الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٨٧
الحديث رقم ٤٦٨٧ من كتاب «سورة هود» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
سُورَةُ يُوسُفَ
وَقَالَ فُضَيْلٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مُتَّكَأً﴾ الْأُتْرُجُّ. قَالَ فُضَيْلٌ: الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: مُتْكًا كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿صُوَاعٌ﴾ مَكُّوكُ الْفَارِسِيِّ، الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الْأَعَاجِمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ تُجَهِّلُونِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: غَيَابَةٌ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ، ﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ بِمُصَدِّقٍ، ﴿أَشُدَّهُ﴾ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ. يُقَالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا شَدٌّ، وَالْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ، وَأَبْطَلَ الَّذِي قَالَ الْأُتْرُجُّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأُتْرُجُّ، فَلَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ الْمُتَّكَأُ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ فَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ الْمُتْكُ - سَاكِنَةَ التَّاءِ - وَإِنَّمَا الْمُتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا: مَتْكَاءُ، وَابْنُ الْمَتْكَاءِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أُتْرُجٌّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَاِ، ﴿شَغَفَهَا﴾ يُقَالُ: إِلَى شِغَافِهَا، وَهْوَ غِلَافُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعَفَهَا فَمِنَ الْمَشْعُوفِ، ﴿أَصْبُ﴾ أَمِيلُ، ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَالضِّغْثُ مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ لَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾
⦗٧٦⦘
وَاحِدُهَا ضِغْثٌ، نَمِيرُ مِنَ الْمِيرَةِ، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ، ﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ ضَمَّ إِلَيْهِ، السِّقَايَةُ مِكْيَالٌ، ﴿تَفْتَأُ﴾ لَا تَزَالُ، ﴿حَرَضًا﴾ مُحْرَضًا يُذِيبُكَ الْهَمُّ، تَحَسَّسُوا تَخَبَّرُوا، ﴿مُزْجَاةٌٍ﴾ قَلِيلَةٌٍ، ﴿غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ﴾ عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ.
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾
٤٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عن أمر الله وصدوا قَوْلُهُ: (زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا بَرِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بَدَلَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ أَصْوَبُ؛ لِأَنَّ بَرِيدَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، فَأَبُو بُرْدَةَ جَدُّهُ لَا أَبُوهُ، لَكِنْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْأَبَ عَلَيْهِ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ أَيْ: يُمْهِلُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي وَرُبَّمَا قَالَ يُمْهِلُ وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ يَزِيدَ قَالَ يُمْلِي وَلَمْ يَشُكَّ. قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ يُمْلِي وَلَمْ يَشُكَّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ أَيْ لَمْ يُخَلِّصْهُ، أَيْ إِذَا أَهْلَكَهُ لَمْ يَرْفَعْ عَنْهُ الْهَلَاكَ، وَهَذَا عَلَى تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِنْ فُسِّرَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ فَيُحْمَلُ كُلٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى لَمْ يُفْلِتْهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الظَّالِمَ إِذَا صُرِفَ عَنْ مَنْصِبِهِ وَأُهِينَ لَا يَعُودُ إِلَى عِزِّهِ، وَالْمُشَاهَدُ فِي بَعْضِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦ - بَاب ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ وَزُلَفًا: سَاعَاتٍ بَعْدَ سَاعَاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، الزُّلَفُ: مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ. وَأَمَّا ﴿زُلْفَى﴾ فَمَصْدَرٌ مِنْ الْقُرْبَى. ازْدَلَفُوا: اجْتَمَعُوا. أَزْلَفْنَا: جَمَعْنَا.
٤٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ؟ قَالَ: لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَكْمَلَ غَيْرُهُ الْآيَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِطَرَفَيِ النَّهَارِ فَقِيلَ: الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ، وَقِيلَ: الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ حَبِيبٍ: الصُّبْحُ طَرَفٌ وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ طَرَفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَزُلَفًا﴾ سَاعَاتٌ بَعْدَ سَاعَاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، الزُّلَفُ مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ، وَأَمَّا زُلْفَى فَمَصْدَرٌ مِنَ الْقُرْبَى، ازْدَلَفُوا اجْتَمَعُوا، أَزْلَفْنَا جَمَعْنَا) انْتَهَى. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ سَاعَاتٌ وَاحِدَتُهَا زُلْفَةٌ أَيْ سَاعَةٌ وَمَنْزِلَةٌ وَقُرْبَةٌ، وَمِنْهَا سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، قَالَ الْعَجَّاجُ:
نَاجٍ طَوَاهُ الْأَيْنُ مِمَّا وَجَفَا … طَيُّ اللَّيَالِي زُلَفًا فَزُلَفَا
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: قُرِّبَتْ وَأُدْنِيَتْ، وَلَهُ عِنْدِي زُلْفَى أَيْ قُرْبَى، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أَيْ جَمَعْنَا، وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالزُّلَفِ، فَعَنْ مَالِكٍ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّ زُلَفًا جَمْعٌ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ فَيُضَافُ إِلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْوِتْرُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهَا قَالَ قَتَادَةُ: طَرَفَيِ النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى،
عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَكَانَ لِمُسَدَّدٍ فِيهِ شَيْخَانِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) هُوَ النَّهْدِيُّ، فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً أَوْ مَسًّا بِيَدٍ أَوْ شَيْئًا، كَأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَةِ ذَلِكَ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سُلَيْمَانِ التَّيْمِيِّ بِإِسْنَادِهِ ضَرَبَ رَجُلٌ عَلَى كَفَلِ امْرَأَةٍ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً فِي بُسْتَانٍ فَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا، قَبَّلْتُهَا وَلَزِمْتُهَا، فَافْعَلْ بِي مَا شِئْتُ الْحَدِيثَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: جَاءَ فُلَانٌ بْنُ مُعْتَبٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلْتُ عَلَى امْرَأَةٍ فَنِلْتُ مِنْهَا مَا يَنَالُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ إِلَّا أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ لَكِنْ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مُعْتَبٌ وَقَدْ جَاءَ أَنَّ اسْمَهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ أَبُو الْيَسَرِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْأَنْصَارِيُّ.
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا قَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، فَقَالَتْ لَهُ: بِعْنِي تَمْرًا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا وَأَعْجَبَتْنِي: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْ هَذَا، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ فَغَمَزَهَا وَقَبَّلَهَا ثُمَّ فَرَغَ، فَخَرَجَ فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ تُبْ وَلَا تَعُدْ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَنَزَلَتْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَجُلٍ يَبِيعُ التَّمْرَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ حَسْنَاءَ جَمِيلَةً، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا أَعْجَبَتْهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ وَلَا الْمَرْأَةَ وَلَا زَوْجَهَا، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ بيهان التَّمَّارِ، وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ غُزِّيَّةَ، وَقِيلَ أَبُو عَمْرٍو زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ غُزِّيَّةَ، وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، وَقِيلَ عَبَّادُ.
قُلْتُ: وَقِصَّةُ نَبْهَانُ التَّمَّارِ ذَكَرَهَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبْهَانًا التَّمَّارَ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءَ جَمِيلَةً تَبْتَاعُ مِنْهُ تَمْرًا، فَضَرَبَ عَلَى عَجِيزَتِهَا ثُمَّ نَدِمَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةَ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَهَبَ يَبْكِي وَيَصُومُ وَيَقُومُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ الْآيَةَ، فَأَخْبَرَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ تَوْبَتِي قُبِلَتْ، فَكَيْفَ لِي بِأَنْ يُتَقَبَّلَ شُكْرِي؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الْآيَةَ، قُلْتُ: وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى وَاقِعَةٍ أُخْرَى، لِمَا بَيْنَ السِّيَاقَيْنِ مِنَ الْمُغَايَرَةِ. وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنِ غُزِّيَّةَ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ قَالَ:
نَزَلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ غُزِّيَّةَ وَكَانَ يَبِيعُ التَّمْرَ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا فَأَعْجَبَتْهُ. الْحَدِيثَ. وَالْكَلْبِيُّ ضَعِيفٌ. فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ أَيْضًا عَلَى التَّعَدُّدِ. وَظَنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ غُزِّيَّةَ اسْمُ أَبِي الْيَسَرِ فَجَزَمَ بِهِ فَوَهِمَ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَعَا الرَّجُلَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكِ أَلَسْتَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ. وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. فَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى ظَاهِرُ سِيَاقِهَا أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ خَطِيئَةٍ فِيهَا حَدٌّ، فَأَطْلَقَ عَلَى مَا فَعَلَ حَدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا قِصَّةُ عَامِرِ بْنِ قَيْسٍ
فَذَكَرَهَا مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي تَفْسِيرِهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ عَبَّادِ فَحَكَاهَا الْقُرْطُبِيُّ وَلَمْ يَعْزُهَا، وَعَبَّادُ اسْمُ جَدِّ أَبِي الْيَسَرِ، فَلَعَلَّهُ نَسَبَ ثُمَّ سَقَطَ شَيْءٌ. وَأَقْوَى الْجَمِيعِ أَنَّهُ أَبُو الْيَسَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ أَتَى أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَيْضًا، وَقَالَ فِيهَا فَكُلُّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ كَفَّارَةِ ذَلِكَ قَالَ: أَمُعْزِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَا أَدْرِي. حَتَّى أَنْزَلَ. فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَقَعَتْ فِي حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِمَعْنَاهُ دُونَ قَوْلِهِ لَا أَدْرِي.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذِهِ)؟ أَيِ الْآيَةُ يَعْنِي خَاصَّةً بِي بِأَنَّ صَلَاتِي مُذْهِبَةٌ لِمَعْصِيَتِي. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ هُوَ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ. وَلِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ خَاصَّةٌ أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ؟ فَضَرَبَ عُمَرُ صَدْرَهُ وَقَالَ: لَا، وَلَا نِعْمَةُ عَيْنٍ، بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ عُمَرُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ فَقَالَ إِنْسَانٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ خَاصَّةٌ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ مُعَاذٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةٌ وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ، وَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ أَلِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ اسْتِفْهَامًا، وَقَوْلُهُ هَذَا مُبْتَدَأٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ عَلَيْهِ، وَفَائِدَتُهُ التَّخْصِيصُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي) تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ قَالَ: لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ. وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الْمُرْجِئَةُ وَقَالُوا: إِنَّ الْحَسَنَاتَ تُكَفِّرُ كُلِّ سَيِّئَةٍ كَبِيرَةٍ كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةٍ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ فَقَالَ طَائِفَةٌ: إِنِ اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ كَانَتِ الْحَسَنَاتُ كَفَّارَةً لِمَا عَدَا الْكَبَائِرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ لَمْ تُجْتَنَبُ الْكَبَائِرُ لَمْ تَحُطَّ الْحَسَنَاتُ شَيْئًا. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ لَمْ تُجْتَنَبِ الْكَبَائِرُ لَمْ تَحُطَّ الْحَسَنَاتُ شَيْئًا مِنْهَا وَتَحُطُّ الصَّغَائِرُ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْحَسَنَاتَ تَكُونُ سَبَبًا فِي تَرْكِ السَّيِّئَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ لَا أَنَّهَا تُكَفِّرُ شَيْئًا حَقِيقَةً، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ إِلَى أَنَّ الْحَسَنَاتَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَيَرِدُ الْحَثُّ عَلَى التَّوْبَةِ فِي أَيِّ كَبِيرَةٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْحَسَنَاتُ تُكَفِّرُ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى التَّوْبَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَنَحْوِهِمَا، وَعَلَى سُقُوطِ التَّعْزِيرِ عَمَّنْ أَتَى شَيْئًا مِنْهَا وَجَاءَ تَائِبًا نَادِمًا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
١٢ - سُورَةُ يُوسُفَ
وَقَالَ فَضِيلٌ، عَنْ حَصِينِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: مُتَّكَأً: الْأُتْرُجُّ. بِالْحَبَشِيَّةِ مُتَكَا. وقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: مُتَّكَأً: كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَذُو عِلْمٍ: عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: صُوَاعَ: مَكُّوكُ الْفَارِسِيَّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الْأَعَاجِمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُفَنِّدُونَ: تَجْهَلُونَ وَقَالَ غَيْرُهُ: غَيَابَةُ الْجُبِّ: كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ: الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَطْوِ. بِمُؤْمِنٍ لَنَا: بِمُصَدِّقٍ. أَشُدُّهُ: قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ في النُّقْصَانِ، يُقَالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا شَدَّ. وَالْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأَتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ. وَأَبْطَلَ الَّذِي قَالَ الْأُتْرُجُّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ
الْأُتْرُجُّ، فَلَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ الْمُتَّكَأُ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرِّ مِنْهُ فَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ الْمَتْكُ سَاكِنَةُ التَّاءِ، وَإِنَّمَا الْمَتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا: مَتْكَاءُ فَإِنْ كَانَ ثُمَّ أَتُرَجُّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَأِ. شَغَفُهَا يُقَالُ: بَلَغَ إِلَى شَغَفِهَا وَهُوَ غِلَافُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعفُهَا فَمِنَ الْمَشْعوفِ. أَصُبُّ إِلَيْهِنَّ: أَمِيلُ إِلَيْهِنَّ حُبًّا. أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ: مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَالضَّغْثُ: مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ لَا مِنْ قَوْلِهِ (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ) وَاحِدُهَا: ضِغْثٌ. (نَمِيرُ): مِنَ الْمِيرَةِ. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ مَا يَحْمِلُ بِعِيرٌ. ﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ ضُمَّ إِلَيْهِ. السِّقَايَةُ: مِكْيَالٌ. تَفْتَأُ: لَا تَزَالُ. اسْتَيْأَسُوا: يَئِسُوا. وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رُوحِ اللَّهِ مَعْنَاهُ الرَّجَاءُ.
خَلَصُوا نَجَّيَا: اعتزلوا نَجَّيَا، وَالْجَمْعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ، الْوَاحِدُ نُجِّيَ، وَالْاثْنَانُ وَالْجَمْعُ نُجِّيَ وَأَنْجِيَةٌ. حَرَضًا: مُحَرَضًا يُذِيبَكَ الْهَمُّ. (تَحَسَّسُوا) تُخْبِرُوا. مُزْجَاةٍ: قَلِيلَةٌ. غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ: عَامَّةٌ مُجَلَّلَةٌ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ يُوسُفَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فُضَيْلٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُتَّكَأً الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: مُتْكًا الْأُتْرُجُّ. قَالَ فُضَيْلٌ: الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا. وَهَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ. وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ مُسَدَّدٍ رِوَايَةُ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قَالَ: أُتْرُجٌّ. وَرَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَزَادَ فِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قَالَ: طَعَامًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مُتْكًا كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ) هَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ بِهَذَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْمُتَّكَأُ بِالتَّثْقِيلِ الطَّعَامُ وَبِالتَّخْفِيفِ الْأُتْرُجُّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْهُ أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ بَلَغَ أَشُدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ. وَيُقَالُ بَلَغُوا أَشُدَّهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاحِدُهَا شَدٌّ. وَالْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ وَأَبْطَلَ الَّذِي قَالَ الْأُتْرُجُّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأُتْرُجُّ، فَلَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْمُتَّكَأَ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ وَقَالُوا إِنَّمَا هُوَ الْمُتْكُ سَاكِنَةُ التَّاءِ، وَإِنَّمَا الْمُتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا مَتْكَاءَ وَابْنِ الْمَتْكَاءِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أَتَرَجَّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَأِ) قُلْتُ: وَقَعَ هَذَا مُتَرَاخِيًا عَمَّا قَبْلَهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَالصَّوَابُ إِيرَادُهُ تِلْوَهُ، فَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْأَشُدِّ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْآحَادِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ وَاحِدُهُ شِدَّةٌ، وَكَذَا قَالَ الْكِسَائِيُّ لَكِنْ بِلَا هَاءٍ.
وَاخْتَلَفَ النَّقَلَةُ فِي قَدْرِ الْأَشَدِّ الَّذِي بَلَغَهُ يُوسُفُ فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ الْحُلُمُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ عِشْرُونَ وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَقِيلَ مَا بَيْنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ إِلَى ثَلَاثِينَ، وَفِي غَيْرِهِ قِيلَ الْأَكْثَرُ أَرْبَعُونَ وَقِيلَ ثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَقِيلَ سِتُّونَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وَكَانَ النَّبِيُّ لَا يُنَبَّأُ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عِيسَى ﵇ نُبِّئَ لِدُونِ أَرْبَعِينَ وَيَحْيَى كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وَسُلَيْمَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشُدِّ بُلُوغُ سِنِّ الْحُلُمِ.
فَفِي حَقِّ يُوسُفَ ﵇ ظَاهِرٌ وَلِهَذَا جَاءَ بَعْدَهُ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ وَفِي حَقِّ مُوسَى ﵇ لَعَلَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَبُلُوغِ الْأَرْبَعِينَ وَلِهَذَا جَاءَ بَعْدَهُ ﴿وَاسْتَوَى﴾ وَوَقَعَ فِي قَوْلِهِ ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعِينَ لَيْسَتْ حَدًّا لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُتَّكَأُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَعْتَدَتْ أَفْعَلَتْ مِنَ الْعَتَادِ وَمَعْنَاهُ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً أَيْ نُمْرُقًا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ التُّرُنْجُ وَهَذَا أَبْطَلُ بَاطِلٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُتَّكَأِ تُرُنْجٌ يَأْكُلُونَهُ، وَيُقَالُ أَلْقَى لَهُ مُتَّكَأً يَجْلِسُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأُتْرُجُّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَفْسِيرُ الْمُتَّكَأِ بِالْأُتْرُجِّ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَفِي الْأُتْرُجِّ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ثَانِيهَا بِالنُّونِ وَثَالِثُهَا مِثْلُهَا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَفِي الْمُفْرَدِ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ الْبِطِّيخَ وَالْمَوْزَ، وَقِيلَ كَانَ مَعَ الْأُتْرُجِّ عَسَلٌ، وَقِيلَ كَانَ لِلطَّعَامِ الْمَذْكُورِ بَزْمَاوَرْدُ، لَكِنْ مَا نَفَاهُ الْمُؤَلِّفُ ﵀ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْدَةَ قَدْ أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ. قَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَوْفِ الْأَعْرَابِيِّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا مُتْكًا مُخَفَّفَةً وَيُقَالُ هُوَ الْأُتْرُجُّ، وَقَدْ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ وَتَبِعَهُ الْأَخْفَشُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ، وَالْقَالِيُّ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ كَصَاحِبِ الْمُحْكَمِ وَالْجَامِعِ وَالصِّحَاحِ، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا: أَهْلُ عُمَانِ يُسَمُّونَ السَّوْسَنَ الْمُتَّكَأَ، وَقِيلَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ الْأُتْرُجُّ وَبِفَتْحِهِ السَّوْسَنُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُتَّكَأُ مَا تُبْقِيهِ الْخَاتِنَةُ بَعْدَ الْخِتَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَتْكَاءُ الَّتِي لَمْ تُخْتَنْ، وَعَنِ الْأَخْفَشِ الْمُتَّكَأُ الْأُتْرُجُّ.
(تَنْبِيهٌ):
مُتْكًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ هُوَ الَّذِي فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ بِالْأُتْرُجِّ أَوْ غَيْرِهِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ فَهُوَ مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِنْ وِسَادَةٍ وَغَيْرِهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْأَكَابِرِ عِنْدَ الضِّيَافَةِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ لَا يَكُونُ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ تَعَارُضٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَنْ قَرَأَهَا مُثَقَّلَةً قَالَ الطَّعَامُ، وَمَنْ قَرَأَهَا مُخَفَّفَةً قَالَ الْأُتْرُجُّ، ثُمَّ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّكَأُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْأُتْرُجِّ وَطَرَفِ الْبَظْرِ، وَالْبَظْرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الظَّاءِ الْمُشَالَةُ مَوْضِعُ الْخِتَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ الْبَظْرَاءُ الَّتِي لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْمُتَّكَأَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاتِّكَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ مُتَّكَأٌ بِمَعْنَى الْأُتْرُجُّ وَلَا بِمَعْنَى طَرَفِ الْبَظْرِ، فَجَاءَ فِيهَا بِعِبَارَاتٍ مُعَجْرَفَةٍ. كَذَا قَالَ فَوَقَعَ فِي أَشَدَّ مِمَّا أَنْكَرَهُ فَإِنَّهَا إِسَاءَةٌ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي لَا يَلِيقُ لِمَنْ يَتَصَدَّى لِشَرْحِ كَلَامِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْبَظْرَ فِي الْأَصْلِ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَهُ طَرَفٌ مِنَ الْجَسَدِ كَالثَّدْيِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ مَكُّوكُ الْفَارِسِيِّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ الْأَعَاجِمُ بِهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي غَرَائِبِ شُعْبَةَ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قَالَ: كَانَ كَهَيْئَةِ الْمَكُّوكِ مِنْ فِضَّةِ يَشْرَبُونَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ لِلْعَبَّاسِ مِثْلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَالْمَكُّوكُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَافَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ثَقِيلَةٌ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ هُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ.
(تَنْبِيهٌ):
قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿صُوَاعَ﴾، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ صَاعَ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ وَصَوْعَ الْمَلِكِ بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ مِثْلَهُ لَكِنْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ حَكَاهَا الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ تُجَهِّلُونُ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أَنْ
تُفَنِّدُونِ﴾ أَيْ تُسَفِّهُونَ، كَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَيْضًا أَتَمَّ مِنْهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قَالَ لَمَّا خَرَجَتِ الْعِيرُ هَاجَتْ رِيحٌ فَأَتَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ يُوسُفَ فَقَالَ ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قَالَ لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونَ، قَالَ فَوَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَوْلُهُ (تُفَنِّدُونَ) مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَنَدِ مُحَرَّكًا وَهُوَ الْهَرَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا هُوَ سَأَذْكُرُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ غَيَابَةُ إِلَخْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ بِمُصَدِّقٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أَيْ بِمُصَدِّقٍ.
قَوْلُهُ: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾ يُقَالُ بَلَغَ شِغَافَهَا وَهُوَ غِلَافُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعَفَهَا يَعْنِي بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمِنَ الشُّعُوفِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أَيْ وَصَلَ الْحُبُّ إِلَى شِغَافِ قَلْبِهَا وَهُوَ غِلَافُهُ، قَالَ وَيَقْرَأُهُ قَوْمٌ شَعَفَهَا أَيْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنَ الشُّعُوفِ انْتَهَى. وَالَّذِي قَرَأَهَا بِالْمُهْمَلَةِ أَبُو رَجَاءٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَعَوْفٌ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَرُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ وَالْجُمْهُورِ بِالْمُعْجَمَةِ، يُقَالُ مَشْغُوفٌ بِفُلَانٍ إِذَا بَلَغَ الْحُبُّ أَقْصَى الْمَذَاهِبِ، وَشِعَافُ الْجِبَالِ أَعْلَاهَا، وَالشِّغَافُ بِالْمُعْجَمَةِ حَبَّةُ الْقَلْبِ، وَقِيلَ عَلَقَةٌ سَوْدَاءُ فِي صَمِيمِهِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قُرَّةِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الشَّغَفُ - يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ - أَنْ يَكُونَ قُذِفَ فِي بَطْنِهَا حُبُّهُ، وَالشَّعَفُ يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ أَنْ يَكُونَ مَشْعُوفًا بِهَا. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ الشَّعَفَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْبُغْضُ وَبِالْمُعْجَمَةِ الْحُبُّ، وَغَلَّطَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: إِنَّ الشَّعَفَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى عُمُومِ الْحُبِّ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَجْهَلَهُ ذُو عِلْمٍ بِكَلَامِهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أَمِيلُ إِلَيْهِنَّ حُبًّا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أَيْ أَهْوَاهُنَّ وَأَمِيلُ إِلَيْهِنَّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي … وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبَى
أَيْ يُمَالُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، الضِّغْثُ مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ لَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ ضِغْثًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ بِمَعْنَى مِلْءُ الْكَفِّ مِنَ الْحَشِيشِ لَا بِمَعْنَى مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ بِالْكَسْرِ وَهِيَ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيَا، وَأَرَاهُ جَمَاعَاتٌ تُجْمَعُ مِنَ الرُّؤْيَا كَمَا يُجْمَعُ الْحَشِيشُ فَيَقُولُ ضِغْثٌ أَيْ مِلْءُ كَفٍّ مِنْهُ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ قَالَ: أَخْلَاطُ أَحْلَامٍ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ قَالَ: هِيَ الْأَحْلَامُ الْكَاذِبَةُ.
قَوْلُهُ: (نَمِيرُ مِنَ الْمِيرَةِ، وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ مِنْ مِرْتُ تَمِيرُ مَيْرًا وَهِيَ الْمِيرَةُ نَأْتِيهِمْ وَنَشْتَرِي لَهُمُ الطَّعَامَ، وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أَيْ حِمْلَ بَعِيرٍ يُكَالُ لَهُ مَا حَمَلَ بَعِيرُهُ. وَرَوَى الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أَيْ كَيْلَ حِمَارٍ، وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِ لَيْسَ: هَذَا حَرْفٌ نَادِرٌ، ذَكَرَ مُقَاتِلٌ عَنِ الزَّبُورِ الْبَعِيرِ كُلِّ مَا يَحْمِلُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ وَلَيْسَ بِهَا إِبِلٌ. كَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عظةٌ لمن يتَّعظ إذا وعظ (﴿وَزُلَفًا﴾) بفتح اللَّام، أي: (سَاعَاتٍ بَعْدَ سَاعَاتٍ) واحدتُها: زلفةٌ، أي: ساعةٌ ومنزلةٌ (وَمِنْهُ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةُ) أي: لمجيء النَّاس إليها في ساعاتٍ من اللَّيل، أو لازدلافهم؛ يعني: لاقترابهم إلى الله، وحصول المنزلة لهم عنده فيها (الزُّلَفُ: مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ) فتكون بمعنى المنازل (وَأَمَّا زُلْفَى؛ فَمَصْدَرٌ مِنَ القُرْبَى) قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] (ازْدَلَفُوا) بالدَّال بعد الزَّاي (١)، أي: (اجْتَمَعُوا، أَزْلَفْنَا) أي: (جَمَعْنَا) قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعنا.
٤٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ) مصغَّرًا، ولغير أبي (٢) ذَرٍّ: «هو ابن زُرَيعٍ» قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديُّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَجُلًا) هو أبو اليسر كعبُ بن عمرٍو، وقيل: نبهان التَّمَّار، وقيل: عمرو بن غزيَّة (أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ) من الأنصار؛ كما عند ابن مردويه (قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) وعند مسلمٍ وأصحاب «السُّنن» من طريق سِمَاك بن حربٍ عن إبراهيم النَّخعيِّ عن علقمة والأسود عن ابن مسعودٍ: «جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله إنِّي وجدت امرأةً في بستانٍ ففعلت بها كلَّ شيءٍ، غيرَ أنِّي لم أجامعها، قبَّلتها ولزمتها، فافعل بي ما شئت» (فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ) ﷺ، والفاء عاطفةٌ على مقدَّرٍ، أي: فذكر له، فسكت رسول الله ﷺ، وصلَّى الرَّجل مع النَّبيِّ ﷺ؛ كما في حديث أنسٍ فأنزل الله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]: قَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ؟) بفتح الهمزة للاستفهام، أي: أهذه الآية بأنَّ صلاتي مذهبةٌ لمعصيتي مختصَّةٌ بي أو عامَّةٌ للنَّاس كلِّهم؟ (قَالَ) ﵊: (لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي)
واستنبط ابن المنذر منه: أنَّه لا حدَّ على مَن وُجد مع أجنبيَّةٍ في لحافٍ واحدٍ، وفيه عدم الحدِّ في القُبْلة ونحوها، وسقوط التَّعزير عمَّن أتى شيئًا منها وجاء تائبًا نادمًا.
وهذا الحديث قد سبق في «باب الصَّلاة كفَّارةٌ» من (١) «المواقيت» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٢٦].
(((١٢))) (سورة يُوسُفَ) ﵊ مكِّيَّةٌ؛ وهي مئةٌ وإحدى عشرة آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذَرٍّ، وسقطت لغيره.
(وَقَالَ فُضَيْلٌ) بضمِّ الفاء وفتح المعجمة، ابن عياض بن موسى الزَّاهد، المتوفَّى بمكَّة سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ، ممَّا وصله ابن المنذر ومسدَّد في «مسنده» (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر: (مُتْكًا) بضمِّ الميم وسكون الفوقية وتنوين الكاف من غير همزٍ، وهي قراءة ابن عبَّاسٍ وابن عمر ومجاهدٍ وقتادة والجحدريِّ: (الأُتْرُجُّ) بضمِّ الهمزة وسكون الفوقيَّة وضمِّ الرَّاء وتشديد الجيم، ولأبي ذَرٍّ: «الأترنج» بزيادة نونٍ بعد الرَّاء وتخفيف الجيم، لغتان، وأنشدوا:
فَأَهْدَتْ متكَةً لِبني أبيها … تخبُّ بها العَثَمْثَمَةُ الوَقاحُ
والعَثَمثمة من النُّوق: الشَّديدة، والذَّكر: عثمثم، والعَثَمْثَم: الأسد، والوَقَاح: بالواو المفتوحة والقاف، النَّاقة الصُّلبة (قَالَ فُضَيْلٌ) هو ابن عياضٍ، فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق يحيى بن يمانٍ عنه: (الأُتْرُجُّ) أي: بتشديد الجيم، وسقط لأبي ذَرٍّ «قال فضيلٌ: الأترجُّ» (بـ) اللُّغة (الحَبَشِيَّةِ مُتْكًا) بضمِّ الميم وسكون التَّاء وتنوين الكاف من غير همزٍ.
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله في «مسنده» (عَنْ رَجُلٍ) لم يُسَمَّ (عَنْ مُجَاهِدٍ: (مُتْكًا)) بسكون التَّاء من غير همزٍ كالسَّابق: (كُلُّ شَيْءٍ) ولأبي ذَرٍّ: «قال: كلُّ شيءٍ» (قُطِعَ بِالسِّكِّينِ) كالأترجِّ وغيره من الفواكه، وأنشدوا (١):
نَشْربُ الإثمَ بالصُّواع جهارًا … ونرى المُتْكَ بيننا مُستعارا
قيل: وهو (٢) من: مَتَك؛ بمعنى: بتك الشَّيء، أي: قطعه، فعلى هذا يحتمل أن تكون الميم بدلًا من الباء، وهو بدلٌ مطَّردٌ في لغة قومٍ، ويحتمل أن تكون مادَّة أخرى وافقت هذه.
(وَقَالَ قَتَادَةُ) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ (٣)﴾ (﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ [يوسف: ٦٨]) وزاد أبو ذَرٍّ «﴿لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾»
أي: (عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ) وصله ابن أبي حاتمٍ، والضَّمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ ليعقوب، كما يرشد إليه قوله: ﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨].
(وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) فيما رواه ابن منده وابن مردويه، ولأبي ذَرٍّ: «سعيد بن جبيرٍ»: (صُوَاعٌ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾»: (مَكُّوكُ الفَارِسِيِّ) بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى مضمومةً، مكيالٌ معروفٌ لأهل العراق؛ وهو (الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأَعَاجِمُ) وكان من فضَّةٍ، وزاد ابن إسحاق: مرصَّعًا بالجواهر، كان يُسقَى به الملِك، ثمَّ جُعِل صاعًا يُكال به.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله: ﴿لَوْلَا أَن﴾ (﴿تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤]) أي: (تُجَهِّلُونِ) وقال الضَّحَّاك: تهرِّمون فتقولون: شيخٌ كبيرٌ قد ذهب عقله، وعند ابن مردويه عن ابن عبَّاسٍ في قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] لمَّا خرجت العير؛ هاجت ريحٌ فأتت يعقوبَ بريحِ يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ قال: لولا أن (١) تسفِّهون، قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيَّامٍ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠] (غَيَابَةٌ) بالرَّفع: (كُلُّ شَيْءٍ) مبتدأٌ، وفي نسخةٍ: «غيابةٍ» بالجرِّ والَّذي في «اليونينيَّة»: «غيابةٌ» بالرَّفع وبالفتح (٢): (غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا) في محلِّ جرٍّ صفةٌ لشيءٍ (٣)، و «شيئًا»: مفعولُ غيَّب (فَهْوَ غَيَابَةٌ) خبر المبتدأ، والمبتدأ إذا تضمَّن معنى الشَّرط؛ تدخل الفاء في خبره (وَالجُبُّ) بالجيم: (الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ) قاله أبو عبيدة، وسُمِّي به (٤) لكونه محفورًا في جبوب (٥) الأرض، أي: ما غَلُظ منها، والغَيَابة: قال الهرويُّ: شِبْهُ طاقٍ في البئر فويق الماء، يُغيَّب ما فيه عن (٦) العيون، وقال الكلبيُّ: تكون في قعر الجبِّ؛ لأنَّ أسفله واسعٌ ورأسه ضيِّقٌ، فلا يكاد النَّاظر يرى ما في جوانبه، والألف واللَّام في «الجُبُّ» للعهد، فقيل: هو جبُّ بيت المقدس، وقيل: بأرض الأُردن، وقيل: على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوب.
وقوله: ﴿وَمَا أَنتَ﴾ (﴿بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: ١٧]) أي: (بِمُصَدِّقٍ) لسوء ظنِّك بنا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ (﴿أَشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢]) أي: (قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ) وهو ما بين الثَّلاثين والأربعين، وقيل: سنُّ الشَّباب، ومبدؤه (١) قبل بلوغ الحلم (يُقَالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ) أي: فيكون «أشدَّ» في المفرد والجمع بلفظٍ واحدٍ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا) أي: الأشدُّ (شَدٌّ) بفتح الشِّين من غير همزةٍ (٢)، وهو قول سيبويهِ والكسائيِّ.
(وَالمُتَّكَأُ) بتشديد الفوقيَّة، وبعد الكاف همزةٌ على قراءة الجمهور، اسم مفعولٍ: (مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ) أي: لأجل شرابٍ … إلى آخره، (وَأَبْطَلَ) قول (الَّذِي قَالَ): إنَّ (٣) المتَّكأ هو (الأُتْرُجُّ) بتشديد الجيم للإدغام، ولأبي ذَرٍّ: «الأترنج» بالنُّون للفكِّ (وَلَيْسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ الأُتْرُجُّ) أي: ليس مفسَّرًا في كلامهم به، وهذا أخذه من كلام أبي عبيدة، ولفظه: وزعم قومٌ أنَّه التُّرُنج (٤)؛ وهذا أبطل باطلٍ في الأرض. انتهى. وتعقب بما في «المحكم» حيث قال: المتَّكأ: الأترنج، ونقله الجوهريُّ في «صحاحه» عن الأخفش، وقال أبو حنيفة الدِّينوريُّ: بالضَّمِّ: الأُترنج، وبالفتح: السَّوسن، وعن أبي عليٍّ القاليِّ وابن فارسٍ في «مجمله» (٥) نحوه، وعند عبد بن حميدٍ: أنَّ ابن عبَّاسٍ كان يقرأ: مُتْكًا، مخفَّفةً، ويقول: هو الأترجُّ (فَلَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ) بضمِّ التاء (٦)، أي: على القائلين بأنَّه
الأترجُّ (١)، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيما احْتُجَّ» بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل اللَّام (بِأَنَّهُ) ولأبي ذَرٍّ: «بأنَّ» (المُتَّكَأُ) بالتَّشديد والهمزة (مِنْ نَمَارِقَ) (٢) يعني: وسائد (فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ، فَقَالُوا) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وقالوا» (إِنَّمَا هُوَ المُتْكُ سَاكِنَةَ التَّاءِ) مخفَّفةً، و «ساكنةَ»: (٣) نصب (٤) (وَإِنَّمَا المُتْكُ) المخفَّف: (طَرَفُ البَظْرِ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة؛ وهو موضع الختان من المرأة (٥) (وَمِنْ ذَلِكَ) اللَّفظ (قِيلَ لَهَا) أي: للمرأة: (مَتْكَاءُ، وَابْنُ المَتْكَاءِ) بفتح الميم والتَّخفيف والمدِّ فيهما؛ وهي الَّتي لم تُختَن، ويقال (٦): البظراء (٧) أيضًا (فَإِنْ كَانَ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (أُتْرُجٌّ) بتشديد الجيم (فَإِنَّهُ) كان (بَعْدَ المُتَّكَأِ) وقيل: «المُتَّكأ» طعامٌ يُحَزُّ حَزًّا، وقال ابن عبَّاسٍ وسعيد بن جبيرٍ والحسن وقتادة ومجاهدٌ: ﴿مُتَّكَأً﴾ طعامًا (٨)، سمَّاه متَّكَأ (٩) لأنَّ أهل الطعام إذا جلسوا يتَّكئون على الوسائد، فسُمِّي الطَّعام متَّكَأً على الاستعارة، وقيل: ﴿مُتَّكَأً﴾ (١٠) طعامٌ يحتاج إلى أن يقطع بالسِّكين؛ لأنَّه متى كان كذلك؛ احتاج الإنسان إلى أن يتَّكئ عليه عند القطع، وقد عُلِم ممَّا مرَّ أنَّ المُتْك المخفَّف يكون بمعنى: الأترجِّ (١١) وطرف البَظْر، وأنَّ المشدَّدة: ما يُتَّكَأُ عليه (١٢) من وسادةٍ، وحينئذٍ فلا تعارض بين النَّقلين كما لا يخفى، وكان الأَولى سياق قوله: «والمتَّكأ:
ما اتَّكأت عليه» عَقِبَ قوله: «متَّكأٌ: كلُّ (١) شيءٍ قُطِع بالسِّكين» ويشبه أن يكون من ناسخٍ؛ كغيره ممَّا يقع غيرَ مرتَّبٍ.
وقوله: ﴿قَدْ﴾ (﴿شَغَفَهَا﴾ [يوسف: ٣٠] يُقَالُ: بَلَغ إِلَى شِغَافِهَا) قال السَّفاقسيُّ: بكسر الشِّين المعجمة، ضبطه المحدِّثون في كتب اللُّغة بفتحها، وسقط لفظ «إلى» لأبي ذَرٍّ، وثبت له «بلغ» (٢) (وَهْوَ غِلَافُ قَلْبِهَا) وهو جلدةٌ رقيقةٌ، وزاد القاضي كغيره: حتَّى وصل إلى فؤادها حبًّا، وقال غيره: أحاط بقلبها مثل إحاطة الشِّغاف بالقلب؛ يعني: أنَّ اشتغالها بحبِّه صار حجابًا بينها وبين كلِّ ما سوى هذه المحبَّة، فلا يخطر ببالها سواه (وَأَمَّا (شَعَفَهَا)) بالعين المهملة؛ وهي قراءة الحسن وابن محيصن (فَمِنَ المَشْعُوفِ) وهو الَّذي أحرق قلبَه الحبُّ؛ وهو من شعف البعير إذا هَنأَه، أي: طلاه بالقطران فأحرقه، وقد كشف أبو عبيدٍ (٣) عن هذا المعنى فقال: الشَّعف، بالمهملة: إحراق الحبِّ القلبَ مع لذَّةٍ يجدها؛ كما أنَّ البعير إذا طُلِيَ بالقطران بلغ منه مثل ذلك، ثمَّ يسترجع إليه.
وقوله: (﴿أَصْبُ﴾) ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] أي: (أَمِيلُ) إلى إجابتهنَّ، زاد أبو ذَرٍّ: «صَبَا: مَالَ».
وقوله: (﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]) هي: (مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ) وقال قتادة فيما رواه عبد الرَّزَّاق: هي الأحلام الكاذبة، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿أَحْلَامٍ﴾» (٤) (وَالضِّغْثُ) بكسر الضَّاد وسكون الغين المعجمتين، وسقط الواو من قوله: «والضِّغث» لأبي ذَرٍّ (٥) (مِلْءُ اليَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ) جنسًا واحدًا أو أجناسًا مختلطةً، وخصَّه في «الكشَّاف» بما جُمِع من أخلاط النَّبات، فقال: وأصل الأضغاث ما جُمِع من أخلاط النَّبات وحُزِمَ (٦)، فاستعيرت لذلك، أي: استُعيرَت الأضغاث للتَّخاليط والأباطيل، والجامعُ: الاختلاطُ من غير تمييزٍ بين جيِّدٍ
ورديءٍ، والإضافة في ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ بمعنى «مِن»، التَّقدير: أضغاثٌ من أحلامٍ (وَمِنْهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]) ممَّا هو ملء الكفِّ من الحشيش؛ وهو من جنسٍ واحدٍ، رُوِيَ: أنَّه أخذ عثكالًا من نخلةٍ (لَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]) الَّذي هو بمعنى: لا تأويلَ له (وَاحِدُهَا) أي: الأضغاث: (ضِغْثٌ).
وقوله: (﴿وَنَمِيرُ﴾) يريد قوله: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ [يوسف: ٦٥] (مِنَ المِيرَةِ) بكسر الميم؛ وهي الطَّعام، أي: نجلب إلى أهلينا (١) الطَّعام (﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾) أي: (مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ) بسبب حضور أخينا؛ لأنَّه كان يكيل لكلِّ رجلٍ حملَ بعيرٍ، وقال مجاهدٌ -فيما رواه الفريابيُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه-: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي: كيل حمارٍ، وأيَّده ابن خالويه: بأنَّ إخوة يوسف كانوا بأرض كنعان ولم يكن بها إبل (٢)، وقال ابن عادلٍ: وكونه البعير المعروف أصحُّ، وقوله: (﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٩]) أي: (ضَمَّ إِلَيْهِ) أخاه بنيامين إلى (٣) الطَّعام أو إلى المنزل، رُوِيَ: أنَّه أجلس كلَّ اثنين على مائدةٍ، فبقي بنيامين وحده، فقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لأُجلِسْتُ (٤) معه؟ فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدًا، فأجلَسَه معه على مائدته (٥) وجعل يؤاكله، فلما كان اللَّيل؛ أمر أن ينزل كلَّ اثنين منهم بيتًا، وقال: هذا لا ثاني له آخذه معي، فآواه إليه.
(السِّقَايَةُ) يريد قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠]: (مِكْيَالٌ) إناءٌ كان يوسف ﵊ يشرب به، فجعله (٦) مكيالًا؛ لئلَّا يكتالوا بغيره فيظلموا.
قوله: ﴿فَلَمَّا﴾ (﴿اسْتَيْأَسُواْ﴾ [يوسف: ٨٠]) أي: (يَئِسُوا) من يوسف وإجابته إيَّاهم، وزيادة السِّين والتَّاء للمبالغة.
قوله: (﴿وَلَا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] مَعْنَاه الرَّجَاءُ) و ﴿رَّوْحِ اللّهِ﴾ تعالى بفتح الرَّاء: رحمته وتنفيسه، وعن قتادة: من فضل الله، وقيل: من فرج الله.
وقوله: (﴿خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]) أي (اعْتَرْفُوا) وللكشميهنيِّ: «اعتزلوا» (نجيًّا) وهو الصَّواب، أي: انفردوا وليس معهم أخوهم (١)، أو خلا بعضهم إلى (٢) بعض يتشاورون ولا يخالطهم غيرهم، و ﴿نَجِيًّا﴾ حالٌ من فاعل ﴿خَلَصُواْ﴾ والنَّجيُّ: يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث (وَالجميعُ: أَنْجِيَةٌ) بالهمز (يَتَنَاجَوْنَ، الوَاحِدُ: نَجِيٌّ، والاِثْنَانِ وَالجميعُ: نجيٌّ) إمَّا لأنَّ النَّجيَّ «فعيل» بمعنى «مُفاعِل» كالعشير والخليط؛ بمعنى: المخالط والمعاشر؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أي: مناجيًا، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقًا، يقال: هم خليطك وعشيرك، أي: مخالطوك ومعاشروك، وإمَّا لأنَّه صفةٌ على «فَعِيل» بمنزلة: صَدِيق، وبابه يوحَّد؛ لأنَّه بمنزلة المصادر، كالصَّهيل والوخيد (٣)، وإمَّا لأنَّه مصدرٌ؛ بمعنى: التَّناجي؛ كما قيل: النَّجوى بمعناه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] وحينئذٍ فيكون فيه التَّأويلات المذكورة في «عَدَل» وبابه (وَ) قد يُجمَع فيقال: (أَنْجِيَةٌ) بالهمزة (٤) كما مرَّ، قال:
إنِّي إذا ما القَومُ كَانُوا أَنْجِيَةً
وقال لبيد:
وشَهِدتُ أنجيَةَ الأفاقةِ عاليًا … كَعْبي وأردافُ المُلُوكِ شهودُ
وكان من حقِّه إذا جعل وصفًا؛ أن يُجمَع (٥) على «أفعلاء» كغنيٍّ وأغنياء وشقيٍّ وأشقياء، وقال البغويُّ: النَّجيُّ يصلح للجماعة كما قال ههنا، وللواحد كما قال: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] وإنَّما جاز للواحد والجمع؛ لأنَّه مصدرٌ جُعِل نعتًا كالعدل، ومثله: النَّجوى يكون اسمًا
ومصدرًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] أي: متناجون (١) وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] وقال في المصدر: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] قال في «المفاتح» (٢): وأحسنُ الوجوه أن يُقال: إنَّهم تمحَّضوا تناجيًا؛ لأنَّ مَن كمَّل حصول أمرٍ من الأمور فيه وُصِفَ بأنَّه صار عين ذلك الشَّيء، فلما أخذوا في التَّناجي إلى غاية الحدِّ (٣)؛ صاروا كأنَّهم في أنفسهم نفس التَّناجي وحقيقته، وسقط من قوله: «﴿اسْتَيْأَسُواْ﴾ يئسوا … » إلى آخره في رواية أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي، وثبت له عن الكُشْميهَنيِّ (٤) والمُستملي.
قوله تعالى: ﴿تَالله﴾ (٥) (تفتأ) بالألف صورة الهمزة، ولأبي ذَرٍّ: «﴿تَفُتَؤُاْ﴾» بالواو؛ وهو جواب القسم على حذف «لا» وهي ناقصةٌ؛ بمعنى: (لَا تَزَالُ) ومنه قول الشَّاعر:
تَاللهِ (٦) تبقى (٧) على الأيَّامِ ذو حَيَدٍ … بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ (٨) والآسُ
أي: لا يبقى، وقوله:
فقلتُ يمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا ........................
ويدلُّ على حذفها: أنَّه لوكان مثبتًا؛ لاقترن بلام الابتداء ونون التَّوكيد عند البصريِّين، أو بأحدهما عند الكوفيِّين، وتقول: واللهِ أحبُّك، تريد: لا أحبُّك، وهو من التَّورية، فإنَّ كثيرًا من النَّاس يتبادر ذهنه إلى إثبات المحبَّة.
وقوله: ﴿حَتَّى تَكُونَ﴾ (﴿حَرَضًا﴾ [يوسف: ٨٥]) أي: (مُحْرَضًا) بضمِّ الميم وفتح الرَّاء (يُذِيبُكَ الهَمُّ) والمعنى لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتَّى تموت من الهمِّ، والحرضُ في
الأصل: مصدرٌ؛ ولذلك لا يثنَّى (١) ولا يُجمَع، تقول: هو حرضٌ، وهما حرضٌ (٢)، وهم حرضٌ، وهي حرضٌ، وهنَّ حرضٌ (٣).
(تَحَسَّسُوا) يريد قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ (٤) اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ﴾ [يوسف: ٨٧] أي: (تَخَبَّرُوا) خبرًا من أخبار يوسف وأخيه، والتَّحسُّس: طلب الشَّيء بالحاسَّة.
(مُزْجَاةٌ) بالرَّفع لأبي ذَرٍّ، ولغيره: «﴿ُّزْجَاةٍ﴾» بالجرِّ حكاية قولهِ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] أي: (قَلِيلَةٌ) بالرفع لأبي ذر، ولغيره: «قليلةٍ» بالجر، وقيل: رديئة.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ (﴿غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]) أي: عقوبة (عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ) بفتح الجيم وكسر اللَّام الأولى مشدَّدةً؛ من جلَّل الشَّيء؛ إذا عمَّه، صفةٌ لـ ﴿غَاشِيَةٌ﴾ (٥).
(١) (باب قوله) جلَّ وعلا خطابًا ليوسف ﵊: (﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾) بالنُّبوَّة أو بسعادة الدَّارين (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾) سائر بنيه بالنُّبوَّة، وكرَّر ﴿عَلَى﴾ ليمكنَ العطفُ على الضَّمير المجرور (﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾) جدِّك وجدِّ أبيك بالرِّسالة (﴿مِن قَبْلُ﴾) أي: من قبلك (﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾ [يوسف: ٦]) بدلٌ من ﴿أَبَوَيْكَ﴾ أو عطف بيانٍ، وقيل: إتمام النِّعمة على إبراهيم بالخُلَّة، وعلى إسحاق بإخراج يعقوب والأسباط من صُلبه، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾» وقال بعد قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ (٦): «الآيةَ».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عن أمر الله وصدوا قَوْلُهُ: (زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَخْ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (أَنْبَأَنَا بَرِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بَدَلَ عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ أَصْوَبُ؛ لِأَنَّ بَرِيدَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، فَأَبُو بُرْدَةَ جَدُّهُ لَا أَبُوهُ، لَكِنْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْأَبَ عَلَيْهِ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ أَيْ: يُمْهِلُهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي وَرُبَّمَا قَالَ يُمْهِلُ وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ يَزِيدَ قَالَ يُمْلِي وَلَمْ يَشُكَّ. قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ يُمْلِي وَلَمْ يَشُكَّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ أَيْ لَمْ يُخَلِّصْهُ، أَيْ إِذَا أَهْلَكَهُ لَمْ يَرْفَعْ عَنْهُ الْهَلَاكَ، وَهَذَا عَلَى تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِنْ فُسِّرَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ فَيُحْمَلُ كُلٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى لَمْ يُفْلِتْهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الظَّالِمَ إِذَا صُرِفَ عَنْ مَنْصِبِهِ وَأُهِينَ لَا يَعُودُ إِلَى عِزِّهِ، وَالْمُشَاهَدُ فِي بَعْضِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦ - بَاب ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ وَزُلَفًا: سَاعَاتٍ بَعْدَ سَاعَاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، الزُّلَفُ: مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ. وَأَمَّا ﴿زُلْفَى﴾ فَمَصْدَرٌ مِنْ الْقُرْبَى. ازْدَلَفُوا: اجْتَمَعُوا. أَزْلَفْنَا: جَمَعْنَا.
٤٦٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ؟ قَالَ: لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَكْمَلَ غَيْرُهُ الْآيَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِطَرَفَيِ النَّهَارِ فَقِيلَ: الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ، وَقِيلَ: الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ حَبِيبٍ: الصُّبْحُ طَرَفٌ وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ طَرَفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَزُلَفًا﴾ سَاعَاتٌ بَعْدَ سَاعَاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، الزُّلَفُ مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ، وَأَمَّا زُلْفَى فَمَصْدَرٌ مِنَ الْقُرْبَى، ازْدَلَفُوا اجْتَمَعُوا، أَزْلَفْنَا جَمَعْنَا) انْتَهَى. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ سَاعَاتٌ وَاحِدَتُهَا زُلْفَةٌ أَيْ سَاعَةٌ وَمَنْزِلَةٌ وَقُرْبَةٌ، وَمِنْهَا سُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ، قَالَ الْعَجَّاجُ:
نَاجٍ طَوَاهُ الْأَيْنُ مِمَّا وَجَفَا … طَيُّ اللَّيَالِي زُلَفًا فَزُلَفَا
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: قُرِّبَتْ وَأُدْنِيَتْ، وَلَهُ عِنْدِي زُلْفَى أَيْ قُرْبَى، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ أَيْ جَمَعْنَا، وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالزُّلَفِ، فَعَنْ مَالِكٍ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبَ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّ زُلَفًا جَمْعٌ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ فَيُضَافُ إِلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْوِتْرُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهَا قَالَ قَتَادَةُ: طَرَفَيِ النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى،
عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَكَانَ لِمُسَدَّدٍ فِيهِ شَيْخَانِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) هُوَ النَّهْدِيُّ، فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً أَوْ مَسًّا بِيَدٍ أَوْ شَيْئًا، كَأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَةِ ذَلِكَ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ سُلَيْمَانِ التَّيْمِيِّ بِإِسْنَادِهِ ضَرَبَ رَجُلٌ عَلَى كَفَلِ امْرَأَةٍ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً فِي بُسْتَانٍ فَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا، قَبَّلْتُهَا وَلَزِمْتُهَا، فَافْعَلْ بِي مَا شِئْتُ الْحَدِيثَ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: جَاءَ فُلَانٌ بْنُ مُعْتَبٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلْتُ عَلَى امْرَأَةٍ فَنِلْتُ مِنْهَا مَا يَنَالُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ إِلَّا أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ لَكِنْ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مُعْتَبٌ وَقَدْ جَاءَ أَنَّ اسْمَهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ أَبُو الْيَسَرِ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْأَنْصَارِيُّ.
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا قَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، فَقَالَتْ لَهُ: بِعْنِي تَمْرًا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا وَأَعْجَبَتْنِي: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْ هَذَا، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ فَغَمَزَهَا وَقَبَّلَهَا ثُمَّ فَرَغَ، فَخَرَجَ فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ تُبْ وَلَا تَعُدْ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَصْرَ فَنَزَلَتْ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَجُلٍ يَبِيعُ التَّمْرَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ حَسْنَاءَ جَمِيلَةً، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا أَعْجَبَتْهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ وَلَا الْمَرْأَةَ وَلَا زَوْجَهَا، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ بيهان التَّمَّارِ، وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ غُزِّيَّةَ، وَقِيلَ أَبُو عَمْرٍو زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ غُزِّيَّةَ، وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ قَيْسٍ، وَقِيلَ عَبَّادُ.
قُلْتُ: وَقِصَّةُ نَبْهَانُ التَّمَّارِ ذَكَرَهَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبْهَانًا التَّمَّارَ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءَ جَمِيلَةً تَبْتَاعُ مِنْهُ تَمْرًا، فَضَرَبَ عَلَى عَجِيزَتِهَا ثُمَّ نَدِمَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةَ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَهَبَ يَبْكِي وَيَصُومُ وَيَقُومُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ الْآيَةَ، فَأَخْبَرَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ تَوْبَتِي قُبِلَتْ، فَكَيْفَ لِي بِأَنْ يُتَقَبَّلَ شُكْرِي؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الْآيَةَ، قُلْتُ: وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى وَاقِعَةٍ أُخْرَى، لِمَا بَيْنَ السِّيَاقَيْنِ مِنَ الْمُغَايَرَةِ. وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنِ غُزِّيَّةَ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ قَالَ:
نَزَلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ غُزِّيَّةَ وَكَانَ يَبِيعُ التَّمْرَ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَبْتَاعُ تَمْرًا فَأَعْجَبَتْهُ. الْحَدِيثَ. وَالْكَلْبِيُّ ضَعِيفٌ. فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ أَيْضًا عَلَى التَّعَدُّدِ. وَظَنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ غُزِّيَّةَ اسْمُ أَبِي الْيَسَرِ فَجَزَمَ بِهِ فَوَهِمَ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَسَكَتَ عَنْهُ ثَلَاثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَدَعَا الرَّجُلَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكِ أَلَسْتَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ. وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. فَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى ظَاهِرُ سِيَاقِهَا أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ خَطِيئَةٍ فِيهَا حَدٌّ، فَأَطْلَقَ عَلَى مَا فَعَلَ حَدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا قِصَّةُ عَامِرِ بْنِ قَيْسٍ
فَذَكَرَهَا مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي تَفْسِيرِهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ عَبَّادِ فَحَكَاهَا الْقُرْطُبِيُّ وَلَمْ يَعْزُهَا، وَعَبَّادُ اسْمُ جَدِّ أَبِي الْيَسَرِ، فَلَعَلَّهُ نَسَبَ ثُمَّ سَقَطَ شَيْءٌ. وَأَقْوَى الْجَمِيعِ أَنَّهُ أَبُو الْيَسَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ أَتَى أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ أَيْضًا، وَقَالَ فِيهَا فَكُلُّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ كَفَّارَةِ ذَلِكَ قَالَ: أَمُعْزِبَةٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَا أَدْرِي. حَتَّى أَنْزَلَ. فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَقَعَتْ فِي حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِمَعْنَاهُ دُونَ قَوْلِهِ لَا أَدْرِي.
قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّجُلُ أَلِيَ هَذِهِ)؟ أَيِ الْآيَةُ يَعْنِي خَاصَّةً بِي بِأَنَّ صَلَاتِي مُذْهِبَةٌ لِمَعْصِيَتِي. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ هُوَ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ. وَلِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيَ خَاصَّةٌ أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ؟ فَضَرَبَ عُمَرُ صَدْرَهُ وَقَالَ: لَا، وَلَا نِعْمَةُ عَيْنٍ، بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ عُمَرُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ فَقَالَ إِنْسَانٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ خَاصَّةٌ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ مُعَاذٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةٌ وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ نَفْسِهِ، وَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ السَّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ أَلِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ اسْتِفْهَامًا، وَقَوْلُهُ هَذَا مُبْتَدَأٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ عَلَيْهِ، وَفَائِدَتُهُ التَّخْصِيصُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي) تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ قَالَ: لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ. وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الْمُرْجِئَةُ وَقَالُوا: إِنَّ الْحَسَنَاتَ تُكَفِّرُ كُلِّ سَيِّئَةٍ كَبِيرَةٍ كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةٍ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِنَّ الصَّلَاةَ إِلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ فَقَالَ طَائِفَةٌ: إِنِ اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ كَانَتِ الْحَسَنَاتُ كَفَّارَةً لِمَا عَدَا الْكَبَائِرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِنْ لَمْ تُجْتَنَبُ الْكَبَائِرُ لَمْ تَحُطَّ الْحَسَنَاتُ شَيْئًا. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ لَمْ تُجْتَنَبِ الْكَبَائِرُ لَمْ تَحُطَّ الْحَسَنَاتُ شَيْئًا مِنْهَا وَتَحُطُّ الصَّغَائِرُ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْحَسَنَاتَ تَكُونُ سَبَبًا فِي تَرْكِ السَّيِّئَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ لَا أَنَّهَا تُكَفِّرُ شَيْئًا حَقِيقَةً، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ إِلَى أَنَّ الْحَسَنَاتَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَيَرِدُ الْحَثُّ عَلَى التَّوْبَةِ فِي أَيِّ كَبِيرَةٍ، فَلَوْ كَانَتِ الْحَسَنَاتُ تُكَفِّرُ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى التَّوْبَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَنَحْوِهِمَا، وَعَلَى سُقُوطِ التَّعْزِيرِ عَمَّنْ أَتَى شَيْئًا مِنْهَا وَجَاءَ تَائِبًا نَادِمًا. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
١٢ - سُورَةُ يُوسُفَ
وَقَالَ فَضِيلٌ، عَنْ حَصِينِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: مُتَّكَأً: الْأُتْرُجُّ. بِالْحَبَشِيَّةِ مُتَكَا. وقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: مُتَّكَأً: كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَذُو عِلْمٍ: عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: صُوَاعَ: مَكُّوكُ الْفَارِسِيَّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الْأَعَاجِمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُفَنِّدُونَ: تَجْهَلُونَ وَقَالَ غَيْرُهُ: غَيَابَةُ الْجُبِّ: كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ: الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَطْوِ. بِمُؤْمِنٍ لَنَا: بِمُصَدِّقٍ. أَشُدُّهُ: قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ في النُّقْصَانِ، يُقَالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا شَدَّ. وَالْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأَتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ. وَأَبْطَلَ الَّذِي قَالَ الْأُتْرُجُّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ
الْأُتْرُجُّ، فَلَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ الْمُتَّكَأُ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرِّ مِنْهُ فَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ الْمَتْكُ سَاكِنَةُ التَّاءِ، وَإِنَّمَا الْمَتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا: مَتْكَاءُ فَإِنْ كَانَ ثُمَّ أَتُرَجُّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَأِ. شَغَفُهَا يُقَالُ: بَلَغَ إِلَى شَغَفِهَا وَهُوَ غِلَافُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعفُهَا فَمِنَ الْمَشْعوفِ. أَصُبُّ إِلَيْهِنَّ: أَمِيلُ إِلَيْهِنَّ حُبًّا. أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ: مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَالضَّغْثُ: مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ لَا مِنْ قَوْلِهِ (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ) وَاحِدُهَا: ضِغْثٌ. (نَمِيرُ): مِنَ الْمِيرَةِ. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ مَا يَحْمِلُ بِعِيرٌ. ﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ ضُمَّ إِلَيْهِ. السِّقَايَةُ: مِكْيَالٌ. تَفْتَأُ: لَا تَزَالُ. اسْتَيْأَسُوا: يَئِسُوا. وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رُوحِ اللَّهِ مَعْنَاهُ الرَّجَاءُ.
خَلَصُوا نَجَّيَا: اعتزلوا نَجَّيَا، وَالْجَمْعُ أَنْجِيَةٌ يَتَنَاجَوْنَ، الْوَاحِدُ نُجِّيَ، وَالْاثْنَانُ وَالْجَمْعُ نُجِّيَ وَأَنْجِيَةٌ. حَرَضًا: مُحَرَضًا يُذِيبَكَ الْهَمُّ. (تَحَسَّسُوا) تُخْبِرُوا. مُزْجَاةٍ: قَلِيلَةٌ. غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ: عَامَّةٌ مُجَلَّلَةٌ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ يُوسُفَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ فُضَيْلٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مُتَّكَأً الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: مُتْكًا الْأُتْرُجُّ. قَالَ فُضَيْلٌ: الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا. وَهَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ. وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ حُصَيْنٍ فَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ مُسَدَّدٍ رِوَايَةُ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْهُ عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قَالَ: أُتْرُجٌّ. وَرَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَزَادَ فِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قَالَ: طَعَامًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مُتْكًا كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ) هَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْهُ بِهَذَا، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ: الْمُتَّكَأُ بِالتَّثْقِيلِ الطَّعَامُ وَبِالتَّخْفِيفِ الْأُتْرُجُّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْهُ أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ بَلَغَ أَشُدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ. وَيُقَالُ بَلَغُوا أَشُدَّهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاحِدُهَا شَدٌّ. وَالْمُتَّكَأُ مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ وَأَبْطَلَ الَّذِي قَالَ الْأُتْرُجُّ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأُتْرُجُّ، فَلَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْمُتَّكَأَ مِنْ نَمَارِقَ فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ وَقَالُوا إِنَّمَا هُوَ الْمُتْكُ سَاكِنَةُ التَّاءِ، وَإِنَّمَا الْمُتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهَا مَتْكَاءَ وَابْنِ الْمَتْكَاءِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ أَتَرَجَّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكَأِ) قُلْتُ: وَقَعَ هَذَا مُتَرَاخِيًا عَمَّا قَبْلَهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَالصَّوَابُ إِيرَادُهُ تِلْوَهُ، فَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْأَشُدِّ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ وَاحِدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْآحَادِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ وَاحِدُهُ شِدَّةٌ، وَكَذَا قَالَ الْكِسَائِيُّ لَكِنْ بِلَا هَاءٍ.
وَاخْتَلَفَ النَّقَلَةُ فِي قَدْرِ الْأَشَدِّ الَّذِي بَلَغَهُ يُوسُفُ فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ الْحُلُمُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ عِشْرُونَ وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَقِيلَ مَا بَيْنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ إِلَى ثَلَاثِينَ، وَفِي غَيْرِهِ قِيلَ الْأَكْثَرُ أَرْبَعُونَ وَقِيلَ ثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَقِيلَ سِتُّونَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وَكَانَ النَّبِيُّ لَا يُنَبَّأُ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عِيسَى ﵇ نُبِّئَ لِدُونِ أَرْبَعِينَ وَيَحْيَى كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ وَسُلَيْمَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَشُدِّ بُلُوغُ سِنِّ الْحُلُمِ.
فَفِي حَقِّ يُوسُفَ ﵇ ظَاهِرٌ وَلِهَذَا جَاءَ بَعْدَهُ ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ وَفِي حَقِّ مُوسَى ﵇ لَعَلَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَبُلُوغِ الْأَرْبَعِينَ وَلِهَذَا جَاءَ بَعْدَهُ ﴿وَاسْتَوَى﴾ وَوَقَعَ فِي قَوْلِهِ ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعِينَ لَيْسَتْ حَدًّا لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُتَّكَأُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَعْتَدَتْ أَفْعَلَتْ مِنَ الْعَتَادِ وَمَعْنَاهُ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً أَيْ نُمْرُقًا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ التُّرُنْجُ وَهَذَا أَبْطَلُ بَاطِلٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُتَّكَأِ تُرُنْجٌ يَأْكُلُونَهُ، وَيُقَالُ أَلْقَى لَهُ مُتَّكَأً يَجْلِسُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأُتْرُجُّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَفْسِيرُ الْمُتَّكَأِ بِالْأُتْرُجِّ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَفِي الْأُتْرُجِّ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ثَانِيهَا بِالنُّونِ وَثَالِثُهَا مِثْلُهَا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَفِي الْمُفْرَدِ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ الْبِطِّيخَ وَالْمَوْزَ، وَقِيلَ كَانَ مَعَ الْأُتْرُجِّ عَسَلٌ، وَقِيلَ كَانَ لِلطَّعَامِ الْمَذْكُورِ بَزْمَاوَرْدُ، لَكِنْ مَا نَفَاهُ الْمُؤَلِّفُ ﵀ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْدَةَ قَدْ أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ. قَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَوْفِ الْأَعْرَابِيِّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهَا مُتْكًا مُخَفَّفَةً وَيُقَالُ هُوَ الْأُتْرُجُّ، وَقَدْ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ وَتَبِعَهُ الْأَخْفَشُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ، وَالْقَالِيُّ، وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ كَصَاحِبِ الْمُحْكَمِ وَالْجَامِعِ وَالصِّحَاحِ، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا: أَهْلُ عُمَانِ يُسَمُّونَ السَّوْسَنَ الْمُتَّكَأَ، وَقِيلَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ الْأُتْرُجُّ وَبِفَتْحِهِ السَّوْسَنُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُتَّكَأُ مَا تُبْقِيهِ الْخَاتِنَةُ بَعْدَ الْخِتَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَتْكَاءُ الَّتِي لَمْ تُخْتَنْ، وَعَنِ الْأَخْفَشِ الْمُتَّكَأُ الْأُتْرُجُّ.
(تَنْبِيهٌ):
مُتْكًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ هُوَ الَّذِي فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ بِالْأُتْرُجِّ أَوْ غَيْرِهِ وَهِيَ قِرَاءَةٌ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ فَهُوَ مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِنْ وِسَادَةٍ وَغَيْرِهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْأَكَابِرِ عِنْدَ الضِّيَافَةِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ لَا يَكُونُ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ تَعَارُضٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَنْ قَرَأَهَا مُثَقَّلَةً قَالَ الطَّعَامُ، وَمَنْ قَرَأَهَا مُخَفَّفَةً قَالَ الْأُتْرُجُّ، ثُمَّ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّكَأُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْأُتْرُجِّ وَطَرَفِ الْبَظْرِ، وَالْبَظْرُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الظَّاءِ الْمُشَالَةُ مَوْضِعُ الْخِتَانِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ الْبَظْرَاءُ الَّتِي لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْمُتَّكَأَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاتِّكَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ مُتَّكَأٌ بِمَعْنَى الْأُتْرُجُّ وَلَا بِمَعْنَى طَرَفِ الْبَظْرِ، فَجَاءَ فِيهَا بِعِبَارَاتٍ مُعَجْرَفَةٍ. كَذَا قَالَ فَوَقَعَ فِي أَشَدَّ مِمَّا أَنْكَرَهُ فَإِنَّهَا إِسَاءَةٌ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ الَّذِي لَا يَلِيقُ لِمَنْ يَتَصَدَّى لِشَرْحِ كَلَامِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْبَظْرَ فِي الْأَصْلِ يُطْلَقُ عَلَى مَا لَهُ طَرَفٌ مِنَ الْجَسَدِ كَالثَّدْيِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْهُ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ مَكُّوكُ الْفَارِسِيِّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ الْأَعَاجِمُ بِهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي غَرَائِبِ شُعْبَةَ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قَالَ: كَانَ كَهَيْئَةِ الْمَكُّوكِ مِنْ فِضَّةِ يَشْرَبُونَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ لِلْعَبَّاسِ مِثْلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَالْمَكُّوكُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَافَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ثَقِيلَةٌ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ هُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ.
(تَنْبِيهٌ):
قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ ﴿صُوَاعَ﴾، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ صَاعَ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ وَصَوْعَ الْمَلِكِ بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ مِثْلَهُ لَكِنْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ حَكَاهَا الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿تُفَنِّدُونِ﴾ تُجَهِّلُونُ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أَنْ
تُفَنِّدُونِ﴾ أَيْ تُسَفِّهُونَ، كَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَيْضًا أَتَمَّ مِنْهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قَالَ لَمَّا خَرَجَتِ الْعِيرُ هَاجَتْ رِيحٌ فَأَتَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ يُوسُفَ فَقَالَ ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قَالَ لَوْلَا أَنْ تُسَفِّهُونَ، قَالَ فَوَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَوْلُهُ (تُفَنِّدُونَ) مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَنَدِ مُحَرَّكًا وَهُوَ الْهَرَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا هُوَ سَأَذْكُرُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ غَيَابَةُ إِلَخْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
قَوْلُهُ: ﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ بِمُصَدِّقٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أَيْ بِمُصَدِّقٍ.
قَوْلُهُ: ﴿شَغَفَهَا حُبًّا﴾ يُقَالُ بَلَغَ شِغَافَهَا وَهُوَ غِلَافُ قَلْبِهَا، وَأَمَّا شَعَفَهَا يَعْنِي بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمِنَ الشُّعُوفِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أَيْ وَصَلَ الْحُبُّ إِلَى شِغَافِ قَلْبِهَا وَهُوَ غِلَافُهُ، قَالَ وَيَقْرَأُهُ قَوْمٌ شَعَفَهَا أَيْ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مِنَ الشُّعُوفِ انْتَهَى. وَالَّذِي قَرَأَهَا بِالْمُهْمَلَةِ أَبُو رَجَاءٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَعَوْفٌ رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَرُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ وَالْجُمْهُورِ بِالْمُعْجَمَةِ، يُقَالُ مَشْغُوفٌ بِفُلَانٍ إِذَا بَلَغَ الْحُبُّ أَقْصَى الْمَذَاهِبِ، وَشِعَافُ الْجِبَالِ أَعْلَاهَا، وَالشِّغَافُ بِالْمُعْجَمَةِ حَبَّةُ الْقَلْبِ، وَقِيلَ عَلَقَةٌ سَوْدَاءُ فِي صَمِيمِهِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ قُرَّةِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الشَّغَفُ - يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ - أَنْ يَكُونَ قُذِفَ فِي بَطْنِهَا حُبُّهُ، وَالشَّعَفُ يَعْنِي بِالْمُهْمَلَةِ أَنْ يَكُونَ مَشْعُوفًا بِهَا. وَحَكَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ الشَّعَفَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْبُغْضُ وَبِالْمُعْجَمَةِ الْحُبُّ، وَغَلَّطَهُ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ: إِنَّ الشَّعَفَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى عُمُومِ الْحُبِّ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَجْهَلَهُ ذُو عِلْمٍ بِكَلَامِهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أَمِيلُ إِلَيْهِنَّ حُبًّا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أَيْ أَهْوَاهُنَّ وَأَمِيلُ إِلَيْهِنَّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي … وَهِنْدٌ مِثْلُهَا يُصْبَى
أَيْ يُمَالُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، الضِّغْثُ مِلْءُ الْيَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَمِنْهُ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ لَا مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ ضِغْثًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ بِمَعْنَى مِلْءُ الْكَفِّ مِنَ الْحَشِيشِ لَا بِمَعْنَى مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ وَاحِدُهَا ضِغْثٌ بِالْكَسْرِ وَهِيَ مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيَا، وَأَرَاهُ جَمَاعَاتٌ تُجْمَعُ مِنَ الرُّؤْيَا كَمَا يُجْمَعُ الْحَشِيشُ فَيَقُولُ ضِغْثٌ أَيْ مِلْءُ كَفٍّ مِنْهُ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ قَالَ: أَخْلَاطُ أَحْلَامٍ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ قَالَ: هِيَ الْأَحْلَامُ الْكَاذِبَةُ.
قَوْلُهُ: (نَمِيرُ مِنَ الْمِيرَةِ، وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ مِنْ مِرْتُ تَمِيرُ مَيْرًا وَهِيَ الْمِيرَةُ نَأْتِيهِمْ وَنَشْتَرِي لَهُمُ الطَّعَامَ، وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أَيْ حِمْلَ بَعِيرٍ يُكَالُ لَهُ مَا حَمَلَ بَعِيرُهُ. وَرَوَى الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أَيْ كَيْلَ حِمَارٍ، وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِ لَيْسَ: هَذَا حَرْفٌ نَادِرٌ، ذَكَرَ مُقَاتِلٌ عَنِ الزَّبُورِ الْبَعِيرِ كُلِّ مَا يَحْمِلُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ وَلَيْسَ بِهَا إِبِلٌ. كَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عظةٌ لمن يتَّعظ إذا وعظ (﴿وَزُلَفًا﴾) بفتح اللَّام، أي: (سَاعَاتٍ بَعْدَ سَاعَاتٍ) واحدتُها: زلفةٌ، أي: ساعةٌ ومنزلةٌ (وَمِنْهُ سُمِّيَتِ المُزْدَلِفَةُ) أي: لمجيء النَّاس إليها في ساعاتٍ من اللَّيل، أو لازدلافهم؛ يعني: لاقترابهم إلى الله، وحصول المنزلة لهم عنده فيها (الزُّلَفُ: مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ) فتكون بمعنى المنازل (وَأَمَّا زُلْفَى؛ فَمَصْدَرٌ مِنَ القُرْبَى) قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] (ازْدَلَفُوا) بالدَّال بعد الزَّاي (١)، أي: (اجْتَمَعُوا، أَزْلَفْنَا) أي: (جَمَعْنَا) قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعنا.
٤٦٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ) مصغَّرًا، ولغير أبي (٢) ذَرٍّ: «هو ابن زُرَيعٍ» قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديُّ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) عبد الله (رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَجُلًا) هو أبو اليسر كعبُ بن عمرٍو، وقيل: نبهان التَّمَّار، وقيل: عمرو بن غزيَّة (أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ) من الأنصار؛ كما عند ابن مردويه (قُبْلَةً، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ) وعند مسلمٍ وأصحاب «السُّنن» من طريق سِمَاك بن حربٍ عن إبراهيم النَّخعيِّ عن علقمة والأسود عن ابن مسعودٍ: «جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله إنِّي وجدت امرأةً في بستانٍ ففعلت بها كلَّ شيءٍ، غيرَ أنِّي لم أجامعها، قبَّلتها ولزمتها، فافعل بي ما شئت» (فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ) ﷺ، والفاء عاطفةٌ على مقدَّرٍ، أي: فذكر له، فسكت رسول الله ﷺ، وصلَّى الرَّجل مع النَّبيِّ ﷺ؛ كما في حديث أنسٍ فأنزل الله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]: قَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ؟) بفتح الهمزة للاستفهام، أي: أهذه الآية بأنَّ صلاتي مذهبةٌ لمعصيتي مختصَّةٌ بي أو عامَّةٌ للنَّاس كلِّهم؟ (قَالَ) ﵊: (لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي)
واستنبط ابن المنذر منه: أنَّه لا حدَّ على مَن وُجد مع أجنبيَّةٍ في لحافٍ واحدٍ، وفيه عدم الحدِّ في القُبْلة ونحوها، وسقوط التَّعزير عمَّن أتى شيئًا منها وجاء تائبًا نادمًا.
وهذا الحديث قد سبق في «باب الصَّلاة كفَّارةٌ» من (١) «المواقيت» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٥٢٦].
(((١٢))) (سورة يُوسُفَ) ﵊ مكِّيَّةٌ؛ وهي مئةٌ وإحدى عشرة آيةً (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذَرٍّ، وسقطت لغيره.
(وَقَالَ فُضَيْلٌ) بضمِّ الفاء وفتح المعجمة، ابن عياض بن موسى الزَّاهد، المتوفَّى بمكَّة سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ، ممَّا وصله ابن المنذر ومسدَّد في «مسنده» (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن عبد الرَّحمن السُّلميِّ (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبرٍ المفسِّر: (مُتْكًا) بضمِّ الميم وسكون الفوقية وتنوين الكاف من غير همزٍ، وهي قراءة ابن عبَّاسٍ وابن عمر ومجاهدٍ وقتادة والجحدريِّ: (الأُتْرُجُّ) بضمِّ الهمزة وسكون الفوقيَّة وضمِّ الرَّاء وتشديد الجيم، ولأبي ذَرٍّ: «الأترنج» بزيادة نونٍ بعد الرَّاء وتخفيف الجيم، لغتان، وأنشدوا:
فَأَهْدَتْ متكَةً لِبني أبيها … تخبُّ بها العَثَمْثَمَةُ الوَقاحُ
والعَثَمثمة من النُّوق: الشَّديدة، والذَّكر: عثمثم، والعَثَمْثَم: الأسد، والوَقَاح: بالواو المفتوحة والقاف، النَّاقة الصُّلبة (قَالَ فُضَيْلٌ) هو ابن عياضٍ، فيما وصله ابن أبي حاتمٍ من طريق يحيى بن يمانٍ عنه: (الأُتْرُجُّ) أي: بتشديد الجيم، وسقط لأبي ذَرٍّ «قال فضيلٌ: الأترجُّ» (بـ) اللُّغة (الحَبَشِيَّةِ مُتْكًا) بضمِّ الميم وسكون التَّاء وتنوين الكاف من غير همزٍ.
(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله في «مسنده» (عَنْ رَجُلٍ) لم يُسَمَّ (عَنْ مُجَاهِدٍ: (مُتْكًا)) بسكون التَّاء من غير همزٍ كالسَّابق: (كُلُّ شَيْءٍ) ولأبي ذَرٍّ: «قال: كلُّ شيءٍ» (قُطِعَ بِالسِّكِّينِ) كالأترجِّ وغيره من الفواكه، وأنشدوا (١):
نَشْربُ الإثمَ بالصُّواع جهارًا … ونرى المُتْكَ بيننا مُستعارا
قيل: وهو (٢) من: مَتَك؛ بمعنى: بتك الشَّيء، أي: قطعه، فعلى هذا يحتمل أن تكون الميم بدلًا من الباء، وهو بدلٌ مطَّردٌ في لغة قومٍ، ويحتمل أن تكون مادَّة أخرى وافقت هذه.
(وَقَالَ قَتَادَةُ) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ (٣)﴾ (﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ [يوسف: ٦٨]) وزاد أبو ذَرٍّ «﴿لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾»
أي: (عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ) وصله ابن أبي حاتمٍ، والضَّمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ ليعقوب، كما يرشد إليه قوله: ﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨].
(وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) فيما رواه ابن منده وابن مردويه، ولأبي ذَرٍّ: «سعيد بن جبيرٍ»: (صُوَاعٌ) ولأبي ذَرٍّ: «﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾»: (مَكُّوكُ الفَارِسِيِّ) بفتح الميم وتشديد الكاف الأولى مضمومةً، مكيالٌ معروفٌ لأهل العراق؛ وهو (الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفَاهُ، كَانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأَعَاجِمُ) وكان من فضَّةٍ، وزاد ابن إسحاق: مرصَّعًا بالجواهر، كان يُسقَى به الملِك، ثمَّ جُعِل صاعًا يُكال به.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) في قوله: ﴿لَوْلَا أَن﴾ (﴿تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤]) أي: (تُجَهِّلُونِ) وقال الضَّحَّاك: تهرِّمون فتقولون: شيخٌ كبيرٌ قد ذهب عقله، وعند ابن مردويه عن ابن عبَّاسٍ في قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] لمَّا خرجت العير؛ هاجت ريحٌ فأتت يعقوبَ بريحِ يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ قال: لولا أن (١) تسفِّهون، قال: فوجد ريحه من مسيرة ثلاثة أيَّامٍ.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غير ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠] (غَيَابَةٌ) بالرَّفع: (كُلُّ شَيْءٍ) مبتدأٌ، وفي نسخةٍ: «غيابةٍ» بالجرِّ والَّذي في «اليونينيَّة»: «غيابةٌ» بالرَّفع وبالفتح (٢): (غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا) في محلِّ جرٍّ صفةٌ لشيءٍ (٣)، و «شيئًا»: مفعولُ غيَّب (فَهْوَ غَيَابَةٌ) خبر المبتدأ، والمبتدأ إذا تضمَّن معنى الشَّرط؛ تدخل الفاء في خبره (وَالجُبُّ) بالجيم: (الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ) قاله أبو عبيدة، وسُمِّي به (٤) لكونه محفورًا في جبوب (٥) الأرض، أي: ما غَلُظ منها، والغَيَابة: قال الهرويُّ: شِبْهُ طاقٍ في البئر فويق الماء، يُغيَّب ما فيه عن (٦) العيون، وقال الكلبيُّ: تكون في قعر الجبِّ؛ لأنَّ أسفله واسعٌ ورأسه ضيِّقٌ، فلا يكاد النَّاظر يرى ما في جوانبه، والألف واللَّام في «الجُبُّ» للعهد، فقيل: هو جبُّ بيت المقدس، وقيل: بأرض الأُردن، وقيل: على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوب.
وقوله: ﴿وَمَا أَنتَ﴾ (﴿بِمُؤْمِنٍ لِّنَا﴾ [يوسف: ١٧]) أي: (بِمُصَدِّقٍ) لسوء ظنِّك بنا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ (﴿أَشُدَّهُ﴾ [يوسف: ٢٢]) أي: (قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّقْصَانِ) وهو ما بين الثَّلاثين والأربعين، وقيل: سنُّ الشَّباب، ومبدؤه (١) قبل بلوغ الحلم (يُقَالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ) أي: فيكون «أشدَّ» في المفرد والجمع بلفظٍ واحدٍ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُهَا) أي: الأشدُّ (شَدٌّ) بفتح الشِّين من غير همزةٍ (٢)، وهو قول سيبويهِ والكسائيِّ.
(وَالمُتَّكَأُ) بتشديد الفوقيَّة، وبعد الكاف همزةٌ على قراءة الجمهور، اسم مفعولٍ: (مَا اتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعَامٍ) أي: لأجل شرابٍ … إلى آخره، (وَأَبْطَلَ) قول (الَّذِي قَالَ): إنَّ (٣) المتَّكأ هو (الأُتْرُجُّ) بتشديد الجيم للإدغام، ولأبي ذَرٍّ: «الأترنج» بالنُّون للفكِّ (وَلَيْسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ الأُتْرُجُّ) أي: ليس مفسَّرًا في كلامهم به، وهذا أخذه من كلام أبي عبيدة، ولفظه: وزعم قومٌ أنَّه التُّرُنج (٤)؛ وهذا أبطل باطلٍ في الأرض. انتهى. وتعقب بما في «المحكم» حيث قال: المتَّكأ: الأترنج، ونقله الجوهريُّ في «صحاحه» عن الأخفش، وقال أبو حنيفة الدِّينوريُّ: بالضَّمِّ: الأُترنج، وبالفتح: السَّوسن، وعن أبي عليٍّ القاليِّ وابن فارسٍ في «مجمله» (٥) نحوه، وعند عبد بن حميدٍ: أنَّ ابن عبَّاسٍ كان يقرأ: مُتْكًا، مخفَّفةً، ويقول: هو الأترجُّ (فَلَمَّا احْتُجَّ عَلَيْهِمْ) بضمِّ التاء (٦)، أي: على القائلين بأنَّه
الأترجُّ (١)، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيما احْتُجَّ» بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل اللَّام (بِأَنَّهُ) ولأبي ذَرٍّ: «بأنَّ» (المُتَّكَأُ) بالتَّشديد والهمزة (مِنْ نَمَارِقَ) (٢) يعني: وسائد (فَرُّوا إِلَى شَرٍّ مِنْهُ، فَقَالُوا) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: «وقالوا» (إِنَّمَا هُوَ المُتْكُ سَاكِنَةَ التَّاءِ) مخفَّفةً، و «ساكنةَ»: (٣) نصب (٤) (وَإِنَّمَا المُتْكُ) المخفَّف: (طَرَفُ البَظْرِ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة؛ وهو موضع الختان من المرأة (٥) (وَمِنْ ذَلِكَ) اللَّفظ (قِيلَ لَهَا) أي: للمرأة: (مَتْكَاءُ، وَابْنُ المَتْكَاءِ) بفتح الميم والتَّخفيف والمدِّ فيهما؛ وهي الَّتي لم تُختَن، ويقال (٦): البظراء (٧) أيضًا (فَإِنْ كَانَ ثَمَّ) بفتح المثلَّثة، أي: هناك (أُتْرُجٌّ) بتشديد الجيم (فَإِنَّهُ) كان (بَعْدَ المُتَّكَأِ) وقيل: «المُتَّكأ» طعامٌ يُحَزُّ حَزًّا، وقال ابن عبَّاسٍ وسعيد بن جبيرٍ والحسن وقتادة ومجاهدٌ: ﴿مُتَّكَأً﴾ طعامًا (٨)، سمَّاه متَّكَأ (٩) لأنَّ أهل الطعام إذا جلسوا يتَّكئون على الوسائد، فسُمِّي الطَّعام متَّكَأً على الاستعارة، وقيل: ﴿مُتَّكَأً﴾ (١٠) طعامٌ يحتاج إلى أن يقطع بالسِّكين؛ لأنَّه متى كان كذلك؛ احتاج الإنسان إلى أن يتَّكئ عليه عند القطع، وقد عُلِم ممَّا مرَّ أنَّ المُتْك المخفَّف يكون بمعنى: الأترجِّ (١١) وطرف البَظْر، وأنَّ المشدَّدة: ما يُتَّكَأُ عليه (١٢) من وسادةٍ، وحينئذٍ فلا تعارض بين النَّقلين كما لا يخفى، وكان الأَولى سياق قوله: «والمتَّكأ:
ما اتَّكأت عليه» عَقِبَ قوله: «متَّكأٌ: كلُّ (١) شيءٍ قُطِع بالسِّكين» ويشبه أن يكون من ناسخٍ؛ كغيره ممَّا يقع غيرَ مرتَّبٍ.
وقوله: ﴿قَدْ﴾ (﴿شَغَفَهَا﴾ [يوسف: ٣٠] يُقَالُ: بَلَغ إِلَى شِغَافِهَا) قال السَّفاقسيُّ: بكسر الشِّين المعجمة، ضبطه المحدِّثون في كتب اللُّغة بفتحها، وسقط لفظ «إلى» لأبي ذَرٍّ، وثبت له «بلغ» (٢) (وَهْوَ غِلَافُ قَلْبِهَا) وهو جلدةٌ رقيقةٌ، وزاد القاضي كغيره: حتَّى وصل إلى فؤادها حبًّا، وقال غيره: أحاط بقلبها مثل إحاطة الشِّغاف بالقلب؛ يعني: أنَّ اشتغالها بحبِّه صار حجابًا بينها وبين كلِّ ما سوى هذه المحبَّة، فلا يخطر ببالها سواه (وَأَمَّا (شَعَفَهَا)) بالعين المهملة؛ وهي قراءة الحسن وابن محيصن (فَمِنَ المَشْعُوفِ) وهو الَّذي أحرق قلبَه الحبُّ؛ وهو من شعف البعير إذا هَنأَه، أي: طلاه بالقطران فأحرقه، وقد كشف أبو عبيدٍ (٣) عن هذا المعنى فقال: الشَّعف، بالمهملة: إحراق الحبِّ القلبَ مع لذَّةٍ يجدها؛ كما أنَّ البعير إذا طُلِيَ بالقطران بلغ منه مثل ذلك، ثمَّ يسترجع إليه.
وقوله: (﴿أَصْبُ﴾) ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣٣] أي: (أَمِيلُ) إلى إجابتهنَّ، زاد أبو ذَرٍّ: «صَبَا: مَالَ».
وقوله: (﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]) هي: (مَا لَا تَأْوِيلَ لَهُ) وقال قتادة فيما رواه عبد الرَّزَّاق: هي الأحلام الكاذبة، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿أَحْلَامٍ﴾» (٤) (وَالضِّغْثُ) بكسر الضَّاد وسكون الغين المعجمتين، وسقط الواو من قوله: «والضِّغث» لأبي ذَرٍّ (٥) (مِلْءُ اليَدِ مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ) جنسًا واحدًا أو أجناسًا مختلطةً، وخصَّه في «الكشَّاف» بما جُمِع من أخلاط النَّبات، فقال: وأصل الأضغاث ما جُمِع من أخلاط النَّبات وحُزِمَ (٦)، فاستعيرت لذلك، أي: استُعيرَت الأضغاث للتَّخاليط والأباطيل، والجامعُ: الاختلاطُ من غير تمييزٍ بين جيِّدٍ
ورديءٍ، والإضافة في ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ بمعنى «مِن»، التَّقدير: أضغاثٌ من أحلامٍ (وَمِنْهُ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]) ممَّا هو ملء الكفِّ من الحشيش؛ وهو من جنسٍ واحدٍ، رُوِيَ: أنَّه أخذ عثكالًا من نخلةٍ (لَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: ٤٤]) الَّذي هو بمعنى: لا تأويلَ له (وَاحِدُهَا) أي: الأضغاث: (ضِغْثٌ).
وقوله: (﴿وَنَمِيرُ﴾) يريد قوله: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ [يوسف: ٦٥] (مِنَ المِيرَةِ) بكسر الميم؛ وهي الطَّعام، أي: نجلب إلى أهلينا (١) الطَّعام (﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾) أي: (مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ) بسبب حضور أخينا؛ لأنَّه كان يكيل لكلِّ رجلٍ حملَ بعيرٍ، وقال مجاهدٌ -فيما رواه الفريابيُّ من طريق ابن أبي نَجيحٍ عنه-: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أي: كيل حمارٍ، وأيَّده ابن خالويه: بأنَّ إخوة يوسف كانوا بأرض كنعان ولم يكن بها إبل (٢)، وقال ابن عادلٍ: وكونه البعير المعروف أصحُّ، وقوله: (﴿آوَى إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٩]) أي: (ضَمَّ إِلَيْهِ) أخاه بنيامين إلى (٣) الطَّعام أو إلى المنزل، رُوِيَ: أنَّه أجلس كلَّ اثنين على مائدةٍ، فبقي بنيامين وحده، فقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لأُجلِسْتُ (٤) معه؟ فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدًا، فأجلَسَه معه على مائدته (٥) وجعل يؤاكله، فلما كان اللَّيل؛ أمر أن ينزل كلَّ اثنين منهم بيتًا، وقال: هذا لا ثاني له آخذه معي، فآواه إليه.
(السِّقَايَةُ) يريد قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠]: (مِكْيَالٌ) إناءٌ كان يوسف ﵊ يشرب به، فجعله (٦) مكيالًا؛ لئلَّا يكتالوا بغيره فيظلموا.
قوله: ﴿فَلَمَّا﴾ (﴿اسْتَيْأَسُواْ﴾ [يوسف: ٨٠]) أي: (يَئِسُوا) من يوسف وإجابته إيَّاهم، وزيادة السِّين والتَّاء للمبالغة.
قوله: (﴿وَلَا تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] مَعْنَاه الرَّجَاءُ) و ﴿رَّوْحِ اللّهِ﴾ تعالى بفتح الرَّاء: رحمته وتنفيسه، وعن قتادة: من فضل الله، وقيل: من فرج الله.
وقوله: (﴿خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]) أي (اعْتَرْفُوا) وللكشميهنيِّ: «اعتزلوا» (نجيًّا) وهو الصَّواب، أي: انفردوا وليس معهم أخوهم (١)، أو خلا بعضهم إلى (٢) بعض يتشاورون ولا يخالطهم غيرهم، و ﴿نَجِيًّا﴾ حالٌ من فاعل ﴿خَلَصُواْ﴾ والنَّجيُّ: يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث (وَالجميعُ: أَنْجِيَةٌ) بالهمز (يَتَنَاجَوْنَ، الوَاحِدُ: نَجِيٌّ، والاِثْنَانِ وَالجميعُ: نجيٌّ) إمَّا لأنَّ النَّجيَّ «فعيل» بمعنى «مُفاعِل» كالعشير والخليط؛ بمعنى: المخالط والمعاشر؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أي: مناجيًا، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقًا، يقال: هم خليطك وعشيرك، أي: مخالطوك ومعاشروك، وإمَّا لأنَّه صفةٌ على «فَعِيل» بمنزلة: صَدِيق، وبابه يوحَّد؛ لأنَّه بمنزلة المصادر، كالصَّهيل والوخيد (٣)، وإمَّا لأنَّه مصدرٌ؛ بمعنى: التَّناجي؛ كما قيل: النَّجوى بمعناه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] وحينئذٍ فيكون فيه التَّأويلات المذكورة في «عَدَل» وبابه (وَ) قد يُجمَع فيقال: (أَنْجِيَةٌ) بالهمزة (٤) كما مرَّ، قال:
إنِّي إذا ما القَومُ كَانُوا أَنْجِيَةً
وقال لبيد:
وشَهِدتُ أنجيَةَ الأفاقةِ عاليًا … كَعْبي وأردافُ المُلُوكِ شهودُ
وكان من حقِّه إذا جعل وصفًا؛ أن يُجمَع (٥) على «أفعلاء» كغنيٍّ وأغنياء وشقيٍّ وأشقياء، وقال البغويُّ: النَّجيُّ يصلح للجماعة كما قال ههنا، وللواحد كما قال: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] وإنَّما جاز للواحد والجمع؛ لأنَّه مصدرٌ جُعِل نعتًا كالعدل، ومثله: النَّجوى يكون اسمًا
ومصدرًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] أي: متناجون (١) وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] وقال في المصدر: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٠] قال في «المفاتح» (٢): وأحسنُ الوجوه أن يُقال: إنَّهم تمحَّضوا تناجيًا؛ لأنَّ مَن كمَّل حصول أمرٍ من الأمور فيه وُصِفَ بأنَّه صار عين ذلك الشَّيء، فلما أخذوا في التَّناجي إلى غاية الحدِّ (٣)؛ صاروا كأنَّهم في أنفسهم نفس التَّناجي وحقيقته، وسقط من قوله: «﴿اسْتَيْأَسُواْ﴾ يئسوا … » إلى آخره في رواية أبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي، وثبت له عن الكُشْميهَنيِّ (٤) والمُستملي.
قوله تعالى: ﴿تَالله﴾ (٥) (تفتأ) بالألف صورة الهمزة، ولأبي ذَرٍّ: «﴿تَفُتَؤُاْ﴾» بالواو؛ وهو جواب القسم على حذف «لا» وهي ناقصةٌ؛ بمعنى: (لَا تَزَالُ) ومنه قول الشَّاعر:
تَاللهِ (٦) تبقى (٧) على الأيَّامِ ذو حَيَدٍ … بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ (٨) والآسُ
أي: لا يبقى، وقوله:
فقلتُ يمينَ اللهِ أبرحُ قاعدًا ........................
ويدلُّ على حذفها: أنَّه لوكان مثبتًا؛ لاقترن بلام الابتداء ونون التَّوكيد عند البصريِّين، أو بأحدهما عند الكوفيِّين، وتقول: واللهِ أحبُّك، تريد: لا أحبُّك، وهو من التَّورية، فإنَّ كثيرًا من النَّاس يتبادر ذهنه إلى إثبات المحبَّة.
وقوله: ﴿حَتَّى تَكُونَ﴾ (﴿حَرَضًا﴾ [يوسف: ٨٥]) أي: (مُحْرَضًا) بضمِّ الميم وفتح الرَّاء (يُذِيبُكَ الهَمُّ) والمعنى لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتَّى تموت من الهمِّ، والحرضُ في
الأصل: مصدرٌ؛ ولذلك لا يثنَّى (١) ولا يُجمَع، تقول: هو حرضٌ، وهما حرضٌ (٢)، وهم حرضٌ، وهي حرضٌ، وهنَّ حرضٌ (٣).
(تَحَسَّسُوا) يريد قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ (٤) اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ﴾ [يوسف: ٨٧] أي: (تَخَبَّرُوا) خبرًا من أخبار يوسف وأخيه، والتَّحسُّس: طلب الشَّيء بالحاسَّة.
(مُزْجَاةٌ) بالرَّفع لأبي ذَرٍّ، ولغيره: «﴿ُّزْجَاةٍ﴾» بالجرِّ حكاية قولهِ: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] أي: (قَلِيلَةٌ) بالرفع لأبي ذر، ولغيره: «قليلةٍ» بالجر، وقيل: رديئة.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ (﴿غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧]) أي: عقوبة (عَامَّةٌ مُجَلِّلَةٌ) بفتح الجيم وكسر اللَّام الأولى مشدَّدةً؛ من جلَّل الشَّيء؛ إذا عمَّه، صفةٌ لـ ﴿غَاشِيَةٌ﴾ (٥).
(١) (باب قوله) جلَّ وعلا خطابًا ليوسف ﵊: (﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾) بالنُّبوَّة أو بسعادة الدَّارين (﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾) سائر بنيه بالنُّبوَّة، وكرَّر ﴿عَلَى﴾ ليمكنَ العطفُ على الضَّمير المجرور (﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾) جدِّك وجدِّ أبيك بالرِّسالة (﴿مِن قَبْلُ﴾) أي: من قبلك (﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾ [يوسف: ٦]) بدلٌ من ﴿أَبَوَيْكَ﴾ أو عطف بيانٍ، وقيل: إتمام النِّعمة على إبراهيم بالخُلَّة، وعلى إسحاق بإخراج يعقوب والأسباط من صُلبه، وسقط لأبي ذَرٍّ «﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾» وقال بعد قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ (٦): «الآيةَ».