الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢٦
الحديث رقم ٣٢٦ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٧٣⦘
الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا».
بَابُ عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ
٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَثَلَاثِينَ يَوْمًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْءِ الْحَيْضُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقُرْءُ الطُّهْرُ وَأَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَتَنْقَضِي عِنْدَهُ فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقِصَّةِ عَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ الْمُتَقَدِّمَةِ إِذَا حَمَلَ ذِكْرَ الشَّهْرِ فِيهَا عَلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ هُشَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فِيهَا بِلَفْظِ: حَاضَتْ فِي شَهْرِ أَوْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا
٢٥ - بَاب الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ
٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهَا حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا رَأَتِ الصُّفْرَةَ أَوِ الْكُدْرَةَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَعَلَى مَا قَالَتْهُ أُمُّ عَطِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ) هوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَرَوَاهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَنُقِلَ عَنِ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ رَجَّحَ رِوَايَةَ وُهَيْبٍ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ تَصْحِيحِ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ مَعْمَرٍ لَهُ، وَلِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَيُّوبَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنَّ أَيُّوبَ سَمِعَهُ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (كُنَّا لَا نَعُدُّ) أَيْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَبِهَذَا يُعْطَى الْحَدِيثُ حُكْمَ الرَّفْعِ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ تُعَدُّ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحِ الصَّحَابِيُّ بِذِكْرِ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ.
قَوْلُهُ: (الْكُدْرَةُ وَالصُّفْرَةُ) أَيِ الْمَاءُ الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَةُ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ اصْفِرَارٌ.
قَوْلُهُ: (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الْحَيْضِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٦ - بَاب عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ
٣٢٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَمْرَةَ) يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ وَابْنِ عَسَاكِرَ بِحَذْفِ الْوَاوِ، فَصَارَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ الصُّوفِيَّ حَدَّثَهُمْ بِهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ مَعْنٍ، وَالْمَحْفُوظُ إِثْبَاتُ الْوَاوِ، وَأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ شَيْخَيْنِ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ كِلَاهُمَا
عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَحْدَهُ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ وَحْدَهَا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) هِيَ بِنْتُ جَحْشٍ أُخْتُ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، وَقَدْ قِيلَ اسْمُهَا حَبِيبَةُ وَكُنْيَتُهَا أُمُّ حَبِيبٍ بِغَيْرِ هَاءٍ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَتَبِعَهُ الْحَرْبِيُّ وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أُمُّ حَبِيبَةَ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ، وَكَانَتْ زَوْجَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ الْحَدِيثَ، فَقِيلَ هُوَ وَهْمٌ، وَقِيلَ بَلْ صَوَابٌ وَأَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ وَكُنْيَتَهَا أُمُّ حَبِيبَةَ، وَأَمَّا كَوْنُ اسْمِ أُخْتِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنِ اسْمَهَا الْأَصْلِيَّ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ تَغْيِيرَ اسْمِهَا كَانَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَعَلَّهُ ﷺ سَمَّاهَا بِاسْمِ أُخْتِهَا لِكَوْنِ أُخْتِهَا غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْكُنْيَةُ فَأُمِنَ اللَّبْسُ، وَلَهُمَا أُخْتٌ أُخْرَى اسْمُهَا حَمْنَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَهِيَ إِحْدَى الْمُسْتَحَاضَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعَسَّفَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَزَعَمَ أَنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْ بَنَاتِ جَحْشٍ زَيْنَبُ قَالَ: فَأَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، فَاشْتُهِرَتْ بِاسْمِهَا، وَأَمَّا أُمُّ حَبِيبَةَ فَاشْتُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا، وَأَمَّا حَمْنَةُ فَاشْتُهِرَتْ بِلَقَبِهَا، وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنَّ حَمْنَةَ لَقَبٌ. وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْمُوَطَّأُ بِتَسْمِيَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَيْنَبَ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ حَدِيثَ الْبَابِ فَقَالَ أنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
قَوْلُهُ: (اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ) قِيلَ فِيهِ حُجَّةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي إِسْقَاطِهِ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ إِذَا تَرَكَتْهَا ظَانَّةً أَنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْإِعَادَةِ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا سَبْعَ سِنِينَ بَيَانَ مُدَّةِ اسْتِحَاضَتِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ هَلْ كَانَتِ الْمُدَّةُ كُلُّهَا قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ لَا فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَتُصَلِّي وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ، وَهَذَا الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ مُطْلَقٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ، فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهَا بِقَرِينَةٍ؛ فَلِهَذَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَهَا ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، وَكَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ قَالُوا: لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، إِلَّا الْمُتَحَيِّرَةَ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا ﷺ أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، فَإِذَا رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ. وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبِيُّ بِقَوْلِهِ لَهَا هَذَا عِرْقٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ; لِأَنَّ دَمَ الْعِرْقِ لَا يُوجِبُ غُسْلًا.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَدْ طَعَنَ الْحُفَّاظُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّ الْأَثْبَاتَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوهَا، وَقَدْ صَرَّحَ اللَّيْثُ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، هَذِهِ وَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ.
وَقَدْ حَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَحَيِّرَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ لَهَا امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢٥) (بابُ الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ) تراهما المرأة (فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ).
٣٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو (١) ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا) أي: في زمن النَّبيِّ ﷺ مع علمه وتقريره، ولأبي ذَرٍّ: «عن أمِّ عطيَّة كنَّا» (لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا) أي: مِنَ الحيض إذا كان في غير زمن الحيض، أمَّا فيه فهو من الحيض تبعًا، وبه قال سعيد بن المُسَيَّب وعطاءٌ واللَّيث وأبو حنيفة ومحمَّدٌ والشَّافعيُّ وأحمد، وأمَّا الإمام (٢) مالكٌ فيرى أنَّهما (٣) حيضٌ مطلقًا، وأورد عليه حديث أمِّ عطيَّة هذا.
ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٢٦) (بابُ عِرْقِ الاِسْتِحَاضَةِ) بكسر العين وسكون الرَّاء، المُسمَّى بالعاذل.
٣٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزَامِيُّ، بالحاء المُهمَلة المكسورة والزَّايِ المُخفَّفة (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ) هو ابن عيسى القزَّاز (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمة، محمَّد (٤) بن عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزَّهريِّ (عَنْ
عُرْوَةَ) بن الزُّبير (وَعَنْ عَمْرَةَ) عُطِفَ على «عن عروة» أي: ابن شهابٍ يرويه عنها أيضًا، وهي عَمْرَةُ بنت عبد الرَّحمن بن سعدٍ (١) الأنصاريَّة، المُتوفَّاة سنة ثمانٍ وتسعين، ولأبي الوقت وابن عساكر: «عن عروة عن عَمْرَة» بحذف الواوِ، فيكون من رواية عروة عن عمرة، والمحفوظ إثبات الواو (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) بنت جحشٍ زوج عبد الرَّحمن بن عوفٍ، أخت زينب أمِّ المؤمنين (اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ) جمع: سنةٍ، شذوذًا لأنَّ شرط جمع السَّلامة أن يكون مفرده مُذكَّرًا عاقلًا، ويكون (٢) مفتوح الأوَّل، وهذا ليس كذلك (فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أَنْ) أي: بأن (تَغْتَسِلَ) أي: بالاغتسال (فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وأَمْرُها بالاغتسال مُطلَقٌ، فلا يدلُّ على التَّكرار، وإنَّما كانت تغتسل لكلِّ صلاةٍ تطوُّعًا كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ، وإليه ذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكلِّ صلاةٍ إلَّا المتحيِّرة، لكن يجب عليها الوضوء، وما في «مسلمٍ» من قوله (٣): «فأمرها بالغسل لكلِّ صلاةٍ» طعن فيه النُّقاد لأنَّ الأثبات من أصحاب الزُّهريِّ لم يذكروها، نعم ثبتت في «سنن (٤) أبي داود»، فيُحمَلعلى النَّدب جمعًا بين الرِّوايتين، وقد عدَّ المنذريُّ المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ خمسًا: حمنة بنت جحشٍ، وأمَّ حبيبة بنت جحشٍ، وفاطمة بنت أبي حبيشٍ، وسهلة بنت سهيلٍ (٥) القرشيَّة العامريَّة، وسودة بنت زمعة.
ورواة هذا الحديث السَّبعة مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والتَّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود في «الطَّهارة».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الَّتِي كَانَت تحيض من الشَّهْر قبل أَن يُصِيبهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فلتترك الصَّلَاة قدر ذَلِك من الشَّهْر، فَإِذا خلفت ذَلِك فلتغتسل ثمَّ لتستثفر بِثَوْب ثمَّ لتصلي) . وَجَاء أَيْضا فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَ دم الْحَيْضَة فَإِنَّهُ دم أسود يعرف، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة، وَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي، وَصلي، فَإِنَّمَا ذَلِك عرق) . فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ الْأَمر فِيمَن لم تحفظ عدد أَيَّامهَا؟ قلت: هَذِه مَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْفُرُوع، وَهِي أَنَّهَا تحسب من كل شهر عشرَة حَيْضهَا وَيكون الْبَاقِي اسْتِحَاضَة، وَاحْتج الرَّازِيّ لِأَصْحَابِنَا فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قدر الْأَيَّام الَّتِي تحيضين فِيهَا على تَقْدِير أقل الْحيض وَأَكْثَره، لِأَن أقل مَا يتَنَاوَلهُ اسْم الْأَيَّام ثَلَاثَة، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام، لِأَن مَا دون الثَّلَاثَة لَا تسمى أَيَّامًا، ونقول ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى عشرَة أَيَّام، ثمَّ نقُول: أحد عشر يَوْمًا.
٢٥ - (بابُ الصُّفْرَةِ والْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أيَّامِ الْحَيْضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصُّفْرَة والكدرة اللَّتَيْنِ تراهما الْمَرْأَة فِي غير أَيَّام حَيْضهَا، يَعْنِي: لَا يكون حيضا، وألوان الدَّم سِتَّة: السوَاد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والتربية. أما الْحمرَة فَهُوَ اللَّوْن الْأَصْلِيّ للدم إلَاّ عِنْد غَلَبَة السوَاد يضْرب إِلَى السوَاد، وَعند غَلَبَة الصَّفْرَاء يضْرب إِلَى الصُّفْرَة، ويتبين ذَلِك لمن اقتصده، وَأما الصُّفْرَة فَهِيَ من ألوان الدَّم إِذا راق، وَقيل: هِيَ كصفرة الْبيض أَو كصفرة القز. وَفِي (فتاوي قاضيحان) : الصُّفْرَة تكون كلون القز أَو لون الْبُسْر أَو لون التِّبْن، فالسواد والحمرة والصفرة حيض، وَالْمَنْقُول عَن الشَّافِعِي فِي (مُخْتَصر الْمُزنِيّ) : أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي أَيَّام الْحيض حيض. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي ذَلِك على وُجُوه مَذْكُورَة فِي كتبهمْ. وَأما الكدرة فَهِيَ حيض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، سَوَاء رَأَتْ فِي أول أَيَّامهَا أَو فِي آخرهَا، وَهِي لون كلون الصديد يعلوه أصفرار. وَأما الخضرة فقد اخْتلف مَشَايِخنَا فِيهَا، فَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور: إِن رأتها فِي أول الْحيض يكون حيضا. وَإِن رأتها فِي آخر الْحيض واتصل بهَا أَيَّام الْحيض لَا يكون حيضا، وَجُمْهُور الْأَصْحَاب على كَونهَا حيضا كَيفَ مَا كَانَ. وَأما التربية فَهِيَ الَّتِي تكون على لون التُّرَاب، وَهُوَ نوع من الكدرة، فَحكمهَا حكم الكدرة، وَهِي بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيُقَال: الترابية. وَفِي (قاضيخان) : التربية على لون التربة. وَقيل فِيهَا: تربية على وزن تفعلة، من الرؤبة، وَقيل تريبة على وزن فعيلة، وَقيل: تربية بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِغَيْر همزَة.
٣٢٦ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ والصُّفْرَةَ شَيئا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي غير أَيَّام الْحيض لَيْسَ بِشَيْء.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن أبي علية تقدم فِي بَاب حب رَسُول الله من الْإِيمَان. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، قد مر ذكرهَا عَن قريب.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة من رأى أنس بن مَالك عَن الصحابية. وَفِيه: أَنه مَوْقُوف، كَذَا قَالَه ابْن عَسَاكِر، وَلَكِن قَوْلهَا: كُنَّا، يَعْنِي فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي: مَعَ علمه بذلك وَتَقْرِيره إياهن، وَهَذَا فِي حكم الْمَرْفُوع.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن زُرَارَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب بِهِ. وَقَالَ الْمدنِي: رَوَاهُ وهيب عَن أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، قَالَ مُحَمَّد بن يحيى: خبر وهيب أولاهما عندنَا. فَإِن قلت: مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ من تَصْحِيح رِوَايَة إِسْمَاعِيل أرجح لمتابعة معمر لَهُ عَن أَيُّوب، لِأَن إِسْمَاعِيل أحفظ لحَدِيث أَيُّوب من غَيره، وَيجوز أَن يكون أَيُّوب قد سَمعه من مُحَمَّد وَمن حَفْصَة كليهمَا.
ذكر استنباط الْأَحْكَام: يستنبط مِنْهُ أَن الكدرة والصفرة لَا تكون حيضا إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، وَهُوَ معنى قَوْلهَا: (لَا نعد الكدرة والصفرة شَيْئا) أَي: شَيْئا معتدا بِهِ. وَإِنَّمَا قيدنَا بقولنَا: إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، لِأَن المُرَاد من الحَدِيث هَكَذَا. ويوضحه رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أم عَطِيَّة، وَكَانَت بَايَعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: (كُنَّا لَا نعد الكدرة والصفرة بعد
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَثَلَاثِينَ يَوْمًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْءِ الْحَيْضُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقُرْءُ الطُّهْرُ وَأَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَتَنْقَضِي عِنْدَهُ فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقِصَّةِ عَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ الْمُتَقَدِّمَةِ إِذَا حَمَلَ ذِكْرَ الشَّهْرِ فِيهَا عَلَى إِلْغَاءِ الْكَسْرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ هُشَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ فِيهَا بِلَفْظِ: حَاضَتْ فِي شَهْرِ أَوْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا
٢٥ - بَاب الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ
٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهَا حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا رَأَتِ الصُّفْرَةَ أَوِ الْكُدْرَةَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَعَلَى مَا قَالَتْهُ أُمُّ عَطِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ) هوَ ابْنُ سِيرِينَ، وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَرَوَاهُ وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَنُقِلَ عَنِ الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ رَجَّحَ رِوَايَةَ وُهَيْبٍ. وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ تَصْحِيحِ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ مَعْمَرٍ لَهُ، وَلِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَيُّوبَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنَّ أَيُّوبَ سَمِعَهُ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (كُنَّا لَا نَعُدُّ) أَيْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَبِهَذَا يُعْطَى الْحَدِيثُ حُكْمَ الرَّفْعِ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ تُعَدُّ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحِ الصَّحَابِيُّ بِذِكْرِ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ.
قَوْلُهُ: (الْكُدْرَةُ وَالصُّفْرَةُ) أَيِ الْمَاءُ الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَةُ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ اصْفِرَارٌ.
قَوْلُهُ: (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الْحَيْضِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٦ - بَاب عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ
٣٢٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ عَمْرَةَ) يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ وَابْنِ عَسَاكِرَ بِحَذْفِ الْوَاوِ، فَصَارَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ الصُّوفِيَّ حَدَّثَهُمْ بِهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ مَعْنٍ، وَالْمَحْفُوظُ إِثْبَاتُ الْوَاوِ، وَأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ شَيْخَيْنِ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ كِلَاهُمَا
عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ وَحْدَهُ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ وَحْدَهَا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) هِيَ بِنْتُ جَحْشٍ أُخْتُ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا، وَقَدْ قِيلَ اسْمُهَا حَبِيبَةُ وَكُنْيَتُهَا أُمُّ حَبِيبٍ بِغَيْرِ هَاءٍ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَتَبِعَهُ الْحَرْبِيُّ وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أُمُّ حَبِيبَةَ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ، وَكَانَتْ زَوْجَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ الْحَدِيثَ، فَقِيلَ هُوَ وَهْمٌ، وَقِيلَ بَلْ صَوَابٌ وَأَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ وَكُنْيَتَهَا أُمُّ حَبِيبَةَ، وَأَمَّا كَوْنُ اسْمِ أُخْتِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنِ اسْمَهَا الْأَصْلِيَّ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ تَغْيِيرَ اسْمِهَا كَانَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَعَلَّهُ ﷺ سَمَّاهَا بِاسْمِ أُخْتِهَا لِكَوْنِ أُخْتِهَا غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْكُنْيَةُ فَأُمِنَ اللَّبْسُ، وَلَهُمَا أُخْتٌ أُخْرَى اسْمُهَا حَمْنَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ، وَهِيَ إِحْدَى الْمُسْتَحَاضَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَعَسَّفَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَزَعَمَ أَنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْ بَنَاتِ جَحْشٍ زَيْنَبُ قَالَ: فَأَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، فَاشْتُهِرَتْ بِاسْمِهَا، وَأَمَّا أُمُّ حَبِيبَةَ فَاشْتُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا، وَأَمَّا حَمْنَةُ فَاشْتُهِرَتْ بِلَقَبِهَا، وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنَّ حَمْنَةَ لَقَبٌ. وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْمُوَطَّأُ بِتَسْمِيَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَيْنَبَ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ حَدِيثَ الْبَابِ فَقَالَ أنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ.
قَوْلُهُ: (اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ) قِيلَ فِيهِ حُجَّةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي إِسْقَاطِهِ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ إِذَا تَرَكَتْهَا ظَانَّةً أَنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ ; لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْإِعَادَةِ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا سَبْعَ سِنِينَ بَيَانَ مُدَّةِ اسْتِحَاضَتِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ هَلْ كَانَتِ الْمُدَّةُ كُلُّهَا قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ لَا فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَتُصَلِّي وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ، وَهَذَا الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ مُطْلَقٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ، فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهَا بِقَرِينَةٍ؛ فَلِهَذَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا أَمَرَهَا ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، وَكَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ قَالُوا: لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، إِلَّا الْمُتَحَيِّرَةَ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا ﷺ أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، فَإِذَا رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ. وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبِيُّ بِقَوْلِهِ لَهَا هَذَا عِرْقٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ; لِأَنَّ دَمَ الْعِرْقِ لَا يُوجِبُ غُسْلًا.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَدْ طَعَنَ الْحُفَّاظُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّ الْأَثْبَاتَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوهَا، وَقَدْ صَرَّحَ اللَّيْثُ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، هَذِهِ وَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ.
وَقَدْ حَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَحَيِّرَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ لَهَا امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢٥) (بابُ الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ) تراهما المرأة (فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ).
٣٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو (١) ابن سيرين (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا) أي: في زمن النَّبيِّ ﷺ مع علمه وتقريره، ولأبي ذَرٍّ: «عن أمِّ عطيَّة كنَّا» (لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا) أي: مِنَ الحيض إذا كان في غير زمن الحيض، أمَّا فيه فهو من الحيض تبعًا، وبه قال سعيد بن المُسَيَّب وعطاءٌ واللَّيث وأبو حنيفة ومحمَّدٌ والشَّافعيُّ وأحمد، وأمَّا الإمام (٢) مالكٌ فيرى أنَّهما (٣) حيضٌ مطلقًا، وأورد عليه حديث أمِّ عطيَّة هذا.
ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٢٦) (بابُ عِرْقِ الاِسْتِحَاضَةِ) بكسر العين وسكون الرَّاء، المُسمَّى بالعاذل.
٣٢٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحِزَامِيُّ، بالحاء المُهمَلة المكسورة والزَّايِ المُخفَّفة (قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ) هو ابن عيسى القزَّاز (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) بكسر الذَّال المُعجَمة، محمَّد (٤) بن عبد الرَّحمن (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزَّهريِّ (عَنْ
عُرْوَةَ) بن الزُّبير (وَعَنْ عَمْرَةَ) عُطِفَ على «عن عروة» أي: ابن شهابٍ يرويه عنها أيضًا، وهي عَمْرَةُ بنت عبد الرَّحمن بن سعدٍ (١) الأنصاريَّة، المُتوفَّاة سنة ثمانٍ وتسعين، ولأبي الوقت وابن عساكر: «عن عروة عن عَمْرَة» بحذف الواوِ، فيكون من رواية عروة عن عمرة، والمحفوظ إثبات الواو (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) بنت جحشٍ زوج عبد الرَّحمن بن عوفٍ، أخت زينب أمِّ المؤمنين (اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ) جمع: سنةٍ، شذوذًا لأنَّ شرط جمع السَّلامة أن يكون مفرده مُذكَّرًا عاقلًا، ويكون (٢) مفتوح الأوَّل، وهذا ليس كذلك (فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهَا أَنْ) أي: بأن (تَغْتَسِلَ) أي: بالاغتسال (فَقَالَ: هَذَا عِرْقٌ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وأَمْرُها بالاغتسال مُطلَقٌ، فلا يدلُّ على التَّكرار، وإنَّما كانت تغتسل لكلِّ صلاةٍ تطوُّعًا كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ، وإليه ذهب الجمهور، قالوا: لا يجب على المستحاضة الغسل لكلِّ صلاةٍ إلَّا المتحيِّرة، لكن يجب عليها الوضوء، وما في «مسلمٍ» من قوله (٣): «فأمرها بالغسل لكلِّ صلاةٍ» طعن فيه النُّقاد لأنَّ الأثبات من أصحاب الزُّهريِّ لم يذكروها، نعم ثبتت في «سنن (٤) أبي داود»، فيُحمَلعلى النَّدب جمعًا بين الرِّوايتين، وقد عدَّ المنذريُّ المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ خمسًا: حمنة بنت جحشٍ، وأمَّ حبيبة بنت جحشٍ، وفاطمة بنت أبي حبيشٍ، وسهلة بنت سهيلٍ (٥) القرشيَّة العامريَّة، وسودة بنت زمعة.
ورواة هذا الحديث السَّبعة مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ والتَّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود في «الطَّهارة».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الَّتِي كَانَت تحيض من الشَّهْر قبل أَن يُصِيبهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فلتترك الصَّلَاة قدر ذَلِك من الشَّهْر، فَإِذا خلفت ذَلِك فلتغتسل ثمَّ لتستثفر بِثَوْب ثمَّ لتصلي) . وَجَاء أَيْضا فِي حَدِيث فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَ دم الْحَيْضَة فَإِنَّهُ دم أسود يعرف، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة، وَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي، وَصلي، فَإِنَّمَا ذَلِك عرق) . فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ الْأَمر فِيمَن لم تحفظ عدد أَيَّامهَا؟ قلت: هَذِه مَسْأَلَة مَشْهُورَة فِي الْفُرُوع، وَهِي أَنَّهَا تحسب من كل شهر عشرَة حَيْضهَا وَيكون الْبَاقِي اسْتِحَاضَة، وَاحْتج الرَّازِيّ لِأَصْحَابِنَا فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: قدر الْأَيَّام الَّتِي تحيضين فِيهَا على تَقْدِير أقل الْحيض وَأَكْثَره، لِأَن أقل مَا يتَنَاوَلهُ اسْم الْأَيَّام ثَلَاثَة، وَأَكْثَره عشرَة أَيَّام، لِأَن مَا دون الثَّلَاثَة لَا تسمى أَيَّامًا، ونقول ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى عشرَة أَيَّام، ثمَّ نقُول: أحد عشر يَوْمًا.
٢٥ - (بابُ الصُّفْرَةِ والْكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أيَّامِ الْحَيْضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الصُّفْرَة والكدرة اللَّتَيْنِ تراهما الْمَرْأَة فِي غير أَيَّام حَيْضهَا، يَعْنِي: لَا يكون حيضا، وألوان الدَّم سِتَّة: السوَاد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والتربية. أما الْحمرَة فَهُوَ اللَّوْن الْأَصْلِيّ للدم إلَاّ عِنْد غَلَبَة السوَاد يضْرب إِلَى السوَاد، وَعند غَلَبَة الصَّفْرَاء يضْرب إِلَى الصُّفْرَة، ويتبين ذَلِك لمن اقتصده، وَأما الصُّفْرَة فَهِيَ من ألوان الدَّم إِذا راق، وَقيل: هِيَ كصفرة الْبيض أَو كصفرة القز. وَفِي (فتاوي قاضيحان) : الصُّفْرَة تكون كلون القز أَو لون الْبُسْر أَو لون التِّبْن، فالسواد والحمرة والصفرة حيض، وَالْمَنْقُول عَن الشَّافِعِي فِي (مُخْتَصر الْمُزنِيّ) : أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي أَيَّام الْحيض حيض. وَاخْتلف أَصْحَابه فِي ذَلِك على وُجُوه مَذْكُورَة فِي كتبهمْ. وَأما الكدرة فَهِيَ حيض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، سَوَاء رَأَتْ فِي أول أَيَّامهَا أَو فِي آخرهَا، وَهِي لون كلون الصديد يعلوه أصفرار. وَأما الخضرة فقد اخْتلف مَشَايِخنَا فِيهَا، فَقَالَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور: إِن رأتها فِي أول الْحيض يكون حيضا. وَإِن رأتها فِي آخر الْحيض واتصل بهَا أَيَّام الْحيض لَا يكون حيضا، وَجُمْهُور الْأَصْحَاب على كَونهَا حيضا كَيفَ مَا كَانَ. وَأما التربية فَهِيَ الَّتِي تكون على لون التُّرَاب، وَهُوَ نوع من الكدرة، فَحكمهَا حكم الكدرة، وَهِي بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَيُقَال: الترابية. وَفِي (قاضيخان) : التربية على لون التربة. وَقيل فِيهَا: تربية على وزن تفعلة، من الرؤبة، وَقيل تريبة على وزن فعيلة، وَقيل: تربية بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف بِغَيْر همزَة.
٣٢٦ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أمِّ عَطِيَّةَ قالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ والصُّفْرَةَ شَيئا
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي أَن الصُّفْرَة والكدرة فِي غير أَيَّام الْحيض لَيْسَ بِشَيْء.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن أبي علية تقدم فِي بَاب حب رَسُول الله من الْإِيمَان. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. وَقد تكَرر ذكره. الْخَامِس: أم عَطِيَّة، قد مر ذكرهَا عَن قريب.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة من رأى أنس بن مَالك عَن الصحابية. وَفِيه: أَنه مَوْقُوف، كَذَا قَالَه ابْن عَسَاكِر، وَلَكِن قَوْلهَا: كُنَّا، يَعْنِي فِي زمن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي: مَعَ علمه بذلك وَتَقْرِيره إياهن، وَهَذَا فِي حكم الْمَرْفُوع.
ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن مُسَدّد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن زُرَارَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب بِهِ. وَقَالَ الْمدنِي: رَوَاهُ وهيب عَن أَيُّوب عَن حَفْصَة عَن أم عَطِيَّة، قَالَ مُحَمَّد بن يحيى: خبر وهيب أولاهما عندنَا. فَإِن قلت: مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ من تَصْحِيح رِوَايَة إِسْمَاعِيل أرجح لمتابعة معمر لَهُ عَن أَيُّوب، لِأَن إِسْمَاعِيل أحفظ لحَدِيث أَيُّوب من غَيره، وَيجوز أَن يكون أَيُّوب قد سَمعه من مُحَمَّد وَمن حَفْصَة كليهمَا.
ذكر استنباط الْأَحْكَام: يستنبط مِنْهُ أَن الكدرة والصفرة لَا تكون حيضا إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، وَهُوَ معنى قَوْلهَا: (لَا نعد الكدرة والصفرة شَيْئا) أَي: شَيْئا معتدا بِهِ. وَإِنَّمَا قيدنَا بقولنَا: إِذا كَانَت فِي غير أَيَّام الْحيض، لِأَن المُرَاد من الحَدِيث هَكَذَا. ويوضحه رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أم عَطِيَّة، وَكَانَت بَايَعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: (كُنَّا لَا نعد الكدرة والصفرة بعد