الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٤٨
الحديث رقم ٢٥٤٨ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٥٤٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
معنى الحديث: أي إذا أصلح العبد حاله مع سيده؛ بأن قام بما وجب عليه من طاعته فيما يأمره به بالمعروف وقام بحق الله تعالى من أداء الواجبات واجتناب المنهيات، فإن له الأجر مرتين يوم القيامة.
الأول: أجر قيامه بحق سيده فيما وجب عليه.
الثاني: أجر القيام بحق الله تعالى فيما افترضه الله عليه.
و أبو هريرة رضي الله عنه بعد رواية الحديث: أقسم بالله أنه لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبرُّ أمه، لتمنى أن يكون عبداً مملوكًا.
إلا أن الذي يمنعه من ذلك: الجهاد في سبيل الله؛ لأن العبد ليس له الخروج للجهاد، إلا بإذن سيده وقد يمنعه لحاجته أو خوف هلاكه.
ولولا الحج لتمنى أن يكون عبداً مملوكاً؛ لأن العبد ليس له الخروج للحج إلا بإذن سيده، فقد يمنعه من الحج لحاجته إليه.
ومما يمنعه من تمني العبودية، بِرُّ أمه وطاعتها؛ فإن طاعة السيد مقدمة على طاعة والدته وحقه أوكد من حقها؛ لأن كلَّ منافعه مملوكة لسيده، فله التصرف المطلق، وهذا مما قد يمنعه من القيام على أمه وبرها وطاعتها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السَّختيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ قال: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ الصَّالِحِ) في عبادة ربِّه النَّاصح لسيِّده (أَجْرَانِ) فإن قلت: يلزم أن يكون أجر المملوك أضعف أجرًا (١) من السَّيِّد (٢)، أجيب بأنَّه لا محذورَ في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون لسيِّده جهاتٌ أخرى يستحقُّ بها أضعاف أجر العبد، قال أبو هريرة ﵁: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي) اسمها أُمَيْمَة -بالتَّصغير- بنت صُبَيحٍ أو صُفَيحٍ -بالموحَّدة أو الفاء- ابن الحارث، وهي صحابيَّةٌ ثبت ذكر إسلامها في «صحيح مسلمٍ»، وبيان اسمها في «الذَّيل» لأبي موسى، و «جزء (٣) إسحاق بن إبراهيم بن شاذان»، والمعنى: لولا القيام بمصحلة أمِّي في النَّفقة والمؤن والخدمة ونحو ذلك ممَّا لا يمكن فعله من الرَّقيق (لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ) وإنَّما استثنى أبو هريرة ذلك؛ لأنَّ الجهاد والحجَّ يُشتَرط فيهما إذن السَّيِّد، وكذا برُّ الأمِّ قد يحتاج فيه إلى إذن السَّيِّد في بعض وجوهه، بخلاف بقيَّة العبادات البدنيَّة، وهذه الجملة من قوله: «والذي نفسي بيده … » إلى آخره ليست مرفوعةً، بل هي مُدرَجةٌ من قول أبي هريرة ﵁، كما جزم به غير واحدٍ من أئمَّة المحدِّثين، ويشهد له من حيث (٤) المعنى قوله: «وبرُّ أمِّي»، فإنَّه لم يكن للنَّبيِّ ﷺ حينئذٍ أمٌّ يبرُّها، وأمَّا توجيه الكِرمانيِّ -بأنَّه ﵊ أراد به تعليم أمَّته، أو أورده على سبيل فرض حياتها، أو المراد: أمُّه حليمة السَّعديَّة التي أرضعته- فمردودٌ بما ورد من التَّنصيص على الإدراج، فعند الإسماعيليِّ من طريقٍ أخرى عن ابن المبارك: والذي نفس أبي هريرة بيده … إلى آخره، وكذا أخرجه مسلمٌ من
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَأْتِي الحوائط، فَمن رَآهُ من العبيد كلف مَا لَا يُطيق وضع عَنهُ، وَمن أقل رزقه زَاده فِيهِ. قَالَ مَالك: وَكَذَلِكَ يفعل فِيمَن يفعل من الأجراء وَلَا يطيقه، وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أوصيكم بالضعيفين: الْمَرْأَة والمملوك، وَأمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم موَالِي أبي طيبَة أَن يخففوا عَنهُ من خراجه. وَفِي (التَّوْضِيح) : التَّسْوِيَة فِي الْمطعم والملبس اسْتِحْبَاب، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء، فَلَو كَانَ سَيّده يَأْكُل الْفَائِق ويلبس العالي فَلَا يجب عَلَيْهِ أَن يُسَاوِي مَمْلُوكه فِيهِ، وَمَا أحسن تَعْلِيل مَالك، وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن من قَوْله: لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت، وَإِنَّمَا كَانَ الْغَالِب من قوتهم التَّمْر وَالشعِير، وَقد صَحَّ أَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: للمملوك طَعَامه وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق، فَإِن زَاد على مَا فرض عَلَيْهِ من قوته وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ كَانَ متفضلاً مُتَطَوعا. وَقَالَ ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن: لَو أَن رجلا عمل لنَفسِهِ خبيصاً فَأَكله دون خادمه، مَا كَانَ بذلك بَأْس، وَكَانَ يُفْتِي أَنه: إِذا أطْعم خادمه من الْخبز الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ فقد أطْعمهُ مِمَّا يَأْكُل مِنْهُ، لِأَن: من، عِنْد الْعَرَب للتَّبْعِيض. وَلَو قَالَ: أطعموهم من كل مَا تَأْكُلُونَ، لعم الخبيص وَغَيره، وَكَذَا فِي اللبَاس. قَوْله: (فَإِن كلفْتُمُوهُمْ) فَإِن قلت: إِذا نهى عَن التَّكْلِيف فَكيف عقبه بقوله: فَإِن كلفْتُمُوهُمْ؟ قلت: النَّهْي للتنزيه قَالَه الْكرْمَانِي، وَفِيه نظر، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {لَا يُكَلف الله نفسا إلَاّ وسعهَا} (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . وَلما لم يُكَلف الله فَوق طاقتنا، وَنحن عبيده، وَجب علينا أَن نمتثل لحكمه وطريقته فِي عبيدنا، وروى هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، مَرْفُوعا: لَا تستخدموا رقيقكم بِاللَّيْلِ، فَإِن النَّهَار لكم وَاللَّيْل لَهُم. وروى معمى عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة يرفعهُ إِلَى سلمَان: أَن رجلأ أَتَاهُ وَهُوَ يعجن، فَقَالَ: أَيْن الْخَادِم؟ قَالَ: أَرْسلتهُ لحَاجَة، فَلم نَكُنْ لنجمع عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ: أَن نرسله وَلَا نكفيه عمله، ووقف عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على تَاجر لَا يعرفهُ، فَاشْترى مِنْهُ قميصين بِعشْرَة دَرَاهِم، فَقَالَ لعَبْدِهِ: إختر أَيهمَا شِئْت.
وَفِيه من الْفَوَائِد: النَّهْي عَن سبّ الرَّقِيق وتعييرهم بِمن ولدهم. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَيْهِم والرفق بهم، وَيلْحق بالرقيق من كَانَ فِي مَعْنَاهُ من أجِير ومستخدم فِي أَمر وَنَحْوهمَا، وَفِيه عدم الترفع على الْمُسلم والإحتقار. وَفِيه: الْمُحَافظَة على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَفِيه: إِطْلَاق الْأَخ على الرَّقِيق.
٦١ - (بابُ العَبْدِ إذَا أحْسنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل العَبْد أَو فِي بَيَان ثَوَابه إِذا أحسن عبَادَة ربه، بِأَن أَقَامَهَا بشروطها. قَوْله: (ونصح) ، من النَّصِيحَة، وَهِي كلمة جَامِعَة مَعْنَاهَا: حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ، وَهُوَ إِرَادَة صَلَاح حَاله وتخليصه من الْخلَل وتصفيته من الْغِشّ.
٦٤٥٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ العَبْدُ إذَا نصَحَ سَيِّدَهُ وأحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(الحَدِيث ٦٤٥٢ طرفه فِي: ٠٥٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي وَهُوَ عبد الله بن مسلمة شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: حض الْمَمْلُوك على نصح سَيّده، لِأَنَّهُ راعٍ فِي مَاله، وَهُوَ مسؤول عَمَّا استرعى. قَوْله: (كَانَ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ) ، مرّة لنصح سَيّده وَمرَّة لإحسان عبَادَة ربه.
٧٤٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ قَالَ أخبرنَا سفْيانُ عنْ صالِحٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي موساى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قالَ قالَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّمَا رَجلٍ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأدِيبَهَا وأعْتَقَهَا وتَزَوَّجَهَا فلَهُ أجْرَانِ وأيُّما عَبْدٍ أدَّى حَقَّ الله وحقَّ مَوالِيهِ فلَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَيّمَا عبد) إِلَى آخِره لِأَن أَدَاء حق الله هُوَ معنى: أحسن عبَادَة ربه، وَأَدَاء حق موَالِيه هُوَ معنى نصح سَيّده. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَصَالح هُوَ ابْن صَالح أَبُو حَيّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، وَأَبُو بردة اسْمه الْحَارِث أَو عَامر، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس. وَالنّصف الأول من الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْجَارِيَة قد مر عَن قريب فِي: بَاب فضل من أدب جَارِيَته، وَالنّصف الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي فِيهِ أَمر العَبْد قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن الشّعبِيّ، وَقد مر
الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَصَالح بن حَيَّان هَذَا هُوَ صَالح بن صَالح أَبُو حَيّ الْمَذْكُور، غير أَن البُخَارِيّ ذكره هُنَاكَ بنسبته إِلَى جده، فَإِنَّهُ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، وَلَيْسَ بِصَالح بن حَيَّان الْقرشِي الْكُوفِي الَّذِي يروي عَن أبي وَائِل، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.
٨٤٥٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ يَقولُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للعبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أجْرَانِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله والحَجُّ وبِرُّ أُمِّي لأحْبَبْتُ أنْ أموتَ وأنَا مَمْلُوكٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَوَقع فِي كتاب ابْن بطال عزو حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ غلط، فَإِنَّهُ أسقط حَدِيث أبي مُوسَى وَركبهُ على حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد السجسْتانِي الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَفِي الْأَيْمَان عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (للْعَبد الْمَمْلُوك) إِنَّمَا وصف العَبْد بالمملوك، لِأَن العَبْد أَعم من أَن يكون مَمْلُوكا وَغير مَمْلُوك، فَإِن النَّاس كلهم عبيد الله. قَوْله: (الصَّالح) ، أَي: فِي عبَادَة الرب ونصح السَّيِّد. قَوْله: (أَجْرَانِ) ، قَالَ ابْن بطال: لما كَانَ للْعَبد فِي عبَادَة ربه أجر، كَذَلِك لَهُ فِي نصح السَّيِّد أجر، وَلَا يُقَال: الأجران متساويان، لِأَن طَاعَة الله تَعَالَى أوجب من طَاعَته. قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، قَالَ ابْن بطال: لفظ: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ. .) إِلَى آخِره هُوَ من قَول أبي هُرَيْرَة، وَكَذَا قَالَه الدَّاودِيّ وَغَيره، وَقَالُوا: يدل على أَنه مدرج يَعْنِي: الحَدِيث لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (وبرُّ أُمِّي) ، وَلم يكن للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِينَئِذٍ أم يبرها، وجنح الْكرْمَانِي إِلَى أَنه من كَلَام الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: مَاتَ أم الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ طِفْل، فَمَا معمى بره أمه؟ قلت: لتعليم الْأمة، أَو على سَبِيل فرض الْحَيَاة، أَو المُرَاد بِهِ أمه الَّتِي أَرْضَعَتْه، وَهِي حليمة السعدية. انْتهى. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على مَا اطلع عَلَيْهِ من يَدعِي الإدراج لما تكلّف هَذَا التَّأْوِيل المتعسف، وَقد صرح بالإدراج الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِلَفْظ: وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ ... إِلَى آخِره، وَكَذَلِكَ أخرجه الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي فِي كتاب (الْبر والصلة) عَن ابْن الْمُبَارك، وَصرح مُسلم أَيْضا بذلك، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، قَالَا: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أخبرنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب، سَمِعت سعيد بن الْمسيب يَقُول: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (للْعَبد الْمَمْلُوك الصَّالح أَجْرَانِ، وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَالْحج وبر أُمِّي لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) . قَالَ: وبلغنا أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن يحجّ حَتَّى مَاتَت أمه لصحبتها، قَالَ أَبُو الطَّاهِر: فِي حَدِيثه (للْعَبد المصلح) وَلم يذكر الْمَمْلُوك. انْتهى. وَاسم أم أبي هُرَيْرَة: أُمَيْمَة، بِالتَّصْغِيرِ، وَقيل: مَيْمُونَة، وَهِي صحابية ثَبت ذكر إسْلَامهَا فِي (صَحِيح مُسلم) وَبَين أَبُو مُوسَى اسْمهَا فِي ذيل (الْمعرفَة) ، وإنمااستثنى أَبُو هُرَيْرَة هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لِأَن الْجِهَاد وَالْحج يشْتَرط فيهمَا إِذن السَّيِّد، وَكَذَلِكَ بر الْأُم، قد يحْتَاج إِلَى إِذن السَّيِّد فِي بعض وجوهه، بِخِلَاف بَقِيَّة الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة، وَلم يتَعَرَّض للعبادات الْمَالِيَّة إِمَّا لكَونه كَانَ إِذْ ذَاك لم يكن لَهُ مَال يزِيد على قدر حَاجته فيمكنه صرفه فِي القربات بِدُونِ إِذن السَّيِّد، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن للْعَبد أَن يتَصَرَّف فِي مَاله بِغَيْر إِذْنه. فَإِن قيل: فِي قَوْله: أَجْرَانِ، يلْزم كَون أجر المماليك ضعف أجر السادات؟ قلت: أجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مَحْذُور فِي ذَلِك، أَو يكون أجر المماليك مضاعفاً من هَذِه الْجِهَة، وَقد يكون للسادات جِهَات أُخْرَى يسْتَحق بهَا أجر العَبْد، أَو يكون المُرَاد تَرْجِيح العَبْد الْمُؤَدِّي للحقين على العَبْد الْمُؤَدِّي لأَحَدهمَا. وَالله أعلم. قَوْله: (لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) ، الْوَاو، فِيهِ للْحَال. قَالَ الْخطابِيّ: وَلِهَذَا الْمَعْنى امتحن الله، عز وَجل، أنبياءه، عَلَيْهِم السَّلَام، ابتلى يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، بِالرّقِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٥٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) السَّختيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ قال: (سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ الصَّالِحِ) في عبادة ربِّه النَّاصح لسيِّده (أَجْرَانِ) فإن قلت: يلزم أن يكون أجر المملوك أضعف أجرًا (١) من السَّيِّد (٢)، أجيب بأنَّه لا محذورَ في ذلك، أو يكون أجره مضاعفًا من هذه الجهة، وقد يكون لسيِّده جهاتٌ أخرى يستحقُّ بها أضعاف أجر العبد، قال أبو هريرة ﵁: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي) اسمها أُمَيْمَة -بالتَّصغير- بنت صُبَيحٍ أو صُفَيحٍ -بالموحَّدة أو الفاء- ابن الحارث، وهي صحابيَّةٌ ثبت ذكر إسلامها في «صحيح مسلمٍ»، وبيان اسمها في «الذَّيل» لأبي موسى، و «جزء (٣) إسحاق بن إبراهيم بن شاذان»، والمعنى: لولا القيام بمصحلة أمِّي في النَّفقة والمؤن والخدمة ونحو ذلك ممَّا لا يمكن فعله من الرَّقيق (لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ) وإنَّما استثنى أبو هريرة ذلك؛ لأنَّ الجهاد والحجَّ يُشتَرط فيهما إذن السَّيِّد، وكذا برُّ الأمِّ قد يحتاج فيه إلى إذن السَّيِّد في بعض وجوهه، بخلاف بقيَّة العبادات البدنيَّة، وهذه الجملة من قوله: «والذي نفسي بيده … » إلى آخره ليست مرفوعةً، بل هي مُدرَجةٌ من قول أبي هريرة ﵁، كما جزم به غير واحدٍ من أئمَّة المحدِّثين، ويشهد له من حيث (٤) المعنى قوله: «وبرُّ أمِّي»، فإنَّه لم يكن للنَّبيِّ ﷺ حينئذٍ أمٌّ يبرُّها، وأمَّا توجيه الكِرمانيِّ -بأنَّه ﵊ أراد به تعليم أمَّته، أو أورده على سبيل فرض حياتها، أو المراد: أمُّه حليمة السَّعديَّة التي أرضعته- فمردودٌ بما ورد من التَّنصيص على الإدراج، فعند الإسماعيليِّ من طريقٍ أخرى عن ابن المبارك: والذي نفس أبي هريرة بيده … إلى آخره، وكذا أخرجه مسلمٌ من
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَأْتِي الحوائط، فَمن رَآهُ من العبيد كلف مَا لَا يُطيق وضع عَنهُ، وَمن أقل رزقه زَاده فِيهِ. قَالَ مَالك: وَكَذَلِكَ يفعل فِيمَن يفعل من الأجراء وَلَا يطيقه، وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أوصيكم بالضعيفين: الْمَرْأَة والمملوك، وَأمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم موَالِي أبي طيبَة أَن يخففوا عَنهُ من خراجه. وَفِي (التَّوْضِيح) : التَّسْوِيَة فِي الْمطعم والملبس اسْتِحْبَاب، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْعلمَاء، فَلَو كَانَ سَيّده يَأْكُل الْفَائِق ويلبس العالي فَلَا يجب عَلَيْهِ أَن يُسَاوِي مَمْلُوكه فِيهِ، وَمَا أحسن تَعْلِيل مَالك، وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ الْآن من قَوْله: لَيْسَ لَهُم هَذَا الْقُوت، وَإِنَّمَا كَانَ الْغَالِب من قوتهم التَّمْر وَالشعِير، وَقد صَحَّ أَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: للمملوك طَعَامه وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق، فَإِن زَاد على مَا فرض عَلَيْهِ من قوته وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ كَانَ متفضلاً مُتَطَوعا. وَقَالَ ربيعَة بن عبد الرَّحْمَن: لَو أَن رجلا عمل لنَفسِهِ خبيصاً فَأَكله دون خادمه، مَا كَانَ بذلك بَأْس، وَكَانَ يُفْتِي أَنه: إِذا أطْعم خادمه من الْخبز الَّذِي يَأْكُل مِنْهُ فقد أطْعمهُ مِمَّا يَأْكُل مِنْهُ، لِأَن: من، عِنْد الْعَرَب للتَّبْعِيض. وَلَو قَالَ: أطعموهم من كل مَا تَأْكُلُونَ، لعم الخبيص وَغَيره، وَكَذَا فِي اللبَاس. قَوْله: (فَإِن كلفْتُمُوهُمْ) فَإِن قلت: إِذا نهى عَن التَّكْلِيف فَكيف عقبه بقوله: فَإِن كلفْتُمُوهُمْ؟ قلت: النَّهْي للتنزيه قَالَه الْكرْمَانِي، وَفِيه نظر، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {لَا يُكَلف الله نفسا إلَاّ وسعهَا} (الْبَقَرَة: ٦٨٢) . وَلما لم يُكَلف الله فَوق طاقتنا، وَنحن عبيده، وَجب علينا أَن نمتثل لحكمه وطريقته فِي عبيدنا، وروى هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، مَرْفُوعا: لَا تستخدموا رقيقكم بِاللَّيْلِ، فَإِن النَّهَار لكم وَاللَّيْل لَهُم. وروى معمى عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة يرفعهُ إِلَى سلمَان: أَن رجلأ أَتَاهُ وَهُوَ يعجن، فَقَالَ: أَيْن الْخَادِم؟ قَالَ: أَرْسلتهُ لحَاجَة، فَلم نَكُنْ لنجمع عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ: أَن نرسله وَلَا نكفيه عمله، ووقف عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على تَاجر لَا يعرفهُ، فَاشْترى مِنْهُ قميصين بِعشْرَة دَرَاهِم، فَقَالَ لعَبْدِهِ: إختر أَيهمَا شِئْت.
وَفِيه من الْفَوَائِد: النَّهْي عَن سبّ الرَّقِيق وتعييرهم بِمن ولدهم. وَفِيه: الْحَث على الْإِحْسَان إِلَيْهِم والرفق بهم، وَيلْحق بالرقيق من كَانَ فِي مَعْنَاهُ من أجِير ومستخدم فِي أَمر وَنَحْوهمَا، وَفِيه عدم الترفع على الْمُسلم والإحتقار. وَفِيه: الْمُحَافظَة على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَفِيه: إِطْلَاق الْأَخ على الرَّقِيق.
٦١ - (بابُ العَبْدِ إذَا أحْسنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل العَبْد أَو فِي بَيَان ثَوَابه إِذا أحسن عبَادَة ربه، بِأَن أَقَامَهَا بشروطها. قَوْله: (ونصح) ، من النَّصِيحَة، وَهِي كلمة جَامِعَة مَعْنَاهَا: حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ، وَهُوَ إِرَادَة صَلَاح حَاله وتخليصه من الْخلَل وتصفيته من الْغِشّ.
٦٤٥٢ - حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ العَبْدُ إذَا نصَحَ سَيِّدَهُ وأحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ كانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَيْنِ.
(الحَدِيث ٦٤٥٢ طرفه فِي: ٠٥٥٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن القعْنبِي وَهُوَ عبد الله بن مسلمة شيخ البُخَارِيّ. وَفِيه: حض الْمَمْلُوك على نصح سَيّده، لِأَنَّهُ راعٍ فِي مَاله، وَهُوَ مسؤول عَمَّا استرعى. قَوْله: (كَانَ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ) ، مرّة لنصح سَيّده وَمرَّة لإحسان عبَادَة ربه.
٧٤٥٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثيرٍ قَالَ أخبرنَا سفْيانُ عنْ صالِحٍ عنِ الشَّعْبِيِّ عنْ أبِي بُرْدَةَ عنْ أبِي موساى الأشْعَرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قالَ قالَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّمَا رَجلٍ كانَتْ لَهُ جارِيَةٌ فَأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأدِيبَهَا وأعْتَقَهَا وتَزَوَّجَهَا فلَهُ أجْرَانِ وأيُّما عَبْدٍ أدَّى حَقَّ الله وحقَّ مَوالِيهِ فلَهُ أجْرَانِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَأَيّمَا عبد) إِلَى آخِره لِأَن أَدَاء حق الله هُوَ معنى: أحسن عبَادَة ربه، وَأَدَاء حق موَالِيه هُوَ معنى نصح سَيّده. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَصَالح هُوَ ابْن صَالح أَبُو حَيّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، وَأَبُو بردة اسْمه الْحَارِث أَو عَامر، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد الله بن قيس. وَالنّصف الأول من الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْجَارِيَة قد مر عَن قريب فِي: بَاب فضل من أدب جَارِيَته، وَالنّصف الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي فِيهِ أَمر العَبْد قد مر فِي كتاب الْعلم فِي: بَاب تَعْلِيم الرجل أمته وَأَهله، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُحَمَّد بن سَلام عَن الْمحَاربي عَن صَالح بن حَيَّان عَن الشّعبِيّ، وَقد مر
الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ، وَصَالح بن حَيَّان هَذَا هُوَ صَالح بن صَالح أَبُو حَيّ الْمَذْكُور، غير أَن البُخَارِيّ ذكره هُنَاكَ بنسبته إِلَى جده، فَإِنَّهُ صَالح بن صَالح بن مُسلم بن حَيَّان، وَلَيْسَ بِصَالح بن حَيَّان الْقرشِي الْكُوفِي الَّذِي يروي عَن أبي وَائِل، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مستقصًى.
٨٤٥٢ - حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يونسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ يَقولُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للعبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أجْرَانِ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله والحَجُّ وبِرُّ أُمِّي لأحْبَبْتُ أنْ أموتَ وأنَا مَمْلُوكٌ.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث، وَوَقع فِي كتاب ابْن بطال عزو حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ غلط، فَإِنَّهُ أسقط حَدِيث أبي مُوسَى وَركبهُ على حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن مُحَمَّد السجسْتانِي الْمروزِي، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى وَفِي الْأَيْمَان عَن زُهَيْر بن حَرْب.
قَوْله: (للْعَبد الْمَمْلُوك) إِنَّمَا وصف العَبْد بالمملوك، لِأَن العَبْد أَعم من أَن يكون مَمْلُوكا وَغير مَمْلُوك، فَإِن النَّاس كلهم عبيد الله. قَوْله: (الصَّالح) ، أَي: فِي عبَادَة الرب ونصح السَّيِّد. قَوْله: (أَجْرَانِ) ، قَالَ ابْن بطال: لما كَانَ للْعَبد فِي عبَادَة ربه أجر، كَذَلِك لَهُ فِي نصح السَّيِّد أجر، وَلَا يُقَال: الأجران متساويان، لِأَن طَاعَة الله تَعَالَى أوجب من طَاعَته. قَوْله: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) ، قَالَ ابْن بطال: لفظ: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ. .) إِلَى آخِره هُوَ من قَول أبي هُرَيْرَة، وَكَذَا قَالَه الدَّاودِيّ وَغَيره، وَقَالُوا: يدل على أَنه مدرج يَعْنِي: الحَدِيث لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (وبرُّ أُمِّي) ، وَلم يكن للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حِينَئِذٍ أم يبرها، وجنح الْكرْمَانِي إِلَى أَنه من كَلَام الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: مَاتَ أم الرَّسُول، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ طِفْل، فَمَا معمى بره أمه؟ قلت: لتعليم الْأمة، أَو على سَبِيل فرض الْحَيَاة، أَو المُرَاد بِهِ أمه الَّتِي أَرْضَعَتْه، وَهِي حليمة السعدية. انْتهى. قلت: لَو اطلع الْكرْمَانِي على مَا اطلع عَلَيْهِ من يَدعِي الإدراج لما تكلّف هَذَا التَّأْوِيل المتعسف، وَقد صرح بالإدراج الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق آخر عَن عبد الله بن الْمُبَارك بِلَفْظ: وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ ... إِلَى آخِره، وَكَذَلِكَ أخرجه الْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي فِي كتاب (الْبر والصلة) عَن ابْن الْمُبَارك، وَصرح مُسلم أَيْضا بذلك، فَقَالَ: حَدثنِي أَبُو الطَّاهِر وحرملة بن يحيى، قَالَا: أخبرنَا ابْن وهب، قَالَ: أخبرنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب، سَمِعت سعيد بن الْمسيب يَقُول: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (للْعَبد الْمَمْلُوك الصَّالح أَجْرَانِ، وَالَّذِي نفس أبي هُرَيْرَة بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، وَالْحج وبر أُمِّي لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) . قَالَ: وبلغنا أَن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن يحجّ حَتَّى مَاتَت أمه لصحبتها، قَالَ أَبُو الطَّاهِر: فِي حَدِيثه (للْعَبد المصلح) وَلم يذكر الْمَمْلُوك. انْتهى. وَاسم أم أبي هُرَيْرَة: أُمَيْمَة، بِالتَّصْغِيرِ، وَقيل: مَيْمُونَة، وَهِي صحابية ثَبت ذكر إسْلَامهَا فِي (صَحِيح مُسلم) وَبَين أَبُو مُوسَى اسْمهَا فِي ذيل (الْمعرفَة) ، وإنمااستثنى أَبُو هُرَيْرَة هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة لِأَن الْجِهَاد وَالْحج يشْتَرط فيهمَا إِذن السَّيِّد، وَكَذَلِكَ بر الْأُم، قد يحْتَاج إِلَى إِذن السَّيِّد فِي بعض وجوهه، بِخِلَاف بَقِيَّة الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة، وَلم يتَعَرَّض للعبادات الْمَالِيَّة إِمَّا لكَونه كَانَ إِذْ ذَاك لم يكن لَهُ مَال يزِيد على قدر حَاجته فيمكنه صرفه فِي القربات بِدُونِ إِذن السَّيِّد، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن للْعَبد أَن يتَصَرَّف فِي مَاله بِغَيْر إِذْنه. فَإِن قيل: فِي قَوْله: أَجْرَانِ، يلْزم كَون أجر المماليك ضعف أجر السادات؟ قلت: أجَاب الْكرْمَانِي: بِأَن لَا مَحْذُور فِي ذَلِك، أَو يكون أجر المماليك مضاعفاً من هَذِه الْجِهَة، وَقد يكون للسادات جِهَات أُخْرَى يسْتَحق بهَا أجر العَبْد، أَو يكون المُرَاد تَرْجِيح العَبْد الْمُؤَدِّي للحقين على العَبْد الْمُؤَدِّي لأَحَدهمَا. وَالله أعلم. قَوْله: (لأحببت أَن أَمُوت وَأَنا مَمْلُوك) ، الْوَاو، فِيهِ للْحَال. قَالَ الْخطابِيّ: وَلِهَذَا الْمَعْنى امتحن الله، عز وَجل، أنبياءه، عَلَيْهِم السَّلَام، ابتلى يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، بِالرّقِّ