الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٣١
الحديث رقم ٢٧٣١ من كتاب «كتاب الشروط» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الشروط في الجهاد.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٩٥⦘
ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ، فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ، قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ:
⦗١٩٦⦘
وَاللهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ، قَالَ: فَوَاللهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَجِزْهُ لِي، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، قَالَ: بَلَى فَافْعَلْ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ، قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ، قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ، كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ
⦗١٩٧⦘
فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ، رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيْلُ أُمِّهِ، مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ، قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللهِ وَالرَّحِمِ: لَمَّا أَرْسَلَ: فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِـ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ».
٢٧٣٣ - وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: أَنْ يَرُدُّوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى أَبُو جَهْمٍ، فَلَمَّا أَبَى الْكُفَّارُ أَنْ يُقِرُّوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ وَالْعَقَْبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَّاتِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ
⦗١٩٨⦘
الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ، فَكَتَبَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
٢٧٣١ - ٢٧٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ، فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ، فَوَاللهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ، يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ الْعُوذُ
⦗١٩٤⦘
الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ: فَإِنْ شَاؤُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ، فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍَ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِيهِ، قَالُوا: ائْتِهِ، فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَإِنِّي وَاللهِ لَأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لَأَرَى أَشْوَابًا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَا تُخْرِجْنَا وَدَعْنَا كَمَا أَقَرَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَرَاهُ سَقَطَ عَلَيَّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ بِكَ إِذَا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشَّأمِ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، فَقَسَمَهَا عُمَرُ بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ الْبَغَوِيُّ: هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ حَمَّادٍ، وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ حَمَّادٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، قُلْتُ: وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ النَّجَّارِ مِنْ طَرِيقِ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَمَّادٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: رَقَصَتْ بِكَ أَيْ أَسْرَعَتْ فِي السَّيْرِ، وَقَوْلُهُ: نَحْوَ الشَّامِ تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ أَنَّ عُمَرَ أَجَلَاهُمْ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ لِلْحُمَيْدِيِّ نِسْبَةُ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ مُطَوَّلَةً جِدًّا إِلَى الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ نَقَلَ السِّيَاقَ مِنْ مُسْتَخْرَجِ الْبَرْقَانِيِّ كَعَادَتِهِ وَذَهَلَ عَنْ عَزْوِهِ إِلَيْهِ، وَقَدْ نَبَّهَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى أَنَّ حَمَّادًا كَانَ يُطَوِّلُهُ تَارَةً وَيَرْوِيهِ تَارَةً مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى بَعْضِ مَا فِي رِوَايَتِهِ قَبْلُ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَاوَةَ تُوَضَّحُ الْمُطَالَبَةَ بِالْجِنَايَةِ كَمَا طَالَبَ عُمَرُ الْيَهُودَ بِفَدَعِ ابْنِهِ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: لَيْسَ لَنَا عَدُوٌّ غَيْرَهُمْ، فَعَلَّقَ الْمُطَالَبَةَ بِشَاهِدِ الْعَدَاوَةِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَطْلُبِ الْقِصَاصَ لِأَنَّهُ فُدِعَ وَهُوَ نَائِمٌ فَلَمْ يَعْرِفْ أَشْخَاصَهُمْ. وَفِيهِ أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَقْوَالَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ.
١٥ - بَاب الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ، وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ
٢٧٣١، ٢٧٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ - يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ - قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةٌ، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ. فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ! فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا.
ثُمَّ زَجَرَهَا، فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنْ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمْ الْحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ
أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ. فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرونَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ.
قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظَ فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي آتِهِ. قَالُوا: ائْتِهِ. فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنْ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟! وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لَأَرَى أشوابا مِنْ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرِ اللَّاتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟! فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ كلمة أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ! أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا الْإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ. ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ، وَكِسْرَى، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِيكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا؛ وَاللَّهِ إِنْ يتَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّموا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ
النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِيهِ.
فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ. فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنْ الْبَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنْ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو - قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ - قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هي، وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنْ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ - وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ - إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَجِزْهُ لِي. قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ. قَالَ: بَلَى فَافْعَلْ. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟! أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ، وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ.
قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟! قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ:
بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟! قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا - قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا، فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا.
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ به ثم جربت، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ:
لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيْلُ أُمِّهِ! مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٧٣١ - ٢٧٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام اليمانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون المهملة بينهما (١) ابن
راشد (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ) بن الحكم، وروايتهما مرسلةٌ؛ لأنَّ مروان لا صحبة له، ومسورًا وإن كان له صحبة، لكنَّه لم يحضر القصَّة، وإنَّما سمعاها من جماعةٍ من الصَّحابة شهدوها (يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) من المسور ومروان (حَدِيثَ صَاحِبِهِ) والجملة حاليَّةٌ (قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) من المدينة (زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ) بالتَّخفيف يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، سنة ستٍّ من الهجرة في بضع عشرة مئةٍ، فلمَّا أتى ذا الحُلَيفة؛ قلَّد الهديَ، وأشعره، وأحرم منها بعمرةٍ، وبعث بُسْرًا -بضمِّ الموحَّدة وسكون السِّين المهملة- ابن سفيان عَيْنًا لخبر قريش (حَتَّى كَانُوا) ولأبي ذَرٍّ: «حتى إذا كانوا» (بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالغَمِيمِ) بفتح الغين المعجمة وكسر الميم بوزن: عَظِيم، وفي «المشارق»: بضمِّ الغين وفتح الميم، قال ابن حبيب: موضعٌ قريبٌ من مكَّةَ بَين رابغَ (١) والجحفةِ (فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ) وكانوا -كما عند ابن سعد- مئتي فارسٍ، فيهم عكرمة بن أبي جهلٍ حال كونهم (طَلِيعَةً) وهي مقدِّمة الجيش، ولأبي ذَرٍّ: «طليعةٌ» بالرَّفع (فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ) وهي بين ظَهْرَي الحَمْضِ في طريقٍ تُخرجه على ثنية المِرَار -بكسر الميم وتخفيف الراء- مهبط الحديبية من أسفل مكَّة، قال ابن هشام: فسلك الجيش ذلك الطَّريق، فلمَّا رأت خيل قريشٍ قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ ركضوا راجعين إلى قريشٍ، وهو معنى قوله: (فَوَاللهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الجَيْشِ) بفتح القاف والمثنَّاة الفوقيَّة وسكَّنها (٢) في الفرع غباره الأسود (فَانْطَلَقَ) خالدٌ حال كونه (يَرْكُضُ) يضرب برجله دابَّته استعجالًا للسير حال كونه (نَذِيرًا) منذرًا (لِقُرَيْشٍ) بمجيء رسول الله ﷺ (وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ) أي: ثنية المِرَار، بكسر الميم (الَّتِي يُهْبَطُ) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَلَيْهِمْ) أي: على قريش (مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ) ﵊ (رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ) بفتح الحاء المهملة وسكون اللَّام (٣) فيهما؛ زجرٌ للرَّاحلة إذا
حملها على السَّير، وقال الخطَّابيُّ: إن قلت: «حَلْ» واحدةً فبالسُّكون، وإن أعدتها نوَّنت الأولى، وسكَّنت الثَّانية، وحكي (١) السُّكون فيهما (٢) والتَّنوين كنظيره في بخ بخ (٣)، وهو معنى قوله في «القاموس»: «حَلٍ حَلٍ» منوَّنتين أو «حلْ» واحدة مسكَّنة (٤). انتهى (٥). لكنَّ الرِّواية بالسُّكون فيهما. (فَأَلَحَّتْ) بتشديد الحاء المهملة وفتح الهمزة، أي: تمادت في البروك، فلم تبرح من مكانها (فَقَالُوا: خَلأَتِ القَصْوَاءُ، خَلأَتِ القَصْوَاءُ) مرَّتين، و «خَلأت» بفتح الخاء المعجمة واللَّام والهمزة، و «القَصْوَاء»: بفتح القاف وسكون الصَّاد المهملة وفتح الواو مهموزًا ممدودًا، اسمٌ لناقته ﵊، أي: حرنت وتصعَّبت (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا خَلأَتِ القَصْوَاءُ) أي: ما حرنت (وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ) بضمِّ الخاء المعجمة واللَّام، أي: ليس الخلاء لها بعادةٍ كما حسبتم (وَلَكِنْ حَبَسَهَا) أي: القصواء (حَابِسُ الفِيلِ) زاد ابن إسحاق: «عن مكَّة»، أي: حبسها الله عن دخول مكَّة؛ كما حبس الفيل عن مكة لأنَّهم لو دخلوا مكَّة على تلك الهيئة وصدَّهم قريشٌ عن ذلك لوقع بينهم ما يفضي إلى سفك الدِّماء ونهب الأموال، لكن سبق في العلم القديم أنَّه يدخل في الإسلام منهم جماعاتٌ.
(ثُمَّ قَالَ) ﵊: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي) أي: قريش، ولأبي ذَرٍّ: «لا يسألونني» بنونين على الأصل (خُطَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد الطَّاء المهملة، أي: خصلة (يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ) يكفُّون بسببها عن القتال في الحرم تعظيمًا له (إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أي: أجبتهم إليها وإن كان في ذلك تحمُّل مشقَّةٍ (ثُمَّ زَجَرَهَا) أي زجر ﵊ النَّاقة (فَوَثَبَتْ) بالمثلَّثة، وآخره مثنَّاةٌ، أي: قامت (قَالَ: فَعَدَلَ) ﵊ (عَنْهُمْ) وفي رواية ابن سعد: فولَّى راجعًا (حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ، عَلَى ثَمَدٍ) بفتح الثَّاء والميم، آخره دالٌ مهملةٌ (قَلِيلِ المَاءِ) قال في «القاموس»: الثَّمد ويحرَّك وكـ «كِتاب» الماء القليل لا مادَّة له، أو ما يبقى في الجَلَد، أو
ما يظهر في الشِّتاء ويذهب في الصَّيف. انتهى. وقوله: «قليلِ الماء»، قيل: تأكيدٌ لدفع توهُّم أن يراد لغةُ من يقول: إِنَّ الثَّمد الماء الكثير، وعُورِض: بأنَّه إنَّما يتوجَّه أن لو ثبت في اللُّغة أنَّ الثَّمد الماء الكثير، واعترض في «المصابيح»: قوله: تأكيدٌ، بأنَّه لو اقتصر على «قليل» أمكن، أمَّا مع إضافته إلى الماء فيشكل، وذلك لأنَّك لا تقول: هذا ماءٌ قليلُ الماءِ. نعم، قال الدَّاوديُّ (١): الثَّمد: العين، وقال غيره: حفرةٌ فيها ماءٌ، فإن صحَّ فلا إشكال. (يَتَبَرَّضُهُ) بالموحَّدة المفتوحة بعد المثنَّاتَين التَّحتيَّة والفوقيَّة فراءٌ مشدَّدةٌ فضادٌ معجمةٌ، أي: يأخذه (النَّاسُ تَبَرُّضًا) نصبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ من باب التَّفعُّل للتَّكلُّف، أي: قليلًا قليلًا، وقال صاحب العين: التَّبرُّض: جمع الماء بالكفَّين (فَلَمْ يُلَبِّثْهُ) بضم أوَّله وفتح اللَّام وتشديد الموحَّدة وسكون المثلَّثة في الفرع وأصله وغيرهما مصحَّحًا عليه، ونسبه في «الفتح» -وتبعه في «العمدة» - لقول ابن التِّين: وضبطناه بسكون اللَّام مضارع: ألبث، أي: لم يتركوه (٢) يلبث، أي: يقيم (النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ) لم يبقوا منه شيئًا، يقال: نزحت البئر على صيغةٍ واحدةٍ في التَّعدِّي واللُّزوم.
(وَشُكِيَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ العَطَشُ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ) بكسر الكاف، جعبته الَّتي فيها النَّبل (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ (٣)) أي: السَّهم (فِيهِ) أي: في الثَّمد، وروى ابن سعد من طريق أبي مروان: حدَّثني أربعة عشر رجلًا من الصَّحابة: أنَّ الَّذي نزل البئر ناجية بن الأعجم، وقيل: هو ناجية بن جندب (٤)، وقيل: البراء
بن عازب، وقيل: عبَّاد بن خالد، حكاه عن (١) الواقديِّ، ووقع في «الاستيعاب»: خالد بن عبادة، قاله في «المقدِّمة» وقال في «الفتح»: ويمكن الجمع بأنَّهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره (فَوَاللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ) بفتح أوَّله وكسر الجيم، آخره شينٌ معجمةٌ بعد تحتيَّةٍ ساكنةٍ (٢) يفور ويرتفع (لَهُمْ بِالرِّيِّ) بكسر الرَّاء (حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ) أي: رجعوا رواءً بعد ورودهم، وزاد ابن سعدٍ: «حتَّى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر» (فَبَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فبينا» بإسقاطها (هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الدَّال المهملة مصغَّرًا، وأبوه: بفتح الواو وسكون الرَّاء (٣) وبالقاف ممدودًا (الخُزَاعِيُّ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الزَّاي، وبعد الألف عينٌ مهملةٌ، الصَّحابيُّ المشهور (فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ) منهم: عَمرو بن سالم وخراش بن أميَّة فيما قاله الواقديُّ، وخارجة بن كُرْز ويزيد بن أميَّة كما في رواية أبي الأسود عن عروة (وَكَانُوا) أي: بديل والنَّفر الَّذين معه (عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) بفتح العين المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الموحَّدة، و «نُصْحِ»: بضمِّ النُّون، أي: موضعُ سرِّه وأمانته، فشبَّه الصَّدر الذي هو مستودع السِّرِّ بالعَيْبة الَّتي هي مستودع خير الثِّياب، وكانت خزاعة (مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، مكَّة وما حولها، زاد ابن إسحاق في روايته: «وكانت خزاعة عَيبة رسول الله ﷺ مسلمُها ومشركُها لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة» (فَقَالَ) بُدَيل: (إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ) بضمِّ اللَّام وفتح الهمزة وتشديد الياء فيهما (نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة، جمع عَدٍّ بالكسر والتَّشديد، وهو الماء الَّذي لا انقطاع لمادَّته كالعين والبئر، وفيه: أنَّه كان
بالحديبية مياهٌ كثيرةٌ، وأنَّ قريشًا سبقوا إلى النُّزول عليها؛ ولذا عطش المسلمون حتَّى (١) نزلوا على الثَّمد المذكور، وذكر أبو الأسود في روايته عن عروة: وسبقت قريش إلى الماء ونزلوا عليه (وَمَعَهُمُ العُوذُ) بضمِّ العين المهملة وسكون الواو، وآخره ذالٌ معجمةٌ، جمع عائذٍ، أي: النُّوق الحديثات النِّتاج ذات اللَّبن (المَطَافِيلُ) بفتح الميم والطَّاء المهملة وبعد الألف فاءٌ مكسورةٌ فمثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ فلامٌ: الأمَّهات الَّتي معها أطفالها، ومراده: أنَّهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل (٢)؛ ليتزوَّدوا بألبانها، ولا يرجعوا حتَّى يمنعوه. وقال ابن قتيبة: يريد النِّساء والصِّبيان، ولكنَّه استعار ذلك، يعني: أنَّهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام؛ وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعمِّ، وعند ابن سعد: معهم العوذ المطافيل والنِّساء والصِّبيان (وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ) أي: مانعوك (عَنِ البَيْتِ) الحرام (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَِكَتْهُمُ الحَرْبُ) بفتح أوَّله وبفتح الهاء وكسرها في الفرع كأصله، أي: أبلغت فيهم (٣) حتَّى أضعفت قوَّتهم، وهزلَتْهم، أو أضعفت أموالهم (وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوْا مَادَدْتُهُمْ) أي: جعلت بيني وبينهم (مُدَّةً) معيَّنةً أترك قتالهم فيها (وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ) أي: من كفار العرب وغيرهم، زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ: «إن شاؤوا» (فَإِنْ أَظْهَرْ) بالجزم (فَإِنْ شَاؤُوْا) شرطٌ معطوفٌ على الشَّرط الأوَّل (أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ) من طاعتي، وجواب الشَّرطَين (٤) قوله: (فَعَلُوا، وَإِلَّا) أي: وإن لم أظهر (فَقَدْ جَمُّوا) بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة (٥)، أي: استراحوا من جهد القتال (٦)،
ولابن عائذٍ من وجهٍ آخرَ عن الزُّهريِّ: «فإن ظهر النَّاس عليَّ فذلك الَّذي يبغون» فصرَّح بما حذفه هنا من القسم الأوَّل، والتَّردد في قوله: «فإن أظهر» ليس شكًّا في وعد الله أنَّه سينصره ويظهره، بل على طريق التَّنزيل وفرض الأمر على ما زعم الخصم (وَإِنْ هُمْ أَبَوْا) امتنعوا (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي) بالسِّين المهملة وكسر اللَّام، أي: حتَّى تنفصل رقبتي، أي: حتَّى أموت، أو حتَّى أموت وأبقى منفردًا في قبري (وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون النُّون وبالذَّال المعجمة وتشديد النُّون، وضبطه في «المصابيح» كـ «التنقيح»: بتشديد الفاء المكسورة، أي: ليمضِيَنَّ الله أمره في نصر دينه.
(فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ) بفتح الموحَّدة وتشديد اللَّام (مَا تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ) بُدَيل (حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ) يعني النَّبيَّ ﷺ (وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ) قال في «الفتح»: سمَّى الواقديُّ منهم: عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن أبي العاص: (لَا حَاجَةَ لَنَا (١) أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُمْ: هَاتِ) بكسر التَّاء، أي: أعطني (مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ. فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) هو ابن مُعَتِّب بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقيَّة المشدَّدة، الثَّقفيُّ، أسلمَ ورجع إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه (فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ) أي: يا قوم (أَلَسْتُمْ بِالوَالِدِ) أي: مثل الأب في الشَّفقة لولده؟ (قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُم بِالوَلَدِ) مثل الابن في النُّصح لوالده؟ (قَالُوا: بَلَى) وعند ابن إسحاق عن الزُّهريِّ: أنَّ أمَّ عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد بقوله: «ألستم بالوالد»، إنَّكم قد ولدتموني في الجملة لكون أمِّي منكم، ولأبي ذَرٍّ فيما قاله الحافظ ابن حجر: «ألستم بالولد؟» و «ألست بالوالد؟» والأوَّل هو الصَّواب، وهو الَّذي في رواية أحمد وابن إسحاق
وغيرهما (قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟) ولأبي ذَرٍّ: «تتَّهمونني» بنونين على الأصل، أي: هل تنسبونني إلى التُّهمة؟ (قَالُوا: لَا) نتَّهمك (قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍَ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الكاف، وآخره ظاءٌ معجمةٌ، غيرَ منصرفٍ لأبي ذَرٍّ، ولغيره بالتَّنوين، أي: دعوتهم للقتال نصرةً لكم (فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ) بالموحَّدة وتشديد اللَّام المفتوحَتين ثمَّ حاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ، امتنعوا، أو عجزوا (جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا) يعني: النَّبيَّ ﷺ (قَدْ عَرَضَ لَكُمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» (خُطَّةَ رُشْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد الطَّاء المهملة، أي: خصلةَ خيرٍ وصلاحٍ وإنصافٍ (اقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي) اتركوني (آتِيهِ) بالمدِّ والياء على الاستئناف، أي: أنا آتيه، ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» مجزومًا (١) بحذف الياء على جواب الأمر، والهاء مكسورةٌ، أي: أجيء إليه (قَالُوا: ائْتِهِ) بهمزة وصلٍ فهمزة قطعٍ ساكنةٍ فمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مكسورةٍ فهاءٍ مكسورةٍ، أمرٌ من: أتى يأتي (فَأَتَاهُ) ﵊ عروة (فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لعروة (نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ) السَّابق. وزاد ابن إسحاق: «وأخبره أنَّه لم يأتِ يريد حربًا» (فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند قوله: «لأقاتلنهم»: (أَيْ مُحَمَّدُ) أي: يا محمَّدُ (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ) أي: استهلكتهم بالكليَّة (هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، أهْلَكَ (أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟) بالكليَّة، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ، «أصلَه» كذا في الفرع كأصله (٢)، وضبَّبَ على الأولى (وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى) قال الكِرمانيُّ وتبعه العينيُّ: وإن تكن الدَّولة لقومك فلا يخفى ما يفعلون بكم، فجواب الشَّرط محذوفٌ، وفيه رعاية الأدب مع رسول الله ﷺ، حيث لم يصرِّح إلَّا بشقِّ غالبيَّته، وقال في «المصابيح»: التَّقدير: وإن تكن الأخرى؛ لم ينفعك أصحابك، وأمَّا قول الزَّركشيُّ: التَّقدير: وإن كانت الأخرى كانت الدَّولة للعدوِّ، وكان الظَّفر لهم عليك وعلى أصحابك، فقال في
«المصابيح»: هذا التَّقدير غير مستقيم، لما يلزم عليه من اتِّحاد الشَّرط والجزاء، لأنَّ الأخرى هي انتصار العدوِّ وظفرهم، فيؤول التَّقدير إلى أنَّه: إن انتصر أعداؤك وظفروا (١) كانت الدَّولة لهم وظفروا (فَإِنِّي وَاللهِ لأَرَى وُجُوهًا) أي: أعيان النَّاس (وَإِنِّي لأَرَى أَشْوَابًا مِنَ النَّاسِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة وتقديمها على الواو، أخلاطًا من النَّاس من قبائل شتًّى، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أوشابًا» بتقديم الواو على المعجمة، ويُروى: «أوباشًا» بتقديم الواو على الموحَّدة (٢) أخلاطًا من السَّفلة (خَلِيقًا) بالخاء المعجمة والقاف، حقيقًا (أَنْ يَفِرُّوا) أي: بأن يفرُّوا (وَيَدَعُوكَ) ويتركوك، لأنَّ العادة جرت أنَّ الجيوش المجمَّعة (٣) لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف مَن كان مِن (٤) قبيلةٍ واحدةٍ، فإنَّهم يأنفون الفرار في العادة، وما علم عروة أنَّ مودَّة الإسلام أبلغ من مودَّة القرابة (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁) ولأبي ذَرٍّ: «أبو بكرٍ الصِّدِّيق» وكان خلفَ رسول الله ﷺ قاعدًا، فيما ذكره ابن إسحاق: (امْصَصْ) بهمزة وصلٍ فميمٍ ساكنةٍ فصادَين مهملَتين، الأولى مفتوحةٌ بصيغة الأمر، مِن: مَصِصَ يمصَصُ من باب: عَلِم يَعْلَم، ولأبي ذَرٍّ -وحكاه ابن التِّين عن (٥) رواية القابسيِّ-: «امْصُصْ» بضمِّ الصَّاد وخطَّأها (ببَظْرِ اللَّاتِ) بفتح الموحَّدة بعد الجارَّة وسكون المعجمة: قطعةٌ تبقى بعد الختان في فرج المرأة. وقال الدَّاوديُّ: البظر: فرج المرأة. قال السَّفاقسيُّ: والَّذي عند أهل اللَّغة: أنَّه ما يُخفَض من فرج المرأة، أي: يُقطَع عند خِفاضها. وقال في «القاموس»: البظر (٦): ما بين إسكتي المرأة، الجمع: بظور، كالبيظر والبنظر بالنُّون، كقُنْفُذ والبظارة وتُفْتَح، وأَمَةٌ بظراء: طويلته، والاسم: البَظَرُ، محرَّكةً (٧)،
واللَّات: اسم أحد الأصنام الَّتي كانت قريشٌ وثَقيفٌ يعبدونها، وقد كانت عادة العرب الشَّتم بذلك، تقول: ليمصصْ بظر أمِّه، فاستعار ذلك أبو بكر ﵁ في اللَّات لتعظيمهم إيَّاها، فقصد المبالغة في سبِّ عروة بإقامة مَن كان يعبد مقامَ أمِّه، وحملَه على ذلك ما أغضبه به مِن نسبته (١) إلى الفرار، ولأبي ذَرٍّ: «بَظْر» بإسقاط حرف الجرِّ (أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟!) استفهامٌ إنكاريٌّ (فَقَالَ) أي: عروة: (مَنْ ذَا؟) أي: المتكلِّم (قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ) عروة: (أَمَا) بالتَّخفيف، حرف استفتاحٍ (٢) (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ) أي: نعمةٌ ومنَّةٌ (كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ) بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالزَّاي، أي: لم أكافئك (بِهَا لأَجَبْتُكَ) وبيَّن عبد العزيز الإماميُّ عن الزُّهريِّ في هذا الحديث أنَّ اليد المذكورة: أنَّ عروة كان تحمَّل بديَةٍ فأعانه فيها أبو بكرٍ بعونٍ حسنٍ، وفي رواية الواقديِّ: عشر قلائص، قاله الحافظ ابن حجرٍ.
(قَالَ: وَجَعَلَ) عروة (يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ) زاد أبو ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «كلمةً» والَّذي في «اليونينيَّة»: «كلَّمه (٣)» بدل قوله: «تكلَّم»، وفي نسخةٍ: «فكلَّما كلَّمه» (أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ) الشَّريفة على عادة العرب من تناول الرَّجل لحية مَن يكلِّمه، لا سيما عند الملاطفة (وَمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ) قصدًا لحراسته (٤) (وَعَلَيْهِ) أي: على المغيرة (المِغْفَرُ) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء ليستخفي من عروة عمِّه (فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ (٥)) إجلالًا للنَّبيِّ ﷺ وتعظيمًا (بِنَعْلِ السَّيْفِ) وهو ما يكون أسفل القِراب من فضَّة أو غيرها (وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ
يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) زاد عروة بن الزُّبير: فإنَّه لا ينبغي لمشركٍ أنَّه يمسَّه (فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) الَّذي يضرب يدي (قَالُوا) ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) وعند ابن إسحاق: فتبسَّم رسول الله ﷺ، فقال له عروة: مَن هذا يا محمَّدُ؟ قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة». قال في «الفتح»: وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسنادٍ صحيحٍ، وأخرجه ابن حِبَّان (فَقَالَ) عروة مخاطبًا للمغيرة: (أَيْ غُدَرُ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح الدَّال، أي: يا غُدَر، معدولٌ عن غَادِر مبالغةً في وصفه بالغدر (أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟!) أي: ألست أسعى في دفع شرِّ خيانتك ببذل المال (وَكَانَ المُغِيرَةُ) قبل إسلامه (صَحِبَ قَوْمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ) من ثقيفٍ من بني مالكٍ لمَّا خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسنَ إليهم وقصَّر بالمغيرة فحصلت له الغيرة منهم؛ لأنَّه ليس من القوم، فلمَّا كانوا بالطَّريق شربوا الخمر، فلمَّا سكروا وناموا، غدر بهم (فَقَتَلَهُمْ) جميعًا (وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ) فلمَّا بَلَغَ ثقيفًا فِعْلُ المغيرة تداعَوا للقتال، فسعى عروة عمُّ المغيرة حتَّى أخذوا منه دية ثلاثةَ عشرَ نفسًا، واصطلحوا، فهذا هو سبب قوله: «أي غدر» (ثُمَّ جَاءَ) إلى المدينة (فَأَسْلَمَ) فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيُّون الَّذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم، وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ﷺ لتُخَمَّس (١)، أو ليرى رأيه فيها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا الإِسْلَامَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (فَأَقْبَلُ) بلفظ المتكلِّم (٢)، أي: أقبله (وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ) أي: لا أتعرَّض له لكونه أخذه غدرًا؛ لأنَّ أموال المشركين وإن كانت مغنومةً عند القهر؛ فلا يحلُّ أخذها عند الأمن، فإذا كان الإنسان مصاحبًا لهم فقد أمن كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فسفك الدِّماء وأخذ الأموال عند ذلك غدرٌ، والغدر بالكفار وغيرهم محظورٌ، وإنَّما تحلُّ أموالهم بالمحاربة والمغالبة، ولعلَّه ﷺ ترك المال في يده؛ لإمكان أن يُسْلِم قومه فيردَّ إليهم (٣) أموالهم.
(ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ) بضمِّ الميم، أي: يلحظ (أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ) بالتَّثنية (قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُخَامَةً) بضمِّ النُّون، ما يصعد من الصَّدر إلى الفم (إِلَّا
وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا) أي: بالنُّخامة (وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) تبرُّكًا بفضلاته، وزاد ابن إسحاق: ولا يسقط من شعره شيءٌ إلَّا أخذوه (وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ) أي: أسرعوا إلى فعله (وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ) بفتح الواو: فضلة الماء الَّذي توضَّأ به (١)، أو على ما يجتمع من القطرات، وما يسيل من الماء الَّذي باشر أعضاءه الشَّريفة عند الوضوء (وَإِذَا تَكَلَّمَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «وإذا تكلَّموا» أي: الصَّحابة (خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ (٢)) بضمِّ التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول في «اليونينيَّة» بالحاء المهملة (إِلَيْهِ النَّظَرَ) أي: ما يتأمَّلونه ولا يديمون النَّظر إليه (تَعْظِيمًا لَهُ. فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ) أي: يا قوم (وَاللهِ (٣) لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ) غيرُ منصرفٍ للعُجْمة، وهو لقبٌ لكلِّ من مَلَك الرُّوم (وَكِسْرَى) بكسر الكاف وتُفتَح، اسمٌ لكلِّ من مَلَك الفرس (وَالنَّجَاشِيِّ) بفتح النُّون وتخفيف الجيم، وبعد الألف شينٌ معجمةٌ وتشديد التَّحتيَّة، وتُخفَّف، لقبُ مَن مَلَك الحبشة، وهذا من باب: عطف الخاصِّ على العامِّ، وخصَّ الثَّلاثة بالذِّكر؛ لأنَّهم كانوا أعظم ملوك ذلك الزَّمان (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة، نافيةٌ، أي: ما (رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ) ﷺ (مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة، نافية (٤) أي: ما (تَنَخَّمَ) بلفظ الماضي، ولأبي ذَرٍّ: «يتنخَّم» (نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «تكلَّموا» بضمير الجمع، أي: الصَّحابة (خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ) إجلالًا له وتوقيرًا (وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، ﵊ (قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد المهملة (٥)، أي: خصلةَ خيرٍ وصلاحٍ (فَاقْبَلُوهَا) بهمزة وصلٍ وفتح الموحَّدة (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ) هو الحُلَّيس -بمهملتين مصغّرًا- ابن علقمة سيِّد الأحابيش، كما ذكره
الزُّبير بن بكَّار: (دَعُونِي آتِيْهِ) بتحتيَّةٍ قبل الهاء، ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» بحذفها مجزومًا مع كسر الهاء (فَقَالُوا: ائْتِهِ) بهمزةٍ ساكنةٍ وكسر الهاء، فأتى (فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الدَّال المهملة، جمع بَدَنة، وهي من الإبل والبقر (فَابْعَثُوهَا) أي: أثيروها (لَهُ، فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ) حال كونهم (يُلَبُّونَ) بالعمرة (فَلَمَّا رَأَى) الكنانيُّ (ذَلِكَ) المذكور من البدن، واستقبال النَّاس له بالتَّلبية (قَالَ) متعجِّبًا: (سُبْحَانَ اللهِ! مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا) بضمِّ أوَّله وفتح الصَّاد المهملة، أي: يُمنَعوا (عَنِ البَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ) لهم: (رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ) بضمِّ القاف وكسر اللَّام المشدَّدة، أي: عُلِّق في عنقها شيٌء ليعلم أنَّها هديٌ (وَأُشْعِرَتْ) بضمِّ أوِّله وسكون المعجمة وكسر المهملة، أي: طُعِن في سنامها بحيث سال دمها؛ ليكون (١) علامةً للهَدْي أيضًا (فَمَا أرَى) بفتح الهمزة (أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ) زاد ابن إسحاق: وغضب وقال: يا معشر قريشٍ؛ ما على هذا عاقدناكم، أَيُصَدُّ (٢) عن بيت الله مَن جاء معظِّمًا له؟! فقالوا: كُفَّ عنَّا يا حُلَّيس حتَّى نأخذ لأنفسنا ما نرضى (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الرَّاء، بعدها زايٌ؛ ابن الأخيف بخاءٍ معجمةٍ فتحتيَّةٍ ففاءٍ؛ وهو من بني عامر بن لؤيٍّ (فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ) ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» بحذف التَّحتيَّة (فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ) على النَّبيِّ ﷺ وأصحابه (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا مِكْرَزٌ، وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ) أي: غادر؛ لأنَّه كان مشهورًا بالغدر، ولم يصدر منه في قصَّة الحديبية فجورٌ ظاهرٌ (فَجَعَلَ) أي: مكرزٌ (يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ) أي: مكرزٌ (يُكَلِّمُهُ) ﵊ (إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) تصغير سَهْل، وعَمرو: بفتح العين (قَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ بالإسناد السَّابق: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَيُّوبُ) هو السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) وسقط لأبي ذَرٍّ «ابن عَمرو» (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ) ولأبي ذَرٍّ: «قد» (سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الهاء، وهذا مرسلٌ، وله شاهدٌ
موصولٌ عند ابن أبي شيبةَ من حديث سلمةَ ابن الأكوع، قال: بعثت قريشٌ بسُهَيل بن عَمرو وحويطب بن عبد العُزَّى إلى النَّبيِّ ﷺ ليصالحوه، فلمَّا رأى النَّبيُّ ﷺ سُهيلًا قال: «قد سَهُل لكم من أمركم» وهذا من باب التَّفاؤل، وكان ﵇ يعجبه الفأل الحسن، وأتى بـ «من» التَّبعيضيَّة في قوله: «مِنْ أمركم» إيذانًا بأنَّ السُّهولة الواقعة في هذه القصَّة ليست عظيمة، قيل: ولعلَّه ﵊ أخذ ذلك من التَّصغير الواقع في سُهَيل، فإن تصغيره يقتضي كونه ليس عظيمًا.
(قَالَ مَعْمَرٌ) بالإسناد السَّابق أيضًا: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (فِي حَدِيثِهِ) السَّابق، فحديث عكرمة معترض في أثنائه: (فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) وفي رواية ابن إسحاق: فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ جرى بينهما القول، حتَّى وقع بينهما الصُّلح، على أن تُوضَع الحرب عشر سنين، وأن يأمن (١) بعضُهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامهم (فَقَالَ) سُهيلٌ: (هَاتِ) بكسر التَّاء (اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الكَاتِبَ) هو عليُّ بن أبي طالبٍ (فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ اكتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ) ولأبي ذر: «فقال» (سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ؟) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما هي» بتأنيث الضَّمير، أي: كلمة الرَّحمن (وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ) وكان ﵊ يكتب كذلك في بدء الإسلام، كما كانوا يكتبونها في الجاهليَّة، فلمَّا نزلت آية النَّمل كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فأدركتهم حميَّة الجاهليَّة (فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لعليٍّ ﵁ (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: اكتب (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي) بتشديد المعجمة، وجزاؤه محذوفٌ (اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق: (وَذَلِكَ) أي: إجابته لسؤال سهيل حيث قال:
«اكتب: باسمك اللهم»، و «اكتب: محمَّد بن عبد الله» (لِقَوْلِهِ) ﵊ السَّابق: (لَا يَسْأَلُونِي) أي: قريش، ولأبي ذَرٍّ: «لا يسألونني» بنونين على الأصل (خُطَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة خصلة (يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ) يكفُّون بها عن القتال في الحرم (إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أي (١): أجبتهم إليها (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى أَنْ تُخَلُّوا (٢) بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ) العتيق (فَنَطُوفَ بِهِ) بالتَّخفيف وبالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق، وفي نسخةٍ: «فنطوفُ» بالرفع على الاستئناف، وفي روايةٍ (٣) أخرى: «فنطَّوَّفَُ» بتشديد الطَّاء والواو، وأصله: نتطوَّف، وبالنَّصب والرَّفع (فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَا) نخلِّي بينك وبين البيت الحرام (تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الخاء (ضُغْطَةً) بضمِّ الضَّاد وسكون الغين المعجمَتين، وبالنَّصب على التَّمييز قهرًا، والجملة استئنافيَّة، وليست مدخولة «لا» (وَلَكِنْ ذَلِكَ) أي: التَّخلية (مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَكَتَبَ) عليٌّ ذلك (فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى (٤) دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا) وفي رواية عُقيلٍ عن الزُّهريِّ في أوَّل «الشُّروط»: «ولا يأتيك منَّا أحدٌ» [خ¦٢٧١١] وهي تعمُّ الرِّجال والنِّساء، فيدخلن في هذا الصُّلح، ثمَّ نُسِخَ ذلك الحكم فيهنَّ، أو لم يدخلن إلَّا بطريق العموم فخُصِّصْنَ (٥).
(قَالَ المُسْلِمُونَ) قال في «الفتح»: وقائل ذلك يشبه أن يكون عمر لما سيأتي، وممَّن قال أيضًا أُسَيد بن حُضَير وسعد بن عبادة كما قاله الواقديُّ، وسهل (٦) بن حنيف: (سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ) حال كونه (مُسْلِمًا؟! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ) بالميم في بينما (إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو) بالجيم والنُّون بوزن: جَعْفَر، و «سُهَيل» بضمِّ السِّين مصغَّرًا، و «عَمرو» بفتح العين، واسم أبي جَنْدل: العاص، وكان حُبِسَ حين أسلم وعُذِّب، فخرج من السِّجن وتنكَّب الطَّريق وركب الجبال حتَّى هبط على المسلمين حال كونه (يَرْسُفُ)
بفتح أوَّله وسكون الرَّاء وضمِّ السِّين المهملة، آخره فاءٌ، يمشي (فِي قُيُودِهِ) مشي المقيَّد المثقل (وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ) أبوه (سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «من» (أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ) بنونٍ مفتوحةٍ فقافٍ ساكنةٍ فضادٍ معجمةٍ، أي: لم نفرغ من كتابته، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «لن نفضَّ» بالفاء وتشديد المعجمة (قَالَ) سهيل: (فَوَاللهِ إِذًا) بالتَّنوين (لَمْ أُصَالِحْكَ) وفي نسخةٍ (١): «لا أصالحُك» (عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَجِزْهُ (٢)) بهمزةٍ مفتوحةٍ فجيمٍ مكسورةٍ فزايٍ ساكنةٍ، أي: أمضِ (لِي) فِعْلي فيه، فلا أردُّه إليك (قَالَ) سُهيلٌ: (مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «(٣) بمجيز ذلك» (لَكَ، قَالَ) ﵊: (بَلَى، فَافْعَلْ. قَالَ) سُهيلٌ: (مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ) بكسر الميم وسكون الكاف، وبعد الرَّاء المفتوحة زايٌ، ابن حفص، وكان ممَّن أقبل مع سُهيل بن عَمرو في التماس الصُّلح: (بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ) بحرف الإضراب، وللكُشْمِيهَنيِّ كما في «الفتح»: «بلى»، أي: نعم، وفي نسخةٍ: «قال مِكْرَزٌ: قد أجزناه» (لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء (إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ) حال كوني (مُسْلِمًا، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقَيتُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة» فقط، وفي غيرها: «لقِيت» بكسرها (وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ) زاد ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنَّا لا نغدر، وإنَّ الله جاعلٌ لك فرجًا ومخرجًا». وقول الكِرمانيِّ: فإن قلت: لِمَ ردَّ أبا جندل إلى المشركين وقد قال مِكْرَز: أجزناه لك؟ وجوابه: بأنَّ المتصدِّي لعقد المهادنة هو سُهيلٌ لا مِكْرَزٌ، فالاعتبار بقول المباشِر (٤) لا بقول مِكْرَزٍ، متعقَّبٌ (٥) بما نقله في «فتح الباري» عن الواقديِّ: أنَّه روى: أنَّ
مِكْرَزًا كان ممَّن جاء في الصُّلح مع سُهيلٍ، وكان معهما حويطب بن عبد العُزَّى، وأنَّه ذكر في روايته ما يدلُّ على أنَّ إجازة مِكْرَزٍ لم تكن في ألَّا يردَّه إلى سُهيلٍ، بل في تأمينه من التعذيب، وأن مكرزًا وحويطبًا أخذا أبا جندل، فأدخلاه فِسطاطًا، وكفَّا أباه عنه. وقال الخطَّابيُّ: إنَّما ردَّه إلى أبيه، والغالب أنَّ أباه لا يبلغ به الهلاك.
(فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال» (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁: (فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ) له: (أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ) بالنَّصب، خبر ليس (حَقًّا؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ) بفتح الدال المهملة وكسر النون وتشديد التحتية، والأصل فيه الهمزة لكنه خفف وهو صفة لمحذوف، أي: الحالة الدنية الخبيثة (فِي دِينِنَا إِذًا؟) بالتنوين، أي: حينئذٍ (قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِي) فيه تنبيهٌ لعمر ﵁ على إزالة ما حصل عنده من القلق، وأنه ﷺ لم يفعل ذلك إلَّا لأمرٍ أطلعه الله عليه من حبس الناقة، وأنه لم يفعل ذلك إلَّا بوحيٍ من الله (١) قال عمر ﵁: (قُلْتُ) له ﵊: (أَوَلَيْسَ (٢) كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟) بالتَّخفيف، وفي نسخةٍ: «فنطَّوَّف» بتشديد الطَّاء والواو، وعند الواقديِّ: أنَّه ﷺ كان رأى في منامه قبلَ أن يعتمرَ أنَّه دخل هو وأصحابه البيت، فلمَّا رأوا تأخير ذلك شقَّ عليهم (قَالَ) ﵊: (بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ؟) هذا (قَالَ) عمر: (قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ) بتشديد الطَّاء المفتوحة والواو المكسورة المشدَّدة أيضًا (قَالَ) عمر: (فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيُّ اللهِ حَقًّا؟) وفي «اليونينيَّة»: «نبيّ الله» بالنَّصب؟! (قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي) الخصلة (الدَّنِيَّةَ) الخبيثة (فِي
دِينِنَا إِذًا؟!) أي: حينئذٍ (قَالَ) أبو بكرٍ ﵁ مخاطبًا لعمر ﵄ (١): (أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّه رسول الله» (ﷺ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ) بفتح الغين المعجمة، وبعد الرَّاء السَّاكنة زايٌ، وهو للإبل بمنزلة الرِّكاب للفرس، أي: تمسَّك بأمره ولا تخالفه (٢) كما يتمسَّك المرء بركاب الفارس فلا يفارقه (فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ) قال عمر: (قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ) ﵊ (يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «فنطَّوَّف» بالفاء بدل الواو والتَّشديد (قَالَ) أبو بكرٍ: (بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ) ﵊ (أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟) هذا؟ قال عمر: (قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ) بالتَّشديد مع كسر الواو، وفي ذلك دلالةٌ على فضيلة أبي بكرٍ ووفور علمه؛ لكونه أجاب بما أجاب به الرَّسول ﷺ.
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق: (قَالَ عُمَرُ) ﵁: (فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ) التَّوقف في الامتثال ابتداءً (أَعْمَالًا) صالحةً. وعند ابن (٣) إسحاق: فكان (٤) عمر يقول: مازلت أتصدَّق، وأصوم، وأصلِّي، وأعتق من الَّذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الَّذي تكلَّمت به، وعند الواقديِّ من حديث ابن عبَّاس: قال عمر ﵁: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا، وصمت دهرًا، الحديث. ولم يكن هذا شكًّا منه في الدِّين، بل ليقف على الحكمة في القضيَّة، وتنكشف عنه الشُّبهة، وللحَثِّ (٥) على إذلال الكفَّار كما عُرِفَ من قوَّته في نصرة الدِّين، وقولُ الزُّهريِّ هذا منقطعٌ بينه وبين عمر.
(قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ)، وأشهد (٦) على الصُّلح رجالًا من المسلمين، منهم أبو بكر وعمر وعليٌّ، ورجالًا من المشركين، منهم مِكْرَزُ بن حفص (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا) الهَدْيَ (ثُمَّ احْلِقُوا) رؤوسكم (قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ) رجاء نزول الوحي بإبطال الصُّلح المذكور؛ ليتمَّ لهم قضاء نسكهم، أو لاعتقادهم أنَّ الأمر المطلق
لا يقتضي الفور (حَتَّى قَالَ) ﵇ لهم (ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ) ﵇ (عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ (فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ) من كونهم لم يفعلوا ما أمرهم به (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟) وعند ابن إسحاق: قالت أمُّ سلمة: يا رسول الله، لا تلُمْهم فإنَّهم قد دخلهم أمرٌ عظيمٌ ممَّا أدخلت على نفسك من المشقَّة في أمر الصُّلح ورجوعهم بغير فتحٍ، ويحتمل أنَّها فهمت من الصَّحابة أنَّه احتمل عندهم أن يكون النبيُّ ﷺ أمرهم بالتَّحلُّل أخذًا بالرُّخصة في حقِّهم، وأنَّه هو (١) يستمرُّ على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حقِّ نفسه، فأشارت عليه أن يتحلَّل لينفي عنهم هذا الاحتمال، فقالت: (اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة (وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ) بنصب الفعل عطفًا على الفعل المنصوب قبله (فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ) ﵇ (فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الدَّال (٢) المهملة (٣)، وكانوا سبعين بَدَنةً فيها (٤) جملٌ لأبي جهلٍ في رأسه برةٌ من فضَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «هَدْيَه» (وَدَعَا حَالِقَهُ) هو (٥) خِرَاش -بمعجمَتين- ابن أميَّة بن الفضل الخزاعيُّ الكعبيُّ (فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا) هديهم ممتثلين ما أمرهم به؛ إذ لم تبقَ بعد ذلك غايةٌ تُنتظَر (وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا) أي: ازدحامًا، وفيه فضيلة أمِّ سلمة ووفور عقلها، وقد قال إمام الحرمين في «النِّهاية»: قيل: ما أشارت امرأةٌ بصوابٍ إلَّا أمُّ سلمةَ في هذه القضيَّة.
(ثُمَّ جَاءَهُ) ﵇ (نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ) بعد ذلك في أثناء مدة الصُّلح (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾) نصبٌ على الحال (﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾) فاختبروهنَّ بما يغلب على ظنِّكم موافقة قلوبهنَّ (١) (حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]) بما تعتصم (٢) به الكافرات من عقدٍ ونسبٍ، جمعُ عصمةٍ، والمراد: نهي المؤمنين عن (٣) المقام على نكاح المشركات، وبقية الآية: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: إلى أزواجهنَّ الكَفَرة، لقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، أي: ما دفعوا إليهنَّ من المهور، وهذه الآية على رواية: «لا يأتيك منَّا أحدٌ وإن كان على دينك إلَّا رددته» تكون مخصِّصةً للسُّنَّة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السَّلف ناسخةٌ من قبيل نسخ السُّنَّة بالكتاب، أمَّا على رواية: «لا يأتيك منَّا رجلٌ» فلا إشكالَ فيه.
(فَطَلَّقَ عُمَرُ) ﵁ (يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ) قُريبة بنت أبي أميَّة وابنة جرول الخزاعيِّ، كما في الرِّواية التَّالية (٤) [خ¦٢٧٣٣] (كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ) لقوله تعالى في الآية: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقد كان ذلك جائزًا في ابتداء الإسلام (فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا) وهي قُريبة (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «وتزوَّج الأخرى أبو جهم» [خ¦٢٧٣٣] (ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ) بفتح الموحَّدة وكسر الصَّاد المهملة (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) بدلٌ من «أبو بصير» ومعنى كونه (٥) من قريش أنَّه منهم بالحلف، وإلَّا فهو ثقفيٌّ، واسمه: عُتْبة -بضمِّ العين المهملة وسكون الفوقيَّة- ابن أَسَيد -بفتح الهمزة على الصَّحيح- ابن جارية -بالجيم- الثَّقفيُّ، حليف بني زهرة وبنو زهرة من قريش (وَهْوَ مُسْلِمٌ) جملة حاليَّة (فَأَرْسَلُوا) أي: قريش (فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ) هما خُنَيس -بخاءٍ معجمةٍ
مضمومةٍ (١) ونونٍ مفتوحةٍ، آخره سينٌ مهملةٌ مصغَّرًا- ابن جابر، وأزهر بن عبد عوف الزُّهري إلى رسول الله ﷺ (فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا) يوم الحديبية أن تردَّ إلينا مَن جاء (٢) منَّا وإن كان على دينك، وسألوه أن يردَّ إليهم أبا بصير، كما وقع في (٣) الصُّلح (فَدَفَعَهُ) ﵇ (إِلَى الرَّجُلَيْنِ) وفاءً بالعهد (فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ) في رواية ابن سعد: لخنيس بن جابر، ولابن إسحاق: للعامريِّ: (وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ) أي: أخرج السَّيف صاحبه من غمده (فَقَالَ: أَجَلْ) نعم (وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «به» بدل «منه» أي: بيده (فَضَرَبَهُ) أبو بصيرٍ (حَتَّى بَرَدَ) بفتح الموحَّدة والرَّاء، أي: مات (وَفَرَّ الآخَرُ) (٤) وعند ابن إسحاق: وخرج المولى يشتدُّ، أي: هربًا، وهو مولى خُنَيس، واسمه: كوثر (حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو) بالعين المهملة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا) بضمِّ الذَّال المعجمة وسكون العين المهملة، خوفًا (فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: قُتِلَ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «قَتَل» بفتح القاف والتاء، أي: قتل أبو بصيرٍ (وَاللهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ) أي: إن لم تردُّوه عنِّي (فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ) كان
القياس أن يقول: والله قد أوفى الله ذمَّتك، لكنَّ القسم محذوفٌ، والمذكور مؤكِّدٌ له، ولغير أبي ذرٍّ: «إليك ذمَّتك» (قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيْلُ أُمِّهِ) برفع اللَّام في رواية أبي ذرٍّ، خبر مبتدأٍ محذوفٍ (١) أي: هو ويلٌ لأمِّه، وقطع همزة «أمِّه» وتشديد ميمها مكسورة، وفي نسخةٍ: «ويلُ امِّه» بحذف الهمزة تخفيفًا، وفي أخرى: «ويلَ امِّه» بنصب اللَّام على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ. قال الجوهريُّ: وإذا أضفته فليس فيه إلَّا النَّصب، وفي «اليونينيَّة»: «ويلِ أمِّه» بكسر اللَّام وقطع الهمزة، قال ابن مالكٍ تبعًا للخليل: وي: كلمة تعجُّبٍ، وهي من أسماء الأفعال، واللَّام بعدها مكسورةٌ، ويجوز ضمُّها إتباعًا للهمزة وحذف الهمزة تخفيفًا، وقال الفرَّاء: أصل قولهم: ويل فلان: وي لفلان، أي: حُزنٌ له، فكثر الاستعمال، فألحقوا بها اللَّام فصارت كأنَّها منها، وأعربوها (مِسْعَرَ حَرْبٍ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتَين، بالنَّصب على التَّمييز أو الحال، مثل: لله درُّه فارسًا، ولأبي ذَرٍّ: «مسعرُ» بالرَّفع، أي: هو مسعر، و «حربٍ»: مجرورٌ بالإضافة، وأصل «ويل»: دعاءٌ عليه، واستُعمِل هنا للتَّعجُّب من إقدامه في الحرب والإيقاد لنارها وسرعة النُّهوض لها (لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ) ينصره لإسعار الحرب، لأثار الفتنة وأفسد الصُّلح (فَلَمَّا سَمِعَ) أبو بصيرٍ (ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ) ﵇ (سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ) بكسر السِّين المهملة وسكون التَّحتيَّة، وبعدها (٢) فاءٌ، أي: ساحله في موضعٍ يُسمَّى العِيْص -بكسر العين المهملة وسكون التَّحتيَّة، آخره صادٌ مهملةٌ- على طريق أهل مكَّة إذا قصدوا الشام (قَالَ: وَيَنْفَلِتُ) بالفاء والمثنَّاة الفوقيَّة، أي: ويتخلَّص (مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ) أي: من أبيه وأهله من مكَّة، وعبَّر بصيغة الاستقبال إشارة إلى إرادة مشاهدة الحال؛ على حدِّ قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ (٣) الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] وفي رواية أبي الأسود عن عروة: «وانفلت (٤) أبو جندل في سبعين راكبًا مسلمين» (فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ) بسيف البحر (فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ
أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ) بكسر العين وفتح الموحَّدة (١): جماعةٌ لا واحد لها من لفظها، وهي تُطلَق على الأربعين فما دونها، لكن عند ابن إسحاق: أنَّهم بلغوا نحوًا من سبعين، بل جزم بها (٢) عروة في «المغازي» [خ¦٤١٨٠] وزاد: «وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يُعادوا إلى المشركين» وسمَّى الواقديُّ منهم: الوليد بن الوليد بن المغيرة (فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ) بخبر عيرٍ -بكسر العين- قافلةٍ (خَرَجَتْ) من مكَّة (لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا) وقفوا لها في طريقها بالعرض، وذلك كنايةٌ عن منعهم لها من المسير (فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ) أبا سفيان بن حرب (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللهِ وَالرَّحِمِ) تقول (٣) له (٤): سألتك بالله وبحقِّ القرابة، ولأبي ذَرٍّ: «تناشده الله والرَّحمَ» (لَمَّا) بالتشديد، أي: إلَّا (أَرْسَلَ) إلى أبي بصيرٍ وأصحابه بالامتناع عن إيذاء قريشٍ (فَمَنْ أَتَاهُ) منهم مسلمًا (فَهْوَ آمِنٌ) من الردِّ إلى قريش (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ) زاد في رواية أبي الأسود: «فقدموا عليه»، وفيها: «فعلم الَّذين كانوا أشاروا بألَّا يسلِّم أبا جندل إلى أبيه أنَّ طاعة رسول الله ﷺ خيرٌ ممَّا كرهوا» (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾) أي: أيدي كفَّار مكَّة (﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]) أي: أظهركم عليهم (حَتَّى بَلَغَ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾) أي: الَّتي تمنع الإذعان للحقِّ، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾» وقوله: «الحميَّة» من قوله: «حتَّى بلغ الحميَّة (٥)» (وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ) وظاهر قوله: «فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾»: أنَّها نزلت في شأن أبي بصيرٍ، وفيه نظرٌ، والمشهور أنَّها نزلت بسبب القوم الَّذين أرادوا من قريشٍ أن يأخذوا المسلمين غرَّةً، فظفروا بهم، فعفا عنهم النَّبيُّ ﷺ، فنزلت، رواه مسلمٌ وغيره.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَا تُخْرِجْنَا وَدَعْنَا كَمَا أَقَرَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَرَاهُ سَقَطَ عَلَيَّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ بِكَ إِذَا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشَّأمِ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، فَقَسَمَهَا عُمَرُ بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ الْبَغَوِيُّ: هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ حَمَّادٍ، وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ حَمَّادٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، قُلْتُ: وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ النَّجَّارِ مِنْ طَرِيقِ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَمَّادٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: رَقَصَتْ بِكَ أَيْ أَسْرَعَتْ فِي السَّيْرِ، وَقَوْلُهُ: نَحْوَ الشَّامِ تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ أَنَّ عُمَرَ أَجَلَاهُمْ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ لِلْحُمَيْدِيِّ نِسْبَةُ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ مُطَوَّلَةً جِدًّا إِلَى الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ نَقَلَ السِّيَاقَ مِنْ مُسْتَخْرَجِ الْبَرْقَانِيِّ كَعَادَتِهِ وَذَهَلَ عَنْ عَزْوِهِ إِلَيْهِ، وَقَدْ نَبَّهَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى أَنَّ حَمَّادًا كَانَ يُطَوِّلُهُ تَارَةً وَيَرْوِيهِ تَارَةً مُخْتَصَرًا، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى بَعْضِ مَا فِي رِوَايَتِهِ قَبْلُ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَاوَةَ تُوَضَّحُ الْمُطَالَبَةَ بِالْجِنَايَةِ كَمَا طَالَبَ عُمَرُ الْيَهُودَ بِفَدَعِ ابْنِهِ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: لَيْسَ لَنَا عَدُوٌّ غَيْرَهُمْ، فَعَلَّقَ الْمُطَالَبَةَ بِشَاهِدِ الْعَدَاوَةِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَطْلُبِ الْقِصَاصَ لِأَنَّهُ فُدِعَ وَهُوَ نَائِمٌ فَلَمْ يَعْرِفْ أَشْخَاصَهُمْ. وَفِيهِ أَنَّ أَفْعَالَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَقْوَالَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ.
١٥ - بَاب الشُّرُوطِ فِي الْجِهَادِ، وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكِتَابَةِ الشُّرُوطِ
٢٧٣١، ٢٧٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ - يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ - قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةٌ، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ. فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ! فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا.
ثُمَّ زَجَرَهَا، فَوَثَبَتْ، قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنْ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمْ الْحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ
أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ. فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرونَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ.
قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظَ فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي آتِهِ. قَالُوا: ائْتِهِ. فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنْ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟! وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لَأَرَى أشوابا مِنْ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرِ اللَّاتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟! فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ كلمة أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ! أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا الْإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ. ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ، وَكِسْرَى، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِيكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا؛ وَاللَّهِ إِنْ يتَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّموا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ
النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِيهِ.
فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ. فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنْ الْبَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنْ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَقَالَ: دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو - قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ - قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هي، وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنْ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ - وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ - إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَجِزْهُ لِي. قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ. قَالَ: بَلَى فَافْعَلْ. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟! أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ، وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ.
قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى.
قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟! قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ:
بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟! قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا - قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا، فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا.
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ به ثم جربت، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ:
لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ. فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيْلُ أُمِّهِ! مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٧٣١ - ٢٧٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام اليمانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون المهملة بينهما (١) ابن
راشد (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ) بن الحكم، وروايتهما مرسلةٌ؛ لأنَّ مروان لا صحبة له، ومسورًا وإن كان له صحبة، لكنَّه لم يحضر القصَّة، وإنَّما سمعاها من جماعةٍ من الصَّحابة شهدوها (يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) من المسور ومروان (حَدِيثَ صَاحِبِهِ) والجملة حاليَّةٌ (قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) من المدينة (زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ) بالتَّخفيف يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، سنة ستٍّ من الهجرة في بضع عشرة مئةٍ، فلمَّا أتى ذا الحُلَيفة؛ قلَّد الهديَ، وأشعره، وأحرم منها بعمرةٍ، وبعث بُسْرًا -بضمِّ الموحَّدة وسكون السِّين المهملة- ابن سفيان عَيْنًا لخبر قريش (حَتَّى كَانُوا) ولأبي ذَرٍّ: «حتى إذا كانوا» (بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالغَمِيمِ) بفتح الغين المعجمة وكسر الميم بوزن: عَظِيم، وفي «المشارق»: بضمِّ الغين وفتح الميم، قال ابن حبيب: موضعٌ قريبٌ من مكَّةَ بَين رابغَ (١) والجحفةِ (فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ) وكانوا -كما عند ابن سعد- مئتي فارسٍ، فيهم عكرمة بن أبي جهلٍ حال كونهم (طَلِيعَةً) وهي مقدِّمة الجيش، ولأبي ذَرٍّ: «طليعةٌ» بالرَّفع (فَخُذُوا ذَاتَ اليَمِينِ) وهي بين ظَهْرَي الحَمْضِ في طريقٍ تُخرجه على ثنية المِرَار -بكسر الميم وتخفيف الراء- مهبط الحديبية من أسفل مكَّة، قال ابن هشام: فسلك الجيش ذلك الطَّريق، فلمَّا رأت خيل قريشٍ قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ ركضوا راجعين إلى قريشٍ، وهو معنى قوله: (فَوَاللهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الجَيْشِ) بفتح القاف والمثنَّاة الفوقيَّة وسكَّنها (٢) في الفرع غباره الأسود (فَانْطَلَقَ) خالدٌ حال كونه (يَرْكُضُ) يضرب برجله دابَّته استعجالًا للسير حال كونه (نَذِيرًا) منذرًا (لِقُرَيْشٍ) بمجيء رسول الله ﷺ (وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ) أي: ثنية المِرَار، بكسر الميم (الَّتِي يُهْبَطُ) بضم أوله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَلَيْهِمْ) أي: على قريش (مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ) ﵊ (رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ) بفتح الحاء المهملة وسكون اللَّام (٣) فيهما؛ زجرٌ للرَّاحلة إذا
حملها على السَّير، وقال الخطَّابيُّ: إن قلت: «حَلْ» واحدةً فبالسُّكون، وإن أعدتها نوَّنت الأولى، وسكَّنت الثَّانية، وحكي (١) السُّكون فيهما (٢) والتَّنوين كنظيره في بخ بخ (٣)، وهو معنى قوله في «القاموس»: «حَلٍ حَلٍ» منوَّنتين أو «حلْ» واحدة مسكَّنة (٤). انتهى (٥). لكنَّ الرِّواية بالسُّكون فيهما. (فَأَلَحَّتْ) بتشديد الحاء المهملة وفتح الهمزة، أي: تمادت في البروك، فلم تبرح من مكانها (فَقَالُوا: خَلأَتِ القَصْوَاءُ، خَلأَتِ القَصْوَاءُ) مرَّتين، و «خَلأت» بفتح الخاء المعجمة واللَّام والهمزة، و «القَصْوَاء»: بفتح القاف وسكون الصَّاد المهملة وفتح الواو مهموزًا ممدودًا، اسمٌ لناقته ﵊، أي: حرنت وتصعَّبت (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا خَلأَتِ القَصْوَاءُ) أي: ما حرنت (وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ) بضمِّ الخاء المعجمة واللَّام، أي: ليس الخلاء لها بعادةٍ كما حسبتم (وَلَكِنْ حَبَسَهَا) أي: القصواء (حَابِسُ الفِيلِ) زاد ابن إسحاق: «عن مكَّة»، أي: حبسها الله عن دخول مكَّة؛ كما حبس الفيل عن مكة لأنَّهم لو دخلوا مكَّة على تلك الهيئة وصدَّهم قريشٌ عن ذلك لوقع بينهم ما يفضي إلى سفك الدِّماء ونهب الأموال، لكن سبق في العلم القديم أنَّه يدخل في الإسلام منهم جماعاتٌ.
(ثُمَّ قَالَ) ﵊: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي) أي: قريش، ولأبي ذَرٍّ: «لا يسألونني» بنونين على الأصل (خُطَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد الطَّاء المهملة، أي: خصلة (يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ) يكفُّون بسببها عن القتال في الحرم تعظيمًا له (إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أي: أجبتهم إليها وإن كان في ذلك تحمُّل مشقَّةٍ (ثُمَّ زَجَرَهَا) أي زجر ﵊ النَّاقة (فَوَثَبَتْ) بالمثلَّثة، وآخره مثنَّاةٌ، أي: قامت (قَالَ: فَعَدَلَ) ﵊ (عَنْهُمْ) وفي رواية ابن سعد: فولَّى راجعًا (حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ، عَلَى ثَمَدٍ) بفتح الثَّاء والميم، آخره دالٌ مهملةٌ (قَلِيلِ المَاءِ) قال في «القاموس»: الثَّمد ويحرَّك وكـ «كِتاب» الماء القليل لا مادَّة له، أو ما يبقى في الجَلَد، أو
ما يظهر في الشِّتاء ويذهب في الصَّيف. انتهى. وقوله: «قليلِ الماء»، قيل: تأكيدٌ لدفع توهُّم أن يراد لغةُ من يقول: إِنَّ الثَّمد الماء الكثير، وعُورِض: بأنَّه إنَّما يتوجَّه أن لو ثبت في اللُّغة أنَّ الثَّمد الماء الكثير، واعترض في «المصابيح»: قوله: تأكيدٌ، بأنَّه لو اقتصر على «قليل» أمكن، أمَّا مع إضافته إلى الماء فيشكل، وذلك لأنَّك لا تقول: هذا ماءٌ قليلُ الماءِ. نعم، قال الدَّاوديُّ (١): الثَّمد: العين، وقال غيره: حفرةٌ فيها ماءٌ، فإن صحَّ فلا إشكال. (يَتَبَرَّضُهُ) بالموحَّدة المفتوحة بعد المثنَّاتَين التَّحتيَّة والفوقيَّة فراءٌ مشدَّدةٌ فضادٌ معجمةٌ، أي: يأخذه (النَّاسُ تَبَرُّضًا) نصبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ من باب التَّفعُّل للتَّكلُّف، أي: قليلًا قليلًا، وقال صاحب العين: التَّبرُّض: جمع الماء بالكفَّين (فَلَمْ يُلَبِّثْهُ) بضم أوَّله وفتح اللَّام وتشديد الموحَّدة وسكون المثلَّثة في الفرع وأصله وغيرهما مصحَّحًا عليه، ونسبه في «الفتح» -وتبعه في «العمدة» - لقول ابن التِّين: وضبطناه بسكون اللَّام مضارع: ألبث، أي: لم يتركوه (٢) يلبث، أي: يقيم (النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ) لم يبقوا منه شيئًا، يقال: نزحت البئر على صيغةٍ واحدةٍ في التَّعدِّي واللُّزوم.
(وَشُكِيَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ العَطَشُ) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ) بكسر الكاف، جعبته الَّتي فيها النَّبل (ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ (٣)) أي: السَّهم (فِيهِ) أي: في الثَّمد، وروى ابن سعد من طريق أبي مروان: حدَّثني أربعة عشر رجلًا من الصَّحابة: أنَّ الَّذي نزل البئر ناجية بن الأعجم، وقيل: هو ناجية بن جندب (٤)، وقيل: البراء
بن عازب، وقيل: عبَّاد بن خالد، حكاه عن (١) الواقديِّ، ووقع في «الاستيعاب»: خالد بن عبادة، قاله في «المقدِّمة» وقال في «الفتح»: ويمكن الجمع بأنَّهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره (فَوَاللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ) بفتح أوَّله وكسر الجيم، آخره شينٌ معجمةٌ بعد تحتيَّةٍ ساكنةٍ (٢) يفور ويرتفع (لَهُمْ بِالرِّيِّ) بكسر الرَّاء (حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ) أي: رجعوا رواءً بعد ورودهم، وزاد ابن سعدٍ: «حتَّى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر» (فَبَيْنَمَا) بالميم، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فبينا» بإسقاطها (هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الدَّال المهملة مصغَّرًا، وأبوه: بفتح الواو وسكون الرَّاء (٣) وبالقاف ممدودًا (الخُزَاعِيُّ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الزَّاي، وبعد الألف عينٌ مهملةٌ، الصَّحابيُّ المشهور (فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ) منهم: عَمرو بن سالم وخراش بن أميَّة فيما قاله الواقديُّ، وخارجة بن كُرْز ويزيد بن أميَّة كما في رواية أبي الأسود عن عروة (وَكَانُوا) أي: بديل والنَّفر الَّذين معه (عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) بفتح العين المهملة وسكون التَّحتيَّة وفتح الموحَّدة، و «نُصْحِ»: بضمِّ النُّون، أي: موضعُ سرِّه وأمانته، فشبَّه الصَّدر الذي هو مستودع السِّرِّ بالعَيْبة الَّتي هي مستودع خير الثِّياب، وكانت خزاعة (مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ) بكسر المثنَّاة الفوقيَّة، مكَّة وما حولها، زاد ابن إسحاق في روايته: «وكانت خزاعة عَيبة رسول الله ﷺ مسلمُها ومشركُها لا يخفون عنه شيئًا كان بمكة» (فَقَالَ) بُدَيل: (إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ) بضمِّ اللَّام وفتح الهمزة وتشديد الياء فيهما (نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة، جمع عَدٍّ بالكسر والتَّشديد، وهو الماء الَّذي لا انقطاع لمادَّته كالعين والبئر، وفيه: أنَّه كان
بالحديبية مياهٌ كثيرةٌ، وأنَّ قريشًا سبقوا إلى النُّزول عليها؛ ولذا عطش المسلمون حتَّى (١) نزلوا على الثَّمد المذكور، وذكر أبو الأسود في روايته عن عروة: وسبقت قريش إلى الماء ونزلوا عليه (وَمَعَهُمُ العُوذُ) بضمِّ العين المهملة وسكون الواو، وآخره ذالٌ معجمةٌ، جمع عائذٍ، أي: النُّوق الحديثات النِّتاج ذات اللَّبن (المَطَافِيلُ) بفتح الميم والطَّاء المهملة وبعد الألف فاءٌ مكسورةٌ فمثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ فلامٌ: الأمَّهات الَّتي معها أطفالها، ومراده: أنَّهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل (٢)؛ ليتزوَّدوا بألبانها، ولا يرجعوا حتَّى يمنعوه. وقال ابن قتيبة: يريد النِّساء والصِّبيان، ولكنَّه استعار ذلك، يعني: أنَّهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام؛ وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعمِّ، وعند ابن سعد: معهم العوذ المطافيل والنِّساء والصِّبيان (وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ) أي: مانعوك (عَنِ البَيْتِ) الحرام (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَِكَتْهُمُ الحَرْبُ) بفتح أوَّله وبفتح الهاء وكسرها في الفرع كأصله، أي: أبلغت فيهم (٣) حتَّى أضعفت قوَّتهم، وهزلَتْهم، أو أضعفت أموالهم (وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوْا مَادَدْتُهُمْ) أي: جعلت بيني وبينهم (مُدَّةً) معيَّنةً أترك قتالهم فيها (وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ) أي: من كفار العرب وغيرهم، زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ: «إن شاؤوا» (فَإِنْ أَظْهَرْ) بالجزم (فَإِنْ شَاؤُوْا) شرطٌ معطوفٌ على الشَّرط الأوَّل (أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ) من طاعتي، وجواب الشَّرطَين (٤) قوله: (فَعَلُوا، وَإِلَّا) أي: وإن لم أظهر (فَقَدْ جَمُّوا) بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة (٥)، أي: استراحوا من جهد القتال (٦)،
ولابن عائذٍ من وجهٍ آخرَ عن الزُّهريِّ: «فإن ظهر النَّاس عليَّ فذلك الَّذي يبغون» فصرَّح بما حذفه هنا من القسم الأوَّل، والتَّردد في قوله: «فإن أظهر» ليس شكًّا في وعد الله أنَّه سينصره ويظهره، بل على طريق التَّنزيل وفرض الأمر على ما زعم الخصم (وَإِنْ هُمْ أَبَوْا) امتنعوا (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي) بالسِّين المهملة وكسر اللَّام، أي: حتَّى تنفصل رقبتي، أي: حتَّى أموت، أو حتَّى أموت وأبقى منفردًا في قبري (وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون النُّون وبالذَّال المعجمة وتشديد النُّون، وضبطه في «المصابيح» كـ «التنقيح»: بتشديد الفاء المكسورة، أي: ليمضِيَنَّ الله أمره في نصر دينه.
(فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ) بفتح الموحَّدة وتشديد اللَّام (مَا تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ) بُدَيل (حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، قَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ) يعني النَّبيَّ ﷺ (وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ) قال في «الفتح»: سمَّى الواقديُّ منهم: عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن أبي العاص: (لَا حَاجَةَ لَنَا (١) أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُمْ: هَاتِ) بكسر التَّاء، أي: أعطني (مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ. فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ) هو ابن مُعَتِّب بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقيَّة المشدَّدة، الثَّقفيُّ، أسلمَ ورجع إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه (فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ) أي: يا قوم (أَلَسْتُمْ بِالوَالِدِ) أي: مثل الأب في الشَّفقة لولده؟ (قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُم بِالوَلَدِ) مثل الابن في النُّصح لوالده؟ (قَالُوا: بَلَى) وعند ابن إسحاق عن الزُّهريِّ: أنَّ أمَّ عروة هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد بقوله: «ألستم بالوالد»، إنَّكم قد ولدتموني في الجملة لكون أمِّي منكم، ولأبي ذَرٍّ فيما قاله الحافظ ابن حجر: «ألستم بالولد؟» و «ألست بالوالد؟» والأوَّل هو الصَّواب، وهو الَّذي في رواية أحمد وابن إسحاق
وغيرهما (قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟) ولأبي ذَرٍّ: «تتَّهمونني» بنونين على الأصل، أي: هل تنسبونني إلى التُّهمة؟ (قَالُوا: لَا) نتَّهمك (قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍَ) بضمِّ العين المهملة وتخفيف الكاف، وآخره ظاءٌ معجمةٌ، غيرَ منصرفٍ لأبي ذَرٍّ، ولغيره بالتَّنوين، أي: دعوتهم للقتال نصرةً لكم (فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ) بالموحَّدة وتشديد اللَّام المفتوحَتين ثمَّ حاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ، امتنعوا، أو عجزوا (جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا) يعني: النَّبيَّ ﷺ (قَدْ عَرَضَ لَكُمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عليكم» (خُطَّةَ رُشْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد الطَّاء المهملة، أي: خصلةَ خيرٍ وصلاحٍ وإنصافٍ (اقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي) اتركوني (آتِيهِ) بالمدِّ والياء على الاستئناف، أي: أنا آتيه، ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» مجزومًا (١) بحذف الياء على جواب الأمر، والهاء مكسورةٌ، أي: أجيء إليه (قَالُوا: ائْتِهِ) بهمزة وصلٍ فهمزة قطعٍ ساكنةٍ فمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مكسورةٍ فهاءٍ مكسورةٍ، أمرٌ من: أتى يأتي (فَأَتَاهُ) ﵊ عروة (فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لعروة (نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ) السَّابق. وزاد ابن إسحاق: «وأخبره أنَّه لم يأتِ يريد حربًا» (فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند قوله: «لأقاتلنهم»: (أَيْ مُحَمَّدُ) أي: يا محمَّدُ (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ) أي: استهلكتهم بالكليَّة (هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، أهْلَكَ (أَهْلَهُ قَبْلَكَ؟) بالكليَّة، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ، «أصلَه» كذا في الفرع كأصله (٢)، وضبَّبَ على الأولى (وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى) قال الكِرمانيُّ وتبعه العينيُّ: وإن تكن الدَّولة لقومك فلا يخفى ما يفعلون بكم، فجواب الشَّرط محذوفٌ، وفيه رعاية الأدب مع رسول الله ﷺ، حيث لم يصرِّح إلَّا بشقِّ غالبيَّته، وقال في «المصابيح»: التَّقدير: وإن تكن الأخرى؛ لم ينفعك أصحابك، وأمَّا قول الزَّركشيُّ: التَّقدير: وإن كانت الأخرى كانت الدَّولة للعدوِّ، وكان الظَّفر لهم عليك وعلى أصحابك، فقال في
«المصابيح»: هذا التَّقدير غير مستقيم، لما يلزم عليه من اتِّحاد الشَّرط والجزاء، لأنَّ الأخرى هي انتصار العدوِّ وظفرهم، فيؤول التَّقدير إلى أنَّه: إن انتصر أعداؤك وظفروا (١) كانت الدَّولة لهم وظفروا (فَإِنِّي وَاللهِ لأَرَى وُجُوهًا) أي: أعيان النَّاس (وَإِنِّي لأَرَى أَشْوَابًا مِنَ النَّاسِ) بفتح الهمزة وسكون الشِّين المعجمة وتقديمها على الواو، أخلاطًا من النَّاس من قبائل شتًّى، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «أوشابًا» بتقديم الواو على المعجمة، ويُروى: «أوباشًا» بتقديم الواو على الموحَّدة (٢) أخلاطًا من السَّفلة (خَلِيقًا) بالخاء المعجمة والقاف، حقيقًا (أَنْ يَفِرُّوا) أي: بأن يفرُّوا (وَيَدَعُوكَ) ويتركوك، لأنَّ العادة جرت أنَّ الجيوش المجمَّعة (٣) لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف مَن كان مِن (٤) قبيلةٍ واحدةٍ، فإنَّهم يأنفون الفرار في العادة، وما علم عروة أنَّ مودَّة الإسلام أبلغ من مودَّة القرابة (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁) ولأبي ذَرٍّ: «أبو بكرٍ الصِّدِّيق» وكان خلفَ رسول الله ﷺ قاعدًا، فيما ذكره ابن إسحاق: (امْصَصْ) بهمزة وصلٍ فميمٍ ساكنةٍ فصادَين مهملَتين، الأولى مفتوحةٌ بصيغة الأمر، مِن: مَصِصَ يمصَصُ من باب: عَلِم يَعْلَم، ولأبي ذَرٍّ -وحكاه ابن التِّين عن (٥) رواية القابسيِّ-: «امْصُصْ» بضمِّ الصَّاد وخطَّأها (ببَظْرِ اللَّاتِ) بفتح الموحَّدة بعد الجارَّة وسكون المعجمة: قطعةٌ تبقى بعد الختان في فرج المرأة. وقال الدَّاوديُّ: البظر: فرج المرأة. قال السَّفاقسيُّ: والَّذي عند أهل اللَّغة: أنَّه ما يُخفَض من فرج المرأة، أي: يُقطَع عند خِفاضها. وقال في «القاموس»: البظر (٦): ما بين إسكتي المرأة، الجمع: بظور، كالبيظر والبنظر بالنُّون، كقُنْفُذ والبظارة وتُفْتَح، وأَمَةٌ بظراء: طويلته، والاسم: البَظَرُ، محرَّكةً (٧)،
واللَّات: اسم أحد الأصنام الَّتي كانت قريشٌ وثَقيفٌ يعبدونها، وقد كانت عادة العرب الشَّتم بذلك، تقول: ليمصصْ بظر أمِّه، فاستعار ذلك أبو بكر ﵁ في اللَّات لتعظيمهم إيَّاها، فقصد المبالغة في سبِّ عروة بإقامة مَن كان يعبد مقامَ أمِّه، وحملَه على ذلك ما أغضبه به مِن نسبته (١) إلى الفرار، ولأبي ذَرٍّ: «بَظْر» بإسقاط حرف الجرِّ (أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟!) استفهامٌ إنكاريٌّ (فَقَالَ) أي: عروة: (مَنْ ذَا؟) أي: المتكلِّم (قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ) عروة: (أَمَا) بالتَّخفيف، حرف استفتاحٍ (٢) (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ) أي: نعمةٌ ومنَّةٌ (كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ) بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالزَّاي، أي: لم أكافئك (بِهَا لأَجَبْتُكَ) وبيَّن عبد العزيز الإماميُّ عن الزُّهريِّ في هذا الحديث أنَّ اليد المذكورة: أنَّ عروة كان تحمَّل بديَةٍ فأعانه فيها أبو بكرٍ بعونٍ حسنٍ، وفي رواية الواقديِّ: عشر قلائص، قاله الحافظ ابن حجرٍ.
(قَالَ: وَجَعَلَ) عروة (يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ) زاد أبو ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: «كلمةً» والَّذي في «اليونينيَّة»: «كلَّمه (٣)» بدل قوله: «تكلَّم»، وفي نسخةٍ: «فكلَّما كلَّمه» (أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ) الشَّريفة على عادة العرب من تناول الرَّجل لحية مَن يكلِّمه، لا سيما عند الملاطفة (وَمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ) قصدًا لحراسته (٤) (وَعَلَيْهِ) أي: على المغيرة (المِغْفَرُ) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء ليستخفي من عروة عمِّه (فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ (٥)) إجلالًا للنَّبيِّ ﷺ وتعظيمًا (بِنَعْلِ السَّيْفِ) وهو ما يكون أسفل القِراب من فضَّة أو غيرها (وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ
يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) زاد عروة بن الزُّبير: فإنَّه لا ينبغي لمشركٍ أنَّه يمسَّه (فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) الَّذي يضرب يدي (قَالُوا) ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) وعند ابن إسحاق: فتبسَّم رسول الله ﷺ، فقال له عروة: مَن هذا يا محمَّدُ؟ قال: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة». قال في «الفتح»: وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسنادٍ صحيحٍ، وأخرجه ابن حِبَّان (فَقَالَ) عروة مخاطبًا للمغيرة: (أَيْ غُدَرُ) بضمِّ الغين المعجمة وفتح الدَّال، أي: يا غُدَر، معدولٌ عن غَادِر مبالغةً في وصفه بالغدر (أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟!) أي: ألست أسعى في دفع شرِّ خيانتك ببذل المال (وَكَانَ المُغِيرَةُ) قبل إسلامه (صَحِبَ قَوْمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ) من ثقيفٍ من بني مالكٍ لمَّا خرجوا زائرين المقوقس بمصر، فأحسنَ إليهم وقصَّر بالمغيرة فحصلت له الغيرة منهم؛ لأنَّه ليس من القوم، فلمَّا كانوا بالطَّريق شربوا الخمر، فلمَّا سكروا وناموا، غدر بهم (فَقَتَلَهُمْ) جميعًا (وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ) فلمَّا بَلَغَ ثقيفًا فِعْلُ المغيرة تداعَوا للقتال، فسعى عروة عمُّ المغيرة حتَّى أخذوا منه دية ثلاثةَ عشرَ نفسًا، واصطلحوا، فهذا هو سبب قوله: «أي غدر» (ثُمَّ جَاءَ) إلى المدينة (فَأَسْلَمَ) فقال له أبو بكر: ما فعل المالكيُّون الَّذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم، وجئت بأسلابهم إلى رسول الله ﷺ لتُخَمَّس (١)، أو ليرى رأيه فيها (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا الإِسْلَامَ) بالنَّصب على المفعوليَّة (فَأَقْبَلُ) بلفظ المتكلِّم (٢)، أي: أقبله (وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ) أي: لا أتعرَّض له لكونه أخذه غدرًا؛ لأنَّ أموال المشركين وإن كانت مغنومةً عند القهر؛ فلا يحلُّ أخذها عند الأمن، فإذا كان الإنسان مصاحبًا لهم فقد أمن كلُّ واحدٍ منهما صاحبه، فسفك الدِّماء وأخذ الأموال عند ذلك غدرٌ، والغدر بالكفار وغيرهم محظورٌ، وإنَّما تحلُّ أموالهم بالمحاربة والمغالبة، ولعلَّه ﷺ ترك المال في يده؛ لإمكان أن يُسْلِم قومه فيردَّ إليهم (٣) أموالهم.
(ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ) بضمِّ الميم، أي: يلحظ (أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ) بالتَّثنية (قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُخَامَةً) بضمِّ النُّون، ما يصعد من الصَّدر إلى الفم (إِلَّا
وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا) أي: بالنُّخامة (وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ) تبرُّكًا بفضلاته، وزاد ابن إسحاق: ولا يسقط من شعره شيءٌ إلَّا أخذوه (وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ) أي: أسرعوا إلى فعله (وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ) بفتح الواو: فضلة الماء الَّذي توضَّأ به (١)، أو على ما يجتمع من القطرات، وما يسيل من الماء الَّذي باشر أعضاءه الشَّريفة عند الوضوء (وَإِذَا تَكَلَّمَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «وإذا تكلَّموا» أي: الصَّحابة (خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ (٢)) بضمِّ التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول في «اليونينيَّة» بالحاء المهملة (إِلَيْهِ النَّظَرَ) أي: ما يتأمَّلونه ولا يديمون النَّظر إليه (تَعْظِيمًا لَهُ. فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ) أي: يا قوم (وَاللهِ (٣) لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ) غيرُ منصرفٍ للعُجْمة، وهو لقبٌ لكلِّ من مَلَك الرُّوم (وَكِسْرَى) بكسر الكاف وتُفتَح، اسمٌ لكلِّ من مَلَك الفرس (وَالنَّجَاشِيِّ) بفتح النُّون وتخفيف الجيم، وبعد الألف شينٌ معجمةٌ وتشديد التَّحتيَّة، وتُخفَّف، لقبُ مَن مَلَك الحبشة، وهذا من باب: عطف الخاصِّ على العامِّ، وخصَّ الثَّلاثة بالذِّكر؛ لأنَّهم كانوا أعظم ملوك ذلك الزَّمان (وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة، نافيةٌ، أي: ما (رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ) ﷺ (مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ) بكسر الهمزة، نافية (٤) أي: ما (تَنَخَّمَ) بلفظ الماضي، ولأبي ذَرٍّ: «يتنخَّم» (نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ) ﵊، ولأبي ذَرٍّ: «تكلَّموا» بضمير الجمع، أي: الصَّحابة (خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ) إجلالًا له وتوقيرًا (وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، ﵊ (قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ) بضمِّ الخاء المعجمة وتشديد المهملة (٥)، أي: خصلةَ خيرٍ وصلاحٍ (فَاقْبَلُوهَا) بهمزة وصلٍ وفتح الموحَّدة (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ) هو الحُلَّيس -بمهملتين مصغّرًا- ابن علقمة سيِّد الأحابيش، كما ذكره
الزُّبير بن بكَّار: (دَعُونِي آتِيْهِ) بتحتيَّةٍ قبل الهاء، ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» بحذفها مجزومًا مع كسر الهاء (فَقَالُوا: ائْتِهِ) بهمزةٍ ساكنةٍ وكسر الهاء، فأتى (فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الدَّال المهملة، جمع بَدَنة، وهي من الإبل والبقر (فَابْعَثُوهَا) أي: أثيروها (لَهُ، فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ) حال كونهم (يُلَبُّونَ) بالعمرة (فَلَمَّا رَأَى) الكنانيُّ (ذَلِكَ) المذكور من البدن، واستقبال النَّاس له بالتَّلبية (قَالَ) متعجِّبًا: (سُبْحَانَ اللهِ! مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا) بضمِّ أوَّله وفتح الصَّاد المهملة، أي: يُمنَعوا (عَنِ البَيْتِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ) لهم: (رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ) بضمِّ القاف وكسر اللَّام المشدَّدة، أي: عُلِّق في عنقها شيٌء ليعلم أنَّها هديٌ (وَأُشْعِرَتْ) بضمِّ أوِّله وسكون المعجمة وكسر المهملة، أي: طُعِن في سنامها بحيث سال دمها؛ ليكون (١) علامةً للهَدْي أيضًا (فَمَا أرَى) بفتح الهمزة (أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ) زاد ابن إسحاق: وغضب وقال: يا معشر قريشٍ؛ ما على هذا عاقدناكم، أَيُصَدُّ (٢) عن بيت الله مَن جاء معظِّمًا له؟! فقالوا: كُفَّ عنَّا يا حُلَّيس حتَّى نأخذ لأنفسنا ما نرضى (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الرَّاء، بعدها زايٌ؛ ابن الأخيف بخاءٍ معجمةٍ فتحتيَّةٍ ففاءٍ؛ وهو من بني عامر بن لؤيٍّ (فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ) ولأبي ذَرٍّ: «آتِهِ» بحذف التَّحتيَّة (فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ) على النَّبيِّ ﷺ وأصحابه (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا مِكْرَزٌ، وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ) أي: غادر؛ لأنَّه كان مشهورًا بالغدر، ولم يصدر منه في قصَّة الحديبية فجورٌ ظاهرٌ (فَجَعَلَ) أي: مكرزٌ (يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَبَيْنَمَا) بالميم (هُوَ) أي: مكرزٌ (يُكَلِّمُهُ) ﵊ (إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) تصغير سَهْل، وعَمرو: بفتح العين (قَالَ مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ بالإسناد السَّابق: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَيُّوبُ) هو السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) وسقط لأبي ذَرٍّ «ابن عَمرو» (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ) ولأبي ذَرٍّ: «قد» (سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الهاء، وهذا مرسلٌ، وله شاهدٌ
موصولٌ عند ابن أبي شيبةَ من حديث سلمةَ ابن الأكوع، قال: بعثت قريشٌ بسُهَيل بن عَمرو وحويطب بن عبد العُزَّى إلى النَّبيِّ ﷺ ليصالحوه، فلمَّا رأى النَّبيُّ ﷺ سُهيلًا قال: «قد سَهُل لكم من أمركم» وهذا من باب التَّفاؤل، وكان ﵇ يعجبه الفأل الحسن، وأتى بـ «من» التَّبعيضيَّة في قوله: «مِنْ أمركم» إيذانًا بأنَّ السُّهولة الواقعة في هذه القصَّة ليست عظيمة، قيل: ولعلَّه ﵊ أخذ ذلك من التَّصغير الواقع في سُهَيل، فإن تصغيره يقتضي كونه ليس عظيمًا.
(قَالَ مَعْمَرٌ) بالإسناد السَّابق أيضًا: (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (فِي حَدِيثِهِ) السَّابق، فحديث عكرمة معترض في أثنائه: (فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو) وفي رواية ابن إسحاق: فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ جرى بينهما القول، حتَّى وقع بينهما الصُّلح، على أن تُوضَع الحرب عشر سنين، وأن يأمن (١) بعضُهم بعضًا، وأن يرجع عنهم عامهم (فَقَالَ) سُهيلٌ: (هَاتِ) بكسر التَّاء (اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الكَاتِبَ) هو عليُّ بن أبي طالبٍ (فَقَالَ) له (النَّبِيُّ ﷺ اكتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ) ولأبي ذر: «فقال» (سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ؟) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ما هي» بتأنيث الضَّمير، أي: كلمة الرَّحمن (وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ) وكان ﵊ يكتب كذلك في بدء الإسلام، كما كانوا يكتبونها في الجاهليَّة، فلمَّا نزلت آية النَّمل كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فأدركتهم حميَّة الجاهليَّة (فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لعليٍّ ﵁ (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، ثُمَّ قَالَ) ﵊: اكتب (هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي) بتشديد المعجمة، وجزاؤه محذوفٌ (اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق: (وَذَلِكَ) أي: إجابته لسؤال سهيل حيث قال:
«اكتب: باسمك اللهم»، و «اكتب: محمَّد بن عبد الله» (لِقَوْلِهِ) ﵊ السَّابق: (لَا يَسْأَلُونِي) أي: قريش، ولأبي ذَرٍّ: «لا يسألونني» بنونين على الأصل (خُطَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة خصلة (يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ) يكفُّون بها عن القتال في الحرم (إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) أي (١): أجبتهم إليها (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى أَنْ تُخَلُّوا (٢) بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ) العتيق (فَنَطُوفَ بِهِ) بالتَّخفيف وبالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق، وفي نسخةٍ: «فنطوفُ» بالرفع على الاستئناف، وفي روايةٍ (٣) أخرى: «فنطَّوَّفَُ» بتشديد الطَّاء والواو، وأصله: نتطوَّف، وبالنَّصب والرَّفع (فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَا) نخلِّي بينك وبين البيت الحرام (تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا) بضمِّ الهمزة وكسر الخاء (ضُغْطَةً) بضمِّ الضَّاد وسكون الغين المعجمَتين، وبالنَّصب على التَّمييز قهرًا، والجملة استئنافيَّة، وليست مدخولة «لا» (وَلَكِنْ ذَلِكَ) أي: التَّخلية (مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَكَتَبَ) عليٌّ ذلك (فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى (٤) دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا) وفي رواية عُقيلٍ عن الزُّهريِّ في أوَّل «الشُّروط»: «ولا يأتيك منَّا أحدٌ» [خ¦٢٧١١] وهي تعمُّ الرِّجال والنِّساء، فيدخلن في هذا الصُّلح، ثمَّ نُسِخَ ذلك الحكم فيهنَّ، أو لم يدخلن إلَّا بطريق العموم فخُصِّصْنَ (٥).
(قَالَ المُسْلِمُونَ) قال في «الفتح»: وقائل ذلك يشبه أن يكون عمر لما سيأتي، وممَّن قال أيضًا أُسَيد بن حُضَير وسعد بن عبادة كما قاله الواقديُّ، وسهل (٦) بن حنيف: (سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ) حال كونه (مُسْلِمًا؟! فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ) بالميم في بينما (إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو) بالجيم والنُّون بوزن: جَعْفَر، و «سُهَيل» بضمِّ السِّين مصغَّرًا، و «عَمرو» بفتح العين، واسم أبي جَنْدل: العاص، وكان حُبِسَ حين أسلم وعُذِّب، فخرج من السِّجن وتنكَّب الطَّريق وركب الجبال حتَّى هبط على المسلمين حال كونه (يَرْسُفُ)
بفتح أوَّله وسكون الرَّاء وضمِّ السِّين المهملة، آخره فاءٌ، يمشي (فِي قُيُودِهِ) مشي المقيَّد المثقل (وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ) أبوه (سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «من» (أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ) بنونٍ مفتوحةٍ فقافٍ ساكنةٍ فضادٍ معجمةٍ، أي: لم نفرغ من كتابته، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي والحَمُّويي: «لن نفضَّ» بالفاء وتشديد المعجمة (قَالَ) سهيل: (فَوَاللهِ إِذًا) بالتَّنوين (لَمْ أُصَالِحْكَ) وفي نسخةٍ (١): «لا أصالحُك» (عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَجِزْهُ (٢)) بهمزةٍ مفتوحةٍ فجيمٍ مكسورةٍ فزايٍ ساكنةٍ، أي: أمضِ (لِي) فِعْلي فيه، فلا أردُّه إليك (قَالَ) سُهيلٌ: (مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «(٣) بمجيز ذلك» (لَكَ، قَالَ) ﵊: (بَلَى، فَافْعَلْ. قَالَ) سُهيلٌ: (مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ) بكسر الميم وسكون الكاف، وبعد الرَّاء المفتوحة زايٌ، ابن حفص، وكان ممَّن أقبل مع سُهيل بن عَمرو في التماس الصُّلح: (بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ) بحرف الإضراب، وللكُشْمِيهَنيِّ كما في «الفتح»: «بلى»، أي: نعم، وفي نسخةٍ: «قال مِكْرَزٌ: قد أجزناه» (لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ) بضمِّ الهمزة وفتح الرَّاء (إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ) حال كوني (مُسْلِمًا، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقَيتُ) بفتح القاف في «اليونينيَّة» فقط، وفي غيرها: «لقِيت» بكسرها (وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ) زاد ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنَّا لا نغدر، وإنَّ الله جاعلٌ لك فرجًا ومخرجًا». وقول الكِرمانيِّ: فإن قلت: لِمَ ردَّ أبا جندل إلى المشركين وقد قال مِكْرَز: أجزناه لك؟ وجوابه: بأنَّ المتصدِّي لعقد المهادنة هو سُهيلٌ لا مِكْرَزٌ، فالاعتبار بقول المباشِر (٤) لا بقول مِكْرَزٍ، متعقَّبٌ (٥) بما نقله في «فتح الباري» عن الواقديِّ: أنَّه روى: أنَّ
مِكْرَزًا كان ممَّن جاء في الصُّلح مع سُهيلٍ، وكان معهما حويطب بن عبد العُزَّى، وأنَّه ذكر في روايته ما يدلُّ على أنَّ إجازة مِكْرَزٍ لم تكن في ألَّا يردَّه إلى سُهيلٍ، بل في تأمينه من التعذيب، وأن مكرزًا وحويطبًا أخذا أبا جندل، فأدخلاه فِسطاطًا، وكفَّا أباه عنه. وقال الخطَّابيُّ: إنَّما ردَّه إلى أبيه، والغالب أنَّ أباه لا يبلغ به الهلاك.
(فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «قال» (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) ﵁: (فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ) له: (أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ) بالنَّصب، خبر ليس (حَقًّا؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ) ﵊: (بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ) بفتح الدال المهملة وكسر النون وتشديد التحتية، والأصل فيه الهمزة لكنه خفف وهو صفة لمحذوف، أي: الحالة الدنية الخبيثة (فِي دِينِنَا إِذًا؟) بالتنوين، أي: حينئذٍ (قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِي) فيه تنبيهٌ لعمر ﵁ على إزالة ما حصل عنده من القلق، وأنه ﷺ لم يفعل ذلك إلَّا لأمرٍ أطلعه الله عليه من حبس الناقة، وأنه لم يفعل ذلك إلَّا بوحيٍ من الله (١) قال عمر ﵁: (قُلْتُ) له ﵊: (أَوَلَيْسَ (٢) كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟) بالتَّخفيف، وفي نسخةٍ: «فنطَّوَّف» بتشديد الطَّاء والواو، وعند الواقديِّ: أنَّه ﷺ كان رأى في منامه قبلَ أن يعتمرَ أنَّه دخل هو وأصحابه البيت، فلمَّا رأوا تأخير ذلك شقَّ عليهم (قَالَ) ﵊: (بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ؟) هذا (قَالَ) عمر: (قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ) بتشديد الطَّاء المفتوحة والواو المكسورة المشدَّدة أيضًا (قَالَ) عمر: (فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيُّ اللهِ حَقًّا؟) وفي «اليونينيَّة»: «نبيّ الله» بالنَّصب؟! (قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي) الخصلة (الدَّنِيَّةَ) الخبيثة (فِي
دِينِنَا إِذًا؟!) أي: حينئذٍ (قَالَ) أبو بكرٍ ﵁ مخاطبًا لعمر ﵄ (١): (أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّه رسول الله» (ﷺ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهْوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ) بفتح الغين المعجمة، وبعد الرَّاء السَّاكنة زايٌ، وهو للإبل بمنزلة الرِّكاب للفرس، أي: تمسَّك بأمره ولا تخالفه (٢) كما يتمسَّك المرء بركاب الفارس فلا يفارقه (فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ) قال عمر: (قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ) ﵊ (يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «فنطَّوَّف» بالفاء بدل الواو والتَّشديد (قَالَ) أبو بكرٍ: (بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ) ﵊ (أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟) هذا؟ قال عمر: (قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ) بالتَّشديد مع كسر الواو، وفي ذلك دلالةٌ على فضيلة أبي بكرٍ ووفور علمه؛ لكونه أجاب بما أجاب به الرَّسول ﷺ.
(قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ بالسَّند السَّابق: (قَالَ عُمَرُ) ﵁: (فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ) التَّوقف في الامتثال ابتداءً (أَعْمَالًا) صالحةً. وعند ابن (٣) إسحاق: فكان (٤) عمر يقول: مازلت أتصدَّق، وأصوم، وأصلِّي، وأعتق من الَّذي صنعت يومئذٍ مخافة كلامي الَّذي تكلَّمت به، وعند الواقديِّ من حديث ابن عبَّاس: قال عمر ﵁: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا، وصمت دهرًا، الحديث. ولم يكن هذا شكًّا منه في الدِّين، بل ليقف على الحكمة في القضيَّة، وتنكشف عنه الشُّبهة، وللحَثِّ (٥) على إذلال الكفَّار كما عُرِفَ من قوَّته في نصرة الدِّين، وقولُ الزُّهريِّ هذا منقطعٌ بينه وبين عمر.
(قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ)، وأشهد (٦) على الصُّلح رجالًا من المسلمين، منهم أبو بكر وعمر وعليٌّ، ورجالًا من المشركين، منهم مِكْرَزُ بن حفص (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا) الهَدْيَ (ثُمَّ احْلِقُوا) رؤوسكم (قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ) رجاء نزول الوحي بإبطال الصُّلح المذكور؛ ليتمَّ لهم قضاء نسكهم، أو لاعتقادهم أنَّ الأمر المطلق
لا يقتضي الفور (حَتَّى قَالَ) ﵇ لهم (ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ) ﵇ (عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ﵂ (فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ) من كونهم لم يفعلوا ما أمرهم به (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟) وعند ابن إسحاق: قالت أمُّ سلمة: يا رسول الله، لا تلُمْهم فإنَّهم قد دخلهم أمرٌ عظيمٌ ممَّا أدخلت على نفسك من المشقَّة في أمر الصُّلح ورجوعهم بغير فتحٍ، ويحتمل أنَّها فهمت من الصَّحابة أنَّه احتمل عندهم أن يكون النبيُّ ﷺ أمرهم بالتَّحلُّل أخذًا بالرُّخصة في حقِّهم، وأنَّه هو (١) يستمرُّ على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حقِّ نفسه، فأشارت عليه أن يتحلَّل لينفي عنهم هذا الاحتمال، فقالت: (اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ) بضمِّ الموحَّدة وسكون المهملة (وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ) بنصب الفعل عطفًا على الفعل المنصوب قبله (فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ) ﵇ (فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ) بضمِّ الموحَّدة وسكون الدَّال (٢) المهملة (٣)، وكانوا سبعين بَدَنةً فيها (٤) جملٌ لأبي جهلٍ في رأسه برةٌ من فضَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «هَدْيَه» (وَدَعَا حَالِقَهُ) هو (٥) خِرَاش -بمعجمَتين- ابن أميَّة بن الفضل الخزاعيُّ الكعبيُّ (فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا) هديهم ممتثلين ما أمرهم به؛ إذ لم تبقَ بعد ذلك غايةٌ تُنتظَر (وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا) أي: ازدحامًا، وفيه فضيلة أمِّ سلمة ووفور عقلها، وقد قال إمام الحرمين في «النِّهاية»: قيل: ما أشارت امرأةٌ بصوابٍ إلَّا أمُّ سلمةَ في هذه القضيَّة.
(ثُمَّ جَاءَهُ) ﵇ (نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ) بعد ذلك في أثناء مدة الصُّلح (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾) نصبٌ على الحال (﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾) فاختبروهنَّ بما يغلب على ظنِّكم موافقة قلوبهنَّ (١) (حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]) بما تعتصم (٢) به الكافرات من عقدٍ ونسبٍ، جمعُ عصمةٍ، والمراد: نهي المؤمنين عن (٣) المقام على نكاح المشركات، وبقية الآية: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: إلى أزواجهنَّ الكَفَرة، لقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، أي: ما دفعوا إليهنَّ من المهور، وهذه الآية على رواية: «لا يأتيك منَّا أحدٌ وإن كان على دينك إلَّا رددته» تكون مخصِّصةً للسُّنَّة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السَّلف ناسخةٌ من قبيل نسخ السُّنَّة بالكتاب، أمَّا على رواية: «لا يأتيك منَّا رجلٌ» فلا إشكالَ فيه.
(فَطَلَّقَ عُمَرُ) ﵁ (يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ) قُريبة بنت أبي أميَّة وابنة جرول الخزاعيِّ، كما في الرِّواية التَّالية (٤) [خ¦٢٧٣٣] (كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ) لقوله تعالى في الآية: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقد كان ذلك جائزًا في ابتداء الإسلام (فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا) وهي قُريبة (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ) وفي الرِّواية اللَّاحقة: «وتزوَّج الأخرى أبو جهم» [خ¦٢٧٣٣] (ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ) بفتح الموحَّدة وكسر الصَّاد المهملة (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) بدلٌ من «أبو بصير» ومعنى كونه (٥) من قريش أنَّه منهم بالحلف، وإلَّا فهو ثقفيٌّ، واسمه: عُتْبة -بضمِّ العين المهملة وسكون الفوقيَّة- ابن أَسَيد -بفتح الهمزة على الصَّحيح- ابن جارية -بالجيم- الثَّقفيُّ، حليف بني زهرة وبنو زهرة من قريش (وَهْوَ مُسْلِمٌ) جملة حاليَّة (فَأَرْسَلُوا) أي: قريش (فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ) هما خُنَيس -بخاءٍ معجمةٍ
مضمومةٍ (١) ونونٍ مفتوحةٍ، آخره سينٌ مهملةٌ مصغَّرًا- ابن جابر، وأزهر بن عبد عوف الزُّهري إلى رسول الله ﷺ (فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا) يوم الحديبية أن تردَّ إلينا مَن جاء (٢) منَّا وإن كان على دينك، وسألوه أن يردَّ إليهم أبا بصير، كما وقع في (٣) الصُّلح (فَدَفَعَهُ) ﵇ (إِلَى الرَّجُلَيْنِ) وفاءً بالعهد (فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى بَلَغَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ) في رواية ابن سعد: لخنيس بن جابر، ولابن إسحاق: للعامريِّ: (وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ) أي: أخرج السَّيف صاحبه من غمده (فَقَالَ: أَجَلْ) نعم (وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «به» بدل «منه» أي: بيده (فَضَرَبَهُ) أبو بصيرٍ (حَتَّى بَرَدَ) بفتح الموحَّدة والرَّاء، أي: مات (وَفَرَّ الآخَرُ) (٤) وعند ابن إسحاق: وخرج المولى يشتدُّ، أي: هربًا، وهو مولى خُنَيس، واسمه: كوثر (حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو) بالعين المهملة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا) بضمِّ الذَّال المعجمة وسكون العين المهملة، خوفًا (فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: قُتِلَ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذَرٍّ: «قَتَل» بفتح القاف والتاء، أي: قتل أبو بصيرٍ (وَاللهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ) أي: إن لم تردُّوه عنِّي (فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ) كان
القياس أن يقول: والله قد أوفى الله ذمَّتك، لكنَّ القسم محذوفٌ، والمذكور مؤكِّدٌ له، ولغير أبي ذرٍّ: «إليك ذمَّتك» (قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَيْلُ أُمِّهِ) برفع اللَّام في رواية أبي ذرٍّ، خبر مبتدأٍ محذوفٍ (١) أي: هو ويلٌ لأمِّه، وقطع همزة «أمِّه» وتشديد ميمها مكسورة، وفي نسخةٍ: «ويلُ امِّه» بحذف الهمزة تخفيفًا، وفي أخرى: «ويلَ امِّه» بنصب اللَّام على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ. قال الجوهريُّ: وإذا أضفته فليس فيه إلَّا النَّصب، وفي «اليونينيَّة»: «ويلِ أمِّه» بكسر اللَّام وقطع الهمزة، قال ابن مالكٍ تبعًا للخليل: وي: كلمة تعجُّبٍ، وهي من أسماء الأفعال، واللَّام بعدها مكسورةٌ، ويجوز ضمُّها إتباعًا للهمزة وحذف الهمزة تخفيفًا، وقال الفرَّاء: أصل قولهم: ويل فلان: وي لفلان، أي: حُزنٌ له، فكثر الاستعمال، فألحقوا بها اللَّام فصارت كأنَّها منها، وأعربوها (مِسْعَرَ حَرْبٍ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العين المهملتَين، بالنَّصب على التَّمييز أو الحال، مثل: لله درُّه فارسًا، ولأبي ذَرٍّ: «مسعرُ» بالرَّفع، أي: هو مسعر، و «حربٍ»: مجرورٌ بالإضافة، وأصل «ويل»: دعاءٌ عليه، واستُعمِل هنا للتَّعجُّب من إقدامه في الحرب والإيقاد لنارها وسرعة النُّهوض لها (لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ) ينصره لإسعار الحرب، لأثار الفتنة وأفسد الصُّلح (فَلَمَّا سَمِعَ) أبو بصيرٍ (ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ) ﵇ (سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ) بكسر السِّين المهملة وسكون التَّحتيَّة، وبعدها (٢) فاءٌ، أي: ساحله في موضعٍ يُسمَّى العِيْص -بكسر العين المهملة وسكون التَّحتيَّة، آخره صادٌ مهملةٌ- على طريق أهل مكَّة إذا قصدوا الشام (قَالَ: وَيَنْفَلِتُ) بالفاء والمثنَّاة الفوقيَّة، أي: ويتخلَّص (مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ) أي: من أبيه وأهله من مكَّة، وعبَّر بصيغة الاستقبال إشارة إلى إرادة مشاهدة الحال؛ على حدِّ قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ (٣) الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] وفي رواية أبي الأسود عن عروة: «وانفلت (٤) أبو جندل في سبعين راكبًا مسلمين» (فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ) بسيف البحر (فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ
أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ) بكسر العين وفتح الموحَّدة (١): جماعةٌ لا واحد لها من لفظها، وهي تُطلَق على الأربعين فما دونها، لكن عند ابن إسحاق: أنَّهم بلغوا نحوًا من سبعين، بل جزم بها (٢) عروة في «المغازي» [خ¦٤١٨٠] وزاد: «وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يُعادوا إلى المشركين» وسمَّى الواقديُّ منهم: الوليد بن الوليد بن المغيرة (فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ) بخبر عيرٍ -بكسر العين- قافلةٍ (خَرَجَتْ) من مكَّة (لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا) وقفوا لها في طريقها بالعرض، وذلك كنايةٌ عن منعهم لها من المسير (فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ) أبا سفيان بن حرب (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللهِ وَالرَّحِمِ) تقول (٣) له (٤): سألتك بالله وبحقِّ القرابة، ولأبي ذَرٍّ: «تناشده الله والرَّحمَ» (لَمَّا) بالتشديد، أي: إلَّا (أَرْسَلَ) إلى أبي بصيرٍ وأصحابه بالامتناع عن إيذاء قريشٍ (فَمَنْ أَتَاهُ) منهم مسلمًا (فَهْوَ آمِنٌ) من الردِّ إلى قريش (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ) زاد في رواية أبي الأسود: «فقدموا عليه»، وفيها: «فعلم الَّذين كانوا أشاروا بألَّا يسلِّم أبا جندل إلى أبيه أنَّ طاعة رسول الله ﷺ خيرٌ ممَّا كرهوا» (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾) أي: أيدي كفَّار مكَّة (﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]) أي: أظهركم عليهم (حَتَّى بَلَغَ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾) أي: الَّتي تمنع الإذعان للحقِّ، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾» وقوله: «الحميَّة» من قوله: «حتَّى بلغ الحميَّة (٥)» (وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ) وظاهر قوله: «فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾»: أنَّها نزلت في شأن أبي بصيرٍ، وفيه نظرٌ، والمشهور أنَّها نزلت بسبب القوم الَّذين أرادوا من قريشٍ أن يأخذوا المسلمين غرَّةً، فظفروا بهم، فعفا عنهم النَّبيُّ ﷺ، فنزلت، رواه مسلمٌ وغيره.