«مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٩٠

الحديث رقم ٢٧٩٠ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب درجات المجاهدين في سبيل الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٧٩٠ في صحيح البخاري

«مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ.

إسناد حديث البخاري رقم ٢٧٩٠

٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٧٩٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَذَلَ نَفْسَهُ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُ أُمِّ حَرَامٍ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى اسْتِيفَاءِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ الرِّجَالِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ تَمَنِّي الْغَزْوِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الثَّمَرَةُ الْعُظْمَى الْمَطْلُوبَةُ فِي الْغَزْوِ، وَأُمُّ حَرَامٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ خَالَةُ أَنَسٍ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ، لَكِنْ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ عَنْهُ فَقَالَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ وَهُوَ مُوَافِقُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ أَنَسٍ الَّتِي سَتَأْتِي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ وَبَيَانُ مَنْ وَصَلَهُ.

٤ - بَاب دَرَجَاتِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يُقَالُ هَذِهِ سَبِيلِي، وَهَذَا سَبِيلِي

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: غُزًّا وَاحِدُهَا غَازٍ، ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾: لَهُمْ دَرَجَاتٌ

٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبي : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ - أُرَاهُ قال: وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ.

[الحديث ٢٧٩٠ - طرفه في: ٧٤٢٣]

٢٧٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ قال النبي : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا قَالَا أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ

قَوْلُهُ: (بَابُ دَرَجَاتِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ بَيَانُهَا، وَقَوْلُهُ يُقَالُ هَذِهِ سَبِيلِي أَيْ أَنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْفَرَّاءُ فَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ لِلسَّبِيلِ لِأَنَّهَا قَدْ تُؤَنَّثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهَا سَبِيلًا) انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى (هَذِهِ) إِشَارَةً إِلَى الطَّرِيقَةِ أَيْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ سَبِيلِي فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأْنِيثِ السَّبِيلِ.

قَوْلُهُ: (غُزًّا) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ مَعَ التَّنْوِينِ (وَاحِدُهَا غَازٍ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ قُوَّلٍ وَقَائِلٍ انْتَهَى.

قَوْلُهُ: (هُمْ دَرَجَاتٌ: لَهُمْ دَرَجَاتٌ) هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ: قَوْلُهُ: (هُمْ دَرَجَاتٌ) أَيْ مَنَازِلُ وَمَعْنَاهُ لَهُمْ دَرَجَاتٌ، وَقَالَ

غَيْرُهُ: التَّقْدِيرُ هُمْ ذَوُو دَرَجَاتٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي هِلَالٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ فُلَيْحٍ، وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عَنْ فُلَيْحٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ بَدَلَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ فُلَيْحٍ فِي حَالِ تَحْدِيثِهِ لِأَبِي عَامِرٍ، وَعِنْدَ فُلَيْحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثٌ غَيْرُ هَذَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، فلَعَلَّهُ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى حَدِيثٍ، وَقَدْ نَبَّهَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ فُلَيْحٍ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا شَكَّ فِيهِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ فُلَيْحٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ فُلَيْحٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا ابْنَ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ يُونُسُ: ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ فُلَيْحٌ فَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَلَمْ يَشُكَّ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ فِيهِ. وَلَمْ يَقِفِ ابْنُ حِبَّانَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

وَقَدْ وَافَقَ فُلَيْحًا عَلَى رِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَتِهِ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ: فَقَالَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْهُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَرَجَّحَ رِوَايَةَ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِرِوَايَةِ هِلَالٍ مَعَ أَنَّ بَيْنَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَمُعَاذٍ انْقِطَاعًا.

قَوْلُهُ: (وَصَامَ رَمَضَانَ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ لَمْ يَذْكُرِ الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ. قُلْتُ: بَلْ سَقَطَ ذِكْرُهُ عَلَى أَحَدِ الرُّوَاةِ، فَقَدْ ثَبَتَ الْحَجُّ فِي التِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَقَالَ فِيهِ لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الزَّكَاةَ أَمْ لَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُذْكَرْ لِبَيَانِ الْأَرْكَانِ فَكَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا ذَكَرَ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَكَرِّرُ غَالِبًا، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ لَهُ مَالٌ بِشَرْطِهِ، وَالْحَجُّ فَلَا يَجِبُ إِلَّا مَرَّةً عَلَى التَّرَاخِي.

قَوْلُهُ: (وَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ) فِيهِ تَأْنِيسٌ لِمَنْ حُرِمَ الْجِهَادَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَحْرُومًا مِنَ الْأَجْرِ، بَلْ لَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْتِزَامِ الْفَرَائِضِ مَا يُوَصِّلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنْ قَصَّرَ عَنْ دَرَجَةِ الْمُجَاهِدِينَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ) الَّذِي خَاطَبَهُ بِذَلِكَ هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، أَوْ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَأَصْلُهُ فِي النَّسَائِيِّ لَكِنْ قَالَ فِيهِ فَقُلْنَا.

قَوْلُهُ: (وإِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، أَيْ بَشِّرْهُمْ بِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَلَا تَكْتَفِ بِذَلِكَ بَلْ بَشِّرْهُمْ بِالدَّرَجَاتِ، وَلَا تَقْتَنِعْ بِذَلِكَ بَلْ بَشِّرْهُمْ بِالْفِرْدَوْسِ الَّذِي هُوَ أَعْلَاهَا.

قُلْتُ: لَوْ لَمْ يَرِدِ الْحَدِيثُ إِلَّا كَمَا وَقَعَ هُنَا لَكَانَ مَا قَالَ مُتَّجَهًا، لَكِنْ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ تَعْلِيلٌ لِتَرْكِ الْبِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُخْبِرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ذَرِ النَّاسَ يَعْلَمُونَ، فَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا تُبَشِّرِ النَّاسَ بِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ الْأَعْمَالَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ فَيَقِفُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِالْجِهَادِ، وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا كَانَ فِيهِ تَعَقُّبٌ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ: سَوَّى النَّبِيُّ بَيْنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبَيْنَ عَدَمِهِ وَهُوَ الْجُلُوسُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي وُلِدَ الْمَرْءُ فِيهَا، وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّ التَّسْوِيَةَ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا وَإِنَّمَا هِيَ فِي أَصْلِ دُخُولِ الْجَنَّةِ لَا فِي تَفَاوُتِ الدَّرَجَاتِ كَمَا قَرَّرْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَيْسَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَاتٌ أُخْرَى أُعِدَّتْ لِغَيْرِ الْمُجَاهِدِينَ دُونَ دَرَجَةِ الْمُجَاهِدِينَ.

قَوْلُهُ: (كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوحاظيُّ الشَّاميُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، عبد الملك بن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) الفهريِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «قال النَّبيُّ» (: مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ) لم يذكر الزَّكاة والحجَّ، ولعلَّه سقط من أحد رواته، وقد ثبت الحجُّ في التِّرمذيِّ في حديث معاذ بن جبلٍ، وقال فيه: ولا أدري أذكر الزَّكاة أم لا؟ وأيضًا فإنَّ الحديث لم يُذكر لبيان الأركان، فكأنَّ الاقتصار على ما ذُكِرَ إن كان محفوظًا لأنَّه هو المتكرّر غالبًا، وأمَّا الزَّكاة فلا تجب إلَّا على من له مالٌ بشرطه، والحجُّ لا يجب إلَّا مرَّةً على التَّراخي (كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ) بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب (أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا)، وفي نسخةٍ: «في بيته الذي وُلِدَ فيه» وفيه تأنيسٌ لمن حُرِمَ الجهاد، وأنَّه ليس محرومًا من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنَّة وإن قصَّر عن درجة المجاهدين (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) في «التِّرمذيِّ» أنَّ الَّذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبلٍ، وعند الطَّبرانيِّ: وأبو الدَّرداء (أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ) بذلك؟ (قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) قال الطِّيبيُّ (١) وتبعه الكِرمانيُّ: لمَّا سوَّى النَّبيُّ بين الجهاد وبين عدمه، وهو المراد بالجلوس في أرضه الَّتي وُلِدَ فيها في دخول المؤمن بالله ورسوله المقيم للصَّلاة الصَّائم

لرمضان في الجنَّة (١)، استدرك قوله الأوَّل بقوله الثَّاني: «إنَّ في الجنَّة مئة درجةٍ … » إلى آخره، وتُعقِّبَ: بأنَّ التَّسوية ليست على عمومها، وإنَّما هي في أصل دخول الجنَّة لا في تفاوت الدَّرجات كما مرَّ، وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي: بشِّرهم بدخول الجنَّة بالإيمان والصَّوم والصَّلاة ولا تكتفِ بذلك، بل زد (٢) على تلك البشارة بشارةً أخرى، وهي الفوز بدرجات الشُّهداء فضلًا من الله، ولا تقنعْ بذلك أيضًا، بل بشِّرهم بالفردوس الَّذي هو أعلى، وتعقَّبه في «فتح الباري»، فقال: لو لم يرد الحديث إلَّا كما وقع هنا لكان ما قال متَّجهًا، لكنْ ورد في الحديث زيادةٌ دلَّت على (٣) أنَّ قوله: «إنَّ (٤) في الجنَّة مئة درجةٍ» تعليلٌ لتلك البشارة المذكورة، فعند التِّرمذيِّ من رواية معاذٍ: قلت: يا رسول الله، ألا أخبر النَّاس؟ قال: «ذرِ النَّاس يعملون فإن في الجنَّة مئة درجةٍ» فظهر أنَّ المراد: لا تبشِّر النَّاس بما ذكرته من دخول الجنَّة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه فيقفوا عند ذلك، ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدَّرجات الَّتي تحصل بالجهاد، وهذه هي النُّكتة في قوله: «أعدَّها الله للمجاهدين» وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ قوله: «لكن وردت في الحديث زيادةٌ … » إلى (٥) آخره، غيرُ مسلَّمٍ، لأنَّ الزِّيادة المذكورة في حديث معاذ بن جبلٍ، وكلام الطِّيبيِّ وغيره في حديث أبي هريرة، وكلُّ واحد من الحديثين مستقلٌّ بذاته والرَّاوي مختلف، فكيف يكون ما في حديث معاذٍ تعليلًا لما في حديث أبي هريرة، على (٦) أنَّ حديث معاذٍ لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه، فإنَّ عطاء بن يسار لم يدرك معاذًا. انتهى. وهذا الَّذي قاله العينيُّ ليس مانعًا ممَّا ذكره

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَذَلَ نَفْسَهُ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُ أُمِّ حَرَامٍ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى اسْتِيفَاءِ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ الرِّجَالِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَأَغْرَبَ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ تَمَنِّي الْغَزْوِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الثَّمَرَةُ الْعُظْمَى الْمَطْلُوبَةُ فِي الْغَزْوِ، وَأُمُّ حَرَامٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هِيَ خَالَةُ أَنَسٍ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ، لَكِنْ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ عَنْهُ فَقَالَ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ وَهُوَ مُوَافِقُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ أَنَسٍ الَّتِي سَتَأْتِي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ وَبَيَانُ مَنْ وَصَلَهُ.

٤ - بَاب دَرَجَاتِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يُقَالُ هَذِهِ سَبِيلِي، وَهَذَا سَبِيلِي

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: غُزًّا وَاحِدُهَا غَازٍ، ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾: لَهُمْ دَرَجَاتٌ

٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النبي : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ - أُرَاهُ قال: وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ.

[الحديث ٢٧٩٠ - طرفه في: ٧٤٢٣]

٢٧٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ قال النبي : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا قَالَا أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ

قَوْلُهُ: (بَابُ دَرَجَاتِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ بَيَانُهَا، وَقَوْلُهُ يُقَالُ هَذِهِ سَبِيلِي أَيْ أَنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْفَرَّاءُ فَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ لِلسَّبِيلِ لِأَنَّهَا قَدْ تُؤَنَّثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهَا سَبِيلًا) انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى (هَذِهِ) إِشَارَةً إِلَى الطَّرِيقَةِ أَيْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ سَبِيلِي فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأْنِيثِ السَّبِيلِ.

قَوْلُهُ: (غُزًّا) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ مَعَ التَّنْوِينِ (وَاحِدُهَا غَازٍ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ قُوَّلٍ وَقَائِلٍ انْتَهَى.

قَوْلُهُ: (هُمْ دَرَجَاتٌ: لَهُمْ دَرَجَاتٌ) هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ: قَوْلُهُ: (هُمْ دَرَجَاتٌ) أَيْ مَنَازِلُ وَمَعْنَاهُ لَهُمْ دَرَجَاتٌ، وَقَالَ

غَيْرُهُ: التَّقْدِيرُ هُمْ ذَوُو دَرَجَاتٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنِي هِلَالٌ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْ فُلَيْحٍ، وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عَنْ فُلَيْحٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ بَدَلَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْ فُلَيْحٍ فِي حَالِ تَحْدِيثِهِ لِأَبِي عَامِرٍ، وَعِنْدَ فُلَيْحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثٌ غَيْرُ هَذَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، فلَعَلَّهُ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى حَدِيثٍ، وَقَدْ نَبَّهَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ فُلَيْحٍ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا شَكَّ فِيهِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ فُلَيْحٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ فُلَيْحٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا ابْنَ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ يُونُسُ: ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ فُلَيْحٌ فَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَلَمْ يَشُكَّ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ فِيهِ. وَلَمْ يَقِفِ ابْنُ حِبَّانَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ، وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

وَقَدْ وَافَقَ فُلَيْحًا عَلَى رِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَتِهِ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ: فَقَالَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْهُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَرَجَّحَ رِوَايَةَ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِرِوَايَةِ هِلَالٍ مَعَ أَنَّ بَيْنَ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَمُعَاذٍ انْقِطَاعًا.

قَوْلُهُ: (وَصَامَ رَمَضَانَ إِلَخْ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ لَمْ يَذْكُرِ الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ. قُلْتُ: بَلْ سَقَطَ ذِكْرُهُ عَلَى أَحَدِ الرُّوَاةِ، فَقَدْ ثَبَتَ الْحَجُّ فِي التِّرْمِذِيِّ فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَقَالَ فِيهِ لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الزَّكَاةَ أَمْ لَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُذْكَرْ لِبَيَانِ الْأَرْكَانِ فَكَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا ذَكَرَ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَكَرِّرُ غَالِبًا، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ لَهُ مَالٌ بِشَرْطِهِ، وَالْحَجُّ فَلَا يَجِبُ إِلَّا مَرَّةً عَلَى التَّرَاخِي.

قَوْلُهُ: (وَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ) فِيهِ تَأْنِيسٌ لِمَنْ حُرِمَ الْجِهَادَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَحْرُومًا مِنَ الْأَجْرِ، بَلْ لَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْتِزَامِ الْفَرَائِضِ مَا يُوَصِّلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنْ قَصَّرَ عَنْ دَرَجَةِ الْمُجَاهِدِينَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ) الَّذِي خَاطَبَهُ بِذَلِكَ هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، أَوْ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَأَصْلُهُ فِي النَّسَائِيِّ لَكِنْ قَالَ فِيهِ فَقُلْنَا.

قَوْلُهُ: (وإِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، أَيْ بَشِّرْهُمْ بِدُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَلَا تَكْتَفِ بِذَلِكَ بَلْ بَشِّرْهُمْ بِالدَّرَجَاتِ، وَلَا تَقْتَنِعْ بِذَلِكَ بَلْ بَشِّرْهُمْ بِالْفِرْدَوْسِ الَّذِي هُوَ أَعْلَاهَا.

قُلْتُ: لَوْ لَمْ يَرِدِ الْحَدِيثُ إِلَّا كَمَا وَقَعَ هُنَا لَكَانَ مَا قَالَ مُتَّجَهًا، لَكِنْ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ تَعْلِيلٌ لِتَرْكِ الْبِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُخْبِرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ذَرِ النَّاسَ يَعْلَمُونَ، فَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا تُبَشِّرِ النَّاسَ بِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ الْأَعْمَالَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ فَيَقِفُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَجَاوَزُوهُ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ بِالْجِهَادِ، وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا كَانَ فِيهِ تَعَقُّبٌ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ: سَوَّى النَّبِيُّ بَيْنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبَيْنَ عَدَمِهِ وَهُوَ الْجُلُوسُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي وُلِدَ الْمَرْءُ فِيهَا، وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ أَنَّ التَّسْوِيَةَ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا وَإِنَّمَا هِيَ فِي أَصْلِ دُخُولِ الْجَنَّةِ لَا فِي تَفَاوُتِ الدَّرَجَاتِ كَمَا قَرَّرْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَيْسَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَاتٌ أُخْرَى أُعِدَّتْ لِغَيْرِ الْمُجَاهِدِينَ دُونَ دَرَجَةِ الْمُجَاهِدِينَ.

قَوْلُهُ: (كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِائَةُ عَامٍ وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوحاظيُّ الشَّاميُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، عبد الملك بن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) الفهريِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «قال النَّبيُّ» (: مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ) لم يذكر الزَّكاة والحجَّ، ولعلَّه سقط من أحد رواته، وقد ثبت الحجُّ في التِّرمذيِّ في حديث معاذ بن جبلٍ، وقال فيه: ولا أدري أذكر الزَّكاة أم لا؟ وأيضًا فإنَّ الحديث لم يُذكر لبيان الأركان، فكأنَّ الاقتصار على ما ذُكِرَ إن كان محفوظًا لأنَّه هو المتكرّر غالبًا، وأمَّا الزَّكاة فلا تجب إلَّا على من له مالٌ بشرطه، والحجُّ لا يجب إلَّا مرَّةً على التَّراخي (كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ) بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب (أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا)، وفي نسخةٍ: «في بيته الذي وُلِدَ فيه» وفيه تأنيسٌ لمن حُرِمَ الجهاد، وأنَّه ليس محرومًا من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنَّة وإن قصَّر عن درجة المجاهدين (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) في «التِّرمذيِّ» أنَّ الَّذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبلٍ، وعند الطَّبرانيِّ: وأبو الدَّرداء (أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ) بذلك؟ (قَالَ: إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) قال الطِّيبيُّ (١) وتبعه الكِرمانيُّ: لمَّا سوَّى النَّبيُّ بين الجهاد وبين عدمه، وهو المراد بالجلوس في أرضه الَّتي وُلِدَ فيها في دخول المؤمن بالله ورسوله المقيم للصَّلاة الصَّائم

لرمضان في الجنَّة (١)، استدرك قوله الأوَّل بقوله الثَّاني: «إنَّ في الجنَّة مئة درجةٍ … » إلى آخره، وتُعقِّبَ: بأنَّ التَّسوية ليست على عمومها، وإنَّما هي في أصل دخول الجنَّة لا في تفاوت الدَّرجات كما مرَّ، وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي: بشِّرهم بدخول الجنَّة بالإيمان والصَّوم والصَّلاة ولا تكتفِ بذلك، بل زد (٢) على تلك البشارة بشارةً أخرى، وهي الفوز بدرجات الشُّهداء فضلًا من الله، ولا تقنعْ بذلك أيضًا، بل بشِّرهم بالفردوس الَّذي هو أعلى، وتعقَّبه في «فتح الباري»، فقال: لو لم يرد الحديث إلَّا كما وقع هنا لكان ما قال متَّجهًا، لكنْ ورد في الحديث زيادةٌ دلَّت على (٣) أنَّ قوله: «إنَّ (٤) في الجنَّة مئة درجةٍ» تعليلٌ لتلك البشارة المذكورة، فعند التِّرمذيِّ من رواية معاذٍ: قلت: يا رسول الله، ألا أخبر النَّاس؟ قال: «ذرِ النَّاس يعملون فإن في الجنَّة مئة درجةٍ» فظهر أنَّ المراد: لا تبشِّر النَّاس بما ذكرته من دخول الجنَّة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه فيقفوا عند ذلك، ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدَّرجات الَّتي تحصل بالجهاد، وهذه هي النُّكتة في قوله: «أعدَّها الله للمجاهدين» وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ قوله: «لكن وردت في الحديث زيادةٌ … » إلى (٥) آخره، غيرُ مسلَّمٍ، لأنَّ الزِّيادة المذكورة في حديث معاذ بن جبلٍ، وكلام الطِّيبيِّ وغيره في حديث أبي هريرة، وكلُّ واحد من الحديثين مستقلٌّ بذاته والرَّاوي مختلف، فكيف يكون ما في حديث معاذٍ تعليلًا لما في حديث أبي هريرة، على (٦) أنَّ حديث معاذٍ لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه، فإنَّ عطاء بن يسار لم يدرك معاذًا. انتهى. وهذا الَّذي قاله العينيُّ ليس مانعًا ممَّا ذكره

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله