الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٦٦
الحديث رقم ٣٦٦ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ مِنَ الْعَوْرَةِ فَالسَّتْرُ بِهِ حَاصِلٌ مَعَ الْقَبَاءِ وَمَعَ الْقَمِيصِ، وَأَمَّا مَعَ الرِّدَاءِ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ. وَرَأَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ انْحِصَارَ الْقِسْمَةِ يَقْتَضِي ذِكْرَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَنَّ السَّتْرَ قَدْ يَحْصُلُ بِهَا إِذَا كَانَ الرِدَاءُ سَابِغًا، وَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَ عُمَرُ مِنَ الْمَلَابِسِ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ لِلْوَسَطِ وَثَلَاثَةٌ لِغَيْرِهِ، فَقَدَّمَ مَلَابِسَ الْوَسَطِ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَقَدَّمَ أَسْتَرَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا اسْتِعْمَالًا لَهُمْ، وَضَمَّ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا يَقُومُ مَقَامُهُ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّ الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ كَانَ لِضِيقِ الْحَالِ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ عِبَارَةَ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَدْ تُفْهِمُ إِثْبَاتَهُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَى عَنِ الْأَئِمَّةِ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ قَالَ: وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ. وَعَنْ أَشْهَبَ فِيمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي السَّرَاوِيلِ مَعَ الْقُدْرَةِ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، إِلَّا إِنْ كَانَ صَفِيقًا. وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ.
(فَائِدَةٌ): رَوَى ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ فَأَدْرَجَ الْمَوْقُوفَ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ، وَرِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ هَذِهِ الْمُفَصَّلَةُ أَصَحُّ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ، وَحَبِيبٍ، وَعَاصِمٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُلَيَّةَ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ وَحَذَفَ الْبَاقِيَ، وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا وَرْسٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ.
وَعَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ.
قَوْلُهُ: (سَأَلَ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ، وَأَخَّرْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ إِلَى مَوْضِعِهِ فِي الْحَجِّ. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ بِدُونِ الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَخِيطِ لِأَمْرِ الْمُحْرِمِ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَكُونَا) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي حَتَّى يَكُونَ بِالْإِفْرَادِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ نَافِعٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَاكَ عَنْ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، فَقَدَّمَ طَرِيقَ نَافِعٍ وَعَطَفَ عَلَيْهَا طَرِيقَ الزُّهْرِيِّ، عَكْسُ مَا هُنَا. وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَعَنْ نَافِعٍ تَعْلِيقٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّجْوِيزَاتِ الْعَقْلِيَّةَ لَا يَلِيقُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
١٠ - بَاب مَا يَسْتُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ
٣٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
صلَّى في إزارٍ وقباءٍ، وكذا الباقي، أي: ليجمع عليه ثيابه ليصلِّ في كذا، لِيُصَلِّ في كذا، ليصلِّ في كذا، الحمل على هذا أَوْلى لثبوته إجماعًا، وحذفُ حرف العطف بابُه الشِّعرُ فقط، وعند بعضٍ وقوعه في الشِّعر مُختلَفٌ فيه، أو أنَّها على سبيل التَّعداد فلا حاجة للعطف.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة.
٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) هو ابن عاصم الواسطيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن، نسبه إلى جدِّه لشُهرته به (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ كما في «الفتح» (رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ) بالفاء التَّفسيريَّة إذ هو نفس «سأل» (١)، وللأَصيليِّ: «قال» (٢): (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ) ﵇: (لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ) بفتح المُوحَّدة (٣)، و «لا» ناهيةٌ فتُكسَر السِّين، أو نافيةٌ فتُضَمُّ (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدة والنُّون: ثوبٌ معروفٌ رأسهُ ملصَقٌ فيه، أو هو قلنسوةٌ طويلةٌ كان النَّاس يلبسونها في صدر الإسلام، والسَّراويل مُفرَدٌ بلفظ الجمع، وجمعه: سراويلاتٌ (وَلَا ثَوْبًا) ويجوز رفعه بتقدير فعل مبنيٍّ للمفعول، أي: ولا يُلبَس ثوبٌ (مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزَّاي والفاء، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «زعفران» (وَلَا وَرْسٌ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره سينٌ (٤) مُهمَلةٌ، نبتٌ أصفرُ باليمن يُصبَغ به (فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى يكون» بالإفراد، أي: كلُّ واحدٍ منهما (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) هو إذنٌ في ذلك لا أمرٌ؛ إذ لا يجب على مَن فقد النَّعلين لُبْس الخفَّين المقطوعين، والمراد هنا من الحديث: أنَّ الصَّلاة تجوز بدون القميص والسَّراويل وغيرهما (١) من المَخيط لأمر المُحْرِم باجتناب ذلك، وهو مأمورٌ بالصَّلاة.
وفي هذا (٢) الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٤] و «الحجِّ» [خ¦١٨٤٢]، وتأتي بقيَّة مباحثه فيه -إن شاء الله تعالى- بعون الله، ثمَّ عطف المؤلِّف قوله: (وَعَنْ نَافِعٍ) على قوله: «عن الزُّهريِّ»، كما قال (٣) الحافظ ابن حجر، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو تعليقٌ، ويحتمل أنَّه عطف على «سالمٍ» فيكون متَّصلًا، وتعقَّبه ابن حجرٍ بأنَّ التَّجويزات العقليَّة لا يليق استعمالها في الأمور النَّقليَّة، فإنَّ المؤلِّف ﵀ أخرج الحديث في آخر «كتاب العلم» [خ¦١٣٤] عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ، فقدَّم طريق نافعٍ، وعطف عليها طريق الزُّهريِّ عكس ما ههنا، وانتصر العينيُّ رحمه الله تعالى للكِرمانيِّ رادًّا على ابن حجر بأنَّه تعليقٌ بالنَّظر إلى ظاهر الصُّورة، مع أنَّ الكِرمانيَّ لم يجزم بذلك، بل قال: ويحتمل أن يكون عطفًا على «سالمٍ»، قال: ولا فرق بين أن يقول (٤) عطفًا على «سالمٍ» أو (٥) عطفًا على الزُّهريِّ (٦)، فيكون متَّصلًا، وأجاب ابن حجرٍ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه إذا اتَّضح المراد فأيُّ وجهٍ للنُّزول؟ وبأنَّ قوله: عطفًا على «سالمٍ» يصير كأنَّ ابن أبي ذئبٍ رواه عن الزُّهريِّ عن نافعٍ، فهو عند ابن أبي ذئبٍ عن شيخين بالنُّزول عن الزُّهريِّ عن سالمٍ، وبالعلوِّ (٧) عن نافعٍ، وسالمٌ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رقبته يحمل عَلَيْهَا الْحِجَارَة، فَإِنِّي لأقبل مَعَهم كَذَلِك وَأدبر إِذْ لكمني لَا كم، مَا أرَاهُ إلَاّ لكمة وجيعة، ثمَّ قَالَ شدّ عَلَيْك إزارك. فَأَخَذته فشددته عَليّ ثمَّ جعلت أحمل الْحِجَارَة على رقبتي وإزاري عَليّ من بَين أَصْحَابِي) . وَقَالَ السُّهيْلي: وَحَدِيث ابْن إِسْحَاق هَذَا إِن صَحَّ فَهُوَ مَحْمُول على أَن هَذَا الْأَمر كَانَ مرَّتَيْنِ، فِي حَال صغره. وَعند بُنيان الْكَعْبَة. قَوْله: (وَعَلِيهِ إِزَار) ويروى: (عَلَيْهِ إزَاره) ، بالضمير، وَهَذِه الْجُمْلَة حَال بِالْوَاو، وَفِي بعض النّسخ بِلَا وَاو. قَوْله: (عَمه) مَرْفُوع لِأَنَّهُ عطف بَيَان. قَوْله: (لَو حللت) ، جَوَاب: لَو، مَحْذُوف إِن كَانَت شَرْطِيَّة، وَتَقْدِير: لَو حللت إزارك لَكَانَ أسهل عَلَيْك، وَيجوز أَن تكون: لَو، لِلتَّمَنِّي فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب حينئذٍ. قَوْله: (فَجعلت) أَي الْإِزَار، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَجَعَلته) ، بالضمير. وَجَاء فِي رِوَايَة غير (الصَّحِيحَيْنِ) : (إِن الْملك نزل عَلَيْهِ فَشد إزَاره) . قَوْله: (قَالَ: فَحله) ، يحْتَمل أَن يكون مقول جَابر أَو مقول من حَدثهُ. قَوْله: (فَسقط) أَي: رَسُول الله مغشياً عَلَيْهِ، أَي مغمى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لانكشاف عَوْرَته. قَوْله: (فَمَا رُؤِيَ) ، بِضَم الرَّاء بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة وَيجوز كسر الرَّاء بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ همزَة مَفْتُوحَة. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَلم يتعرَّ بعد ذَلِك) ، قَوْله: (عُريَانا) نصب على أَنه مفعول ثَان لرؤي.
ذكر مَا فِيهِ من الْفَوَائِد مِنْهَا: أَن النَّبِي كَانَ فِي صغره محمياً عَن القبائح، وأخلاق الْجَاهِلِيَّة، منزهاً عَن الرذائل والمعايب قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا. وَمِنْهَا: أَنه كَانَ جبله اتعالى على أحسن الْأَخْلَاق وَالْحيَاء الْكَامِل حَتَّى كَانَ أَشد حَيَاء من الْعَذْرَاء فِي خدرها، فَلذَلِك غشي عَلَيْهِ، وَمَا رُؤِيَ بعد ذَلِك عُريَانا. وَمِنْهَا: أَنه لَا يجوز التعري للمرء بِحَيْثُ تبدو عَوْرَته لعين النَّاظر إِلَيْهَا، وَالْمَشْي عُريَانا بِحَيْثُ لَا يَأْمَن أعين الْآدَمِيّين إلَاّ مَا رخص فِيهِ من رُؤْيَة الحلائل لِأَزْوَاجِهِنَّ عُرَاة. قَالُوا: وَقد دلّ حَدِيث الْعَبَّاس الْمَذْكُور أَنه لَا يجوز التعري فِي الْخلْوَة، وَلَا لأعين النَّاس. وَقيل: إِنَّمَا مخرج القَوْل مِنْهُ للْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، فَحَيْثُ كَانَت قُرَيْش رجالها ونساؤها تنقل مَعَه الْحِجَارَة، فَقَالَ: نهيت أَن أَمْشِي عُريَانا فِي مثل هَذِه الْحَالة، لَو كَانَ ذَلِك نهيا عَن التعري فِي كل مَكَان لَكَانَ قد نَهَاهُ عَنهُ فِي غسل الْجَنَابَة فِي الْموضع الَّذِي قد أَمن أَن يرَاهُ فِيهِ أحد، وَلكنه نَهَاهُ عَن التعري بِحَيْثُ يرَاهُ فِيهِ أحد، وَالْقعُود بِحَيْثُ يرَاهُ من لَا يحل لَهُ أَن يرى عَوْرَته فِي معنى الْمَشْي عُريَانا، وَلذَلِك نهى الشَّارِع عَن دُخُول الْحمام بِغَيْر إِزَار فَإِن قلت: روى الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا: (لَو أَسْتَطِيع أَن أواري عورتي من شعاري لواريتها) . وَقَالَ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ: (إِذا كشف الرجل عَوْرَته أعرض عَنهُ الْملك) . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: (إِنِّي لأغتسل فِي الْبَيْت المظلم فَمَا أقيم صلبي حَيَاء من رَبِّي) . قلت: كل ذَلِك مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب لاستعمال السّتْر، لَا على الْحُرْمَة، وَفِي (التَّوْضِيح) : إِذا أَوجَبْنَا السّتْر فِي الْخلْوَة فَهَل يجوز أَن ينزل فِي مَاء النَّهر وَالْعين بِغَيْر مئزر؟ وَجْهَان: أَحدهمَا: لَا، للنَّهْي عَنهُ، وَالثَّانِي: نعم، لِأَن المَاء يقوم مقَام المئزر فِي ستر الْعَوْرَة، وَا أعلم.
٩ - (بَاب الصَّلَاةِ فِي القَمِيصِ والسَّرَاوِيلِ والتُّبَّانِ والقَبَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْقَمِيص إِلَى آخِره. الْقَمِيص مَعْرُوف، وَجمعه: قمصان وأقمصة، وقمصه تقميصاً وتقمصة أَي؛ لبسه: والسراويل أعجمي عرّب، نقل سِيبَوَيْهٍ عَن يُونُس، وَزعم ابْن سَيّده أَنه فَارسي مُعرب يذكر وَيُؤَنث، وَلم يعرف الْأَصْمَعِي فِيهَا إِلَّا التَّأْنِيث، وَالْجمع سراويلات، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَا تكسر لِأَنَّهُ لَو كسر لم يرجع إلَاّ إِلَى لفظ الْوَاحِد فَترك. وَيُقَال. هُوَ جمع سروالة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: السَّرَاوِيل، مؤنث لَا يذكرهَا أحد علمناه، وَبَعض الْعَرَب يظنّ السَّرَاوِيل جمَاعَة، وَسمعت من الْأَعْرَاب من يَقُول: الشروال بالشين الْمُعْجَمَة. قلت: وَلما استعملته الْعَرَب بدلُوا الشين سيناً ثمَّ جَمَعُوهُ على سَرَاوِيل، وَقد يُقَال فِيهِ: سراوين، بالنُّون مَوضِع اللَّام، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: سَرَاوِيل وسروال وسرويل، ثَلَاث لُغَات. والتبان، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ فِي (الْمُحكم) : التبَّان يشبه السَّرَاوِيل يذكر. وَفِي (الصِّحَاح) : التبَّان سَرَاوِيل صَغِير مِقْدَار شبر يستر الْعَوْرَة الْمُغَلَّظَة، فقد يكون للملاحين. قلت: وَهُوَ عِنْد الْعَجم من جلد بِلَا رجلَيْنِ يلْبسهُ المصارعون. والقبا، بِفَتْح الْقَاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة المخففة. قَالَ الْكرْمَانِي: مَمْدُود، وَتَبعهُ على ذَلِك بَعضهم. قلت: لم يذكر غَيره، بل الظَّاهِر أَنه مَقْصُور. وَفِي كتاب الجواليقي: قَالَ بَعضهم: هُوَ فَارسي مُعرب، وَقيل: عَرَبِيّ واشتقاقه من: القبو، وَهُوَ الضَّم وَالْجمع
وَقَالَ أَبُو عَليّ: سمي قبَاء لتقبضه، وقبوت الشَّيْء: جمعته، وَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ اليلمق، فَارسي مُعرب، والقردماني. وَقَالَ السيرافي: قبَاء محشو، وَقَالَ فِي (الْجَامِع) : سمي قبَاء لِأَنَّهُ يضم لابسه. وَفِي (الصِّحَاح) : تقبيت إِذا لبست قبَاء، وَفِي (الْمُحكم) : قبا الشَّيْء قبواً جمعه بأصابعه، والقبوة انضمام مَا بَين الشفتين، والقباء من الثِّيَاب مُشْتَقّ من ذَلِك لانضمام أَطْرَافه، وَالْجمع: أقبية، وَفِي (مجمع الغرائب) للفارسي، عَن كَعْب: أول من لبس القباء سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَكَانَ إِذا أَدخل رَأسه فِي الثِّيَاب لنصت الشَّيَاطِين، يَعْنِي: فصلت أنوفها. وَزعم أَبُو مُوسَى فِي (المغيث) بِالسِّين: لنست.
٥٦٣ - ح دّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ قامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ فَسَأَلَهُ عنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ سأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقالَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثيابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ فِي إزَارٍ وَقَباءٍ فِي سَراوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَباءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ قالَ وَأحْسِبُهُ قالَ فِي تُبَّانٍ وَرِداءٍ. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٣) .
مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي ذكر الصَّلَاة فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة، وصدرُ هَذَا الحَدِيث، أَعنِي الْمَرْفُوع مِنْهُ، قد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي آخر بَاب الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد ملتحفاً بِهِ، لِأَنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن عبد ابْن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن سَائِلًا سَأَلَ رَسُول الله عَن الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد، فَقَالَ رَسُول ا: أَو لكلكم ثَوْبَان؟) . وَهَهُنَا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب الخ.
وَأَيوب: هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَقد تقدمُوا غير مرّة.
قَوْله: (أَو لكلكم؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وواو الْعَطف، أَي: لَا يجد كل وَاحِد ثَوْبَيْنِ، فَلهَذَا تصح الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد. قَوْله: (ثمَّ سَأَلَ رجل عمر) أَي: سَأَلَ عَن الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد، وَلم يسم الرجل فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون ابْن مَسْعُود، لِأَنَّهُ اخْتلف هُوَ وَأبي بن كَعْب رَضِي اتعالى عَنْهُمَا؛ فِي ذَلِك. فَقَالَ أبي: الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد، يَعْنِي لَا تكره. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك وَفِي الثِّيَاب قلَّة، فَقَالَ عمر: القَوْل مَا قَالَ أبي، وَلم يأل ابْن مَسْعُود أَي: لم يقصر. قلت: اخْتِلَاف أبي وَابْن مَسْعُود فِي ذَلِك لَا يدل على أَن السَّائِل من عمر هُوَ ابْن مَسْعُود بِعَيْنِه، وَيحْتَمل أَن يكون أبي، وَالِاحْتِمَال مَوْجُود فيهمَا، مَعَ أَنه حدس وتخمين. وَأما اخْتِلَافهمَا فِي ذَلِك فقد أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عمر وَعَن الْحسن قَالَ: اخْتلف أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود فِي الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد، فَقَالَ أبي: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك إِذْ كَانَ النَّاس لَا يَجدونَ ثيابًا. فَأَما إِذا وجدوها فَالصَّلَاة فِي ثَوْبَيْنِ. فَقَامَ عمر على الْمِنْبَر فَقَالَ: الصَّوَاب مَا قَالَ أبي لَا مَا قَالَ ابْن مَسْعُود. قَوْله: (فَقَالَ: إِذا وسع ا) أَي: فَقَالَ عمر فِي جَوَاب الرجل الَّذِي سَأَلَهُ عَن الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد.
قَوْله: (جمع رجل عَلَيْهِ) الخ من بَقِيَّة قَول عمر. وتتمة كَلَامه، وَالضَّمِير فِي: عَلَيْهِ، يرجع إِلَى الرجل: أَي جمع رجل على نَفسه ثِيَابه، وَلَفظه: جمع، وَإِن كَانَت صِيغَة الْمَاضِي وَلَكِن المُرَاد مِنْهَا الْأَمر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (صلى) . فَلذَلِك قَالَ ابْن بطال: يُرِيد ليجمع عَلَيْهِ ثِيَابه وَليصل فِيهَا، ذكره بِلَفْظ الْمَاضِي وَمرَاده الْمُسْتَقْبل، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِذ قَالَ ايا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس} (الْمَائِدَة: ٦١١) وَالْمعْنَى: يَقُول ا، يدل عَلَيْهِ قَول عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {مَا قلت لَهُم إلَاّ مَا أَمرتنِي بِهِ} (الْمَائِدَة: ٧١١) . قَوْله: (صلى رجل) . أَي: ليصل رجل فِي إِزَار ورداء، وَهَذِه تسع صور. الأولى: هَذِه، وَالْفرق بَين الْإِزَار والرداء بِحَسب الْعرف، لِأَن الْإِزَار لِلنِّصْفِ الْأَسْفَل، وَالرَّدّ لِلنِّصْفِ الْأَعْلَى. الثَّانِيَة: من الصُّور: هِيَ قَوْله: (فِي إِزَار وقميص) أَي: ليصل فِي إِزَار وقميص. الثَّالِثَة: قَوْله: (فِي إِزَار وقباء) ، أَي: ليصل فيهمَا، وَإِنَّمَا قدم هَذِه الثَّلَاثَة لِأَنَّهَا أستر وَأكْثر اسْتِعْمَالا. الرَّابِعَة: قَوْله: (فِي سَرَاوِيل ورداء) أَي: ليصل فيهمَا. الْخَامِسَة: قَوْله: (فِي سَرَاوِيل وقميص) . السَّادِسَة: قَوْله: (فِي سَرَاوِيل وقباء) . السَّابِعَة: قَوْله: (فِي تبان وقباء) . الثَّامِنَة: قَوْله: (فِي تبان وقميص) . التَّاسِعَة: قَوْله: (فِي تبان ورداء) . وَلم يقْصد بذلك الْعدَد الْحصْر، بل ألحق بذلك مَا يقوم مقَامه.
فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول: أَو كَذَا أَو كَذَا. بِحرف الْعَطف. فَلم ترك حرف الْعَطف؟ قلت: أخرج هَذَا على سَبِيل التعداد فَلَا حَاجَة إِلَى ذكر حرف
الْعَطف، كَمَا فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (تصدق امْرُؤ من ديناره من درهمه من صَاع تمره) . وَيجوز أَن يُقَال: حذف حرف الْعَطف على قَول من يجوز ذَلِك من النُّحَاة، وَالتَّقْدِير حينئذٍ: صلى رجل فِي إِزَار ورداء، أَو فِي إِزَار وقميص، أَو فِي إِزَار وقباء. إِلَى آخِره كَذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من بَاب الْإِبْدَال. قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا قَالَه ابْن الْمُنِير: إِنَّه كَلَام فِي معنى الشَّرْط، كَأَنَّهُ قَالَ: إِن جمع رجل عَلَيْهِ ثِيَابه فَحسن، ثمَّ فصل الْجمع بصور على الْبَدَلِيَّة. قَوْله: (قَالَ وَأَحْسبهُ) أَي: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: وأحسب عمر قَالَ: فِي ثِيَاب ورداء. فَإِن قلت: كَيفَ يدْخل حرف الْعَطف بَين قَوْله ومقوله؟ قلت: هُوَ عطف على مُقَدّر تَقْدِيره: بَقِي شَيْء من الصُّور الْمَذْكُورَة، وَأَحْسبهُ قَالَ: فِي تبان ورداء.
فَإِن قلت: كَيفَ لم يجْزم بِهِ أَبُو هُرَيْرَة، بل ذكره بالحسبان؟ قلت: لِإِمْكَان أَن عمر أهمل ذَلِك، لِأَن التبَّان لَا يستر الْعَوْرَة كلهَا بِنَاء على أَن الْفَخْذ من الْعَوْرَة، فالستر بِهِ حَاصِل مَعَ القباء وَمَعَ الْقَمِيص، وَأما الرِّدَاء فقد لَا يحصل. وَرَأى أَبُو هُرَيْرَة أَن انحصار الْقِسْمَة يَقْتَضِي ذكر هَذِه الصُّور، وَأَن السّتْر قد يحصل بهَا إِذا كَانَ الرِّدَاء سابغاً. وَقَالَ ابْن بطال: اللَّازِم من الثِّيَاب فِي الصَّلَاة ثوب وَاحِد سَاتِر للعورة، وَقَول عمر رَضِي اتعالى عَنهُ؛ إِذا وسع ا، يدل عَلَيْهِ، وَجمع الثِّيَاب فِيهَا اخْتِيَار واستحسان. وَيُقَال: ذكر صوراً تسعا: ثَلَاثَة مِنْهَا سابغة: الرِّدَاء ثمَّ الْقَمِيص ثمَّ القباء، وَثَلَاثَة نَاقِصَة: الْإِزَار ثمَّ السَّرَاوِيل ثمَّ التبَّان، وأفضلها: الْإِزَار ثمَّ السَّرَاوِيل، وَمِنْهُم من عكس. وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك فِيمَن صلى فِي سَرَاوِيل وَهُوَ قَادر على الثِّيَاب، فَفِي (الْمُدَوَّنَة) : لَا يُعِيد فِي الْوَقْت وَلَا فِي غَيره. وَعَن ابْن الْقَاسِم مثله، وَعَن أَشهب عَلَيْهِ الْإِعَادَة فِي الْوَقْت، وَعنهُ أَن صلَاته تَامَّة إِن كَانَ ضيقا. وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: (نهى رَسُول ا، أَن يُصَلِّي فِي لِحَاف وَلَا يوشح بِهِ) . وَالْآخر: أَن تصلي فِي سَرَاوِيل لَيْسَ عَلَيْك رِدَاء، وبظاهره أَخذ بعض أَصْحَابنَا. وَقَالَ: تكره الصَّلَاة فِي السَّرَاوِيل وَحدهَا، وَالصَّحِيح أَنه إِذا ستر عَوْرَته لَا تكره الصَّلَاة فِيهِ.
٦٦٣٢٣ - ح دّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيَ قالَ حدّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قالَ سَألَ رَجُلٌ رسولَ الله فقالَ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ فقالَ لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ ولَا السَّرَاويلَ وَلَا البُرنسَ وَلَا ثَوْباً مَسَّهُ الزَّعْفَرانُ وَلَا وَرْسٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فلْيلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَينِ. .
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ جَوَاز الصَّلَاة بِدُونِ الْقَمِيص والسراويل.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي آخر الْعلم عَن عَاصِم بن عَليّ أَيْضا. وَأخرجه فِي الْعلم، وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن آدم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَيْضا فِي الْحَج عَن أَحْمد بن عبد ابْن يُونُس عَنهُ بِهِ، وَسَيَجِيءُ الْبَحْث فِيهِ فِي كتاب الْحَج مُسْتَوفى، إِن شَاءَ اتعالى.
وَعَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم أَبُو الْحُسَيْن الوَاسِطِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بواسط. وَابْن أبي ذِئْب هُوَ: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب. وَالزهْرِيّ هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم.
قَوْله: (فَقَالَ) الْفَاء فِيهِ تفسيرية إِذْ هُوَ نفس: سَأَلَ. قَوْله: (وَلَا ثوبا) رُوِيَ بِالنّصب وَالرَّفْع، وَتقدم بَيَان جَوَازه فِي آخر كتاب الْعلم. قَوْله: (حَتَّى يَكُونَا) بِصُورَة التَّثْنِيَة، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (حَتَّى يكون) ، بِالْإِفْرَادِ على تَقْدِير كل وَاحِد مِنْهُمَا.
وَعَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ مِثْلَهُ.
٥٠
- ٥٠ - ٠ أَي: رُوِيَ عَن نَافِع مولى ابْن عمر عَنهُ عَن النَّبِي مثل حَدِيث سَالم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون عطفا على سَالم، فَيكون مُتَّصِلا. وشنع بَعضهم عَلَيْهِ. وَقَالَ: التجويزات الْعَقْلِيَّة لَا يجوز اسْتِعْمَالهَا فِي الْأُمُور النقلية. قلت: هَذَا تشنيع غير موجه، لِأَن الْكرْمَانِي إِنَّمَا قَالَ: هَذَا تَعْلِيق بِالنّظرِ إِلَى ظَاهر الصُّورَة، وَلم يجْزم بذلك، وَلِهَذَا قَالَ: وَيحْتَمل إِلَى آخِره، ثمَّ إِنَّه قَالَ: عطفا على سَالم، وَقَالَ بَعضهم: وَعَن نَافِع، عطف على قَوْله: عَن الزُّهْرِيّ، قلت: قَصده بذلك إِظْهَار الْمُخَالفَة بِأَيّ وَجه يكون، وإلَاّ فَلَا فَسَاد فِي الْمَعْنى، بل كِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد.
وَرِوَايَة نَافِع هَذِه أخرجهَا البُخَارِيّ فِي آخر كتاب الْعلم عَن آدم عَن
ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي، وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم (عَن ابْن عمر عَن النَّبِي أَن رجلا سَأَلَهُ: مَا يلبس الْمحرم؟) الحَدِيث، فَتقدم طَرِيق نَافِع وَعطف عَلَيْهِ طَرِيق الزُّهْرِيّ، وَهَهُنَا عكس ذَاك حَيْثُ قدم طَرِيق الزُّهْرِيّ وَعطف عَلَيْهِ طَرِيق نَافِع.
٠١ - (بابُ مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ستر الْعَوْرَة، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة، وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان الشَّيْء الَّذِي يستر، أَي: الَّذِي يجب ستره، وَكلمَة؛ من، بَيَانِيَّة فِي الْوَجْهَيْنِ، ثمَّ هَذَا أَعم من أَن يكون فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا، وَقيد بَعضهم قَوْله: أَي خَارج الصَّلَاة فَكَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من لفظ الأحتباء الَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب، فَإِنَّهُ قيد النَّهْي فِيهِ بقوله: لَيْسَ على فرجه مِنْهُ شَيْء، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيص بِخَارِج الصَّلَاة، بل النَّهْي أَعم من أَن يكون فِي الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة، ثمَّ قَول هَذَا الْقَائِل: وَالظَّاهِر من تصرف المُصَنّف أَنه يرى أَن الْوَاجِب ستر السوءتين لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن الَّذِي، يدل على ذَلِك، أَي: تصرف مِنْهُ هَهُنَا. وَإِن كَانَ مذْهبه ذَلِك، والعورة: سوءة الْإِنْسَان وكل مَا يستحى مِنْهُ.
٧٦٣٣٣ - ح دّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدّثنا لَ يْثٌ عنِ ابْن شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أنَّهُ قَالَ نَهَى رسولُ الله عنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَأنْ يَحْتَبِيَ الرجلُ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. (الحَدِيث ٧٦٣ أَطْرَافه فِي: ١٩٩١، ٤٤١٢، ٧٤١٢، ٠٢٨٥، ٢٢٨٥، ٤٨٢٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَيْسَ على فرجه مِنْهُ شَيْء) فَإِن النَّهْي فِيهِ أَن يكون الْفرج مكشوفاً، فَهُوَ يدل على أَن ستر الْعَوْرَة وَاجِب، وَالْبَاب فِي ستر الْعَوْرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سعيد اسْمه سعيد بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: قَول الصَّحَابِيّ عَن نهي النَّبِي. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي وبصري ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد عَن مخلد عَن ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ، وَأخرجه فِي الْبيُوع عَن سعد بن عفير عَن اللَّيْث، وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَأخرجه أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عَبَّاس عَن عبد الْأَعْلَى عَن معمر، وَفِي الاسْتِئْذَان عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث، وَفِي اللبَاس عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَعَن عَمْرو النَّاقِد عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن أَحْمد بن صَالح وَعَن قُتَيْبَة وَأبي الطَّاهِر بن السَّرْح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي، وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب، وَأخرجه فِي الزِّينَة أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَأخرجه فِي الْبيُوع أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ، وَعَن الْحُسَيْن بن حُرَيْث عَن سُفْيَان بِالنَّهْي عَن البيعتين فِيهِ، وبالنهي عَن اللبستين فِي الزِّينَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِي التِّجَارَات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَسَهل بن أبي سهل الرَّازِيّ كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان.
ذكر مَعْنَاهُ. قَوْله: (عَن اشْتِمَال الصماء) بالصَّاد الْمُهْملَة وَالْمدّ، وَاخْتلف فِي تَفْسِيره، فَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ أَن يُجَلل جسده كُله بالإزار أَو بالكساء، فَيردهُ من قبل يَمِينه على يَده الْيُسْرَى. وعاتقه الْأَيْسَر، ثمَّ يردهُ ثَانِيًا من خَلفه على يَده الْيُمْنَى وعاتقه الْأَيْمن فيغطيهما جَمِيعًا. وَفِي (النِّهَايَة) لِابْنِ الْأَثِير: هُوَ التجلل بِالثَّوْبِ وإرساله من غير أَن يرفع جَانِبه، وَفِي كتاب (اللبَاس) : هُوَ أَن يَجْعَل ثَوْبه على أحد عَاتِقيهِ فيبدو أحد شقيه لَيْسَ عَلَيْهِ ثوب، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ أَن يشْتَمل بِالثَّوْبِ حَتَّى يُجَلل بِهِ جسده لَا يرفع مِنْهُ جانباً فَلَا يبْقى مَا يخرج مِنْهُ يَده، وَعَن أبي عبيد: إِن الْفُقَهَاء يَقُولُونَ: هُوَ أَن يشْتَمل بِثَوْب وَاحِد لَيْسَ عَلَيْهِ غَيره ثمَّ يرفعهُ من أحد جانبيه فيضعه على أحد مَنْكِبَيْه فيبدو مِنْهُ فرجه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِذا قلت اشْتَمَل فلَان الصماء كَأَنَّك قلت: اشْتَمَل الشملة الَّتِي تعرف بِهَذَا الِاسْم، لِأَن الصماء ضرب من الاشتمال. انْتهى.
قلت: تَحْقِيق هَذِه الكملة أَن الاشتمال مُضَاف إِلَى الصماء، والصماء فِي الأَصْل صفة، يُقَال: صَخْرَة صماء إِذا لم يكن فِيهَا خرق وَلَا منفذ، وَمعنى النَّهْي عَن اشْتِمَال الصماء نهي عَن اشْتِمَال الثَّوْب كاشتمال الصَّخْرَة الصماء، واشتمالها كَون عدم الْخرق والمنافذ فِيهَا، وتشبيه الاشتمال الْمنْهِي بهَا كَونه يسد المنافذ كلهَا، وَالَّذِي ذكره الْكرْمَانِي لَيْسَ تَفْسِير مَا فِي لفظ الحَدِيث على مَا لَا يخفى. قَوْله:
(وَأَن يحتبي الرجل) أَي: وَنهي أَيْضا عَن أَن يحتبي الرجل، وَكلمَة: إِن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير: وَعَن احتباء الرجل فِي ثوب وَاحِد، والاحتباء أَن يقْعد الْإِنْسَان على إليتيه وَينصب سَاقيه ويحتبي عَلَيْهِمَا بِثَوْب أَو نَحوه أَو بِيَدِهِ، وَاسم هَذِه الْقعدَة تسمى: الحبوة، بِضَم الْحَاء وَكسرهَا، وَكَانَ هَذَا الاحتباء عَادَة الْعَرَب فِي أَنْدِيَتهمْ ومجالسهم، وَإِن انْكَشَفَ مَعَه شَيْء من عَوْرَته فَهُوَ حرَام. وَقَالَ الْخطابِيّ: الاحتباء هُوَ أَن يحتبي الرجل بِالثَّوْبِ وَرجلَاهُ متجافيتان عَن بَطْنه، فَيبقى هُنَاكَ، إِذا لم يكن الثَّوْب وَاسِعًا قد أسبل شَيْئا مِنْهُ على فرجه، فُرْجَة تبدو مِنْهَا عَوْرَته. قَالَ: وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ إِذا كَانَ كاشفاً عَن فرجه. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الاحتباء أَن يجمع ظَهره وَرجلَيْهِ بِثَوْب.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ وَهُوَ حكمان: الأول: اشْتِمَال الصماء، وَقد نهى عَنهُ رَسُول ا، قَالُوا: على تَفْسِير أهل اللُّغَة: اشْتِمَال الصماء إِنَّمَا يكره لِئَلَّا تعرض لَهُ حَاجَة من دفع بعض الْهَوَام وَنَحْوهَا أَو غير ذَلِك، فيعسر أَو يتَعَذَّر عَلَيْهِ إِخْرَاج يَده، فيلحقه الضَّرَر. وعَلى تَفْسِير الْفُقَهَاء: يحرم الاشتمال الْمَذْكُور إِن انْكَشَفَ بِهِ بعض الْعَوْرَة، وَإِلَّا فَيكْرَه. وَالثَّانِي: النَّهْي عَن الاحتباء الَّذِي فِيهِ كشف الْعَوْرَة، وَهُوَ حرَام مُطلقًا، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا.
٨٦٣٤٣ - ح دّثنا قَبِيصَةُ بن عُقْبَةَ قالَ حدّثنا سُفْيَانُ عنْ أبي الزّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ نَهَى النبيُّ عنْ بَيْعَتَيْنِ عَن اللّمَاسِ والنّبَاذِ وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ وأنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحدٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف: بن عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: أَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون: عبد ابْن ذكْوَان. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل بالحكاية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَأَبُو الزِّنَاد راوية الْأَعْرَج، وَعَن البُخَارِيّ أصح الْأَسَانِيد كلهَا: مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَأَصَح أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة: أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع: هُنَا عَن قبيصَة، وَفِي الصَّلَاة عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة وَعَن مُحَمَّد عَن عَبدة بن سُلَيْمَان، وَفِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن الثَّقَفِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن عبيد ابْن عمر عَن حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه مُسلم بِهَذَا الطَّرِيق عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد ابْن نمير وَأبي أُسَامَة، وَعَن مُحَمَّد بن عبد ابْن نمير عَن أَبِيه، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن عبيد ابْن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي الْبيُوع عَن أبي كريب وَابْن أبي عمر، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي كريب ومحمود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِيهِ من طَرِيق حَفْص بن عَاصِم. وَأخرجه ابْن ماجة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ مُنْقَطِعًا فِي الصَّلَاة وَفِي التِّجَارَات وَفِي اللبَاس.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (عَن بيعَتَيْنِ) تَثْنِيَة: بيعَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسرهَا، وَالْفرق بَينهمَا أَن؛ الفعلة، بِالْفَتْح، للمرة وبالكسر للحالة والهيئة. قَوْله: (عَن اللماس) بِكَسْر اللَّام، وَهُوَ مصدر من: لامس، من بَاب: فَاعل. وَقد علم أَن مصدره يَأْتِي على: مفاعلة، مثل: ملامسة. وعَلى: فعال، مثل: لماس. وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي (النباذ) ، بِكَسْر النُّون وبالذال الْمُعْجَمَة، يَأْتِي من بَابه: فعال، مثل: نباذ، و: مفاعلة، مثل: منابذة. وَفسّر: اللماس، فِي كتاب البيع بِأَنَّهُ لمس الثَّوْب بِلَا نظر إِلَيْهِ، والنباذ: بِأَن الرجل يطْرَح ثَوْبه بِالْبيعِ قبل أَن يقلبه أَو ينظر إِلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن لِأَصْحَابِنَا فِي الْمُلَامسَة تأويلات. أَحدهَا: أَن يَأْتِي بِثَوْب مطوي أَو فِي ظلمَة، فيلمسه المستام، فَيَقُول صَاحبه: بعتكه بِكَذَا بِشَرْط أَن يقوم لمسك مقَام نظرك، وَلَا خِيَار لَك إِذا رَأَيْته. الثَّانِي: أَن يجعلا نفس اللَّمْس بيعا، فَيَقُول إِذا لمسته فَهُوَ مَبِيع لَك. الثَّالِث: أَن يَبِيعهُ شَيْئا على أَنه مَتى لمسه انْقَطع خِيَار الْمجْلس.
وَفِي الْمُنَابذَة أَيْضا ثَلَاثَة أوجه، أَن يَجْعَل نفس. النبذ بيعا، وَأَن يَقُول: إِذا نَبَذته إِلَيْك انْقَطع الْخِيَار. وَإِن يُرَاد بِهِ نبذ الْحَصَا، وَله أَيْضا تأويلات أَن يَقُول: بِعْتُك من هَذِه الأثواب مَا وَقعت عَلَيْهِ الْحَصَاة الَّتِي أرميها، وَأَن يَقُول: لَك الْخِيَار إِلَى أَن أرمي بِهَذِهِ الْحَصَاة، وَأَن يجعلا نفس الرَّمْي بالحصاة بيعا، فَيَقُول: إِذْ رميت هَذَا الثَّوْب بالحصاة فَهُوَ مَبِيع بِكَذَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمُلَامسَة والمنابذة وإلقاء الْحجر كَانَت بيوعاً فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ الرّجلَانِ يتساومان الْمَبِيع، وَإِذا ألْقى المُشْتَرِي عَلَيْهِ حَصَاة، أَو نبذه البَائِع إِلَى المُشْتَرِي، أَو لمسه المُشْتَرِي: لزم البيع، وَقد نهى الشَّارِع عَن ذَلِك. قَوْله: (وَأَن يشْتَمل) عطف على قَوْله: (عَن بيعَتَيْنِ) أَي: وَنهى أَيْضا أَن يشْتَمل. و: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي؛ وَعَن اشْتِمَال الصماء، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: (أَن يحتبي) وتفسيرهما قد مر، وَالْمُطلق فِي الاحتباء هُنَا مَحْمُول على الْمُقَيد فِي الحَدِيث الَّذِي قبله.
٩٦٣٥٣ - ح دّثنا إسْحَاقُ قالَ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قالَ حدّثنا ابنُ أخِي ابنِ شِهابٍ عنْ عَمِّهِ قَالَ أخبرَني حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ بَعَثَني أبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمنىً أَلَاّ يُحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيانٌ قالَ حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ أرْدَفَ رسولُ اللَّهِ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَن يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٌ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ فأذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أهْلِ مِنىً يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَحُج بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ. (الحَدِيث ٩٦٣ أَطْرَافه فِي: ٢٢٦١، ٧٧١٣، ٣٦٣٤، ٥٥٦٤، ٦٥٦٤، ٧٥٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان) . فَإِن منع الطّواف عَارِيا يدل على وجوب ستر الْعَوْرَة، وَقد تقدم الْكَلَام فِي هَذَا الْجُزْء من هَذَا الحَدِيث فِي بَاب وجوب الصَّلَاة فِي الثِّيَاب.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إِسْحَاق مُجَردا غير مَنْسُوب، فَلذَلِك تردد فِيهِ الْحفاظ، فَمنهمْ من قَالَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَمِنْهُم من قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه، لِأَن كلَا مِنْهُمَا يروي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَالنُّسْخَة الَّتِي فِيهَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هِيَ الْأَصَح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: إِسْحَاق، أَي ابْن إِبْرَاهِيم الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه فِي آخر بَاب فضل من علم. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي نُسْخَتي من طَرِيق أبي ذَر: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَتعين أَنه ابْن رَاهَوَيْه، إِذْ لم يرو البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل واسْمه إِبْرَاهِيم شَيْئا قلت: وُقُوع إِسْحَاق مَنْسُوبا فِي نسخته إِنَّمَا علم أَنه ابْن رَاهَوَيْه من جِهَة أبي ذَر لَا من جِهَة نسخته، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: أَولا وردده الْحفاظ بَين ابْن مَنْصُور وَبَين ابْن رَاهَوَيْه، فَكيف يُعلل بعد هَذَا بقوله: إِذْ لم يرو البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل؟ الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد، سبط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث: ابْن أخي بن شهَاب، هُوَ: مُحَمَّد بن عبد اابن أخي الزُّهْرِيّ، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. الرَّابِع: عَمه، وَهُوَ الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: حميد، بِضَم الْحَاء؛ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي اتعالى عَنهُ. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَرْبَعَة زهريون، وهم: يَعْقُوب إِلَى أبي هُرَيْرَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَفِي الْحَج عَن يحيى بن بكير، وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد بن عفير وَعَن عبد ابْن يُوسُف، وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن صَالح بن كيسَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن هَارُون بن سعيد، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي.
ذكر مَعَانِيه قَوْله: (فِي تِلْكَ الْحجَّة) ، أَي الَّتِي أمَّر رَسُول الله الصّديق على الْحَاج، وَهِي قبل حجَّة الْوَدَاع بِسنة، وَهِي السّنة التَّاسِعَة كَمَا ذكر فِي (الْمَغَازِي) . قَوْله: (فِي مؤذنين) أَي: فِي رَهْط يُؤذنُونَ فِي النَّاس يَوْم النَّحْر، كَأَنَّهُ مقتبس مِمَّا قَالَ اتعالى: {وأذان من اورسوله إِلَى النَّاس يَوْم الْحَج الْأَكْبَر} (التَّوْبَة: ٣) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَالْحج الْأَكْبَر: قلت: الْحَج الْأَصْغَر الْعمرَة. قَوْله: (أَلَاّ يحجّ) ، أَصله: أَن لَا يحجّ، فادغمت النُّون فِي: لَا، فَصَارَ: ألَاّ، بِفَتْح الْهمزَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ مِنَ الْعَوْرَةِ فَالسَّتْرُ بِهِ حَاصِلٌ مَعَ الْقَبَاءِ وَمَعَ الْقَمِيصِ، وَأَمَّا مَعَ الرِّدَاءِ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ. وَرَأَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ انْحِصَارَ الْقِسْمَةِ يَقْتَضِي ذِكْرَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَنَّ السَّتْرَ قَدْ يَحْصُلُ بِهَا إِذَا كَانَ الرِدَاءُ سَابِغًا، وَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَ عُمَرُ مِنَ الْمَلَابِسِ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ لِلْوَسَطِ وَثَلَاثَةٌ لِغَيْرِهِ، فَقَدَّمَ مَلَابِسَ الْوَسَطِ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَقَدَّمَ أَسْتَرَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا اسْتِعْمَالًا لَهُمْ، وَضَمَّ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا يَقُومُ مَقَامُهُ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّ الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ كَانَ لِضِيقِ الْحَالِ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ عِبَارَةَ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَدْ تُفْهِمُ إِثْبَاتَهُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَى عَنِ الْأَئِمَّةِ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ قَالَ: وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ. وَعَنْ أَشْهَبَ فِيمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي السَّرَاوِيلِ مَعَ الْقُدْرَةِ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، إِلَّا إِنْ كَانَ صَفِيقًا. وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ.
(فَائِدَةٌ): رَوَى ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ فَأَدْرَجَ الْمَوْقُوفَ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ، وَرِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ هَذِهِ الْمُفَصَّلَةُ أَصَحُّ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ، وَحَبِيبٍ، وَعَاصِمٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُلَيَّةَ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ وَحَذَفَ الْبَاقِيَ، وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا وَرْسٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ.
وَعَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ.
قَوْلُهُ: (سَأَلَ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ، وَأَخَّرْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ إِلَى مَوْضِعِهِ فِي الْحَجِّ. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَجُوزُ بِدُونِ الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَخِيطِ لِأَمْرِ الْمُحْرِمِ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَكُونَا) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي حَتَّى يَكُونَ بِالْإِفْرَادِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ نَافِعٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ هُنَاكَ عَنْ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، فَقَدَّمَ طَرِيقَ نَافِعٍ وَعَطَفَ عَلَيْهَا طَرِيقَ الزُّهْرِيِّ، عَكْسُ مَا هُنَا. وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَعَنْ نَافِعٍ تَعْلِيقٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّجْوِيزَاتِ الْعَقْلِيَّةَ لَا يَلِيقُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
١٠ - بَاب مَا يَسْتُرُ مِنْ الْعَوْرَةِ
٣٦٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
صلَّى في إزارٍ وقباءٍ، وكذا الباقي، أي: ليجمع عليه ثيابه ليصلِّ في كذا، لِيُصَلِّ في كذا، ليصلِّ في كذا، الحمل على هذا أَوْلى لثبوته إجماعًا، وحذفُ حرف العطف بابُه الشِّعرُ فقط، وعند بعضٍ وقوعه في الشِّعر مُختلَفٌ فيه، أو أنَّها على سبيل التَّعداد فلا حاجة للعطف.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة.
٣٦٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) هو ابن عاصم الواسطيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن، نسبه إلى جدِّه لشُهرته به (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵁ (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ كما في «الفتح» (رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ) بالفاء التَّفسيريَّة إذ هو نفس «سأل» (١)، وللأَصيليِّ: «قال» (٢): (مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ) ﵇: (لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ) بفتح المُوحَّدة (٣)، و «لا» ناهيةٌ فتُكسَر السِّين، أو نافيةٌ فتُضَمُّ (وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا البُرْنُسَ) بضمِّ المُوحَّدة والنُّون: ثوبٌ معروفٌ رأسهُ ملصَقٌ فيه، أو هو قلنسوةٌ طويلةٌ كان النَّاس يلبسونها في صدر الإسلام، والسَّراويل مُفرَدٌ بلفظ الجمع، وجمعه: سراويلاتٌ (وَلَا ثَوْبًا) ويجوز رفعه بتقدير فعل مبنيٍّ للمفعول، أي: ولا يُلبَس ثوبٌ (مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ) بفتح الزَّاي والفاء، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «زعفران» (وَلَا وَرْسٌ) بفتح الواو وسكون الرَّاء آخره سينٌ (٤) مُهمَلةٌ، نبتٌ أصفرُ باليمن يُصبَغ به (فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا) وللحَمُّويي والمُستملي: «حتَّى يكون» بالإفراد، أي: كلُّ واحدٍ منهما (أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ) هو إذنٌ في ذلك لا أمرٌ؛ إذ لا يجب على مَن فقد النَّعلين لُبْس الخفَّين المقطوعين، والمراد هنا من الحديث: أنَّ الصَّلاة تجوز بدون القميص والسَّراويل وغيرهما (١) من المَخيط لأمر المُحْرِم باجتناب ذلك، وهو مأمورٌ بالصَّلاة.
وفي هذا (٢) الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦٥٧٩٤] و «الحجِّ» [خ¦١٨٤٢]، وتأتي بقيَّة مباحثه فيه -إن شاء الله تعالى- بعون الله، ثمَّ عطف المؤلِّف قوله: (وَعَنْ نَافِعٍ) على قوله: «عن الزُّهريِّ»، كما قال (٣) الحافظ ابن حجر، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو تعليقٌ، ويحتمل أنَّه عطف على «سالمٍ» فيكون متَّصلًا، وتعقَّبه ابن حجرٍ بأنَّ التَّجويزات العقليَّة لا يليق استعمالها في الأمور النَّقليَّة، فإنَّ المؤلِّف ﵀ أخرج الحديث في آخر «كتاب العلم» [خ¦١٣٤] عن آدم عن ابن أبي ذئبٍ، فقدَّم طريق نافعٍ، وعطف عليها طريق الزُّهريِّ عكس ما ههنا، وانتصر العينيُّ رحمه الله تعالى للكِرمانيِّ رادًّا على ابن حجر بأنَّه تعليقٌ بالنَّظر إلى ظاهر الصُّورة، مع أنَّ الكِرمانيَّ لم يجزم بذلك، بل قال: ويحتمل أن يكون عطفًا على «سالمٍ»، قال: ولا فرق بين أن يقول (٤) عطفًا على «سالمٍ» أو (٥) عطفًا على الزُّهريِّ (٦)، فيكون متَّصلًا، وأجاب ابن حجرٍ في «انتقاض الاعتراض» بأنَّه إذا اتَّضح المراد فأيُّ وجهٍ للنُّزول؟ وبأنَّ قوله: عطفًا على «سالمٍ» يصير كأنَّ ابن أبي ذئبٍ رواه عن الزُّهريِّ عن نافعٍ، فهو عند ابن أبي ذئبٍ عن شيخين بالنُّزول عن الزُّهريِّ عن سالمٍ، وبالعلوِّ (٧) عن نافعٍ، وسالمٌ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
رقبته يحمل عَلَيْهَا الْحِجَارَة، فَإِنِّي لأقبل مَعَهم كَذَلِك وَأدبر إِذْ لكمني لَا كم، مَا أرَاهُ إلَاّ لكمة وجيعة، ثمَّ قَالَ شدّ عَلَيْك إزارك. فَأَخَذته فشددته عَليّ ثمَّ جعلت أحمل الْحِجَارَة على رقبتي وإزاري عَليّ من بَين أَصْحَابِي) . وَقَالَ السُّهيْلي: وَحَدِيث ابْن إِسْحَاق هَذَا إِن صَحَّ فَهُوَ مَحْمُول على أَن هَذَا الْأَمر كَانَ مرَّتَيْنِ، فِي حَال صغره. وَعند بُنيان الْكَعْبَة. قَوْله: (وَعَلِيهِ إِزَار) ويروى: (عَلَيْهِ إزَاره) ، بالضمير، وَهَذِه الْجُمْلَة حَال بِالْوَاو، وَفِي بعض النّسخ بِلَا وَاو. قَوْله: (عَمه) مَرْفُوع لِأَنَّهُ عطف بَيَان. قَوْله: (لَو حللت) ، جَوَاب: لَو، مَحْذُوف إِن كَانَت شَرْطِيَّة، وَتَقْدِير: لَو حللت إزارك لَكَانَ أسهل عَلَيْك، وَيجوز أَن تكون: لَو، لِلتَّمَنِّي فَلَا تحْتَاج إِلَى جَوَاب حينئذٍ. قَوْله: (فَجعلت) أَي الْإِزَار، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَجَعَلته) ، بالضمير. وَجَاء فِي رِوَايَة غير (الصَّحِيحَيْنِ) : (إِن الْملك نزل عَلَيْهِ فَشد إزَاره) . قَوْله: (قَالَ: فَحله) ، يحْتَمل أَن يكون مقول جَابر أَو مقول من حَدثهُ. قَوْله: (فَسقط) أَي: رَسُول الله مغشياً عَلَيْهِ، أَي مغمى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لانكشاف عَوْرَته. قَوْله: (فَمَا رُؤِيَ) ، بِضَم الرَّاء بعْدهَا همزَة مَكْسُورَة وَيجوز كسر الرَّاء بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة ثمَّ همزَة مَفْتُوحَة. وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (فَلم يتعرَّ بعد ذَلِك) ، قَوْله: (عُريَانا) نصب على أَنه مفعول ثَان لرؤي.
ذكر مَا فِيهِ من الْفَوَائِد مِنْهَا: أَن النَّبِي كَانَ فِي صغره محمياً عَن القبائح، وأخلاق الْجَاهِلِيَّة، منزهاً عَن الرذائل والمعايب قبل النُّبُوَّة وَبعدهَا. وَمِنْهَا: أَنه كَانَ جبله اتعالى على أحسن الْأَخْلَاق وَالْحيَاء الْكَامِل حَتَّى كَانَ أَشد حَيَاء من الْعَذْرَاء فِي خدرها، فَلذَلِك غشي عَلَيْهِ، وَمَا رُؤِيَ بعد ذَلِك عُريَانا. وَمِنْهَا: أَنه لَا يجوز التعري للمرء بِحَيْثُ تبدو عَوْرَته لعين النَّاظر إِلَيْهَا، وَالْمَشْي عُريَانا بِحَيْثُ لَا يَأْمَن أعين الْآدَمِيّين إلَاّ مَا رخص فِيهِ من رُؤْيَة الحلائل لِأَزْوَاجِهِنَّ عُرَاة. قَالُوا: وَقد دلّ حَدِيث الْعَبَّاس الْمَذْكُور أَنه لَا يجوز التعري فِي الْخلْوَة، وَلَا لأعين النَّاس. وَقيل: إِنَّمَا مخرج القَوْل مِنْهُ للْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، فَحَيْثُ كَانَت قُرَيْش رجالها ونساؤها تنقل مَعَه الْحِجَارَة، فَقَالَ: نهيت أَن أَمْشِي عُريَانا فِي مثل هَذِه الْحَالة، لَو كَانَ ذَلِك نهيا عَن التعري فِي كل مَكَان لَكَانَ قد نَهَاهُ عَنهُ فِي غسل الْجَنَابَة فِي الْموضع الَّذِي قد أَمن أَن يرَاهُ فِيهِ أحد، وَلكنه نَهَاهُ عَن التعري بِحَيْثُ يرَاهُ فِيهِ أحد، وَالْقعُود بِحَيْثُ يرَاهُ من لَا يحل لَهُ أَن يرى عَوْرَته فِي معنى الْمَشْي عُريَانا، وَلذَلِك نهى الشَّارِع عَن دُخُول الْحمام بِغَيْر إِزَار فَإِن قلت: روى الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا: (لَو أَسْتَطِيع أَن أواري عورتي من شعاري لواريتها) . وَقَالَ عَليّ رَضِي اتعالى عَنهُ: (إِذا كشف الرجل عَوْرَته أعرض عَنهُ الْملك) . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: (إِنِّي لأغتسل فِي الْبَيْت المظلم فَمَا أقيم صلبي حَيَاء من رَبِّي) . قلت: كل ذَلِك مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب لاستعمال السّتْر، لَا على الْحُرْمَة، وَفِي (التَّوْضِيح) : إِذا أَوجَبْنَا السّتْر فِي الْخلْوَة فَهَل يجوز أَن ينزل فِي مَاء النَّهر وَالْعين بِغَيْر مئزر؟ وَجْهَان: أَحدهمَا: لَا، للنَّهْي عَنهُ، وَالثَّانِي: نعم، لِأَن المَاء يقوم مقَام المئزر فِي ستر الْعَوْرَة، وَا أعلم.
٩ - (بَاب الصَّلَاةِ فِي القَمِيصِ والسَّرَاوِيلِ والتُّبَّانِ والقَبَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة فِي الْقَمِيص إِلَى آخِره. الْقَمِيص مَعْرُوف، وَجمعه: قمصان وأقمصة، وقمصه تقميصاً وتقمصة أَي؛ لبسه: والسراويل أعجمي عرّب، نقل سِيبَوَيْهٍ عَن يُونُس، وَزعم ابْن سَيّده أَنه فَارسي مُعرب يذكر وَيُؤَنث، وَلم يعرف الْأَصْمَعِي فِيهَا إِلَّا التَّأْنِيث، وَالْجمع سراويلات، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَا تكسر لِأَنَّهُ لَو كسر لم يرجع إلَاّ إِلَى لفظ الْوَاحِد فَترك. وَيُقَال. هُوَ جمع سروالة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي: السَّرَاوِيل، مؤنث لَا يذكرهَا أحد علمناه، وَبَعض الْعَرَب يظنّ السَّرَاوِيل جمَاعَة، وَسمعت من الْأَعْرَاب من يَقُول: الشروال بالشين الْمُعْجَمَة. قلت: وَلما استعملته الْعَرَب بدلُوا الشين سيناً ثمَّ جَمَعُوهُ على سَرَاوِيل، وَقد يُقَال فِيهِ: سراوين، بالنُّون مَوضِع اللَّام، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: سَرَاوِيل وسروال وسرويل، ثَلَاث لُغَات. والتبان، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة. قَالَ فِي (الْمُحكم) : التبَّان يشبه السَّرَاوِيل يذكر. وَفِي (الصِّحَاح) : التبَّان سَرَاوِيل صَغِير مِقْدَار شبر يستر الْعَوْرَة الْمُغَلَّظَة، فقد يكون للملاحين. قلت: وَهُوَ عِنْد الْعَجم من جلد بِلَا رجلَيْنِ يلْبسهُ المصارعون. والقبا، بِفَتْح الْقَاف وَالْبَاء الْمُوَحدَة المخففة. قَالَ الْكرْمَانِي: مَمْدُود، وَتَبعهُ على ذَلِك بَعضهم. قلت: لم يذكر غَيره، بل الظَّاهِر أَنه مَقْصُور. وَفِي كتاب الجواليقي: قَالَ بَعضهم: هُوَ فَارسي مُعرب، وَقيل: عَرَبِيّ واشتقاقه من: القبو، وَهُوَ الضَّم وَالْجمع
وَقَالَ أَبُو عَليّ: سمي قبَاء لتقبضه، وقبوت الشَّيْء: جمعته، وَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ اليلمق، فَارسي مُعرب، والقردماني. وَقَالَ السيرافي: قبَاء محشو، وَقَالَ فِي (الْجَامِع) : سمي قبَاء لِأَنَّهُ يضم لابسه. وَفِي (الصِّحَاح) : تقبيت إِذا لبست قبَاء، وَفِي (الْمُحكم) : قبا الشَّيْء قبواً جمعه بأصابعه، والقبوة انضمام مَا بَين الشفتين، والقباء من الثِّيَاب مُشْتَقّ من ذَلِك لانضمام أَطْرَافه، وَالْجمع: أقبية، وَفِي (مجمع الغرائب) للفارسي، عَن كَعْب: أول من لبس القباء سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَكَانَ إِذا أَدخل رَأسه فِي الثِّيَاب لنصت الشَّيَاطِين، يَعْنِي: فصلت أنوفها. وَزعم أَبُو مُوسَى فِي (المغيث) بِالسِّين: لنست.
٥٦٣ - ح دّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ قامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ فَسَأَلَهُ عنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ سأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقالَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثيابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ فِي إزَارٍ وَقَباءٍ فِي سَراوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَباءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ قالَ وَأحْسِبُهُ قالَ فِي تُبَّانٍ وَرِداءٍ. (انْظُر الحَدِيث ٨٥٣) .
مُطَابقَة هَذَا للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي ذكر الصَّلَاة فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة، وصدرُ هَذَا الحَدِيث، أَعنِي الْمَرْفُوع مِنْهُ، قد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِي آخر بَاب الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد ملتحفاً بِهِ، لِأَنَّهُ رَوَاهُ هُنَاكَ عَن عبد ابْن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة: (أَن سَائِلًا سَأَلَ رَسُول الله عَن الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد، فَقَالَ رَسُول ا: أَو لكلكم ثَوْبَان؟) . وَهَهُنَا عَن سُلَيْمَان بن حَرْب الخ.
وَأَيوب: هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن سِيرِين، وَقد تقدمُوا غير مرّة.
قَوْله: (أَو لكلكم؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وواو الْعَطف، أَي: لَا يجد كل وَاحِد ثَوْبَيْنِ، فَلهَذَا تصح الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد. قَوْله: (ثمَّ سَأَلَ رجل عمر) أَي: سَأَلَ عَن الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد، وَلم يسم الرجل فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون ابْن مَسْعُود، لِأَنَّهُ اخْتلف هُوَ وَأبي بن كَعْب رَضِي اتعالى عَنْهُمَا؛ فِي ذَلِك. فَقَالَ أبي: الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد، يَعْنِي لَا تكره. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك وَفِي الثِّيَاب قلَّة، فَقَالَ عمر: القَوْل مَا قَالَ أبي، وَلم يأل ابْن مَسْعُود أَي: لم يقصر. قلت: اخْتِلَاف أبي وَابْن مَسْعُود فِي ذَلِك لَا يدل على أَن السَّائِل من عمر هُوَ ابْن مَسْعُود بِعَيْنِه، وَيحْتَمل أَن يكون أبي، وَالِاحْتِمَال مَوْجُود فيهمَا، مَعَ أَنه حدس وتخمين. وَأما اخْتِلَافهمَا فِي ذَلِك فقد أخرجه عبد الرَّزَّاق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عمر وَعَن الْحسن قَالَ: اخْتلف أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود فِي الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد، فَقَالَ أبي: لَا بَأْس بِهِ، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك إِذْ كَانَ النَّاس لَا يَجدونَ ثيابًا. فَأَما إِذا وجدوها فَالصَّلَاة فِي ثَوْبَيْنِ. فَقَامَ عمر على الْمِنْبَر فَقَالَ: الصَّوَاب مَا قَالَ أبي لَا مَا قَالَ ابْن مَسْعُود. قَوْله: (فَقَالَ: إِذا وسع ا) أَي: فَقَالَ عمر فِي جَوَاب الرجل الَّذِي سَأَلَهُ عَن الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْوَاحِد.
قَوْله: (جمع رجل عَلَيْهِ) الخ من بَقِيَّة قَول عمر. وتتمة كَلَامه، وَالضَّمِير فِي: عَلَيْهِ، يرجع إِلَى الرجل: أَي جمع رجل على نَفسه ثِيَابه، وَلَفظه: جمع، وَإِن كَانَت صِيغَة الْمَاضِي وَلَكِن المُرَاد مِنْهَا الْأَمر، وَكَذَلِكَ قَوْله: (صلى) . فَلذَلِك قَالَ ابْن بطال: يُرِيد ليجمع عَلَيْهِ ثِيَابه وَليصل فِيهَا، ذكره بِلَفْظ الْمَاضِي وَمرَاده الْمُسْتَقْبل، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِذ قَالَ ايا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس} (الْمَائِدَة: ٦١١) وَالْمعْنَى: يَقُول ا، يدل عَلَيْهِ قَول عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {مَا قلت لَهُم إلَاّ مَا أَمرتنِي بِهِ} (الْمَائِدَة: ٧١١) . قَوْله: (صلى رجل) . أَي: ليصل رجل فِي إِزَار ورداء، وَهَذِه تسع صور. الأولى: هَذِه، وَالْفرق بَين الْإِزَار والرداء بِحَسب الْعرف، لِأَن الْإِزَار لِلنِّصْفِ الْأَسْفَل، وَالرَّدّ لِلنِّصْفِ الْأَعْلَى. الثَّانِيَة: من الصُّور: هِيَ قَوْله: (فِي إِزَار وقميص) أَي: ليصل فِي إِزَار وقميص. الثَّالِثَة: قَوْله: (فِي إِزَار وقباء) ، أَي: ليصل فيهمَا، وَإِنَّمَا قدم هَذِه الثَّلَاثَة لِأَنَّهَا أستر وَأكْثر اسْتِعْمَالا. الرَّابِعَة: قَوْله: (فِي سَرَاوِيل ورداء) أَي: ليصل فيهمَا. الْخَامِسَة: قَوْله: (فِي سَرَاوِيل وقميص) . السَّادِسَة: قَوْله: (فِي سَرَاوِيل وقباء) . السَّابِعَة: قَوْله: (فِي تبان وقباء) . الثَّامِنَة: قَوْله: (فِي تبان وقميص) . التَّاسِعَة: قَوْله: (فِي تبان ورداء) . وَلم يقْصد بذلك الْعدَد الْحصْر، بل ألحق بذلك مَا يقوم مقَامه.
فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يَقُول: أَو كَذَا أَو كَذَا. بِحرف الْعَطف. فَلم ترك حرف الْعَطف؟ قلت: أخرج هَذَا على سَبِيل التعداد فَلَا حَاجَة إِلَى ذكر حرف
الْعَطف، كَمَا فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (تصدق امْرُؤ من ديناره من درهمه من صَاع تمره) . وَيجوز أَن يُقَال: حذف حرف الْعَطف على قَول من يجوز ذَلِك من النُّحَاة، وَالتَّقْدِير حينئذٍ: صلى رجل فِي إِزَار ورداء، أَو فِي إِزَار وقميص، أَو فِي إِزَار وقباء. إِلَى آخِره كَذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ من بَاب الْإِبْدَال. قلت: كَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مَا قَالَه ابْن الْمُنِير: إِنَّه كَلَام فِي معنى الشَّرْط، كَأَنَّهُ قَالَ: إِن جمع رجل عَلَيْهِ ثِيَابه فَحسن، ثمَّ فصل الْجمع بصور على الْبَدَلِيَّة. قَوْله: (قَالَ وَأَحْسبهُ) أَي: قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: وأحسب عمر قَالَ: فِي ثِيَاب ورداء. فَإِن قلت: كَيفَ يدْخل حرف الْعَطف بَين قَوْله ومقوله؟ قلت: هُوَ عطف على مُقَدّر تَقْدِيره: بَقِي شَيْء من الصُّور الْمَذْكُورَة، وَأَحْسبهُ قَالَ: فِي تبان ورداء.
فَإِن قلت: كَيفَ لم يجْزم بِهِ أَبُو هُرَيْرَة، بل ذكره بالحسبان؟ قلت: لِإِمْكَان أَن عمر أهمل ذَلِك، لِأَن التبَّان لَا يستر الْعَوْرَة كلهَا بِنَاء على أَن الْفَخْذ من الْعَوْرَة، فالستر بِهِ حَاصِل مَعَ القباء وَمَعَ الْقَمِيص، وَأما الرِّدَاء فقد لَا يحصل. وَرَأى أَبُو هُرَيْرَة أَن انحصار الْقِسْمَة يَقْتَضِي ذكر هَذِه الصُّور، وَأَن السّتْر قد يحصل بهَا إِذا كَانَ الرِّدَاء سابغاً. وَقَالَ ابْن بطال: اللَّازِم من الثِّيَاب فِي الصَّلَاة ثوب وَاحِد سَاتِر للعورة، وَقَول عمر رَضِي اتعالى عَنهُ؛ إِذا وسع ا، يدل عَلَيْهِ، وَجمع الثِّيَاب فِيهَا اخْتِيَار واستحسان. وَيُقَال: ذكر صوراً تسعا: ثَلَاثَة مِنْهَا سابغة: الرِّدَاء ثمَّ الْقَمِيص ثمَّ القباء، وَثَلَاثَة نَاقِصَة: الْإِزَار ثمَّ السَّرَاوِيل ثمَّ التبَّان، وأفضلها: الْإِزَار ثمَّ السَّرَاوِيل، وَمِنْهُم من عكس. وَاخْتلف أَصْحَاب مَالك فِيمَن صلى فِي سَرَاوِيل وَهُوَ قَادر على الثِّيَاب، فَفِي (الْمُدَوَّنَة) : لَا يُعِيد فِي الْوَقْت وَلَا فِي غَيره. وَعَن ابْن الْقَاسِم مثله، وَعَن أَشهب عَلَيْهِ الْإِعَادَة فِي الْوَقْت، وَعنهُ أَن صلَاته تَامَّة إِن كَانَ ضيقا. وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه، قَالَ: (نهى رَسُول ا، أَن يُصَلِّي فِي لِحَاف وَلَا يوشح بِهِ) . وَالْآخر: أَن تصلي فِي سَرَاوِيل لَيْسَ عَلَيْك رِدَاء، وبظاهره أَخذ بعض أَصْحَابنَا. وَقَالَ: تكره الصَّلَاة فِي السَّرَاوِيل وَحدهَا، وَالصَّحِيح أَنه إِذا ستر عَوْرَته لَا تكره الصَّلَاة فِيهِ.
٦٦٣٢٣ - ح دّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيَ قالَ حدّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قالَ سَألَ رَجُلٌ رسولَ الله فقالَ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ فقالَ لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ ولَا السَّرَاويلَ وَلَا البُرنسَ وَلَا ثَوْباً مَسَّهُ الزَّعْفَرانُ وَلَا وَرْسٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فلْيلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَينِ. .
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ جَوَاز الصَّلَاة بِدُونِ الْقَمِيص والسراويل.
وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي آخر الْعلم عَن عَاصِم بن عَليّ أَيْضا. وَأخرجه فِي الْعلم، وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن آدم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَيْضا فِي الْحَج عَن أَحْمد بن عبد ابْن يُونُس عَنهُ بِهِ، وَسَيَجِيءُ الْبَحْث فِيهِ فِي كتاب الْحَج مُسْتَوفى، إِن شَاءَ اتعالى.
وَعَاصِم بن عَليّ بن عَاصِم أَبُو الْحُسَيْن الوَاسِطِيّ، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بواسط. وَابْن أبي ذِئْب هُوَ: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب. وَالزهْرِيّ هُوَ: مُحَمَّد بن مُسلم.
قَوْله: (فَقَالَ) الْفَاء فِيهِ تفسيرية إِذْ هُوَ نفس: سَأَلَ. قَوْله: (وَلَا ثوبا) رُوِيَ بِالنّصب وَالرَّفْع، وَتقدم بَيَان جَوَازه فِي آخر كتاب الْعلم. قَوْله: (حَتَّى يَكُونَا) بِصُورَة التَّثْنِيَة، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: (حَتَّى يكون) ، بِالْإِفْرَادِ على تَقْدِير كل وَاحِد مِنْهُمَا.
وَعَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ مِثْلَهُ.
٥٠
- ٥٠ - ٠ أَي: رُوِيَ عَن نَافِع مولى ابْن عمر عَنهُ عَن النَّبِي مثل حَدِيث سَالم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون عطفا على سَالم، فَيكون مُتَّصِلا. وشنع بَعضهم عَلَيْهِ. وَقَالَ: التجويزات الْعَقْلِيَّة لَا يجوز اسْتِعْمَالهَا فِي الْأُمُور النقلية. قلت: هَذَا تشنيع غير موجه، لِأَن الْكرْمَانِي إِنَّمَا قَالَ: هَذَا تَعْلِيق بِالنّظرِ إِلَى ظَاهر الصُّورَة، وَلم يجْزم بذلك، وَلِهَذَا قَالَ: وَيحْتَمل إِلَى آخِره، ثمَّ إِنَّه قَالَ: عطفا على سَالم، وَقَالَ بَعضهم: وَعَن نَافِع، عطف على قَوْله: عَن الزُّهْرِيّ، قلت: قَصده بذلك إِظْهَار الْمُخَالفَة بِأَيّ وَجه يكون، وإلَاّ فَلَا فَسَاد فِي الْمَعْنى، بل كِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد.
وَرِوَايَة نَافِع هَذِه أخرجهَا البُخَارِيّ فِي آخر كتاب الْعلم عَن آدم عَن
ابْن أبي ذِئْب عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي، وَعَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم (عَن ابْن عمر عَن النَّبِي أَن رجلا سَأَلَهُ: مَا يلبس الْمحرم؟) الحَدِيث، فَتقدم طَرِيق نَافِع وَعطف عَلَيْهِ طَرِيق الزُّهْرِيّ، وَهَهُنَا عكس ذَاك حَيْثُ قدم طَرِيق الزُّهْرِيّ وَعطف عَلَيْهِ طَرِيق نَافِع.
٠١ - (بابُ مَا يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ستر الْعَوْرَة، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة، وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان الشَّيْء الَّذِي يستر، أَي: الَّذِي يجب ستره، وَكلمَة؛ من، بَيَانِيَّة فِي الْوَجْهَيْنِ، ثمَّ هَذَا أَعم من أَن يكون فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا، وَقيد بَعضهم قَوْله: أَي خَارج الصَّلَاة فَكَأَنَّهُ أَخذ ذَلِك من لفظ الأحتباء الَّذِي فِي حَدِيث الْبَاب، فَإِنَّهُ قيد النَّهْي فِيهِ بقوله: لَيْسَ على فرجه مِنْهُ شَيْء، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيص بِخَارِج الصَّلَاة، بل النَّهْي أَعم من أَن يكون فِي الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة، ثمَّ قَول هَذَا الْقَائِل: وَالظَّاهِر من تصرف المُصَنّف أَنه يرى أَن الْوَاجِب ستر السوءتين لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن الَّذِي، يدل على ذَلِك، أَي: تصرف مِنْهُ هَهُنَا. وَإِن كَانَ مذْهبه ذَلِك، والعورة: سوءة الْإِنْسَان وكل مَا يستحى مِنْهُ.
٧٦٣٣٣ - ح دّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدّثنا لَ يْثٌ عنِ ابْن شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أنَّهُ قَالَ نَهَى رسولُ الله عنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَأنْ يَحْتَبِيَ الرجلُ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. (الحَدِيث ٧٦٣ أَطْرَافه فِي: ١٩٩١، ٤٤١٢، ٧٤١٢، ٠٢٨٥، ٢٢٨٥، ٤٨٢٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (لَيْسَ على فرجه مِنْهُ شَيْء) فَإِن النَّهْي فِيهِ أَن يكون الْفرج مكشوفاً، فَهُوَ يدل على أَن ستر الْعَوْرَة وَاجِب، وَالْبَاب فِي ستر الْعَوْرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأَبُو سعيد اسْمه سعيد بن مَالك.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: قَول الصَّحَابِيّ عَن نهي النَّبِي. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بلخي وبصري ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي اللبَاس عَن مُحَمَّد عَن مخلد عَن ابْن جريج عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ، وَأخرجه فِي الْبيُوع عَن سعد بن عفير عَن اللَّيْث، وَفِي اللبَاس أَيْضا عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَأخرجه أَيْضا فِي الْبيُوع عَن عَبَّاس عَن عبد الْأَعْلَى عَن معمر، وَفِي الاسْتِئْذَان عَن عَليّ بن عبد اعن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن سعيد بن عفير عَن اللَّيْث، وَفِي اللبَاس عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَعَن عَمْرو النَّاقِد عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع عَن أَحْمد بن صَالح وَعَن قُتَيْبَة وَأبي الطَّاهِر بن السَّرْح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع عَن يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي، وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب، وَأخرجه فِي الزِّينَة أَيْضا عَن قُتَيْبَة بِهِ، وَأخرجه فِي الْبيُوع أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ، وَعَن الْحُسَيْن بن حُرَيْث عَن سُفْيَان بِالنَّهْي عَن البيعتين فِيهِ، وبالنهي عَن اللبستين فِي الزِّينَة. وَأخرجه ابْن ماجة فِي التِّجَارَات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَسَهل بن أبي سهل الرَّازِيّ كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان.
ذكر مَعْنَاهُ. قَوْله: (عَن اشْتِمَال الصماء) بالصَّاد الْمُهْملَة وَالْمدّ، وَاخْتلف فِي تَفْسِيره، فَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ أَن يُجَلل جسده كُله بالإزار أَو بالكساء، فَيردهُ من قبل يَمِينه على يَده الْيُسْرَى. وعاتقه الْأَيْسَر، ثمَّ يردهُ ثَانِيًا من خَلفه على يَده الْيُمْنَى وعاتقه الْأَيْمن فيغطيهما جَمِيعًا. وَفِي (النِّهَايَة) لِابْنِ الْأَثِير: هُوَ التجلل بِالثَّوْبِ وإرساله من غير أَن يرفع جَانِبه، وَفِي كتاب (اللبَاس) : هُوَ أَن يَجْعَل ثَوْبه على أحد عَاتِقيهِ فيبدو أحد شقيه لَيْسَ عَلَيْهِ ثوب، وَعَن الْأَصْمَعِي: هُوَ أَن يشْتَمل بِالثَّوْبِ حَتَّى يُجَلل بِهِ جسده لَا يرفع مِنْهُ جانباً فَلَا يبْقى مَا يخرج مِنْهُ يَده، وَعَن أبي عبيد: إِن الْفُقَهَاء يَقُولُونَ: هُوَ أَن يشْتَمل بِثَوْب وَاحِد لَيْسَ عَلَيْهِ غَيره ثمَّ يرفعهُ من أحد جانبيه فيضعه على أحد مَنْكِبَيْه فيبدو مِنْهُ فرجه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِذا قلت اشْتَمَل فلَان الصماء كَأَنَّك قلت: اشْتَمَل الشملة الَّتِي تعرف بِهَذَا الِاسْم، لِأَن الصماء ضرب من الاشتمال. انْتهى.
قلت: تَحْقِيق هَذِه الكملة أَن الاشتمال مُضَاف إِلَى الصماء، والصماء فِي الأَصْل صفة، يُقَال: صَخْرَة صماء إِذا لم يكن فِيهَا خرق وَلَا منفذ، وَمعنى النَّهْي عَن اشْتِمَال الصماء نهي عَن اشْتِمَال الثَّوْب كاشتمال الصَّخْرَة الصماء، واشتمالها كَون عدم الْخرق والمنافذ فِيهَا، وتشبيه الاشتمال الْمنْهِي بهَا كَونه يسد المنافذ كلهَا، وَالَّذِي ذكره الْكرْمَانِي لَيْسَ تَفْسِير مَا فِي لفظ الحَدِيث على مَا لَا يخفى. قَوْله:
(وَأَن يحتبي الرجل) أَي: وَنهي أَيْضا عَن أَن يحتبي الرجل، وَكلمَة: إِن مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير: وَعَن احتباء الرجل فِي ثوب وَاحِد، والاحتباء أَن يقْعد الْإِنْسَان على إليتيه وَينصب سَاقيه ويحتبي عَلَيْهِمَا بِثَوْب أَو نَحوه أَو بِيَدِهِ، وَاسم هَذِه الْقعدَة تسمى: الحبوة، بِضَم الْحَاء وَكسرهَا، وَكَانَ هَذَا الاحتباء عَادَة الْعَرَب فِي أَنْدِيَتهمْ ومجالسهم، وَإِن انْكَشَفَ مَعَه شَيْء من عَوْرَته فَهُوَ حرَام. وَقَالَ الْخطابِيّ: الاحتباء هُوَ أَن يحتبي الرجل بِالثَّوْبِ وَرجلَاهُ متجافيتان عَن بَطْنه، فَيبقى هُنَاكَ، إِذا لم يكن الثَّوْب وَاسِعًا قد أسبل شَيْئا مِنْهُ على فرجه، فُرْجَة تبدو مِنْهَا عَوْرَته. قَالَ: وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ إِذا كَانَ كاشفاً عَن فرجه. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الاحتباء أَن يجمع ظَهره وَرجلَيْهِ بِثَوْب.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ وَهُوَ حكمان: الأول: اشْتِمَال الصماء، وَقد نهى عَنهُ رَسُول ا، قَالُوا: على تَفْسِير أهل اللُّغَة: اشْتِمَال الصماء إِنَّمَا يكره لِئَلَّا تعرض لَهُ حَاجَة من دفع بعض الْهَوَام وَنَحْوهَا أَو غير ذَلِك، فيعسر أَو يتَعَذَّر عَلَيْهِ إِخْرَاج يَده، فيلحقه الضَّرَر. وعَلى تَفْسِير الْفُقَهَاء: يحرم الاشتمال الْمَذْكُور إِن انْكَشَفَ بِهِ بعض الْعَوْرَة، وَإِلَّا فَيكْرَه. وَالثَّانِي: النَّهْي عَن الاحتباء الَّذِي فِيهِ كشف الْعَوْرَة، وَهُوَ حرَام مُطلقًا، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا.
٨٦٣٤٣ - ح دّثنا قَبِيصَةُ بن عُقْبَةَ قالَ حدّثنا سُفْيَانُ عنْ أبي الزّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ نَهَى النبيُّ عنْ بَيْعَتَيْنِ عَن اللّمَاسِ والنّبَاذِ وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ وأنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحدٍ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: قبيصَة، بِفَتْح الْقَاف: بن عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ. الثَّالِث: أَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون: عبد ابْن ذكْوَان. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل بالحكاية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ، وَأَبُو الزِّنَاد راوية الْأَعْرَج، وَعَن البُخَارِيّ أصح الْأَسَانِيد كلهَا: مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَأَصَح أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة: أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع: هُنَا عَن قبيصَة، وَفِي الصَّلَاة عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة وَعَن مُحَمَّد عَن عَبدة بن سُلَيْمَان، وَفِي اللبَاس عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن الثَّقَفِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن عبيد ابْن عمر عَن حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه مُسلم بِهَذَا الطَّرِيق عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد ابْن نمير وَأبي أُسَامَة، وَعَن مُحَمَّد بن عبد ابْن نمير عَن أَبِيه، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن عبيد ابْن عمر، وَأخرجه أَيْضا فِي الْبيُوع عَن أبي كريب وَابْن أبي عمر، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أبي كريب ومحمود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِيهِ من طَرِيق حَفْص بن عَاصِم. وَأخرجه ابْن ماجة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ مُنْقَطِعًا فِي الصَّلَاة وَفِي التِّجَارَات وَفِي اللبَاس.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (عَن بيعَتَيْنِ) تَثْنِيَة: بيعَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسرهَا، وَالْفرق بَينهمَا أَن؛ الفعلة، بِالْفَتْح، للمرة وبالكسر للحالة والهيئة. قَوْله: (عَن اللماس) بِكَسْر اللَّام، وَهُوَ مصدر من: لامس، من بَاب: فَاعل. وَقد علم أَن مصدره يَأْتِي على: مفاعلة، مثل: ملامسة. وعَلى: فعال، مثل: لماس. وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي (النباذ) ، بِكَسْر النُّون وبالذال الْمُعْجَمَة، يَأْتِي من بَابه: فعال، مثل: نباذ، و: مفاعلة، مثل: منابذة. وَفسّر: اللماس، فِي كتاب البيع بِأَنَّهُ لمس الثَّوْب بِلَا نظر إِلَيْهِ، والنباذ: بِأَن الرجل يطْرَح ثَوْبه بِالْبيعِ قبل أَن يقلبه أَو ينظر إِلَيْهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إِن لِأَصْحَابِنَا فِي الْمُلَامسَة تأويلات. أَحدهَا: أَن يَأْتِي بِثَوْب مطوي أَو فِي ظلمَة، فيلمسه المستام، فَيَقُول صَاحبه: بعتكه بِكَذَا بِشَرْط أَن يقوم لمسك مقَام نظرك، وَلَا خِيَار لَك إِذا رَأَيْته. الثَّانِي: أَن يجعلا نفس اللَّمْس بيعا، فَيَقُول إِذا لمسته فَهُوَ مَبِيع لَك. الثَّالِث: أَن يَبِيعهُ شَيْئا على أَنه مَتى لمسه انْقَطع خِيَار الْمجْلس.
وَفِي الْمُنَابذَة أَيْضا ثَلَاثَة أوجه، أَن يَجْعَل نفس. النبذ بيعا، وَأَن يَقُول: إِذا نَبَذته إِلَيْك انْقَطع الْخِيَار. وَإِن يُرَاد بِهِ نبذ الْحَصَا، وَله أَيْضا تأويلات أَن يَقُول: بِعْتُك من هَذِه الأثواب مَا وَقعت عَلَيْهِ الْحَصَاة الَّتِي أرميها، وَأَن يَقُول: لَك الْخِيَار إِلَى أَن أرمي بِهَذِهِ الْحَصَاة، وَأَن يجعلا نفس الرَّمْي بالحصاة بيعا، فَيَقُول: إِذْ رميت هَذَا الثَّوْب بالحصاة فَهُوَ مَبِيع بِكَذَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا: الْمُلَامسَة والمنابذة وإلقاء الْحجر كَانَت بيوعاً فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ الرّجلَانِ يتساومان الْمَبِيع، وَإِذا ألْقى المُشْتَرِي عَلَيْهِ حَصَاة، أَو نبذه البَائِع إِلَى المُشْتَرِي، أَو لمسه المُشْتَرِي: لزم البيع، وَقد نهى الشَّارِع عَن ذَلِك. قَوْله: (وَأَن يشْتَمل) عطف على قَوْله: (عَن بيعَتَيْنِ) أَي: وَنهى أَيْضا أَن يشْتَمل. و: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي؛ وَعَن اشْتِمَال الصماء، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: (أَن يحتبي) وتفسيرهما قد مر، وَالْمُطلق فِي الاحتباء هُنَا مَحْمُول على الْمُقَيد فِي الحَدِيث الَّذِي قبله.
٩٦٣٥٣ - ح دّثنا إسْحَاقُ قالَ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْرَاهِيمَ قالَ حدّثنا ابنُ أخِي ابنِ شِهابٍ عنْ عَمِّهِ قَالَ أخبرَني حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ بَعَثَني أبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمنىً أَلَاّ يُحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيانٌ قالَ حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ أرْدَفَ رسولُ اللَّهِ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَن يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٌ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ فأذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أهْلِ مِنىً يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَحُج بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ. (الحَدِيث ٩٦٣ أَطْرَافه فِي: ٢٢٦١، ٧٧١٣، ٣٦٣٤، ٥٥٦٤، ٦٥٦٤، ٧٥٦٤) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان) . فَإِن منع الطّواف عَارِيا يدل على وجوب ستر الْعَوْرَة، وَقد تقدم الْكَلَام فِي هَذَا الْجُزْء من هَذَا الحَدِيث فِي بَاب وجوب الصَّلَاة فِي الثِّيَاب.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين إِسْحَاق مُجَردا غير مَنْسُوب، فَلذَلِك تردد فِيهِ الْحفاظ، فَمنهمْ من قَالَ: إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَمِنْهُم من قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه، لِأَن كلَا مِنْهُمَا يروي عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَالنُّسْخَة الَّتِي فِيهَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هِيَ الْأَصَح. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: إِسْحَاق، أَي ابْن إِبْرَاهِيم الْمَشْهُور بِابْن رَاهَوَيْه فِي آخر بَاب فضل من علم. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي نُسْخَتي من طَرِيق أبي ذَر: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَتعين أَنه ابْن رَاهَوَيْه، إِذْ لم يرو البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل واسْمه إِبْرَاهِيم شَيْئا قلت: وُقُوع إِسْحَاق مَنْسُوبا فِي نسخته إِنَّمَا علم أَنه ابْن رَاهَوَيْه من جِهَة أبي ذَر لَا من جِهَة نسخته، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: أَولا وردده الْحفاظ بَين ابْن مَنْصُور وَبَين ابْن رَاهَوَيْه، فَكيف يُعلل بعد هَذَا بقوله: إِذْ لم يرو البُخَارِيّ عَن إِسْحَاق بن أبي إِسْرَائِيل؟ الثَّانِي: يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد، سبط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الثَّالِث: ابْن أخي بن شهَاب، هُوَ: مُحَمَّد بن عبد اابن أخي الزُّهْرِيّ، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب. الرَّابِع: عَمه، وَهُوَ الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: حميد، بِضَم الْحَاء؛ ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، رَضِي اتعالى عَنهُ. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَرْبَعَة زهريون، وهم: يَعْقُوب إِلَى أبي هُرَيْرَة. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن أبي الْيَمَان، وَفِي الْمَغَازِي عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي، وَفِي الْحَج عَن يحيى بن بكير، وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد بن عفير وَعَن عبد ابْن يُوسُف، وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن صَالح بن كيسَان. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن هَارُون بن سعيد، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى بن فَارس. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي.
ذكر مَعَانِيه قَوْله: (فِي تِلْكَ الْحجَّة) ، أَي الَّتِي أمَّر رَسُول الله الصّديق على الْحَاج، وَهِي قبل حجَّة الْوَدَاع بِسنة، وَهِي السّنة التَّاسِعَة كَمَا ذكر فِي (الْمَغَازِي) . قَوْله: (فِي مؤذنين) أَي: فِي رَهْط يُؤذنُونَ فِي النَّاس يَوْم النَّحْر، كَأَنَّهُ مقتبس مِمَّا قَالَ اتعالى: {وأذان من اورسوله إِلَى النَّاس يَوْم الْحَج الْأَكْبَر} (التَّوْبَة: ٣) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد، يَوْم الْحَج الْأَكْبَر يَوْم النَّحْر، وَالْحج الْأَكْبَر: قلت: الْحَج الْأَصْغَر الْعمرَة. قَوْله: (أَلَاّ يحجّ) ، أَصله: أَن لَا يحجّ، فادغمت النُّون فِي: لَا، فَصَارَ: ألَاّ، بِفَتْح الْهمزَة