«يَا نِسَاءَُ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٦٦

الحديث رقم ٢٥٦٦ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب الهبة وفضلها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥٦٦ في صحيح البخاري

«يَا نِسَاءَُ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٢٥٦٦

٢٥٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥٦٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

51 - كِتَاب الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا

٢٥٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ.

[الحديث ٢٥٦٦ - طرفه في: ٦٠١٧]

٢٥٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لِعُرْوَةَ "ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ نَارٌ فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ جِيرَانٌ مِنْ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا"

[الحديث ٢٥٦٧ - طرفاه في: ٦٤٥٨، ٦٤٥٩]

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا) كَذَا لِلْجَمِيعِ، إِلَّا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَابْنِ شَبَّوَيْهِ فَقَالَا: فِيهَا بَدَلَ عَلَيْهَا. وَأَخَّرَ النَّسَفِيُّ الْبَسْمَلَةَ.

وَالْهِبَةُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ تُطْلَقُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ عَلَى أَنْوَاعِ الْإِبْرَاءِ، وَهُوَ هِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَالصَّدَقَةُ وَهِيَ هِبَةُ مَا يَتَمَحَّضُ بِهِ طَلَبُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالْهَدِيَّةُ وَهِيَ مَا يُكْرَمُ بِهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ. وَمَنْ خَصَّهَا بِالْحَيَاةِ أَخْرَجَ الْوَصِيَّةَ، وَهِيَ تَكُونُ أَيْضًا بِالْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ. وَتُطْلَقُ الْهِبَةُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ عَلَى مَا لَا يُقْصَدُ لَهُ بَدَلٌ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُ مَنْ عَرَّفَ الْهِبَةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ، وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِيهَا الْهَدَايَا.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ عَنْ أَبِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَضَبَّبَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. وَمِنْ طَرِيقِ شَبَابَةَ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُبَارَكِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ آدَمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ .. الْحَدِيثَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَأَبُو مَعْشَرٍ يُضَعَّفُ. وَقَالَ الطَّرْقِيُّ: إِنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ. نَعَمْ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ فَرِوَايَتُهُمْ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ النَّبِيِّ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ.

قَوْلُهُ: (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) قَالَ عِيَاضٌ: الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ نَصْبُ النِّسَاءِ وَجَرُّ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمَشَارِقَةِ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى صِفَتِهِ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَهُوَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ

يُقَدِّرُونَ فِيهِ مَحْذُوفًا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ: جَاءَ بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ، وَيَجُوزُ فِي الْمُسْلِمَاتِ الرَّفْعُ صِفَةً عَلَى اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَى يَا أَيُّهَا النِّسَاءُ الْمُسْلِمَاتُ، وَالنَّصْبُ صِفَةً عَلَى الْمَوْضِعِ، وَكَسْرَةُ التَّاءِ عَلَامَةُ النَّصْبِ، وَرُوِيَ بِنَصْبِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُضَافٌ وَكَسْرَةِ التَّاءِ لِلْخَفْضِ بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَهُوَ مِمَّا أُضِيفَ فِيهِ الْمَوْصُوفُ إِلَى الصِّفَةِ فِي اللَّفْظِ، فَالْبَصْرِيُّونَ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَإِقَامَةِ صِفَتِهِ مَقَامَهُ نَحْوُ يَا نِسَاءَ الْأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ أَوْ يَا نِسَاءَ الطَّوَائِفِ الْمُؤْمِنَاتِ، أَيْ لَا الْكَافِرَاتِ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ يَا فَاضِلَاتِ الْمُسْلِمَاتِ كَمَا يُقَالُ هَؤُلَاءِ رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ أَفَاضِلُهُمْ، وَالْكُوفِيُّونَ يَدَّعُونَ أَنْ لَا حَذْفَ فِيهِ وَيَكْتَفُونَ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ فِي الْمُغَايَرَةِ.

وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: تَوْجِيهُهُ أَنَّهُ خَاطَبَ نِسَاءً بِأَعْيَانِهِنَّ فَأَقْبَلَ بِنِدَائِهِ عَلَيْهِنَّ فَصَحَّتِ الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى الْمَدْحِ لَهُنَّ، فَالْمَعْنَى يَا خَيْرَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ رِجَالُ الْقَوْمِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْصُصْهُنَّ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُنَّ يُشَارِكُهُنَّ فِي الْحُكْمِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا يُشَارِكْنَهُنَّ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ السَّيِّدِ بِأَنَّهَا قَدْ صَحَّتْ نَقْلًا وَسَاعَدَتْهَا اللُّغَةُ فَلَا مَعْنَى لِلْإِنْكَارِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُمْكِنُ تَخْرِيجُ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى تَقْدِيرٍ بَعِيدٍ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ نَعْتًا لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ: يَا نِسَاءَ الْأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ الرِّجَالُ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ مَدْحًا لِلرِّجَالِ وَهُوَ إِنَّمَا خَاطَبَ النِّسَاءَ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْأَنْفُسِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مَعًا، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ. وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ .. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (جَارَةٌ لِجَارَتِهَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ لِجَارَةٍ وَالْمُتَعَلِّقُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هَدِيَّةً مُهْدَاةً.

قَوْلُهُ: (فِرْسِنَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ مَوْضِعُ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّاةِ مَجَازًا، وَنُونُهُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ أَصْلِيَّةٌ، وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِهْدَاءِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَقَبُولُهُ لَا إِلَى حَقِيقَةِ الْفِرْسِنِ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ أَيْ لَا تَمْنَعُ جَارَةٌ مِنَ الْهَدِيَّةِ لِجَارَتِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا لِاسْتِقْلَالِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ، وَذِكْرُ الْفِرْسِنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحْتَقِرُ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ: يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ تَهَادَوْا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَيُذْهِبُ الضَّغَائِنَ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّهَادِي وَلَوْ بِالْيَسِيرِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ كُلَّ وَقْتٍ، وَإِذَا تَوَاصَلَ الْيَسِيرُ صَارَ كَثِيرًا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمَوَدَّةِ وَإِسْقَاطُ التَّكَلُّفِ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ.

قَوْلُهُ: (يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) بِضَمِّ الرَّاءِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ؛ أَوَّلُهُمْ أَبُو حَازِمٍ، وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (ابْنَ أُخْتِي) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ، وَأَدَاةُ النِّدَاءِ مَحْذُوفَةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَاللَّهِ يَا ابْنَ أُخْتِي.

قَوْلُهُ: (إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ) هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَضَمِيرُهَا مُسْتَتِرٌ، وَلِذَا دَخَلَتِ اللَّامُ فِي الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ) يَجُوزُ فِي ثَلَاثَةٍ الْجَرُّ وَالنَّصْبُ.

قَوْلُهُ: (فِي شَهْرَيْنِ) هُوَ بِاعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوَّلَ الشَّهْرِ ثُمَّ رُؤْيَتِهِ ثَانِيًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي ثُمَّ رُؤْيَتِهِ ثَالِثًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّالِثِ فَالْمُدَّةُ سِتُّونَ يَوْمًا وَالْمَرْئِيُّ ثَلَاثَةُ أَهِلَّةٍ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ الشَّهْرُ مَا يُرَى فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ الدُّخَانُ.

قَوْلُهُ: (مَا يُعِيشُكُمْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يُقَالُ أَعَاشَهُ اللَّهُ عِيشَةً، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا يُغْنِيكُمْ بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فلا يقال: أَهْدَى إليه دارًا ولا أرضًا، بل على المنقول كالثِّياب والعبيد، واستُشكل ذلك: بأنَّهم صرَّحوا في «باب النَّذر والأَيْمان» بما يخالفه، حيث قالوا: لو قال: لله عليَّ أن أُهديَ هذا البيت أو الأرض أو نحوهما ممَّا لا يُنقل، صحَّ، وباعه، ونقل ثمنه، وأُجيبَ: بأنَّ الهَدْي وإن كان من الهديَّة، لكنَّهم توسَّعوا فيه بتخصيصه بالإهداء إلى فقراء الحرم، وبتعميمه في المنقول وغيره، ولهذا لو نذر الهَدْي، انصرف إلى الحرم، ولم يُحمَل على الهديَّة إلى فقير. وأمَّا الصَّدقة فهي تمليكُ ما يُعطَى بلا عوضٍ للمحتاج لثواب الآخرة، وأمَّا الهبة فهي تمليكٌ بلا عوض خالٍ عما ذُكِر في الصَّدقة والهدية بإيجابٍ وقبولٍ لفظًا، بأن يقول نحو: وهبت لك هذا، فيقول: قَبِلْتُ، ولا يشترطان في الهديَّة على الصحيح، بل يكفي البَعْث من هذا والقَبْض من ذاك، وكلٌّ من الصَّدقة والهديَّة هبةٌ ولا عَكْس، فلو حلف لا يهب له فتصدَّق عليه، أو أهدى له، حَنَث، والاسم عند الإطلاق ينصرف إلى الأخير، واستعمل المؤلِّف المعنى الأعمَّ، فإنَّه أَدْخل فيها الهدايا.

٢٥٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) أبو الحسين الواسطِيُّ، مولى قُرَيبةَ بنت محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب (عَنِ المَقْبُرِيِّ) سعيد (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان -بفتح الكاف- وسقط قوله «عن أبيه» في رواية الأَصيلي وابن عساكر وكريمة. قال في «الفتح»: وضبَّبَ عليه في رواية النَّسَفيِّ، والصَّواب إثباته (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: يَا نِسَاءُ المُسْلِمَاتُِ) بضمِّ الهمزة، منادى مفرد معرَّف بالإقبال عليه، و «المسلماتُ»: صفةٌ له فيُرفع على اللَّفظ، ويُنصَب على المحلِّ، ويجوز فتح الهمزة على أنَّه منادى مضاف، و «المسلمات» حينئذ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: يا نساء الطَّوائف أو نساء النُّفوس المسلمات، فيخرج حينئذٍ عن إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وأنكر ابن عبد البَرِّ رواية الإضافة، وردَّه ابن السِّيْد: بأنَّها قد صحَّت نقلًا وساعدتها اللُّغة، فلا معنى للإنكار، وفي النُّسخة المقروءة على الميدومِيِّ: «يا نساءَ المؤمنات» ورواه الطَّبرانيُّ من

حديث عائشة بلفظ: «يا نساء المؤمنين» (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ) هديَّةً مُهداة (لِجَارَتِهَا) ولأبي ذرٍّ: «لجارةٍ» (وَلَوْ) أنَّها تهدي (فِرْسِنَ شَاةٍ) بفاء مكسورة فراء ساكنة فسين مهملة مكسورة: عظمٌ قليل اللَّحم، وهو للبعير: موضع الحافر من الفرس، ويُطلق على الشَّاة مجازًا، وأُشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشَّيء اليسير وقَبوله، لا إلى حقيقة الفِرْسِن، لأنَّه لم تَجْرِ العادة بإهدائه، أي: لا تمنع جارةٌ من الهديَّة لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسَّر، وإن كان قليلًا، فهو خيرٌ من العَدَم، وإذا تواصل القليل صار كثيرًا، وفي حديث عائشة المذكور (١): «يا نساء المؤمنين، تهادوا ولو فِرْسِن شاة فإنَّه يثبِّت (٢) المودَّة ويُذْهِب الضَّغائن».

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ أيضًا، وأخرجه التِّرمذيُّ من طريق أبي مَعْشر عن سعيدٍ عن أبي هريرة، ولم يقل: «عن أبيه»، وزاد في أوَّله: «تهادوا فإن الهديَّة تُذهب وَحَرَ الصَّدرَ» الحديث، وقال: غريبٌ. وأبو معشر مُضعَّفٌ. وقال الطَّرْقي: إنَّه أخطأ فيه، لم يقل: «عن أبيه» كذا قال، وقد تابعه محمَّد بن عجلان عن سعيدٍ، أخرجه أبو عَوانة، لكن مَنْ زاد فيه: «عن أبيه» أحْفَظُ وأضبَطُ، فروايتُهم أَولى، قاله الحافظ ابن حَجَر.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

51 - كِتَاب الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا

٢٥٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ.

[الحديث ٢٥٦٦ - طرفه في: ٦٠١٧]

٢٥٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لِعُرْوَةَ "ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ نَارٌ فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ جِيرَانٌ مِنْ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا"

[الحديث ٢٥٦٧ - طرفاه في: ٦٤٥٨، ٦٤٥٩]

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا) كَذَا لِلْجَمِيعِ، إِلَّا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَابْنِ شَبَّوَيْهِ فَقَالَا: فِيهَا بَدَلَ عَلَيْهَا. وَأَخَّرَ النَّسَفِيُّ الْبَسْمَلَةَ.

وَالْهِبَةُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ تُطْلَقُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ عَلَى أَنْوَاعِ الْإِبْرَاءِ، وَهُوَ هِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَالصَّدَقَةُ وَهِيَ هِبَةُ مَا يَتَمَحَّضُ بِهِ طَلَبُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالْهَدِيَّةُ وَهِيَ مَا يُكْرَمُ بِهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ. وَمَنْ خَصَّهَا بِالْحَيَاةِ أَخْرَجَ الْوَصِيَّةَ، وَهِيَ تَكُونُ أَيْضًا بِالْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ. وَتُطْلَقُ الْهِبَةُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ عَلَى مَا لَا يُقْصَدُ لَهُ بَدَلٌ، وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُ مَنْ عَرَّفَ الْهِبَةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ، وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِيهَا الْهَدَايَا.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ عَنْ أَبِيهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَضَبَّبَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. وَمِنْ طَرِيقِ شَبَابَةَ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُبَارَكِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ آدَمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ .. الْحَدِيثَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَأَبُو مَعْشَرٍ يُضَعَّفُ. وَقَالَ الطَّرْقِيُّ: إِنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ. نَعَمْ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ فَرِوَايَتُهُمْ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ النَّبِيِّ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ.

قَوْلُهُ: (يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ) قَالَ عِيَاضٌ: الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ نَصْبُ النِّسَاءِ وَجَرُّ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمَشَارِقَةِ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى صِفَتِهِ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَهُوَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ

يُقَدِّرُونَ فِيهِ مَحْذُوفًا. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ: جَاءَ بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُفْرَدٌ، وَيَجُوزُ فِي الْمُسْلِمَاتِ الرَّفْعُ صِفَةً عَلَى اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَى يَا أَيُّهَا النِّسَاءُ الْمُسْلِمَاتُ، وَالنَّصْبُ صِفَةً عَلَى الْمَوْضِعِ، وَكَسْرَةُ التَّاءِ عَلَامَةُ النَّصْبِ، وَرُوِيَ بِنَصْبِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى مُضَافٌ وَكَسْرَةِ التَّاءِ لِلْخَفْضِ بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِمْ مَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَهُوَ مِمَّا أُضِيفَ فِيهِ الْمَوْصُوفُ إِلَى الصِّفَةِ فِي اللَّفْظِ، فَالْبَصْرِيُّونَ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَإِقَامَةِ صِفَتِهِ مَقَامَهُ نَحْوُ يَا نِسَاءَ الْأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ أَوْ يَا نِسَاءَ الطَّوَائِفِ الْمُؤْمِنَاتِ، أَيْ لَا الْكَافِرَاتِ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ يَا فَاضِلَاتِ الْمُسْلِمَاتِ كَمَا يُقَالُ هَؤُلَاءِ رِجَالُ الْقَوْمِ أَيْ أَفَاضِلُهُمْ، وَالْكُوفِيُّونَ يَدَّعُونَ أَنْ لَا حَذْفَ فِيهِ وَيَكْتَفُونَ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ فِي الْمُغَايَرَةِ.

وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: تَوْجِيهُهُ أَنَّهُ خَاطَبَ نِسَاءً بِأَعْيَانِهِنَّ فَأَقْبَلَ بِنِدَائِهِ عَلَيْهِنَّ فَصَحَّتِ الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى الْمَدْحِ لَهُنَّ، فَالْمَعْنَى يَا خَيْرَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ كَمَا يُقَالُ رِجَالُ الْقَوْمِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْصُصْهُنَّ بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُنَّ يُشَارِكُهُنَّ فِي الْحُكْمِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا يُشَارِكْنَهُنَّ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ السَّيِّدِ بِأَنَّهَا قَدْ صَحَّتْ نَقْلًا وَسَاعَدَتْهَا اللُّغَةُ فَلَا مَعْنَى لِلْإِنْكَارِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُمْكِنُ تَخْرِيجُ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى تَقْدِيرٍ بَعِيدٍ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ نَعْتًا لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ: يَا نِسَاءَ الْأَنْفُسِ الْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ الرِّجَالُ، وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ مَدْحًا لِلرِّجَالِ وَهُوَ إِنَّمَا خَاطَبَ النِّسَاءَ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْأَنْفُسِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مَعًا، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ. وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ .. الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (جَارَةٌ لِجَارَتِهَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ لِجَارَةٍ وَالْمُتَعَلِّقُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هَدِيَّةً مُهْدَاةً.

قَوْلُهُ: (فِرْسِنَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ، وَهُوَ لِلْبَعِيرِ مَوْضِعُ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّاةِ مَجَازًا، وَنُونُهُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ أَصْلِيَّةٌ، وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِهْدَاءِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَقَبُولُهُ لَا إِلَى حَقِيقَةِ الْفِرْسِنِ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ أَيْ لَا تَمْنَعُ جَارَةٌ مِنَ الْهَدِيَّةِ لِجَارَتِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا لِاسْتِقْلَالِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ، وَذِكْرُ الْفِرْسِنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحْتَقِرُ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ: يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ تَهَادَوْا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الْمَوَدَّةَ وَيُذْهِبُ الضَّغَائِنَ. وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّهَادِي وَلَوْ بِالْيَسِيرِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ كُلَّ وَقْتٍ، وَإِذَا تَوَاصَلَ الْيَسِيرُ صَارَ كَثِيرًا. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمَوَدَّةِ وَإِسْقَاطُ التَّكَلُّفِ.

قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ.

قَوْلُهُ: (يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) بِضَمِّ الرَّاءِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ؛ أَوَّلُهُمْ أَبُو حَازِمٍ، وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (ابْنَ أُخْتِي) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ، وَأَدَاةُ النِّدَاءِ مَحْذُوفَةٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَاللَّهِ يَا ابْنَ أُخْتِي.

قَوْلُهُ: (إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ) هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَضَمِيرُهَا مُسْتَتِرٌ، وَلِذَا دَخَلَتِ اللَّامُ فِي الْخَبَرِ.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ) يَجُوزُ فِي ثَلَاثَةٍ الْجَرُّ وَالنَّصْبُ.

قَوْلُهُ: (فِي شَهْرَيْنِ) هُوَ بِاعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوَّلَ الشَّهْرِ ثُمَّ رُؤْيَتِهِ ثَانِيًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي ثُمَّ رُؤْيَتِهِ ثَالِثًا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّالِثِ فَالْمُدَّةُ سِتُّونَ يَوْمًا وَالْمَرْئِيُّ ثَلَاثَةُ أَهِلَّةٍ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ الشَّهْرُ مَا يُرَى فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ الدُّخَانُ.

قَوْلُهُ: (مَا يُعِيشُكُمْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يُقَالُ أَعَاشَهُ اللَّهُ عِيشَةً، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا يُغْنِيكُمْ بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فلا يقال: أَهْدَى إليه دارًا ولا أرضًا، بل على المنقول كالثِّياب والعبيد، واستُشكل ذلك: بأنَّهم صرَّحوا في «باب النَّذر والأَيْمان» بما يخالفه، حيث قالوا: لو قال: لله عليَّ أن أُهديَ هذا البيت أو الأرض أو نحوهما ممَّا لا يُنقل، صحَّ، وباعه، ونقل ثمنه، وأُجيبَ: بأنَّ الهَدْي وإن كان من الهديَّة، لكنَّهم توسَّعوا فيه بتخصيصه بالإهداء إلى فقراء الحرم، وبتعميمه في المنقول وغيره، ولهذا لو نذر الهَدْي، انصرف إلى الحرم، ولم يُحمَل على الهديَّة إلى فقير. وأمَّا الصَّدقة فهي تمليكُ ما يُعطَى بلا عوضٍ للمحتاج لثواب الآخرة، وأمَّا الهبة فهي تمليكٌ بلا عوض خالٍ عما ذُكِر في الصَّدقة والهدية بإيجابٍ وقبولٍ لفظًا، بأن يقول نحو: وهبت لك هذا، فيقول: قَبِلْتُ، ولا يشترطان في الهديَّة على الصحيح، بل يكفي البَعْث من هذا والقَبْض من ذاك، وكلٌّ من الصَّدقة والهديَّة هبةٌ ولا عَكْس، فلو حلف لا يهب له فتصدَّق عليه، أو أهدى له، حَنَث، والاسم عند الإطلاق ينصرف إلى الأخير، واستعمل المؤلِّف المعنى الأعمَّ، فإنَّه أَدْخل فيها الهدايا.

٢٥٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) أبو الحسين الواسطِيُّ، مولى قُرَيبةَ بنت محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب (عَنِ المَقْبُرِيِّ) سعيد (عَنْ أَبِيهِ) كَيسان -بفتح الكاف- وسقط قوله «عن أبيه» في رواية الأَصيلي وابن عساكر وكريمة. قال في «الفتح»: وضبَّبَ عليه في رواية النَّسَفيِّ، والصَّواب إثباته (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: يَا نِسَاءُ المُسْلِمَاتُِ) بضمِّ الهمزة، منادى مفرد معرَّف بالإقبال عليه، و «المسلماتُ»: صفةٌ له فيُرفع على اللَّفظ، ويُنصَب على المحلِّ، ويجوز فتح الهمزة على أنَّه منادى مضاف، و «المسلمات» حينئذ صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: يا نساء الطَّوائف أو نساء النُّفوس المسلمات، فيخرج حينئذٍ عن إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وأنكر ابن عبد البَرِّ رواية الإضافة، وردَّه ابن السِّيْد: بأنَّها قد صحَّت نقلًا وساعدتها اللُّغة، فلا معنى للإنكار، وفي النُّسخة المقروءة على الميدومِيِّ: «يا نساءَ المؤمنات» ورواه الطَّبرانيُّ من

حديث عائشة بلفظ: «يا نساء المؤمنين» (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ) هديَّةً مُهداة (لِجَارَتِهَا) ولأبي ذرٍّ: «لجارةٍ» (وَلَوْ) أنَّها تهدي (فِرْسِنَ شَاةٍ) بفاء مكسورة فراء ساكنة فسين مهملة مكسورة: عظمٌ قليل اللَّحم، وهو للبعير: موضع الحافر من الفرس، ويُطلق على الشَّاة مجازًا، وأُشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشَّيء اليسير وقَبوله، لا إلى حقيقة الفِرْسِن، لأنَّه لم تَجْرِ العادة بإهدائه، أي: لا تمنع جارةٌ من الهديَّة لجارتها الموجود عندها لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسَّر، وإن كان قليلًا، فهو خيرٌ من العَدَم، وإذا تواصل القليل صار كثيرًا، وفي حديث عائشة المذكور (١): «يا نساء المؤمنين، تهادوا ولو فِرْسِن شاة فإنَّه يثبِّت (٢) المودَّة ويُذْهِب الضَّغائن».

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ أيضًا، وأخرجه التِّرمذيُّ من طريق أبي مَعْشر عن سعيدٍ عن أبي هريرة، ولم يقل: «عن أبيه»، وزاد في أوَّله: «تهادوا فإن الهديَّة تُذهب وَحَرَ الصَّدرَ» الحديث، وقال: غريبٌ. وأبو معشر مُضعَّفٌ. وقال الطَّرْقي: إنَّه أخطأ فيه، لم يقل: «عن أبيه» كذا قال، وقد تابعه محمَّد بن عجلان عن سعيدٍ، أخرجه أبو عَوانة، لكن مَنْ زاد فيه: «عن أبيه» أحْفَظُ وأضبَطُ، فروايتُهم أَولى، قاله الحافظ ابن حَجَر.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل