الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢٥
الحديث رقم ٣٢٥ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض وما يصدق النساء في الحيض.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ
٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْحَمْلُ أَوِ الْحَيْضُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ذَلِكَ لِتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَلَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ إِذَا كَانَتْ لَهُ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهَا إِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَكْتُمَ حَيْضَهَا، وَلَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا أَنْ تَكْتُمَ حَمْلَهَا.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا تَقُولُ إِنِّي حَائِضٌ وَلَيْسَتْ بِحَائِضٍ، وَلَا لَسْتُ بِحَائِضٍ وَهِيَ حَائِضٌ وَكَذَا فِي الْحَبَلِ. وَمُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْآيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِظْهَارُ، فَلَوْ لَمْ تُصَدَّقْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِلتَّرَدُّدِ فِي سَمَاعِ الشَّعْبِيِّ مِنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شُرَيْحٍ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.
قَوْلُهُ: (أنْ جَاءَتْ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِكَسْرِ النُّونِ.
قَوْلُهُ: (بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا) أَيْ خَوَاصِّهَا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا نَرَى أَنْ يَشْهَدْنَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ، وَقَدْ كَانَ فِي نِسَائِهِنَّ. قُلْتُ: وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ يَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ - هُوَ الشَّعْبِيُّ - قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ تُخَاصِمُ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا فَقَالَتْ: حِضْتُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ، لِشُرَيْحٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: إِنْ جَاءَتْ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ تَزْعُمُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ تَطْهُرُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي جَازَ لَهَا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ عَلِيٌّ: قَالُونُ قَالَ وَقَالُونُ بِلِسَانِ الرُّومِ أَحْسَنْتَ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَشْهَدْنَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِسْمَاعِيلُ رَدَّ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى مُوَافَقَةِ مَذْهَبِهِ، وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ إِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عَادَتُهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (أَقْرَاؤُهَا) وَهُوَ بِالْمَدِّ جَمْعُ قُرْءٍ أَيْ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ (مَا كَانَتْ) أَيْ قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَلَوِ ادَّعَتْ فِي الْعِدَّةِ مَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا لَمْ يُقْبَلْ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) يَعْنِي النَّخَعِيَّ، أَيْ قَالَ بِمَا قَالَ عَطَاءٌ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَهُ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي شَهْرٍ أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثَلَاثَ حِيَضٍ فَذَكَرَ نَحْوَ أَثَرِ شُرَيْحٍ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْبُخَارِيِّ وَبِهِ يَعُودُ عَلَى أَثَرِ شُرَيْحٍ، أَوْ فِي النُّسْخَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَوْ لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ أَقْصَى الْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَأَدْنَى الْحَيْضِ يَوْمٌ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ أَدْنَى وَقْتِ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُعْتَمِرٍ.
٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ) بِفَتْحِ الْيَاءِ جَمْعُ حَيْضَةٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْهَرَوِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ، وَهُوَ حَنَفِيُّ النَّسَبِ لَا الْمَذْهَبِ، وَقِصَّةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى أَمَانَتِهَا وَرَدَّهُ إِلَى عَادَتِهَا، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَنَقَلَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْتَمِعُ أَقَلُّ الطُّهْرِ وَأَقَلُّ الْحَيْضِ مَعًا. فَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ عِنْدَهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: تَنْقَضِي فِي تِسْعَةٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بكسر المُوحَّدة، أي: من خواصِّها (مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ) وأمانته بأن يكون عدلًا، يزعم (أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ شهر» (ثلاثًا صُدِّقَتْ) وفي رواية الدَّارميِّ: أنَّها حاضت ثلاث حيضٍ، تطهر عند كلِّ قرءٍ وتصلِّي، جاز لها، وإلَّا فلا، قال عليٌّ ﵁: قالون، قال: و «قالون» بلسان الرُّوم: أحسنت، وليس عنده لفظة «ببيِّنةٍ» (١)، وطريق علم الشَّاهد بذلك -مع أنَّه أمرٌ باطنيٌّ- القرائنُ والعلامات، بل ذلك ممَّا يشاهده النِّساء فهو ظاهرٌ بالنِّسبة لهنَّ (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنِ ابن جريجٍ عنه: (أَقْرَاؤُهَا) جمع: قُرْءٍ، بضمِّ القاف وفتحها، في زمن العدَّة (مَا كَانَتْ) قبل العدَّة، فلوِ ادَّعت في زمن الطَّلاق أقراءً معدودةً في مدَّةٍ معيَّنةٍ في شهرٍ مثلًا، معتادةً لِمَا ادَّعته فذاك، وإنِ ادَّعت في العدَّة ما (٢) يخالف ما قبلها لم يُقبَل (وَبِهِ) أي: بما قال عطاءٌ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق أيضًا.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ) فاليوم مع ليلته أقلُّه، والخمسة عشر أكثره، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «إلى خمسة عشر» (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان العابد، كان يصلِّي اللَّيل كلَّه بوضوء العشاء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (سَأَلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٣): «قال: سألت»: (ابْنَ سِيرِينَ) محمَّد (عَنِ المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا) أي: طهرها، لا حيضها بقرينة رؤية الدم (بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ).
٣٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم مع المدِّ، عبد الله بن أيُّوب الهرويُّ حنفيُّ النَّسب، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ)
حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ) وفي بعض الأصول: «فقالت» بالفاء التَّفسيريَّة: (إِنِّي أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة (فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ) أي: أترك (الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ) ﵊: (لَا) تدعيها (إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ، وهو يُسمَّى: العاذل، بالذَّال المُعجَمة (وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) ومعنى الاستدراك: لا تتركي الصَّلاة (١) في كلِّ الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة في (٢) قوله: «قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها» فَوَكَلَذلك إلى أمانتها (٣)، وردّه (٤) إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وفيه دلالةٌ على أنَّ فاطمة كانت معتادةً، واختُلِف في أقلِّ الحيض وأقلِّ الطُّهر، فقال الشَّافعيُّ: القرء: الطُّهر، وأقلُّه خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الحيض يومٌ وليلةٌ، فلا تنقضي عدَّتها في أقلّ منِ اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، بأن تُطلَّق وقد (٥) بقيَ من الطُّهر لحظةٌ، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا (٦) ثمَّ ستَّة عشر كذلك، ولا بدَّ من الطَّعن في الحيضة الثَّالثة للتَّحقُّق، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقلُّ الطُّهر وأقلُّ الحيض معًا، فأقلُّ ما تنقضي به العدَّة عنده ستُّون يومًا، وعند مالكٍ: لا حدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأقلِّ الطُّهر إلَّا بما بيَّنته النِّساء.
ورواة هذا الحديث ما بين هرويٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْحَمْلُ أَوِ الْحَيْضُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ذَلِكَ لِتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَلَا يَمْلِكَ الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ إِذَا كَانَتْ لَهُ. وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهَا إِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَكْتُمَ حَيْضَهَا، وَلَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا أَنْ تَكْتُمَ حَمْلَهَا.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا تَقُولُ إِنِّي حَائِضٌ وَلَيْسَتْ بِحَائِضٍ، وَلَا لَسْتُ بِحَائِضٍ وَهِيَ حَائِضٌ وَكَذَا فِي الْحَبَلِ. وَمُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْآيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِظْهَارُ، فَلَوْ لَمْ تُصَدَّقْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِلتَّرَدُّدِ فِي سَمَاعِ الشَّعْبِيِّ مِنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شُرَيْحٍ فَيَكُونُ مَوْصُولًا.
قَوْلُهُ: (أنْ جَاءَتْ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِكَسْرِ النُّونِ.
قَوْلُهُ: (بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا) أَيْ خَوَاصِّهَا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَشْهَدَ النِّسَاءُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا نَرَى أَنْ يَشْهَدْنَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ، وَقَدْ كَانَ فِي نِسَائِهِنَّ. قُلْتُ: وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ يَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ - هُوَ الشَّعْبِيُّ - قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَلِيٍّ تُخَاصِمُ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا فَقَالَتْ: حِضْتُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ، لِشُرَيْحٍ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ هَاهُنَا؟ قَالَ: اقْضِ بَيْنَهُمَا. قَالَ: إِنْ جَاءَتْ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ تَزْعُمُ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ تَطْهُرُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي جَازَ لَهَا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ عَلِيٌّ: قَالُونُ قَالَ وَقَالُونُ بِلِسَانِ الرُّومِ أَحْسَنْتَ. فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَشْهَدْنَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِسْمَاعِيلُ رَدَّ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى مُوَافَقَةِ مَذْهَبِهِ، وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ إِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عَادَتُهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (أَقْرَاؤُهَا) وَهُوَ بِالْمَدِّ جَمْعُ قُرْءٍ أَيْ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ (مَا كَانَتْ) أَيْ قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَلَوِ ادَّعَتْ فِي الْعِدَّةِ مَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا لَمْ يُقْبَلْ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) يَعْنِي النَّخَعِيَّ، أَيْ قَالَ بِمَا قَالَ عَطَاءٌ، وَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَهُ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي شَهْرٍ أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثَلَاثَ حِيَضٍ فَذَكَرَ نَحْوَ أَثَرِ شُرَيْحٍ، وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْبُخَارِيِّ وَبِهِ يَعُودُ عَلَى أَثَرِ شُرَيْحٍ، أَوْ فِي النُّسْخَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَوْ لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ أَقْصَى الْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَأَدْنَى الْحَيْضِ يَوْمٌ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ أَدْنَى وَقْتِ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَ عَشْرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُعْتَمِرٍ.
٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ) بِفَتْحِ الْيَاءِ جَمْعُ حَيْضَةٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ الْهَرَوِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ، وَهُوَ حَنَفِيُّ النَّسَبِ لَا الْمَذْهَبِ، وَقِصَّةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَى أَمَانَتِهَا وَرَدَّهُ إِلَى عَادَتِهَا، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَنَقَلَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْتَمِعُ أَقَلُّ الطُّهْرِ وَأَقَلُّ الْحَيْضِ مَعًا. فَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ عِنْدَهُ سِتُّونَ يَوْمًا، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: تَنْقَضِي فِي تِسْعَةٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بكسر المُوحَّدة، أي: من خواصِّها (مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ) وأمانته بأن يكون عدلًا، يزعم (أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ) ولابن عساكر: «في كلِّ شهر» (ثلاثًا صُدِّقَتْ) وفي رواية الدَّارميِّ: أنَّها حاضت ثلاث حيضٍ، تطهر عند كلِّ قرءٍ وتصلِّي، جاز لها، وإلَّا فلا، قال عليٌّ ﵁: قالون، قال: و «قالون» بلسان الرُّوم: أحسنت، وليس عنده لفظة «ببيِّنةٍ» (١)، وطريق علم الشَّاهد بذلك -مع أنَّه أمرٌ باطنيٌّ- القرائنُ والعلامات، بل ذلك ممَّا يشاهده النِّساء فهو ظاهرٌ بالنِّسبة لهنَّ (وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنِ ابن جريجٍ عنه: (أَقْرَاؤُهَا) جمع: قُرْءٍ، بضمِّ القاف وفتحها، في زمن العدَّة (مَا كَانَتْ) قبل العدَّة، فلوِ ادَّعت في زمن الطَّلاق أقراءً معدودةً في مدَّةٍ معيَّنةٍ في شهرٍ مثلًا، معتادةً لِمَا ادَّعته فذاك، وإنِ ادَّعت في العدَّة ما (٢) يخالف ما قبلها لم يُقبَل (وَبِهِ) أي: بما قال عطاءٌ (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ فيما وصله عبد الرَّزَّاق أيضًا.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ) فاليوم مع ليلته أقلُّه، والخمسة عشر أكثره، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ: «إلى خمسة عشر» (وَقَالَ مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان العابد، كان يصلِّي اللَّيل كلَّه بوضوء العشاء (عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طرخان ممَّا وصله الدَّارميُّ أيضًا: (سَأَلْتُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (٣): «قال: سألت»: (ابْنَ سِيرِينَ) محمَّد (عَنِ المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا) أي: طهرها، لا حيضها بقرينة رؤية الدم (بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ).
٣٢٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ) بفتح الرَّاء وتخفيف الجيم مع المدِّ، عبد الله بن أيُّوب الهرويُّ حنفيُّ النَّسب، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ)
حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂: (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ) وفي بعض الأصول: «فقالت» بالفاء التَّفسيريَّة: (إِنِّي أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة (فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ) أي: أترك (الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ) ﵊: (لَا) تدعيها (إِنَّ ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ، وهو يُسمَّى: العاذل، بالذَّال المُعجَمة (وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي) ومعنى الاستدراك: لا تتركي الصَّلاة (١) في كلِّ الأوقات، لكن اتركيها في مقدار العادة.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة في (٢) قوله: «قدر الأيَّام التي كنت تحيضين فيها» فَوَكَلَذلك إلى أمانتها (٣)، وردّه (٤) إلى عادتها، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وفيه دلالةٌ على أنَّ فاطمة كانت معتادةً، واختُلِف في أقلِّ الحيض وأقلِّ الطُّهر، فقال الشَّافعيُّ: القرء: الطُّهر، وأقلُّه خمسة عشر يومًا، وأقلُّ الحيض يومٌ وليلةٌ، فلا تنقضي عدَّتها في أقلّ منِ اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، بأن تُطلَّق وقد (٥) بقيَ من الطُّهر لحظةٌ، وتحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا (٦) ثمَّ ستَّة عشر كذلك، ولا بدَّ من الطَّعن في الحيضة الثَّالثة للتَّحقُّق، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقلُّ الطُّهر وأقلُّ الحيض معًا، فأقلُّ ما تنقضي به العدَّة عنده ستُّون يومًا، وعند مالكٍ: لا حدَّ لأقلِّ الحيض ولا لأقلِّ الطُّهر إلَّا بما بيَّنته النِّساء.
ورواة هذا الحديث ما بين هرويٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع.