الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٩٩
الحديث رقم ٢٩٩ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب مباشرة الحائض.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
طُرُقِهِ بِلَفْظِ خَمِيصَةٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَأَصْحَابُ يَحْيَى ثُمَّ أَصْحَابُ هِشَامٍ كُلُّهُمْ قَالُوا: خَمِيلَةٌ بِاللَّامِ بَدَلَ الصَّادِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، قِيلَ: الْخَمِيلَةُ الْقَطِيفَةُ، وَقِيلَ الطِّنْفِسَةُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْخَمِيلَةُ ثَوْبٌ لَهُ خَمْلٌ أَيْ هُدْبٌ، وَعَلَى هَذَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَمِيصَةِ وَالْخَمِيلَةِ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ كِسَاءً أَسْوَدَ لَهَا أَهْدَابٌ.
قَوْلُهُ: (فَانْسَلَلْتُ) بِلَامَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ، أَيْ ذَهَبْتُ فِي خُفْيَةٍ. زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فَخَرَجْتُ مِنْهَا أَيْ مِنَ الْخَمِيصَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ: كَأَنَّهَا خَافَتْ وُصُولَ شَيْءٍ مِنْ دَمِهَا إِلَيْهِ، أَوْ خَافَتْ أَنْ يَطْلُبَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فَذَهَبَتْ لِتَتَأَهَّبَ لِذَلِكَ، أَوْ تَقَذَّرَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تَرْضَهَا لِمُضَاجَعَتِهِ، فَلِذَلِكَ أَذِنَ لَهَا فِي الْعَوْدِ.
قَوْلُهُ: (ثِيَابُ حَيْضَتِي) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا الْحَاءُ وَكَسْرُهَا مَعًا، وَمَعْنَى الْفَتْحِ أَخَذْتُ ثِيَابِي الَّتِي أَلْبَسُهَا زَمَنَ الْحَيْضِ ; لِأَنَّ الْحَيْضَةَ بِالْفَتْحِ هِيَ الْحَيْضُ. وَمَعْنَى الْكَسْرِ أَخَذْتُ ثِيَابِي الَّتِي أَعْدَدْتُهَا لِأَلْبَسَهَا حَالَةَ الْحَيْضِ، وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِرِوَايَةِ الْكَسْرِ وَرَجَّحَهَا النَّوَوِيُّ، وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ رِوَايَةَ الْفَتْحِ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ حَيْضِي بِغَيْرِ تَاءٍ.
قَوْلُهُ: (أَنُفِسْتِ)؟ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ النَّفْسِ وَهُوَ الدَّمُ، إِلَّا أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ بِنَاءِ الْفِعْلِ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَقَالُوا فِي الْحَيْضِ نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّونِ، وَفِي الْوِلَادَةِ بِضَمِّهَا. انْتَهَى، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، لَكِنْ حَكَى أَبُو حَاتِمٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: يُقَالُ نُفِسَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْحَيْضِ وَالْوِلَادَةِ، بِضَمِّ النُّونِ فِيهِمَا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَتِنَا بِالْوَجْهَيْنِ فَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ فِي ثِيَابِهَا، وَالِاضْطِجَاعِ مَعَهَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَاسْتِحْبَابُ اتِّخَاذِ الْمَرْأَةِ ثِيَابًا لِلْحَيْضِ غَيْرَ ثِيَابِهَا الْمُعْتَادَةِ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مُبَاشَرَتِهَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
٥ - بَاب مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ
٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلَانَا جُنُبٌ.
٣٠٠ - وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ.
[الحديث ٣٠٠ - طرفاه في: ٢٠٣٠، ٣٠٢]
٣٠١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
٣٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ الشَّيْبَانِيُّ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ) الْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ هُنَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ، لَا الْجِمَاعُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ إِلَى عَائِشَةِ كُوفِيُّونَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اغْتِسَالِهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَّزِرُ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا،
وَغَيْرِهَا بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ فَأَءتَزِرُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ بِوَزْنِ أَفْتَعِلُ، وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ النُّحَاةِ الْإِدْغَامَ، حَتَّى قَالَ صَاحِبُ الْمُفَصَّلِ: إِنَّهُ خَطَأٌ، لَكِنْ نَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَحَكَاهُ الصَّغَانِيُّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ، وَمِنْهُ قِرَاءَةُ ابْنُ مَحِيصٍ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَشُدُّ إِزَارَهَا عَلَى وَسَطِهَا، وَحَدَّدَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ الْغَالِبِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ قَبْلُ بِبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَرِيمَةَ، وَلِغَيْرِهِمَا الْخَلِيلُ. وَالْإِسْنَادُ أَيْضًا إِلَى عَائِشَةَ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (إِحْدَانَا) أَيْ إِحْدَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَتَّزِرَ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهَا، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ تَأْتَزِرَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَهِيَ أَفْصَحُ.
قَوْلُهُ: (فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَوْرُ الْحَيْضِ أَوَّلُهُ وَمُعْظَمُهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَوْرُ الْحَيْضَةِ مُعْظَمُ صَبِّهَا، مِنْ فَوَرَانِ الْقِدْرِ وَغَلَيَانِهَا.
قَوْلُهُ: (يَمْلِكُ إِرْبَهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، قِيلَ الْمُرَادُ عُضْوُهُ الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهِ، وَقِيلَ حَاجَتُهُ، وَالْحَاجَةُ تُسَمَّى إِرْبًا بِالْكَسْرِ ثُمَّ السُّكُونِ، وَأَرَبًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ رُوِيَ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ، وَأَنْكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ رِوَايَةَ الْكَسْرِ، وَكَذَا أَنْكَرَهَا النَّحَّاسُ. وَقَدْ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ الْكَسْرِ، وَتَوْجِيهُهَا ظَاهِرٌ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَمْلَكَ النَّاسِ لِأَمْرِهِ، فَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ مَا يُخْشَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَنْ يَحُومَ حَوْلَ الْحِمَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يُبَاشِرُ فَوْقَ الْإِزَارِ تَشْرِيعًا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُمْتَنَعُ من الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَائِضِ الْفَرْجُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصَبْغَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا لِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي مُسْلِمٍ: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعِ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْبَابِ وَشَبَهَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. انْتَهَى.
وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى الْجَوَازِ بِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَحْتَ الْإِزَارِ دُونَ الْفَرْجِ لَا تُوجِبُ حَدًّا وَلَا غُسْلًا، فَأَشْبَهَتِ الْمُبَاشَرَةَ فَوْقَ الْإِزَارِ. وَفَصَّلَ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَضْبِطُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ عَنِ الْفَرْجِ وَيَثِقُ مِنْهَا بِاجْتِنَابِهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَاسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيُّ. وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ وَجْهٍ مُفَرِّقٍ بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْحَيْضِ وَمَا بَعْدَهُ لِظَاهِرِ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهَا فَوْرِ حَيْضَتِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّقِي سَوْرَةَ الدَّمِ ثَلَاثًا ثُمَّ يُبَاشِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمُبَاشَرَةِ عَلَى اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ خَالد) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَيْ تَابَعَا عَلِيَّ بْنَ مُسْهِرٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَلِلشَّيْبَانِيِّ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ كَمَا سَيَأْتِي عَقِبَهُ، وَمُتَابَعَةُ خَالِدٍ وَصَلَهَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ عَنْهُ، وَقَدْ أَوْرَدْتُ إِسْنَادَهَا فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ، وَمُتَابَعَةُ جَرِيرٍ وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ. وَهَذَا مِمَّا وَهِمَ فِي اسْتِدْرَاكِهِ لِكَوْنِهِ مُخَرَّجًا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الشَّيْبَانِيِّ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بِسَنَدِهِ هَذَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ. أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٩٩ - ٣٠٠ - ٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وفتح الصَّاد المُهمَلة، ابن عقبة الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ) بالرَّفع عطفًا على الضميرالمرفوع في: «كنت»، والنَّصب على أنَّ الواو بمعنى: «مع» أي: مصاحبةً للنَّبيِّ (ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) حالة كون (١) (كِلَانَا جُنُبٌ) بالتَّوحيد أفصح من التَّثنية.
(وَكَانَ) ﵊، وللأَصيليِّ: «فكان» (يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ) بفتح الهمزة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وأنكره أكثر النُّحاة (٢) وأصله: فائتزر، بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الهمزة المفتوحة ثمَّ المُثنَّاة الفوقيَّة (٣)، بوزن «افتعل»، قال ابن هشامٍ: وعوامُّ المحدِّثين يحرِّفونه فيقرؤونه بألفٍ وتاءٍ مُشدَّدةٍ، ولا وجه له لأنَّه «افتعل» ففاؤه همزةٌ ساكنةٌ بعد همزة المضارعة المفتوحة، وقطع الزَّمخشريُّ بخطأ الإدغام، وقد حاول ابن مالكٍ جوازه، وقال: إنَّه مقصورٌ على السَّماع كـ «اتَّكل»، ومنه قراءة ابن محيصنٍ: (فليؤدِّ الذي اتَّمن) بألف (٤) وصلٍ وتاءٍ مُشدَّدةٍ، وعلى تقدير أن يكون خطأً فهو من الرُّواة عن عائشة، فإن صحَّ عنها كان حجَّةً في الجواز؛ لأنَّها من فصحاء العرب، وحينئذٍ فلا خطأ، نعم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
طُرُقِهِ بِلَفْظِ خَمِيصَةٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَأَصْحَابُ يَحْيَى ثُمَّ أَصْحَابُ هِشَامٍ كُلُّهُمْ قَالُوا: خَمِيلَةٌ بِاللَّامِ بَدَلَ الصَّادِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ، قِيلَ: الْخَمِيلَةُ الْقَطِيفَةُ، وَقِيلَ الطِّنْفِسَةُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْخَمِيلَةُ ثَوْبٌ لَهُ خَمْلٌ أَيْ هُدْبٌ، وَعَلَى هَذَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَمِيصَةِ وَالْخَمِيلَةِ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ كِسَاءً أَسْوَدَ لَهَا أَهْدَابٌ.
قَوْلُهُ: (فَانْسَلَلْتُ) بِلَامَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ، أَيْ ذَهَبْتُ فِي خُفْيَةٍ. زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فَخَرَجْتُ مِنْهَا أَيْ مِنَ الْخَمِيصَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ: كَأَنَّهَا خَافَتْ وُصُولَ شَيْءٍ مِنْ دَمِهَا إِلَيْهِ، أَوْ خَافَتْ أَنْ يَطْلُبَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فَذَهَبَتْ لِتَتَأَهَّبَ لِذَلِكَ، أَوْ تَقَذَّرَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تَرْضَهَا لِمُضَاجَعَتِهِ، فَلِذَلِكَ أَذِنَ لَهَا فِي الْعَوْدِ.
قَوْلُهُ: (ثِيَابُ حَيْضَتِي) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا الْحَاءُ وَكَسْرُهَا مَعًا، وَمَعْنَى الْفَتْحِ أَخَذْتُ ثِيَابِي الَّتِي أَلْبَسُهَا زَمَنَ الْحَيْضِ ; لِأَنَّ الْحَيْضَةَ بِالْفَتْحِ هِيَ الْحَيْضُ. وَمَعْنَى الْكَسْرِ أَخَذْتُ ثِيَابِي الَّتِي أَعْدَدْتُهَا لِأَلْبَسَهَا حَالَةَ الْحَيْضِ، وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِرِوَايَةِ الْكَسْرِ وَرَجَّحَهَا النَّوَوِيُّ، وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ رِوَايَةَ الْفَتْحِ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ حَيْضِي بِغَيْرِ تَاءٍ.
قَوْلُهُ: (أَنُفِسْتِ)؟ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ النَّفْسِ وَهُوَ الدَّمُ، إِلَّا أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ بِنَاءِ الْفِعْلِ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَقَالُوا فِي الْحَيْضِ نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّونِ، وَفِي الْوِلَادَةِ بِضَمِّهَا. انْتَهَى، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، لَكِنْ حَكَى أَبُو حَاتِمٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: يُقَالُ نُفِسَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْحَيْضِ وَالْوِلَادَةِ، بِضَمِّ النُّونِ فِيهِمَا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَتِنَا بِالْوَجْهَيْنِ فَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ فِي ثِيَابِهَا، وَالِاضْطِجَاعِ مَعَهَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَاسْتِحْبَابُ اتِّخَاذِ الْمَرْأَةِ ثِيَابًا لِلْحَيْضِ غَيْرَ ثِيَابِهَا الْمُعْتَادَةِ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مُبَاشَرَتِهَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
٥ - بَاب مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ
٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلَانَا جُنُبٌ.
٣٠٠ - وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ.
[الحديث ٣٠٠ - طرفاه في: ٢٠٣٠، ٣٠٢]
٣٠١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
٣٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ الشَّيْبَانِيُّ -، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ) الْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ هُنَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ، لَا الْجِمَاعُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ إِلَى عَائِشَةِ كُوفِيُّونَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اغْتِسَالِهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَّزِرُ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا،
وَغَيْرِهَا بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَ الْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ فَأَءتَزِرُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ بِوَزْنِ أَفْتَعِلُ، وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ النُّحَاةِ الْإِدْغَامَ، حَتَّى قَالَ صَاحِبُ الْمُفَصَّلِ: إِنَّهُ خَطَأٌ، لَكِنْ نَقَلَ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَحَكَاهُ الصَّغَانِيُّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ، وَمِنْهُ قِرَاءَةُ ابْنُ مَحِيصٍ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَشُدُّ إِزَارَهَا عَلَى وَسَطِهَا، وَحَدَّدَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ الْغَالِبِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ قَبْلُ بِبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَكَرِيمَةَ، وَلِغَيْرِهِمَا الْخَلِيلُ. وَالْإِسْنَادُ أَيْضًا إِلَى عَائِشَةَ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (إِحْدَانَا) أَيْ إِحْدَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَتَّزِرَ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهَا، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ تَأْتَزِرَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَهِيَ أَفْصَحُ.
قَوْلُهُ: (فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَوْرُ الْحَيْضِ أَوَّلُهُ وَمُعْظَمُهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَوْرُ الْحَيْضَةِ مُعْظَمُ صَبِّهَا، مِنْ فَوَرَانِ الْقِدْرِ وَغَلَيَانِهَا.
قَوْلُهُ: (يَمْلِكُ إِرْبَهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، قِيلَ الْمُرَادُ عُضْوُهُ الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهِ، وَقِيلَ حَاجَتُهُ، وَالْحَاجَةُ تُسَمَّى إِرْبًا بِالْكَسْرِ ثُمَّ السُّكُونِ، وَأَرَبًا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ رُوِيَ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ، وَأَنْكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ رِوَايَةَ الْكَسْرِ، وَكَذَا أَنْكَرَهَا النَّحَّاسُ. وَقَدْ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ الْكَسْرِ، وَتَوْجِيهُهَا ظَاهِرٌ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَمْلَكَ النَّاسِ لِأَمْرِهِ، فَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ مَا يُخْشَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَنْ يَحُومَ حَوْلَ الْحِمَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يُبَاشِرُ فَوْقَ الْإِزَارِ تَشْرِيعًا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُمْتَنَعُ من الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَائِضِ الْفَرْجُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصَبْغَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا لِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي مُسْلِمٍ: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعِ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْبَابِ وَشَبَهَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. انْتَهَى.
وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى الْجَوَازِ بِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَحْتَ الْإِزَارِ دُونَ الْفَرْجِ لَا تُوجِبُ حَدًّا وَلَا غُسْلًا، فَأَشْبَهَتِ الْمُبَاشَرَةَ فَوْقَ الْإِزَارِ. وَفَصَّلَ بَعْض الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَضْبِطُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ عَنِ الْفَرْجِ وَيَثِقُ مِنْهَا بِاجْتِنَابِهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَاسْتَحْسَنَهُ النَّوَوِيُّ. وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ وَجْهٍ مُفَرِّقٍ بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْحَيْضِ وَمَا بَعْدَهُ لِظَاهِرِ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهَا فَوْرِ حَيْضَتِهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّقِي سَوْرَةَ الدَّمِ ثَلَاثًا ثُمَّ يُبَاشِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمُبَاشَرَةِ عَلَى اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ خَالد) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَيْ تَابَعَا عَلِيَّ بْنَ مُسْهِرٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَلِلشَّيْبَانِيِّ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ كَمَا سَيَأْتِي عَقِبَهُ، وَمُتَابَعَةُ خَالِدٍ وَصَلَهَا أَبُو الْقَاسِمِ التَّنُوخِيُّ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ عَنْهُ، وَقَدْ أَوْرَدْتُ إِسْنَادَهَا فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ، وَمُتَابَعَةُ جَرِيرٍ وَصَلَهَا أَبُو دَاوُدَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ. وَهَذَا مِمَّا وَهِمَ فِي اسْتِدْرَاكِهِ لِكَوْنِهِ مُخَرَّجًا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الشَّيْبَانِيِّ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بِسَنَدِهِ هَذَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ. أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٩٩ - ٣٠٠ - ٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف وكسر المُوحَّدة وفتح الصَّاد المُهمَلة، ابن عقبة الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المعتمر (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ) بالرَّفع عطفًا على الضميرالمرفوع في: «كنت»، والنَّصب على أنَّ الواو بمعنى: «مع» أي: مصاحبةً للنَّبيِّ (ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) حالة كون (١) (كِلَانَا جُنُبٌ) بالتَّوحيد أفصح من التَّثنية.
(وَكَانَ) ﵊، وللأَصيليِّ: «فكان» (يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ) بفتح الهمزة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، وأنكره أكثر النُّحاة (٢) وأصله: فائتزر، بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الهمزة المفتوحة ثمَّ المُثنَّاة الفوقيَّة (٣)، بوزن «افتعل»، قال ابن هشامٍ: وعوامُّ المحدِّثين يحرِّفونه فيقرؤونه بألفٍ وتاءٍ مُشدَّدةٍ، ولا وجه له لأنَّه «افتعل» ففاؤه همزةٌ ساكنةٌ بعد همزة المضارعة المفتوحة، وقطع الزَّمخشريُّ بخطأ الإدغام، وقد حاول ابن مالكٍ جوازه، وقال: إنَّه مقصورٌ على السَّماع كـ «اتَّكل»، ومنه قراءة ابن محيصنٍ: (فليؤدِّ الذي اتَّمن) بألف (٤) وصلٍ وتاءٍ مُشدَّدةٍ، وعلى تقدير أن يكون خطأً فهو من الرُّواة عن عائشة، فإن صحَّ عنها كان حجَّةً في الجواز؛ لأنَّها من فصحاء العرب، وحينئذٍ فلا خطأ، نعم