولَ الله هَذَا أخِي ابنُ ولِيدَةِ زَمعَة وُلدَ عَلى فِراشِهِ فنَظَرَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ابنُ وليدَةِ زَمْعَةَ فإذَا هُوَ أشْبَهُ النًّاسِ بهِ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ مِنْ أجْلِ أنَّهُ وُلِدَ علَى فِرَاشِ أَبِيه وَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بنْتَ زَمْعَةَ مِمَّا رَأى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ وكانتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (هَذَا أخي، ولد على فرَاش أبي) وَحكمه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِأَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِن فِيهِ ثُبُوت أميَّة الْوَلَد. فَإِن قلت: لَيْسَ فِيهِ تعرض لحريتها وَلَا لرقيتها. قلت: التَّرْجَمَة فِي بَاب أم الْوَلَد مُطلقًا من غير تعرض للْحكم، كَمَا ذكرنَا فَتحصل الْمُطَابقَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، وَقيل: فِيهِ: إِشَارَة إِلَى حريَّة أم الْوَلَد لِأَنَّهُ جعلهَا فراشا، فسوى بَينهَا وَبَين الزَّوْجَة فِي ذَلِك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: زَاد فِي بعض النّسخ بعد تَمام الحَدِيث، قَالَ أَبُو عبد الله: سمى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أمة زَمعَة أمة ووليدة، فَدلَّ على أَنَّهَا لم تكن عتيقة بِهَذَا الحَدِيث. قلت: هَذَا يدل على أَن ميله إِلَى عدم عتق أم الْوَلَد بِمَوْت السَّيِّد، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُقَال غَرَض البُخَارِيّ فِيهِ بَيَان أَن بعض الْحَنَفِيَّة لَا يَقُولُونَ بِأَن الْوَلَد للْفراش فِي الْأمة إِذْ لَا يلحقون الْوَلَد بالسيد إلَاّ بِإِقْرَارِهِ، بل يخصصونه بفراش الْحرَّة، فَإِذا أَرَادوا تَأْوِيل مَا فِي هَذَا الحَدِيث فِي بعض الرِّوَايَات من أَن الْوَلَد للْفراش يَقُولُونَ: إِن أم الْوَلَد الْمُتَنَازع فِيهَا كَانَت حرَّة لَا أمة، ثمَّ إِن هَذَا الحَدِيث مضى فِي أَوَائِل كتاب الْبيُوع فِي: بَاب تَفْسِير الشُّبُهَات، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَلَكِن نذْكر هُنَا بعض شيى لزِيَادَة الْفَائِدَة.

وَقَالَ ابْن بطال: الْقَضِيَّة مشكلة من جِهَة أَن عبدا ادّعى على أمة ولدا بقوله: أخي، وَلم يَأْتِ بِبَيِّنَة تشهد على إِقْرَار أَبِيه، فَكيف قبل دَعْوَاهُ؟ فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ إِلَى: أَن الْأمة إِذا وَطئهَا مَوْلَاهَا فقد لزمَه كل ولد تَجِيء بِهِ بعد ذَلِك، إدعاه أم لَا. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يلْزم مَوْلَاهَا إلَاّ أَن يقرَّ بِهِ، وَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (هولك) ، وَلم يقل: هُوَ أَخُوك، فَيجوز أَن يُرِيد بِهِ: هُوَ مَمْلُوك لَك بِحَق مَا لَك عَلَيْهِ من الْيَد، وَلِهَذَا أَمر سَوْدَة بالاحتجاب مِنْهُ، فَلَو جعله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ابْن زَمعَة لما حجب مِنْهُ أُخْته. وَقَالَت طَائِفَة: مَعْنَاهُ: هُوَ أَخُوك كَمَا ادعيت، قَضَاء مِنْهُ فِي ذَلِك بِعَمَلِهِ، لِأَن زَمعَة كَانَ صهره فَألْحق وَلَده بِهِ لما علمه من فراسته، لَا أَنه قضى بذلك لاستلحاق عبد لَهُ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: (هُوَ لَك) ، أَي: بِيَدِك عَلَيْهِ لَا إِنَّك تملكه، وَلَكِن يمنه مِنْهُ كل من سواك، كَمَا قَالَ فِي اللّقطَة: هِيَ لَك تدفع غَيْرك عَنْهَا حَتَّى يَجِيء صَاحبهَا، وَلما كَانَ لعبد شريك وَهُوَ أُخْته سَوْدَة، وَلم يعلم مِنْهَا تَصْدِيق فِي ذَلِك، ألزم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عبدا مَا أقرَّ بِهِ على نَفسه، وَلم يَجْعَل ذَلِك حجَّة على أُخْته، فَأمرهَا بالاحتجاب. وَقَالَ الشَّافِعِي: رُؤْيَة ابْن زَمعَة لسودة مُبَاحَة، لكنه كرهه للشُّبْهَة، وأمرها بالتنزه عَنهُ اخْتِيَارا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ لَك ملك، يَعْنِي عبدا لِأَنَّهُ بَان وليدة أَبِيك، وكل أمة تَلد من غير سَيِّدهَا فولدها عبد، وَلم ينْقل فِي الحَدِيث اعْتِرَاف سَيِّدهَا بِوَطْئِهَا، وَلَا شهد بذلك عَلَيْهِ، فَلم يبْق إلَاّ الْقَضَاء بِأَنَّهُ عبد تبيع لأمه، لَا أَنه قضى لَهُ بِبَيِّنَة. وَأجَاب ابْن الْقصار بجوابين: أَحدهمَا: أَنه كَانَ يدعى: عبد بن زَمعَة، أَنه حر وَأَنه أَخُوهُ ولد على فرَاش أَبِيه،

فَكيف يقْضِي لَهُ بِالْملكِ؟ وَلَو كَانَ مَمْلُوكا لعتق بِهَذَا القَوْل. وَالْآخر: أَنه لَو قضى لَهُ بِالْملكِ لم يقل الْوَلَد للْفراش، لِأَن الْمَمْلُوك لَا يلْحق بالفراش، ولكان يَقُول: هُوَ ملك لَك. وَقَالَ الْمُزنِيّ: يحْتَمل أَن يكون أجَاب فِيهِ على الْمَسْأَلَة. فأعلمهم بالحكم أَن هَذَا يكون إِذا ادّعى صَاحب فرَاش وَصَاحب زنا، لَا أَنه قَبِلَ قَول سعد على أَخِيه عتبَة، وَلَا على زَمعَة قَول ابْنه عبد بن زَمعَة أَنه أَخُوهُ، لِأَن كل اُحْدُ مِنْهُمَا أخبر عَن غَيره، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَنه لَا يقبل إِقْرَار أحد على غَيره، فَحكم بذلك ليعرفهم الحكم فِي مثله إِذا نزل. قَوْله: (أَخذ سعد ابْن وليدة زَمعَة) أَي: أَخذ سعد بن أبي وَقاص، وَهُوَ مَرْفُوع منون. وَقَوله: (ابْن وليدة) ، مَنْصُوب على أَنه مفعول، وَيَنْبَغِي أَن يكْتب: ابْن، بِالْألف. قَوْله: (هُوَ لَك يَا عبد بن زَمعَة) ، بِرَفْع عبد، وَيجوز نَصبه، وَكَذَا: ابْن، وَكَذَا قَوْله: يَا سَوْدَة بنت زَمعَة. قلت: أما وَجه الرّفْع وَالنّصب فَهُوَ أَن تَوَابِع الْمَبْنِيّ المفردة من التَّأْكِيد وَالصّفة وَعطف الْبَيَان ترفع على لَفظه، وتنصب على مَحَله بَيَانه: أَن لفظ عبد فِي: يَا عبد، منادى مَبْنِيّ على الضَّم، فَإِذا أكذ أَو اتّصف أَو عطف عَلَيْهِ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (احتجبي مِنْهُ يَا سَوْدَة) ، أشكل مَعْنَاهُ قَدِيما على الْعلمَاء. فَذهب أَكثر الْقَائِلين بِأَن الْحَرَام لَا يحرم الْحَلَال، وَأَن الزِّنَا لَا تَأْثِير لَهُ فِي التَّحْرِيم، وَهُوَ قَول عبد الْملك بن الْمَاجشون، إلَاّ أَن قَوْله: كَانَ ذَلِك مِنْهُ على وَجه الِاحْتِيَاط والتنزه، وَأَن للرجل أَن يمْنَع امْرَأَته من رُؤْيَة أَخِيهَا، هَذَا قَول الشَّافِعِي. وَقَالَت طَائِفَة: كَانَ ذَلِك مِنْهُ لقطع الذريعة بعد حكمه بِالظَّاهِرِ، فَكَأَنَّهُ حكم بحكمين: حكم ظَاهر وَهُوَ: الْوَلَد للْفراش، وَحكم بَاطِن، وَهُوَ: الاحتجاب من أجل الشّبَه. كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِأَخ لَك يَا سَوْدَة إلَاّ فِي حكم الله تَعَالَى، فَأمرهَا بالاحتجاب مِنْهُ. قلت: وَمن هَذَا أَخذ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد: أَن وَطْء الزِّنَا محرم، وَمُوجب للْحكم وَأَنه يجْرِي مجْرى الْوَطْء الْحَلَال فِي التَّحْرِيم مِنْهُ، وحملوا أمره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لسودة بالاحتجاب على الْوُجُوب، وَهُوَ أحد قولي مَالك. وَفِي قَوْله الآخر: الْأَمر هَهُنَا للاستحباب، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي ثَوْر، وَذَلِكَ لأَنهم يَقُولُونَ: إِن وَطْء الزِّنَا لَا يحرم شَيْئا وَلَا يُوجب حكما، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم، وَذكر فِي حكم أم الْوَلَد سَبْعَة أَقْوَال: الأول: يجوز عتقهَا على مَال صرح بِهِ ابْن الْقصار فِي (فَتَاوِيهِ) الثَّانِي: يجوز بيعهَا مُطلقًا، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ. الثَّالِث: يجوز لسَيِّدهَا بيعهَا فِي حَيَاته، فَإِذا مَاتَ عتقت، وَحكي ذَلِك عَن الشَّافِعِي. الرَّابِع: أَنَّهَا تبَاع فِي الدّين، وَفِيه حَدِيث سَلامَة بن معقل فِي (سنَن أبي دَاوُد) . الْخَامِس: أَنَّهَا تبَاع، وَلَكِن إِن كَانَ وَلَدهَا مَوْجُودا عِنْد موت أَبِيه سَيِّدهَا حسب من نصِيبه إِن كَانَ ثمَّ مشارك لَهُ فِي التَّرِكَة، وَهُوَ مَذْهَب ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. السَّادِس: أَنه يجوز بيعهَا بِشَرْط الْعتْق، وَلَا يجوز بِغَيْرِهِ. السَّابِع: أَنَّهَا إِن عَقَّت وأبِقَتْ لم يجز بيعهَا، وَإِن فجرت أَو كفرت جَازَ بيعهَا. حُكيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَحكى الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي التَّوَقُّف.

٩ - (بابُ بَيْعِ المُدَبِّرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بيع الْمُدبر: هَل يجوز أم لَا؟ وَقد ذكر هَذِه التَّرْجَمَة بِعَينهَا فِي كتاب الْبيُوع.

٤٣٥٢ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا عَمْرُ ابنُ دِينارٍ قَالَ سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُما قَالَ أعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْداً لَهُ عنْ دُبُرٍ فَدَعَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهِ فَباعَهُ قَالَ جابِرٌ ماتَ الغُلامُ عامَ أوَّلَ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، والْحَدِيث يُوضح حكم التَّرْجَمَة أَيْضا أَنه أطلقها، فَدلَّ أَن مذْهبه جَوَاز بيع الْمُدبر، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الْبيُوع مُسْتَوفى.

قَوْله: (عَن دبر) بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وسكونها، وَاسم العَبْد: يَعْقُوب، وَالْمُعتق: أَبُو مَذْكُور، وَالْمُشْتَرِي: نعيم النحام. وَالثمن ثَمَانمِائَة دِرْهَم. قَوْله: (عَام أول) ، بِالصرْفِ وَعدم الصّرْف، لِأَنَّهُ إِمَّا: أفعل أَو فوعل، وَيجوز بِنَاؤُه على الضَّم، وَهَذِه الْإِضَافَة من إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صفته، وَأَصله عَاما أول، وَقد ذكرنَا هُنَاكَ اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ، فلنذكر هُنَا أَيْضا يعَض شَيْء. فَقَالَ قوم: يجوز بيع الْمُدبر وَيرجع فِيهِ مَتى شَاءَ، وَهُوَ قَول مُجَاهِد وطاووس، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الحَدِيث، قَالُوا: وَهُوَ مَذْهَب عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا باعت مُدبرَة لَهَا سحرتها.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده