«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٨٨

الحديث رقم ٢٧٨٨ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء بالجهاد والشهادة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان…

«كَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ: مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ. شَكَّ إِسْحَاقُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ. كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.»

سند حديث: ٢٧٨٨ - ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ…

٢٧٨٨ - ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان…

كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وكانت أم حرام زوجة عبادة بن الصامت، وخالة للنبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع، فدخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام فأعطته طعامًا، وجعلت تنظف رأسه صلى الله عليه وسلم، فنام النبي عليه الصلاة والسلام ثم استيقظ وهو يضحك، فسألته: ما الذي يضحكك يا رسول الله؟ قال: جماعة من أمتي أظهر الله تعالى لي صورهم وهم يغزون في سبيل الله، يركبون السفن التي تجري على ظهر هذا البحر، هم ملوك على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، قالت: يا رسول الله، ادع الله أن أكون منهم، فدعا عليه الصلاة والسلام ثم وضع رأسه ونام، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما الذي يضحكك يا رسول الله؟ فقال مثل ما قال في الأول، قالت: يا رسول الله، ادع الله أن أكون منهم، قال: أنت من الأولين، فركبت أم حرام البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان، فسقطت عن ظهر دابتها حين خرجت من البحر فماتت.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز دخول الرجل على محرمه وملامسته إياها والخلوة بها، والنوم عندها.
  • إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها.
  • نوم القائلة، لأنه يعين البدن لقيام الليل.
  • جواز الضحك عند الفرح، لأنه صلى الله عليه وسلم ضحك فرحًا وسرورًا بكون أمته تبقى بعده متظاهرين.
  • جواز ركوب البحر للغزو.
  • إباحة الجهاد للنساء في البحر.
  • تمني الغزو والشهادة حيث قالت أم حرام: ادع الله أن يجعلني منهم.
  • الحديث من أعلام نبوته وذلك أنه أخبر فيه بضروب الغيب قبل وقوعها.
  • أن من مات في طريق الجهاد من غير مباشرة ومشاهدة، له من الأجر مثل ما للمباشر، وكانت النساء إذا غزون يسقين الماء ويداوين الجرحى ويصنعن لهم طعامهم وما يصلحهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِسِيَاقِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِلتَّعْبِيرِ بِثُلُثَيِ الْأَجْرِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حِكْمَةً لَطِيفَةً بَالِغَةً وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ ثَلَاثَ كَرَامَاتٍ: دُنْيَوِيَّتَانِ وَأُخْرَوِيَّةٌ، فَالدُّنْيَوِيَّتَانِ السَّلَامَةُ وَالْغَنِيمَةُ وَالْأُخْرَوِيَّةُ دُخُولُ الْجَنَّةِ، فَإِذَا رَجَعَ سَالِمًا غَانِمًا فَقَدْ حَصَلَ لَهُ ثُلُثَا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ وَبَقِيَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الثُّلُثُ، وَإِنْ رَجَعَ بِغَيْرِ غَنِيمَةٍ عَوَّضَهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثَوَابًا فِي مُقَابَلَةِ مَا فَاتَهُ، وَكَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمُجَاهِدِ: إِذَا فَاتَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا عَوَّضْتُكَ عَنْهُ ثَوَابًا. وَأَمَّا الثَّوَابُ الْمُخْتَصُّ بِالْجِهَادِ فَهُوَ حَاصِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ مَعًا، قَالَ: وَغَايَةُ مَا فِيهِ عَدُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّعْمَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّتَيْنِ أَجْرًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْفَضَائِلَ لَا تُدْرَكُ دَائِمًا بِالْقِيَاسِ، بَلْ هِيَ بِفَضْلِ اللَّهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ التَّمْثِيلِ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الثَّوَابَ لِأَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣ - بَاب الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ

وَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي بَلَدِ رَسُولِكَ

٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ - أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ شَكَّ إِسْحَاقُ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ - كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.

[الحديث ٢٧٨٨ - أطرفه في: ٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١]

[الحديث ٢٧٨٩ - أطرافه في: ٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٢٩٢٤، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: وَجْهُ دُخُولِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي الْفِقْهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الدُّعَاءِ بِالشَّهَادَةِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ نَصْرِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِعَانَةَ مَنْ يَعْصِي اللَّهَ عَلَى مَنْ يُطِيعُهُ، لَكِنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ إِنَّمَا هُوَ حُصُولُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى حُصُولِ الشَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُودِ، فَاغْتُفِرَ حُصُولُ الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى مِنْ دَفْعِ الْكُفَّارِ وَإِذْلَالِهِمْ وَقَهْرِهِمْ بِقَصْدِ قَتْلِهِمْ بِحُصُولِ مَا يَقَعُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَازَ تَمَنِّي الشَّهَادَةَ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ صِدْقِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ حَتَّى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٨٨ - ٢٧٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) بفتح الحاء والرَّاء المهملتَين (١) (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللَّام وبالحاء المهملة، وبعد الألف نون، وهي أخت أمِّ سُليمٍ وخالة أنسِ بن مالكٍ (فَتُطْعِمُهُ) ممَّا في بيتها من الطَّعام (وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريِّ، أي: زوجًا له (فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ) يومًا (٢) (فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وإسكان الفاء وكسر اللَّام، من: فَلَى يَفلِي من باب: ضرَب يضرِب، يعني: تفتِّش شعر رأسه لتستخرج هوامَّه، وإنَّما كانت تفلي رأسه لأنَّها كانت منه ذات محرم من قِبَل خالاته، لأنَّ أمَّ عبد المطلب كانت من بني النَّجَّار، وقيل: كانت إحدى خالاته من الرَّضاعة. قال ابن عبد البر: فأيّ ذلك كان فأمُّ حَرام محرمٌ منه. ونقل النووي الإجماع على ذلك قال: وإنما اختلفوا هل ذلك من النسب أو الرَّضاع، وصوَّبَ بعضهم: أنَّه لا محرَّميَّة بينهما كما بيَّنه الحافظ الدِّمياطيُّ في جزءٍ أفرده لذلك وقال: وليس في الحديث ما يدلُّ على الخلوة بها فلعلَّ ذلك كان مع ولدٍ أو زوجٍ أو خادمٍ أو تابعٍ، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم، لا سيَّما إذا كنَّ مسنَّاتٍ مع ما ثبت له من العصمة، أو هو من خصائصه (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ) عندها (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ) فرحًا وسرورًا لكون أمَّته تبقى بعده (٣) متظاهرةً أمور (٤) الإسلام قائمةً بالجهاد حتَّى في البحر، والجملة حاليَّةٌ (قَالَتْ) أمُّ حرامٍ: (فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ) حال كونهم (غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ) بمثلَّثةٍ فموحَّدةٍ مفتوحَتين فجيم، وسطه أو معظمه أو هوله، أقوالٌ (مُلُوكًا) نُصِبَ بنزع الخافض، أي: مثل ملوك (عَلَى الأَسِرَّةِ) أي: في الجنَّة كما قاله ابن عبد البرِّ، قال النووي (١): والأصحُّ أنَّه صفة لهم في الدُّنيا، أي: يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم (أَوْ) قال: (مِثْلُ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، شَكَّ إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ) وهذا (٢) ظاهرٌ فيما ترجم له المؤلِّف في حقِّ النِّساء، ويُؤخَذ منه (٣) حكم الرِّجال بطريق الأَولى، ولا يقال: لا مطابقةَ بينهما لأنَّه ليس في الحديث تمنِّي الشَّهادة وإنَّما فيه تمنِّي الغزو. ولأنَّ الشَّهادة هي الثَّمرة العظمى المطلوبة في الغزو، واستشكل الدُّعاء بالشَّهادة، إذ حاصله أن يدعو الله تعالى أن يمكِّن منه كافرًا يعصي الله بقتله، فيقلَّ عدد المسلمين ويدخلَ السُّرورُ على قلوب المشركين، ومقتضى القواعد الفقهيَّة ألَّا يتمنَّى معصية الله لنفسه ولا لغيره. وأجاب ابن المُنَيِّر: بأنَّ المدعوَّ به قصدًا إنَّما هو (٤) نيل الدَّرجة الرَّفيعة المعدَّة للشُّهداء، وأمَّا قتل الكافر للمسلم فليس بمقصودٍ للدَّاعي، وإنَّما هو من ضرورات الوجود؛ لأنَّ الله قد (٥) أجرى حكمه ألَّا ينال تلك الدَّرجة إلَّا شهيدٌ (ثُمَّ وَضَعَ) (رَأْسَهُ) الشَّريفة (٦) ثانيًا فنام (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) وسقطت الواو من قوله: «وما» لأبي ذرٍّ (قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ) حال كونهم (غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ) قيل: أي: يركبون البحر (٧) (كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ) ملوكًا على الأسرَّة، ولأبي ذرٍّ: «في الأولى» بالتَّأنيث (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) الَّذين يركبون ثبج

البحر (فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَنِ (١) مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) مع زوجها في أوَّل غزوةٍ كانت إلى الرُّوم مع معاوية زمنَ عثمان بن عفَّان سنة ثمانٍ وعشرين، وهذا قول أكثر أهل السِّيَر. وقال البخاريُّ ومسلمٌ: في زمان معاوية، فعلى الأوَّل يكون المراد: زمان غزو معاوية في البحر لا زمان خلافته (فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ) في الطَّريق لمَّا رجعوا من غزوهم بغير مباشرةٍ للقتال، وقد قال : «مَن قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيدٌ، ومَن مات في سبيل الله فهو شهيدٌ» رواه مسلمٌ. وروى أبو داود من حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ مرفوعًا: «مَن وَقَصَتْهُ فرسه أو بعيره، أو لدغته هامَّةٌ أو مات على فراشه فهو شهيدٌ». وقال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].

وحديث الباب أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٠]، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، والله أعلم.

(٤) (بابُ دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ. يُقَالُ: هَذِهِ سَبِيلِي، وَهَذَا سَبِيلِي) يريد المؤلِّف أنَّ السَّبيل يُؤنَّث ويُذكَّر، وبذلك جزم الفرَّاء (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]) بضمِّ المعجمة وتشديد الزَّاي (واحِدُها: غازٍ ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣]) أي: (لهم درجاتٌ) أي: منازل، قاله أبو عُبيدة، وقال غيره: أي: هم ذوو (٢) درجاتٍ، وثبت (٣) قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِسِيَاقِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِلتَّعْبِيرِ بِثُلُثَيِ الْأَجْرِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حِكْمَةً لَطِيفَةً بَالِغَةً وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُجَاهِدِينَ ثَلَاثَ كَرَامَاتٍ: دُنْيَوِيَّتَانِ وَأُخْرَوِيَّةٌ، فَالدُّنْيَوِيَّتَانِ السَّلَامَةُ وَالْغَنِيمَةُ وَالْأُخْرَوِيَّةُ دُخُولُ الْجَنَّةِ، فَإِذَا رَجَعَ سَالِمًا غَانِمًا فَقَدْ حَصَلَ لَهُ ثُلُثَا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ وَبَقِيَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ الثُّلُثُ، وَإِنْ رَجَعَ بِغَيْرِ غَنِيمَةٍ عَوَّضَهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثَوَابًا فِي مُقَابَلَةِ مَا فَاتَهُ، وَكَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمُجَاهِدِ: إِذَا فَاتَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا عَوَّضْتُكَ عَنْهُ ثَوَابًا. وَأَمَّا الثَّوَابُ الْمُخْتَصُّ بِالْجِهَادِ فَهُوَ حَاصِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ مَعًا، قَالَ: وَغَايَةُ مَا فِيهِ عَدُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّعْمَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّتَيْنِ أَجْرًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْفَضَائِلَ لَا تُدْرَكُ دَائِمًا بِالْقِيَاسِ، بَلْ هِيَ بِفَضْلِ اللَّهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ التَّمْثِيلِ فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الثَّوَابَ لِأَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣ - بَاب الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ

وَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي بَلَدِ رَسُولِكَ

٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ - أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ شَكَّ إِسْحَاقُ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ - كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ - قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ. فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.

[الحديث ٢٧٨٨ - أطرفه في: ٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١]

[الحديث ٢٧٨٩ - أطرافه في: ٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٢٩٢٤، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ: وَجْهُ دُخُولِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي الْفِقْهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الدُّعَاءِ بِالشَّهَادَةِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ نَصْرِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِعَانَةَ مَنْ يَعْصِي اللَّهَ عَلَى مَنْ يُطِيعُهُ، لَكِنَّ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ إِنَّمَا هُوَ حُصُولُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى حُصُولِ الشَّهَادَةِ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُودِ، فَاغْتُفِرَ حُصُولُ الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى مِنْ دَفْعِ الْكُفَّارِ وَإِذْلَالِهِمْ وَقَهْرِهِمْ بِقَصْدِ قَتْلِهِمْ بِحُصُولِ مَا يَقَعُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَازَ تَمَنِّي الشَّهَادَةَ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ صِدْقِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ مِنْ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ حَتَّى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٧٨٨ - ٢٧٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام الأعظم (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) بفتح الحاء والرَّاء المهملتَين (١) (بِنْتِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللَّام وبالحاء المهملة، وبعد الألف نون، وهي أخت أمِّ سُليمٍ وخالة أنسِ بن مالكٍ (فَتُطْعِمُهُ) ممَّا في بيتها من الطَّعام (وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) الأنصاريِّ، أي: زوجًا له (فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ) يومًا (٢) (فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وإسكان الفاء وكسر اللَّام، من: فَلَى يَفلِي من باب: ضرَب يضرِب، يعني: تفتِّش شعر رأسه لتستخرج هوامَّه، وإنَّما كانت تفلي رأسه لأنَّها كانت منه ذات محرم من قِبَل خالاته، لأنَّ أمَّ عبد المطلب كانت من بني النَّجَّار، وقيل: كانت إحدى خالاته من الرَّضاعة. قال ابن عبد البر: فأيّ ذلك كان فأمُّ حَرام محرمٌ منه. ونقل النووي الإجماع على ذلك قال: وإنما اختلفوا هل ذلك من النسب أو الرَّضاع، وصوَّبَ بعضهم: أنَّه لا محرَّميَّة بينهما كما بيَّنه الحافظ الدِّمياطيُّ في جزءٍ أفرده لذلك وقال: وليس في الحديث ما يدلُّ على الخلوة بها فلعلَّ ذلك كان مع ولدٍ أو زوجٍ أو خادمٍ أو تابعٍ، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم وأهل الخادم، لا سيَّما إذا كنَّ مسنَّاتٍ مع ما ثبت له من العصمة، أو هو من خصائصه (فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ) عندها (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ) فرحًا وسرورًا لكون أمَّته تبقى بعده (٣) متظاهرةً أمور (٤) الإسلام قائمةً بالجهاد حتَّى في البحر، والجملة حاليَّةٌ (قَالَتْ) أمُّ حرامٍ: (فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ) حال كونهم (غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ) بمثلَّثةٍ فموحَّدةٍ مفتوحَتين فجيم، وسطه أو معظمه أو هوله، أقوالٌ (مُلُوكًا) نُصِبَ بنزع الخافض، أي: مثل ملوك (عَلَى الأَسِرَّةِ) أي: في الجنَّة كما قاله ابن عبد البرِّ، قال النووي (١): والأصحُّ أنَّه صفة لهم في الدُّنيا، أي: يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم واستقامة أمرهم (أَوْ) قال: (مِثْلُ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، شَكَّ إِسْحَاقُ) بن عبد الله بن أبي طلحة (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ) وهذا (٢) ظاهرٌ فيما ترجم له المؤلِّف في حقِّ النِّساء، ويُؤخَذ منه (٣) حكم الرِّجال بطريق الأَولى، ولا يقال: لا مطابقةَ بينهما لأنَّه ليس في الحديث تمنِّي الشَّهادة وإنَّما فيه تمنِّي الغزو. ولأنَّ الشَّهادة هي الثَّمرة العظمى المطلوبة في الغزو، واستشكل الدُّعاء بالشَّهادة، إذ حاصله أن يدعو الله تعالى أن يمكِّن منه كافرًا يعصي الله بقتله، فيقلَّ عدد المسلمين ويدخلَ السُّرورُ على قلوب المشركين، ومقتضى القواعد الفقهيَّة ألَّا يتمنَّى معصية الله لنفسه ولا لغيره. وأجاب ابن المُنَيِّر: بأنَّ المدعوَّ به قصدًا إنَّما هو (٤) نيل الدَّرجة الرَّفيعة المعدَّة للشُّهداء، وأمَّا قتل الكافر للمسلم فليس بمقصودٍ للدَّاعي، وإنَّما هو من ضرورات الوجود؛ لأنَّ الله قد (٥) أجرى حكمه ألَّا ينال تلك الدَّرجة إلَّا شهيدٌ (ثُمَّ وَضَعَ) (رَأْسَهُ) الشَّريفة (٦) ثانيًا فنام (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) وسقطت الواو من قوله: «وما» لأبي ذرٍّ (قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ) حال كونهم (غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ) قيل: أي: يركبون البحر (٧) (كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ) ملوكًا على الأسرَّة، ولأبي ذرٍّ: «في الأولى» بالتَّأنيث (قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) الَّذين يركبون ثبج

البحر (فَرَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَنِ (١) مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) مع زوجها في أوَّل غزوةٍ كانت إلى الرُّوم مع معاوية زمنَ عثمان بن عفَّان سنة ثمانٍ وعشرين، وهذا قول أكثر أهل السِّيَر. وقال البخاريُّ ومسلمٌ: في زمان معاوية، فعلى الأوَّل يكون المراد: زمان غزو معاوية في البحر لا زمان خلافته (فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَتْ) في الطَّريق لمَّا رجعوا من غزوهم بغير مباشرةٍ للقتال، وقد قال : «مَن قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيدٌ، ومَن مات في سبيل الله فهو شهيدٌ» رواه مسلمٌ. وروى أبو داود من حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ مرفوعًا: «مَن وَقَصَتْهُ فرسه أو بعيره، أو لدغته هامَّةٌ أو مات على فراشه فهو شهيدٌ». وقال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].

وحديث الباب أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٠]، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، والله أعلم.

(٤) (بابُ دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ. يُقَالُ: هَذِهِ سَبِيلِي، وَهَذَا سَبِيلِي) يريد المؤلِّف أنَّ السَّبيل يُؤنَّث ويُذكَّر، وبذلك جزم الفرَّاء (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]) بضمِّ المعجمة وتشديد الزَّاي (واحِدُها: غازٍ ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: ١٦٣]) أي: (لهم درجاتٌ) أي: منازل، قاله أبو عُبيدة، وقال غيره: أي: هم ذوو (٢) درجاتٍ، وثبت (٣) قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 67%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر