«مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٦٩٧

الحديث رقم ٤٦٩٧ من كتاب «كتاب تفسير القرآن» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: سورة الرعد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٦٩٧ في صحيح البخاري

«مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللهُ».

سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَادٍ﴾ دَاعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَدِيدٌ﴾ قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ، يَبْغُونَهَا عِوَجًا يَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ، رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ، هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ، ﴿مَقَامِي﴾ حَيْثُ يُقِيمُهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ قُدَّامِهِ، ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ، مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ، ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ مِنَ الصُّرَاخِ، ﴿وَلا خِلَالَ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ، ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ.

﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٦٩٧

٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

📖 هذا الحديث في تفسير سورة الرعد - اطّلع على تفسيرها وأسباب نزولها.

شرح حديث ٤٦٩٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ نَقَصَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أَيْ ذَهَبَ وَقَلَّ. وَهَذَا تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ، تَغِيضُ الْأَرْحَامُ، فَإِنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قَالَ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الْوَلَدِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ كَانَ تَمَامًا لِمَا نَقَصَ مِنْ وَلَدِهَا. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْغِيضُ مَا دُونَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَالزِّيَادَةُ مَا زَادَتْ عَلَيْهَا يَعْنِي فِي الْوَضْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَفَاتِحِ الْغَيْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ وَيُشْرَحُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ غَرَبُ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ، عَنْ مَعْنٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ. قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَوَهِمَ فِيهِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا.

١٤ - سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ: دَاعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ، آذَنَكُمْ. فَرَدُّوا ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ. ﴿مَقَامِي﴾ حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ. ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ، مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ مِنْ الصُّرَاخِ. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ. ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ دَاعٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْذِرِ مُحَمَّدٌ . فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أَيْ دَاعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلِهِ.

وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْهَادِي اللَّهُ. وَهَذَا بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ كَأَنَّهُ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْهَادِي الْقَائِدُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ أَيْضًا: الْهَادِي نَبِيٌّ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَيُحْمَلُ الْقَوْمُ فِي الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى الْعُمُومِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الضُّحَى، وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ: الْهَادِي مُحَمَّدٌ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْجَمِيعِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ عَلَى هَذَا الْخُصُوصِ أَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْمُسْتَغْرَبُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: أَنَا الْمُنْذِرُ. وَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ: أَنْتَ الْهَادِي بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بَعْدِي فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ الشِّيعَةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا مَا تَخَالَفَتْ رُوَاتُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ قَيْحٌ وَدَمٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قَالَ: قَيْحٌ وَدَمٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قَالَ: نِعَمِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَقُلْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قَالَ: رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (تَبْغُونَهَا عِوَجًا تَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصَنِيعِهِمْ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَذِكْرُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ تَفَاسِيرِهِ أَوْلَى، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قَالَ تَلْتَمِسُونَ لَهَا الزَّيْغَ، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ الْعِوَجَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدِّينِ، وَبِفَتْحِهَا فِي الْعَوْدِ وَنَحْوَهُ مِمَّا كَانَ مُنْتَصِبًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالِ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ أَيْ لَا مُخَالَّةَ خَلِيلٍ، قَالَ: وَلَهُ مَعْنَى آخَرَ جَمْعُ خُلَّةٍ مِثْلُ حُلَّةٍ وَالْجَمْعُ خِلَالٌ وَقُلَّةٍ وَالْجَمْعُ قِلَالٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا بُيُوعًا وَخِلَالًا يَتَخَالَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ يُخَالِلُ اللَّهَ فَلْيَدُمْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَسَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَنْ جَعَلَ الْخِلَالَ فِي الْآيَةِ جَمْعُ خُلَّةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ أَعْلَمَكُمْ رَبُّكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ إِذْ زَائِدَةٌ، وَتَأَذَّنَ تَفَعَّلَ مِنْ آذَنَ أَيْ أَعْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أنَّ تَأَذَّنَ مِنَ الْإِيذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى تَفَعَّلَ عَزَمَ عَزْمًا جَازِمًا، وَلِهَذَا أُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْقَسَمُ. وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَجْعَلُ أَذَّنَ وَتَأَذَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ تَعَلَّمَ مَوْضِعَ أَعْلَمَ وَأَوْعَدَ وَتَوَعَّدَ وَقِيلَ إِنَّ إِذْ زَائِدَةٌ فَإِنَّ الْمَعْنَى اذْكُرُوا حِينَ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ.

قَوْلُهُ: ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مِثْلُ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ مَجَازُهُ مَجَازُ الْمَثَلِ وَمَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ عَمَّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ يُقَالُ: رَدَّ يَدَهُ فِي فَمِهِ إِذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يُجِبْ. وَقَدْ تَعَقَّبُوا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ: لَمْ يُسْمَعْ مِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأولى ولدت ابنتي (١) زينب -وفَّقها الله تعالى لكلِّ خيرٍ وأحسنَ عواقبها وجعل لها الذُّرِّيَّة الصَّالحة -لتسعة أشهرٍ من ابتداء حملها، وقد نبتت ثنيَّتُها ثمَّ سقطت بعد نحو سبعة أشهرٍ، وقال مكحولٌ: الجنين في بطن أمِّه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمُّ، وإنَّما يأتيه رزقه في بطن أمَّه من دم حيضها، فمِن ثمَّ لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهلَّ، واستهلاله استنكارٌ لمكانه، فإذا قُطِعَت سرَّته حوَّل الله رزقه إلى ثدي أمِّه، حتَّى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمَّ، ثمَّ يصير طفلًا يتناول الشَّيء بكفِّه فيأكله (٢)، فإذا بلغ؛ قال: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ يقول مكحولٌ: يا (٣) ويحك (٤) غذَّاك وأنت في بطن أمِّك وأنت طفلٌ صغيرٌ، حتَّى إذا اشتددتَ وعقلت؛ قلت: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ ثمَّ قرأ مكحولٌ: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]. انتهى. والإسناد إلى الرَّحم لا يخفى أنَّه مجازيٌّ؛ إذ الفاعل حقيقةً هو الله تعالى، وكلُّ كائنٍ بقدرٍ معيَّنٍ عند الله تعالى، لا يجاوز ولا ينقص عنه.

٤٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين آخره نونٌ، ابن عيسى القزَّاز، بالقاف والزَّاي المشدَّدة وبعد الألف زايٌ أخرى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) قال أبو مسعودٍ: تفرَّد به إبراهيم (٥) بن المنذر، وهو غريبٌ عن مالكٍ، قال في «الفتح»: قد أخرجه الدَّارقطنيُّ من رواية عبد الله بن جعفرٍ البرمكيِّ عن معنٍ، ورواه أيضًا من

طريق القعنبيِّ عن مالكٍ لكنَّه اختصره، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق ابن (١) القاسم عن مالكٍ، قال الدَّارقطنيُّ (٢): ورواه أحمد بن أبي طيبة عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر، فوهم فيه إسنادًا ومتنًا: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَفَاتِيحُ الغَيْبِ) بوزن: مصابيح، ولأبي ذَرٍّ: «مفاتِح» بوزن: مَسَاجِد؛ جمع مَفْتَح بفتح الميم، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ (٣) إِلَّا اللهُ) ذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي الزَّائد، أو لأنهم كانوا يعتقدون معرفتها (لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) أي: ما تُنقِصه (٤) (إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ (٥) إِلَّا اللهُ) أي: إلَّا عند أمر الله به، فيعلم حينئذٍ كالسَّابق إذا أمر تعالى به (وَلَا تَدْرِي (٦) نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي: في بلدها أم في غيرها (٧)؛ كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت (وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ) أحدٌ (إِلَّا اللهُ) إلَّا من ارتضى من رسولٍ، فإنَّه يطلعه على ما يشاء من غيبه، والوليُّ التَّابع له يأخذ عنه، وقد سبق شيءٌ من فوائد هذا الحديث في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] فالتَفِتْ إليه «كالاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي الإلمام بشيءٍ منه إن شاء الله تعالى في آخر «سورة لقمان» [خ¦٤٧٧٧] وبالله المستعان.

(((١٤))) (سورة إِبْرَاهِيمَ) مكِّيَّةٌ، وهي إحدى وخمسون آيةً.

(بسم الله الرحمن الرحيم. بابٌ) وسقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وكذا «باب».

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله (١) عنهما في قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ (﴿هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]) أي: (دَاعٍ) يدعوهم إلى الصَّواب ويهديهم إلى الحقِّ، والمراد: نبيٌّ مخصوصٌ بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالب عليهم، والظَّاهر: أنَّ وقوع ذلك هنا من ناسخٍ (٢).

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (صَدِيدٌ) من قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦]: هو (قَيْحٌ وَدَمٌ) (٣) وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده، وفي روايةٍ عنه: ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدَّم، وقيل: ما يخرج من فروج الزُّناة، وهل الصَّديد نعتٌ أم لا؟ فقيل: نعتٌ لـ ﴿مَّاء﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: أنَّه على حذف أداة التَّشبيه، أي: ماءٌ مثل صديدٍ، وعلى هذا فليس الماء الَّذي يشربونه صديدًا، بل مثله في النَّتَن والغلظ والقذارة؛ كقوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] والثَّاني: إنَّ الصَّديد لمَّا كان يشبه الماء؛ أُطلِق عليه ماء، وليس هو بماءٍ حقيقةً، وعلى هذا فيشربون نَفْس الصَّديد المشبَّه بالماء، وإلى كونه صفةً ذهب الحوفيُّ وغيره، وفيه نظرٌ؛ إذ ليس بمشتَقٍّ إلَّا على قول (٤) من فسَّره بأنَّه صديدٌ بمعنى: مصدود، أخذه من الصَّدِّ وكأنَّه لكراهته مصدودٌ عنه، أي: يمتنع عنه كلُّ أحدٍ (٥)، ويدلُّ عليه ﴿َتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتكلَّف جرعه، وكذا ﴿وَلَا يَكَادُ﴾ [إبراهيم: ١٧] وسقط «وقال مجاهدٌ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ.

(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان ممَّا وصله في «تفسيره» والطَّبريُّ (١) أيضًا: (﴿اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠]) أي: (أَيَادِيَ اللهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) أي: بوقائعه (٢) الَّتي وقعت على الأمم الدَّارجة.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في (٣) قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُم﴾ (﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]) أي: (رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وفي ﴿مِّن﴾ قولان؛ قيل: زائدةٌ في المفعول الثَّاني، وهذا إنَّما يأتي على قول الأخفش، وقيل: تبعيضيَّةٌ، أي: آتاكم بعض (٤) ما سألتموه، نظرًا لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعول محذوفٌ، أي: وآتاكم شيئًا من كلِّ ما سألتموه، وهو رأي سيبويه.

(﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣]) قال مجاهدٌ فيما وصله عبد بن حميدٍ: (يَلْتَمِسُونَ) ولأبي ذَرٍّ: «تبغونها: تلتمسون (٥)» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة فيهما (٦) (لَهَا عِوَجًا) أي: زيغًا ونكوبًا (٧) عن الحقِّ ليقدحوا فيه، وأشار بقوله: «لها» إلى الأصل، ولكنَّه حذف الجارَّ وأوصل الفعل، والإضلال (٨) يكون بالسعي في صدِّ الغير، وبإلقاء الشَّكِّ والشُّبهات في المذهب الحقِّ، ويحاول تقبيح الحقِّ بكلِّ ما يقدر عليه، وهذا النِّهاية.

(﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]) أي: (أَعْلَمَكُمْ: آذَنَكُمْ) بمدِّ الهمزة، والمعنى: آذن إيذانًا بليغًا؛ لِمَا في «تَفَعَّل» من التَّكلُّف، وفي رواية أبي ذَرٍّ -كما في «فتح الباري» -: «أعلمكم ربُّكم» أي: إن شكرتم نعمتي من الإنجاء وغيره بالإيمان وصالحات الأعمال؛ لأزيدنَّكم النِّعم (٩)، وإن جحدتموها فإنَّ عذابي بسلبها في الدُّنيا والنَّار في العقبى في غاية الشِّدَّة.

(رَدُّوا) يريد قوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ﴾ (﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) قال أبو عبيدة: (هَذَا مَثَلٌ) ومعناه: (كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) من الحقِّ، ولم يؤمنوا به، قال في «الفتح»: وقد تعقَّبوا كلام أبي عبيدة

بأنَّه لم يسمع من العرب: ردَّ يده في فِيْهِ؛ إذا تَرَكَ الشَّيء الَّذي كان يفعله. انتهى. وهذا الَّذي قاله أبو عبيدة قاله أيضًا الأخفش، وأنكره القتيبيُّ، ولفظه كما في «اللُّباب»: لم يسمع أحدٌ يقول: ردَّ يده إلى فِيْه؛ إذا تَرَكَ ما أُمر به، وأُجيبَ بأنَّ المثبِتَ مقدَّمٌ على النافي، قال في «الدُّرِّ»: والضَّمائر الثَّلاثة يجوز أن تكون للكفَّار، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواههم من الغيظ؛ كقوله تعالى: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] فـ «في» (١) على (٢) بابها من الظَّرفيَّة، أو فردُّوا أيديهم على أفواههم ضحكًا واستهزاء، فـ «في» بمعنى «على» أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنَّا كفرنا، فـ «في» بمعنى «إلى» وأن يكون الأوَّلان للكفَّار والأخير للرُّسل، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواه الرُّسل، أي: أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسُّكوت.

وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ﴾ (﴿مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤]) قال ابن عبَّاسٍ: (حَيْثُ يُقِيمُهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) يوم القيامة للحساب.

وقوله: (﴿مِّن وَرَآئِهِ﴾ [إبراهيم: ١٦]) أي: من (قُدَّامِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «قدَّامَه جهنَّم» بنصب ميم قدَّامَه، وهذا قول الأكثر؛ وهو من الأضداد، وعليه قوله:

عسى الكربُ الَّذي أَمْسَيتَ فيه … يَكُونُ وراءه فَرجٌ قَرِيبُ

أي: قدَّامه، وقول الآخر:

أليسَ وَرائِي إنْ تراختْ منيّتي … لزوم العَصا تُحْنى عليها الأَضالِعُ (١)

وقيل: بعد موته.

وقوله تعالى: (﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: تَابِعٌ؛ مِثْلُ: غَيَبٍ وَغَائِبٍ) وخدمٍ (٢) وخادمٍ، أي: يقول الضُّعفاء للَّذين استكبروا -أي: لرؤسائهم الَّذين استتبعوهم-: إنَّا كنَّا لكم تبعًا في التَّكذيب للرُّسل والإعراض عنهم.

وقوله تعالى: (﴿مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]) يقال: (اسْتَصْرَخَنِي) أي: (اسْتَغَاثَنِي) فكأنَّ همزته للسَّلب، أي: أزال صراخي (يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) والمعنى: ما أنا بمغيثكم من العذاب، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ … » إلى آخره (٣).

(﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] مَصْدَرُ: خَالَلْتُهُ (٤) خِلَالًا) قال طَرَفة:

كُلُّ خليلٍ كنتَ خاللتَهُ … لا تركَ اللهُ له واضحةً

(وَيَجُوزُ (٥) أَيْضًا؛ جَمْعُ: خُلَّةٍ وَخِلَالٍ) كبُرْمَةٍ وبرامٍ، وهذا قاله الأخفش، والجمهور على الأوَّل، والمخاللة: المصاحبة.

(﴿اجْتُثَّتْ﴾) من قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي: (اسْتُؤْصِلَتْ) وأُخِذَت جثَّتها بالكليَّة، قال لقيطٌ الإيادي:

هذا الخلاءُ الَّذي يجتثُّ أصلَكُمُ … فمَن رأى مثلَ ذا آتٍ ومَن سمِعَا

(١) (باب قوله) تعالى: (﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾) مثمرةٍ طيِّبةٍ الثِّمار؛ كالنَّخلة وشجرة التِّين والعنب

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٦٩٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ غِيضَ نَقَصَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ أَيْ ذَهَبَ وَقَلَّ. وَهَذَا تَفْسِيرُ سُورَةِ هُودٍ. وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِتَفْسِيرِ قَوْلِهِ، تَغِيضُ الْأَرْحَامُ، فَإِنَّهَا مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قَالَ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الْوَلَدِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ كَانَ تَمَامًا لِمَا نَقَصَ مِنْ وَلَدِهَا. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْغِيضُ مَا دُونَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَالزِّيَادَةُ مَا زَادَتْ عَلَيْهَا يَعْنِي فِي الْوَضْعِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي مَفَاتِحِ الْغَيْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ وَيُشْرَحُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ غَرَبُ عَنْ مَالِكٍ. قُلْتُ: قَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ، عَنْ مَعْنٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ لَكِنَّهُ اخْتَصَرَهُ. قُلْتُ: وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَوَهِمَ فِيهِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا.

١٤ - سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ: دَاعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ: قَيْحٌ وَدَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ، آذَنَكُمْ. فَرَدُّوا ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مَثَلٌ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ. ﴿مَقَامِي﴾ حَيْثُ يُقِيمُهُ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ قُدَّامَهُ جَهَنَّمُ. ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ وَاحِدُهَا تَابِعٌ، مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ اسْتَصْرَخَنِي اسْتَغَاثَنِي، ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ مِنْ الصُّرَاخِ. ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالٍ. ﴿اجْتُثَّتْ﴾ اسْتُؤْصِلَتْ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَادٍ دَاعٍ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَفْسِيرِهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْذِرِ مُحَمَّدٌ . فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أَيْ دَاعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلِهِ.

وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْهَادِي اللَّهُ. وَهَذَا بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ كَأَنَّهُ لَحَظَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْهَادِي الْقَائِدُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ أَيْضًا: الْهَادِي نَبِيٌّ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَيُحْمَلُ الْقَوْمُ فِي الْآيَةِ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى الْعُمُومِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الضُّحَى، وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ: الْهَادِي مُحَمَّدٌ. وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الْجَمِيعِ. وَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ عَلَى هَذَا الْخُصُوصِ أَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَالْمُسْتَغْرَبُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: أَنَا الْمُنْذِرُ. وَأَوْمَأَ إِلَى عَلِيٍّ وَقَالَ: أَنْتَ الْهَادِي بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بَعْدِي فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْقَوْمِ أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْ بَنِي هَاشِمٍ مَثَلًا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْهَادِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ: هُوَ عَلِيٌّ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ الشِّيعَةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا مَا تَخَالَفَتْ رُوَاتُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَدِيدٌ قَيْحٌ وَدَمٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ قَالَ: قَيْحٌ وَدَمٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قَالَ: نِعَمِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَلَمْ يَقُلْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قَالَ: رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (تَبْغُونَهَا عِوَجًا تَلْتَمِسُونَ لَهَا عِوَجًا) كَذَا وَقَعَ هُنَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَصَنِيعِهِمْ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ فَذِكْرُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ تَفَاسِيرِهِ أَوْلَى، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قَالَ تَلْتَمِسُونَ لَهَا الزَّيْغَ، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ الْعِوَجَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَالدِّينِ، وَبِفَتْحِهَا فِي الْعَوْدِ وَنَحْوَهُ مِمَّا كَانَ مُنْتَصِبًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا خِلالٌ﴾ مَصْدَرُ خَالَلْتُهُ خِلَالًا، وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلَالِ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ فَأَوْهَمَ أَنَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ أَيْ لَا مُخَالَّةَ خَلِيلٍ، قَالَ: وَلَهُ مَعْنَى آخَرَ جَمْعُ خُلَّةٍ مِثْلُ حُلَّةٍ وَالْجَمْعُ خِلَالٌ وَقُلَّةٍ وَالْجَمْعُ قِلَالٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ فِي الدُّنْيَا بُيُوعًا وَخِلَالًا يَتَخَالَوْنَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ يُخَالِلُ اللَّهَ فَلْيَدُمْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَسَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَنْ جَعَلَ الْخِلَالَ فِي الْآيَةِ جَمْعُ خُلَّةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ أَعْلَمَكُمْ رَبُّكُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ إِذْ زَائِدَةٌ، وَتَأَذَّنَ تَفَعَّلَ مِنْ آذَنَ أَيْ أَعْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أنَّ تَأَذَّنَ مِنَ الْإِيذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى تَفَعَّلَ عَزَمَ عَزْمًا جَازِمًا، وَلِهَذَا أُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْقَسَمُ. وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ يَجْعَلُ أَذَّنَ وَتَأَذَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ تَعَلَّمَ مَوْضِعَ أَعْلَمَ وَأَوْعَدَ وَتَوَعَّدَ وَقِيلَ إِنَّ إِذْ زَائِدَةٌ فَإِنَّ الْمَعْنَى اذْكُرُوا حِينَ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ.

قَوْلُهُ: ﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ هَذَا مِثْلُ كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ مَجَازُهُ مَجَازُ الْمَثَلِ وَمَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ عَمَّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الْحَقِّ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ يُقَالُ: رَدَّ يَدَهُ فِي فَمِهِ إِذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يُجِبْ. وَقَدْ تَعَقَّبُوا كَلَامَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقِيلَ: لَمْ يُسْمَعْ مِنَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأولى ولدت ابنتي (١) زينب -وفَّقها الله تعالى لكلِّ خيرٍ وأحسنَ عواقبها وجعل لها الذُّرِّيَّة الصَّالحة -لتسعة أشهرٍ من ابتداء حملها، وقد نبتت ثنيَّتُها ثمَّ سقطت بعد نحو سبعة أشهرٍ، وقال مكحولٌ: الجنين في بطن أمِّه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمُّ، وإنَّما يأتيه رزقه في بطن أمَّه من دم حيضها، فمِن ثمَّ لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهلَّ، واستهلاله استنكارٌ لمكانه، فإذا قُطِعَت سرَّته حوَّل الله رزقه إلى ثدي أمِّه، حتَّى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتمَّ، ثمَّ يصير طفلًا يتناول الشَّيء بكفِّه فيأكله (٢)، فإذا بلغ؛ قال: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ يقول مكحولٌ: يا (٣) ويحك (٤) غذَّاك وأنت في بطن أمِّك وأنت طفلٌ صغيرٌ، حتَّى إذا اشتددتَ وعقلت؛ قلت: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرِّزق؟ ثمَّ قرأ مكحولٌ: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨]. انتهى. والإسناد إلى الرَّحم لا يخفى أنَّه مجازيٌّ؛ إذ الفاعل حقيقةً هو الله تعالى، وكلُّ كائنٍ بقدرٍ معيَّنٍ عند الله تعالى، لا يجاوز ولا ينقص عنه.

٤٦٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزاميُّ -بالحاء المهملة والزَّاي المعجمة- قال: (حَدَّثَنَا مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين آخره نونٌ، ابن عيسى القزَّاز، بالقاف والزَّاي المشدَّدة وبعد الألف زايٌ أخرى (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما) قال أبو مسعودٍ: تفرَّد به إبراهيم (٥) بن المنذر، وهو غريبٌ عن مالكٍ، قال في «الفتح»: قد أخرجه الدَّارقطنيُّ من رواية عبد الله بن جعفرٍ البرمكيِّ عن معنٍ، ورواه أيضًا من

طريق القعنبيِّ عن مالكٍ لكنَّه اختصره، وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريق ابن (١) القاسم عن مالكٍ، قال الدَّارقطنيُّ (٢): ورواه أحمد بن أبي طيبة عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر، فوهم فيه إسنادًا ومتنًا: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَفَاتِيحُ الغَيْبِ) بوزن: مصابيح، ولأبي ذَرٍّ: «مفاتِح» بوزن: مَسَاجِد؛ جمع مَفْتَح بفتح الميم، أي: خزائن الغيب (خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ (٣) إِلَّا اللهُ) ذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى؛ لأنَّ العدد لا ينفي الزَّائد، أو لأنهم كانوا يعتقدون معرفتها (لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) أي: ما تُنقِصه (٤) (إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ (٥) إِلَّا اللهُ) أي: إلَّا عند أمر الله به، فيعلم حينئذٍ كالسَّابق إذا أمر تعالى به (وَلَا تَدْرِي (٦) نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) أي: في بلدها أم في غيرها (٧)؛ كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت (وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ) أحدٌ (إِلَّا اللهُ) إلَّا من ارتضى من رسولٍ، فإنَّه يطلعه على ما يشاء من غيبه، والوليُّ التَّابع له يأخذ عنه، وقد سبق شيءٌ من فوائد هذا الحديث في «سورة الأنعام» [خ¦٤٦٢٧] فالتَفِتْ إليه «كالاستسقاء» [خ¦١٠٣٩] ويأتي الإلمام بشيءٍ منه إن شاء الله تعالى في آخر «سورة لقمان» [خ¦٤٧٧٧] وبالله المستعان.

(((١٤))) (سورة إِبْرَاهِيمَ) مكِّيَّةٌ، وهي إحدى وخمسون آيةً.

(بسم الله الرحمن الرحيم. بابٌ) وسقطت البسملة لغير أبي ذَرٍّ، وكذا «باب».

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله (١) عنهما في قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ (﴿هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]) أي: (دَاعٍ) يدعوهم إلى الصَّواب ويهديهم إلى الحقِّ، والمراد: نبيٌّ مخصوصٌ بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالب عليهم، والظَّاهر: أنَّ وقوع ذلك هنا من ناسخٍ (٢).

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ: (صَدِيدٌ) من قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦]: هو (قَيْحٌ وَدَمٌ) (٣) وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده، وفي روايةٍ عنه: ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدَّم، وقيل: ما يخرج من فروج الزُّناة، وهل الصَّديد نعتٌ أم لا؟ فقيل: نعتٌ لـ ﴿مَّاء﴾ وفيه تأويلان: أحدهما: أنَّه على حذف أداة التَّشبيه، أي: ماءٌ مثل صديدٍ، وعلى هذا فليس الماء الَّذي يشربونه صديدًا، بل مثله في النَّتَن والغلظ والقذارة؛ كقوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] والثَّاني: إنَّ الصَّديد لمَّا كان يشبه الماء؛ أُطلِق عليه ماء، وليس هو بماءٍ حقيقةً، وعلى هذا فيشربون نَفْس الصَّديد المشبَّه بالماء، وإلى كونه صفةً ذهب الحوفيُّ وغيره، وفيه نظرٌ؛ إذ ليس بمشتَقٍّ إلَّا على قول (٤) من فسَّره بأنَّه صديدٌ بمعنى: مصدود، أخذه من الصَّدِّ وكأنَّه لكراهته مصدودٌ عنه، أي: يمتنع عنه كلُّ أحدٍ (٥)، ويدلُّ عليه ﴿َتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتكلَّف جرعه، وكذا ﴿وَلَا يَكَادُ﴾ [إبراهيم: ١٧] وسقط «وقال مجاهدٌ … » إلى آخره لأبي ذَرٍّ.

(وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان ممَّا وصله في «تفسيره» والطَّبريُّ (١) أيضًا: (﴿اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠]) أي: (أَيَادِيَ اللهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ) أي: بوقائعه (٢) الَّتي وقعت على الأمم الدَّارجة.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ في (٣) قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُم﴾ (﴿مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]) أي: (رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ) وفي ﴿مِّن﴾ قولان؛ قيل: زائدةٌ في المفعول الثَّاني، وهذا إنَّما يأتي على قول الأخفش، وقيل: تبعيضيَّةٌ، أي: آتاكم بعض (٤) ما سألتموه، نظرًا لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعول محذوفٌ، أي: وآتاكم شيئًا من كلِّ ما سألتموه، وهو رأي سيبويه.

(﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣]) قال مجاهدٌ فيما وصله عبد بن حميدٍ: (يَلْتَمِسُونَ) ولأبي ذَرٍّ: «تبغونها: تلتمسون (٥)» بالفوقيَّة بدل التَّحتيَّة فيهما (٦) (لَهَا عِوَجًا) أي: زيغًا ونكوبًا (٧) عن الحقِّ ليقدحوا فيه، وأشار بقوله: «لها» إلى الأصل، ولكنَّه حذف الجارَّ وأوصل الفعل، والإضلال (٨) يكون بالسعي في صدِّ الغير، وبإلقاء الشَّكِّ والشُّبهات في المذهب الحقِّ، ويحاول تقبيح الحقِّ بكلِّ ما يقدر عليه، وهذا النِّهاية.

(﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]) أي: (أَعْلَمَكُمْ: آذَنَكُمْ) بمدِّ الهمزة، والمعنى: آذن إيذانًا بليغًا؛ لِمَا في «تَفَعَّل» من التَّكلُّف، وفي رواية أبي ذَرٍّ -كما في «فتح الباري» -: «أعلمكم ربُّكم» أي: إن شكرتم نعمتي من الإنجاء وغيره بالإيمان وصالحات الأعمال؛ لأزيدنَّكم النِّعم (٩)، وإن جحدتموها فإنَّ عذابي بسلبها في الدُّنيا والنَّار في العقبى في غاية الشِّدَّة.

(رَدُّوا) يريد قوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ﴾ (﴿أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) قال أبو عبيدة: (هَذَا مَثَلٌ) ومعناه: (كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ) من الحقِّ، ولم يؤمنوا به، قال في «الفتح»: وقد تعقَّبوا كلام أبي عبيدة

بأنَّه لم يسمع من العرب: ردَّ يده في فِيْهِ؛ إذا تَرَكَ الشَّيء الَّذي كان يفعله. انتهى. وهذا الَّذي قاله أبو عبيدة قاله أيضًا الأخفش، وأنكره القتيبيُّ، ولفظه كما في «اللُّباب»: لم يسمع أحدٌ يقول: ردَّ يده إلى فِيْه؛ إذا تَرَكَ ما أُمر به، وأُجيبَ بأنَّ المثبِتَ مقدَّمٌ على النافي، قال في «الدُّرِّ»: والضَّمائر الثَّلاثة يجوز أن تكون للكفَّار، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواههم من الغيظ؛ كقوله تعالى: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] فـ «في» (١) على (٢) بابها من الظَّرفيَّة، أو فردُّوا أيديهم على أفواههم ضحكًا واستهزاء، فـ «في» بمعنى «على» أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنَّا كفرنا، فـ «في» بمعنى «إلى» وأن يكون الأوَّلان للكفَّار والأخير للرُّسل، أي: فردَّ الكفَّار أيديهم في أفواه الرُّسل، أي: أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسُّكوت.

وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ﴾ (﴿مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤]) قال ابن عبَّاسٍ: (حَيْثُ يُقِيمُهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْهِ) يوم القيامة للحساب.

وقوله: (﴿مِّن وَرَآئِهِ﴾ [إبراهيم: ١٦]) أي: من (قُدَّامِهِ) ولأبي ذَرٍّ: «قدَّامَه جهنَّم» بنصب ميم قدَّامَه، وهذا قول الأكثر؛ وهو من الأضداد، وعليه قوله:

عسى الكربُ الَّذي أَمْسَيتَ فيه … يَكُونُ وراءه فَرجٌ قَرِيبُ

أي: قدَّامه، وقول الآخر:

أليسَ وَرائِي إنْ تراختْ منيّتي … لزوم العَصا تُحْنى عليها الأَضالِعُ (١)

وقيل: بعد موته.

وقوله تعالى: (﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: تَابِعٌ؛ مِثْلُ: غَيَبٍ وَغَائِبٍ) وخدمٍ (٢) وخادمٍ، أي: يقول الضُّعفاء للَّذين استكبروا -أي: لرؤسائهم الَّذين استتبعوهم-: إنَّا كنَّا لكم تبعًا في التَّكذيب للرُّسل والإعراض عنهم.

وقوله تعالى: (﴿مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]) يقال: (اسْتَصْرَخَنِي) أي: (اسْتَغَاثَنِي) فكأنَّ همزته للسَّلب، أي: أزال صراخي (يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّرَاخِ) والمعنى: ما أنا بمغيثكم من العذاب، وسقط لأبي ذَرٍّ قوله: «﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ … » إلى آخره (٣).

(﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] مَصْدَرُ: خَالَلْتُهُ (٤) خِلَالًا) قال طَرَفة:

كُلُّ خليلٍ كنتَ خاللتَهُ … لا تركَ اللهُ له واضحةً

(وَيَجُوزُ (٥) أَيْضًا؛ جَمْعُ: خُلَّةٍ وَخِلَالٍ) كبُرْمَةٍ وبرامٍ، وهذا قاله الأخفش، والجمهور على الأوَّل، والمخاللة: المصاحبة.

(﴿اجْتُثَّتْ﴾) من قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي: (اسْتُؤْصِلَتْ) وأُخِذَت جثَّتها بالكليَّة، قال لقيطٌ الإيادي:

هذا الخلاءُ الَّذي يجتثُّ أصلَكُمُ … فمَن رأى مثلَ ذا آتٍ ومَن سمِعَا

(١) (باب قوله) تعالى: (﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾) مثمرةٍ طيِّبةٍ الثِّمار؛ كالنَّخلة وشجرة التِّين والعنب

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله