الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٧٠٩
الحديث رقم ٤٧٠٩ من كتاب «سورة بني إسرائيل» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: وقضينا إلى بني إسرائيل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٤٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَاصِبًا﴾ أَيْ رِيحًا عَاصِفًا تَحْصِبُ، وَيَكُونُ الْحَاصِبُ مِنَ الْجَلِيدِ أَيْضًا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ الْقُطْنِ مَنْثُورٍ
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ كُلُّ شَيْءٍ أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ فَقَدْ حَصَبْتَهَا بِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قَالَ: حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: رَامِيًا يَرْمِيكُمْ بِحِجَارَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿تَارَةً﴾ أَيْ مَرَّةً، وَالْجَمْعُ تِيَرٌ وَتَارَاتٌ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: وَالْجَمْعُ تِيَرٌ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: مَرَّةُ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ لَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقَالُ احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ اسْتَقْصَاهُ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ قَالَ: لَأَحْتَوِيَنَ قَالَ: يَعْنِي شِبْهَ الزِّنَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ) وَصَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَرَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ وَكُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ صَلَاةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا) وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ قَالَ: لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا.
٣ - بَاب ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
٤٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ. ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ. قَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ.
٤٧١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ. زَادَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. . نَحْوَهُ. ﴿قَاصِفًا﴾ رِيحٌ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ بَابُ قَوْلِهِ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لَمْ يَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فِي (أَسْرَى) بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ لُوطٍ ﴿فَأَسْرِ﴾ فَقُرِئَتْ بِالْوَجْهَيْنِ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إِنَّ أَسْرَى وَسَرَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: السُّرَى مِنْ سَرَيْتُ إِذَا سِرْتُ لَيْلًا يَعْنِي فَهُوَ لَازِمٌ، وَالْإِسْرَاءُ يَتَعَدَّى فِي الْمَعْنَى لَكِنْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ حَتَّى ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (جَعَلَ الْبُرَاقَ يُسْرِي بِهِ كَمَا تَقُولُ أَمْضَيْتُ كَذَا بِمَعْنَى جَعَلْتُهُ يَمْضِي، لَكِنْ حَسُنَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ لِقُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ أَوِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْرِهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذِّكْرِ الْمُصْطَفَى لَا الدَّابَّةُ الَّتِي سَارَتْ بِهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ لُوطٍ فَالْمَعْنَى سِرْ بِهِمْ عَلَى مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ مِنْ دَابَّةٍ وَنَحْوِهَا، هَذَا مَعْنَى الْقِرَاءَةِ بِالْقَطْعِ، وَمَعْنَى الْوَصْلُ سِرْ بِهِمْ لَيْلًا، وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِسْرَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ سَرَى بِعَبْدِهِ بِوَجْهٍ مِنَ
الْوُجُوهِ انْتَهَى. وَالنَّفْيُ جَزَمَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ سَارَ لَيْلًا عَلَى الْبُرَاقِ، وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: سِرْتُ بِزَيْدٍ بِمَعْنَى صَاحَبْتُهُ لَكَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا، ذكر فيه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ.
وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا حَدِيثَ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ كَذَّبَنِي بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ.
قَوْلُهُ: فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ تَقَدَّمَ شَرْحِهِ أَيْضًا فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالَّذِي اقْتَرَحَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هُوَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْرَجَهُ أَبُو يُعْلَى مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَتْ طَرَفًا مِنْهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مَعْزُوًّا إِلَى أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ لِمَا كَانَ لَيْلَةُ أُسَرِيَّ بِي ثُمَّ أَصْبَحَتْ بِمَكَّةَ قَطَعَتْ بِأَمْرِي وَعَرَفَتْ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِي، فَقَعَدَتْ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ بِي عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ. قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَمْ يَرَ أَنْ يُكَذِّبَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَ مَا قَالَ إِنَّ دَعَا قَوْمَهُ، قَالَ: إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ لَكَ تُحَدِّثُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعَّبِ بْنِ لُؤَيٍّ هَلُمَّ، قَالَ: فَانْقَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، فَجَاؤُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي، فَحَدَّثَهُمْ، قَالَ فَمِنْ مُصَفِّقٍ وَمِنْ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا، وَفِي الْقَوْمِ مَنْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَذَهَبَتْ أَنْعَتُ لَهُمْ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ حَتَّى وُضِعَ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَقَدْ أَصَابَ.
قَوْلُهُ: (زَادَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ يَعْقُوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظِهِ (جَاءَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ صَدَقَ) وَرَوَى الذُّهْلِيُّ أيْضًا وَأَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ (لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ) الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّهُ دَخَلَ إِسْنَادٌ فِي إِسْنَادٍ، أَوْ لَمَّا كَانَ الْحَدِيثَانِ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ أَدْخَلَ ذَلِكَ.
٤ - بَاب ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ كَرَّمْنَا وَأَكْرَمْنَا وَاحِدٌ. ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ * وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ عذاب الحياة وعَذَابَ الْمَمَاتِ. ﴿خِلافَكَ﴾ وَخَلْفَكَ سَوَاءٌ. ﴿وَنَأَى﴾ تَبَاعَدَ. ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ نَاحِيَتِهِ، وَهِيَ مِنْ شَكْلِهِ. ﴿صَرَّفْنَا﴾ وَجَّهْنَا. ﴿قَبِيلا﴾ مُعَايَنَةً وَمُقَابَلَةً، وَقِيلَ: الْقَابِلَةُ؛ لِأَنَّهَا مُقَابِلَتُهَا وَتَقْبَلُ وَلَدَهَا. ﴿خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ أَنْفَقَ الرَّجُلُ: أَمْلَقَ، وَنَفِقَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ. ﴿قَتُورًا﴾ مُقَتِّرًا. ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ وَالْوَاحِدُ ذَقَنٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْفُورًا﴾ وَافِرًا. ﴿تَبِيعًا﴾ ثَائِرًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصِيرًا. ﴿خَبَتْ﴾ طَفِئَتْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُبَذِّرْ: لَا تُنْفِقْ فِي الْبَاطِلِ. ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ رِزْقٍ. ﴿مَثْبُورًا﴾ مَلْعُونًا. لَا تَقْفُ: لَا تَقُلْ. ﴿فَجَاسُوا﴾ تَيَمَّمُوا. ﴿يُزْجِي﴾ الْفُلْكَ: يُجْرِي الْفُلْكَ. ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ لِلْوُجُوهِ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ كَرَّمْنَا وَأَكْرَمْنَا وَاحِدٌ) أَيْ فِي الْأَصْلِ، وَإِلَّا فَالتَّشْدِيدُ أَبْلَغُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَرَّمْنَا أَيْ أَكْرَمْنَا إِلَّا أَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الْكَرَامَةِ انْتَهَى. وَهِيَ مِنْ كَرُمَ بِضَمِّ الرَّاءِ مِثْلُ شَرُفَ وَلَيْسَ مِنَ الْكَرَمِ الَّذِي هُوَ فِي الْمَالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ عَذَابُ الْحَيَاةِ وَعَذَابُ الْمَمَاتِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ مُخْتَصَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ ضِعْفَ عَذَابِ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ عَذَابِ الْمَمَاتِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ قَالَ: عَذَابُهَا ﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ قَالَ: عَذَابُ الْآخِرَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضِعْفَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ. وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ أَنَّ عَذَابَ النَّارِ يُوصَفُ بِالضِّعْفِ، قَالَ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ عَذَابًا مُضَاعَفًا، فَكَأَنَّ الْأَصْلَ لَأَذَقْنَاكَ عَذَابًا ضِعْفًا فِي الْحَيَاةِ ثُمَّ حَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَأَقَامَ الصِّفَةَ مَقَامَهُ ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إِضَافَةَ الْمَوْصُوفِ ; فَهُوَ كَمَا لَوْ قِيلَ أَلِيمُ الْحَيَاةِ مَثْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿خِلافَكَ﴾ وَخَلْفَكَ سَوَاءٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلًا) أَيْ بَعْدَكَ قَالَ: خِلَافُكَ وَخَلْفُكَ سَوَاءٌ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى ; وَقُرِئَ بِهِمَا. قُلْتُ: وَالْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، فَقَرَأَ خَلْفَكَ الْجُمْهُورُ، وَقَرَأَ ﴿خِلافَكَ﴾ ابْنُ عَامِرٍ وَالْإِخْوَانِ، وَهِيَ رِوَايَةُ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَنَأَى تَبَاعَدَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أَيْ تَبَاعَدَ.
قَوْلُهُ: (شَاكِلَتُهُ نَاحِيَتُهُ وَهِيَ مِنْ شَكَلْتُهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ قَالَ: عَلَى نَاحِيَتِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَلَى طَبِيعَتِهِ وَعَلَى حِدَتِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ عَلَى نَاحِيَتِهِ وَعَلَى مَا يَنْوِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أَيْ عَلَى نَاحِيَتِهِ وَخِلْقَتِهِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ هَذَا مِنْ شَكْلُ هَذَا.
قَوْلُهُ: ﴿صَرَّفْنَا﴾ وَجَّهْنَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ أَيْ وَجَّهْنَا وَبَيَّنَّا.
قَوْلُهُ: (حَصِيرًا مَحْبِسًا) (١) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿حَصِيرًا﴾ أَيْ سِجْنًا.
قَوْلُهُ: (قَبِيلًا مُعَايَنَةً وَمُقَابَلَةً. وَقِيلَ الْقَابِلَةُ لِأَنَّهَا مُقَابِلَتُهَا وَتَقْبَلُ وَلَدَهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ مَجَازُ مُقَابَلَةٍ أَيْ مُعَايَنَةٍ، قَالَ الْأَعْشَى:
كَصَرْخَةِ حُبْلَى بَشَّرَتْهَا قَبِيلُهَا
أَيْ قَابِلَتُهَا، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَ بَعْضُهُمْ تَقْبُلُ وَلَدَهَا بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿قَبِيلا﴾ أَيْ جُنْدًا تُعَايِنُهُمْ مُعَايَنَةً.
قَوْلُهُ: ﴿خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ يُقَالُ أَنْفَقَ الرَّجُلُ أَمْلَقَ وَنَفَقَ الشَّيْءِ ذَهَبَ) كَذَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أَيْ مِنْ ذَهَابِ مَالٍ، يُقَالُ أَمْلَقَ فُلَانٌ ذَهَبَ مَالُهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ أَيْ فَقْرٍ، وَقَوْلُهُ: نَفَقَ الشَّيْءَ ذَهَبَ هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ أَيْ خَشْيَةَ أَنْ يُنْفِقُوا فَيَفْتَقِرُوا.
قَوْلُهُ: ﴿قَتُورًا﴾ مُقْتِرًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، الْوَاحِدُ ذَقَنٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا، وَاللَّحْيَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَيَجُوزِ كَسْرُهَا تَثْنِيَةُ لِحْيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْفُورًا﴾ وَافِرًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿تَبِيعًا﴾ ثَائِرًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصِيرًا) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للقرب (١)، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ.
٤٧٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (ح) مهملةٌ لتحويل السَّند، قال المؤلف بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو (٢) جعفر المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بن خالد بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد (٣) (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (أُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) من المسجد الحرام وهو (بِإِيلِيَاءَ) بكسر الهمزة واللَّام بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ ممدودًا، بيت المقدس (بِقَدَحَيْنِ) أحدهما: (مِنْ خَمْرٍ، وَ) الآخر: (من لَبَنٍ، فَنَظَرَ) ﵊ (إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ) وترك الخمر، وإسقاط إناء العسل المذكور في الرِّوايات الأخرى اختصارٌ من الرَّاوي أو نسيانٌ، ولا تنافيَ في ذلك (قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال» (جِبْرِيلُ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ) الإسلاميَّة (لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ؛ غَوَتْ أُمَّتُكَ) بحذف اللَّام من «لَغَوَتْ»، قال ابن مالكٍ فيما نقله (٤) عنه في «المصابيح»: يظنُّ بعض النَّحويين أنَّ لام (٥) جواب «لو» -في نحو: لو فعلتَ؛ لفعلتُ- لازمةٌ، والصَّحيح: جواز حذفها في أفصح الكلام؛ نحو: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
حَاصِبًا﴾ أَيْ رِيحًا عَاصِفًا تَحْصِبُ، وَيَكُونُ الْحَاصِبُ مِنَ الْجَلِيدِ أَيْضًا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ الْقُطْنِ مَنْثُورٍ
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ كُلُّ شَيْءٍ أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ فَقَدْ حَصَبْتَهَا بِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قَالَ: حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: رَامِيًا يَرْمِيكُمْ بِحِجَارَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿تَارَةً﴾ أَيْ مَرَّةً، وَالْجَمْعُ تِيَرٌ وَتَارَاتٌ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: وَالْجَمْعُ تِيَرٌ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: مَرَّةُ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ لَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقَالُ احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ عِلْمٍ اسْتَقْصَاهُ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ قَالَ: لَأَحْتَوِيَنَ قَالَ: يَعْنِي شِبْهَ الزِّنَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ) وَصَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَرَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ وَكُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ صَلَاةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا) وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ قَالَ: لَمْ يُحَالِفْ أَحَدًا.
٣ - بَاب ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
٤٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ. ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ. قَالَ جِبْرِيلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ.
٤٧١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ. زَادَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. . نَحْوَهُ. ﴿قَاصِفًا﴾ رِيحٌ تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ بَابُ قَوْلِهِ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لَمْ يَخْتَلِفِ الْقُرَّاءُ فِي (أَسْرَى) بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي قِصَّةِ لُوطٍ ﴿فَأَسْرِ﴾ فَقُرِئَتْ بِالْوَجْهَيْنِ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إِنَّ أَسْرَى وَسَرَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: السُّرَى مِنْ سَرَيْتُ إِذَا سِرْتُ لَيْلًا يَعْنِي فَهُوَ لَازِمٌ، وَالْإِسْرَاءُ يَتَعَدَّى فِي الْمَعْنَى لَكِنْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ حَتَّى ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (جَعَلَ الْبُرَاقَ يُسْرِي بِهِ كَمَا تَقُولُ أَمْضَيْتُ كَذَا بِمَعْنَى جَعَلْتُهُ يَمْضِي، لَكِنْ حَسُنَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ لِقُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ أَوِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْرِهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذِّكْرِ الْمُصْطَفَى لَا الدَّابَّةُ الَّتِي سَارَتْ بِهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ لُوطٍ فَالْمَعْنَى سِرْ بِهِمْ عَلَى مَا يَتَحَمَّلُونَ عَلَيْهِ مِنْ دَابَّةٍ وَنَحْوِهَا، هَذَا مَعْنَى الْقِرَاءَةِ بِالْقَطْعِ، وَمَعْنَى الْوَصْلُ سِرْ بِهِمْ لَيْلًا، وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِسْرَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ سَرَى بِعَبْدِهِ بِوَجْهٍ مِنَ
الْوُجُوهِ انْتَهَى. وَالنَّفْيُ جَزَمَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي قَصَدَ فِيهَا الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّهُ سَارَ لَيْلًا عَلَى الْبُرَاقِ، وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: سِرْتُ بِزَيْدٍ بِمَعْنَى صَاحَبْتُهُ لَكَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا، ذكر فيه حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَيَأْتِي فِي الْأَشْرِبَةِ.
وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا حَدِيثَ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ كَذَّبَنِي بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ.
قَوْلُهُ: فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ تَقَدَّمَ شَرْحِهِ أَيْضًا فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالَّذِي اقْتَرَحَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هُوَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْرَجَهُ أَبُو يُعْلَى مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْقِصَّةُ مُطَوَّلَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَتْ طَرَفًا مِنْهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مَعْزُوًّا إِلَى أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ لِمَا كَانَ لَيْلَةُ أُسَرِيَّ بِي ثُمَّ أَصْبَحَتْ بِمَكَّةَ قَطَعَتْ بِأَمْرِي وَعَرَفَتْ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِي، فَقَعَدَتْ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ بِي عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ. قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَمْ يَرَ أَنْ يُكَذِّبَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَ مَا قَالَ إِنَّ دَعَا قَوْمَهُ، قَالَ: إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ لَكَ تُحَدِّثُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعَّبِ بْنِ لُؤَيٍّ هَلُمَّ، قَالَ: فَانْقَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، فَجَاؤُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي، فَحَدَّثَهُمْ، قَالَ فَمِنْ مُصَفِّقٍ وَمِنْ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُتَعَجِّبًا، وَفِي الْقَوْمِ مَنْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى الْمَسْجِدَ قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَذَهَبَتْ أَنْعَتُ لَهُمْ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ حَتَّى وُضِعَ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَقَدْ أَصَابَ.
قَوْلُهُ: (زَادَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ يَعْقُوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَخْرَجَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظِهِ (جَاءَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ صَدَقَ) وَرَوَى الذُّهْلِيُّ أيْضًا وَأَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِسَنَدِهِ (لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ) الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّهُ دَخَلَ إِسْنَادٌ فِي إِسْنَادٍ، أَوْ لَمَّا كَانَ الْحَدِيثَانِ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ أَدْخَلَ ذَلِكَ.
٤ - بَاب ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ كَرَّمْنَا وَأَكْرَمْنَا وَاحِدٌ. ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ * وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ عذاب الحياة وعَذَابَ الْمَمَاتِ. ﴿خِلافَكَ﴾ وَخَلْفَكَ سَوَاءٌ. ﴿وَنَأَى﴾ تَبَاعَدَ. ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ نَاحِيَتِهِ، وَهِيَ مِنْ شَكْلِهِ. ﴿صَرَّفْنَا﴾ وَجَّهْنَا. ﴿قَبِيلا﴾ مُعَايَنَةً وَمُقَابَلَةً، وَقِيلَ: الْقَابِلَةُ؛ لِأَنَّهَا مُقَابِلَتُهَا وَتَقْبَلُ وَلَدَهَا. ﴿خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ أَنْفَقَ الرَّجُلُ: أَمْلَقَ، وَنَفِقَ الشَّيْءُ: ذَهَبَ. ﴿قَتُورًا﴾ مُقَتِّرًا. ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ وَالْوَاحِدُ ذَقَنٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْفُورًا﴾ وَافِرًا. ﴿تَبِيعًا﴾ ثَائِرًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصِيرًا. ﴿خَبَتْ﴾ طَفِئَتْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُبَذِّرْ: لَا تُنْفِقْ فِي الْبَاطِلِ. ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ رِزْقٍ. ﴿مَثْبُورًا﴾ مَلْعُونًا. لَا تَقْفُ: لَا تَقُلْ. ﴿فَجَاسُوا﴾ تَيَمَّمُوا. ﴿يُزْجِي﴾ الْفُلْكَ: يُجْرِي الْفُلْكَ. ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ لِلْوُجُوهِ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ كَرَّمْنَا وَأَكْرَمْنَا وَاحِدٌ) أَيْ فِي الْأَصْلِ، وَإِلَّا فَالتَّشْدِيدُ أَبْلَغُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَرَّمْنَا أَيْ أَكْرَمْنَا إِلَّا أَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الْكَرَامَةِ انْتَهَى. وَهِيَ مِنْ كَرُمَ بِضَمِّ الرَّاءِ مِثْلُ شَرُفَ وَلَيْسَ مِنَ الْكَرَمِ الَّذِي هُوَ فِي الْمَالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ عَذَابُ الْحَيَاةِ وَعَذَابُ الْمَمَاتِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ مُخْتَصَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ ضِعْفَ عَذَابِ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ عَذَابِ الْمَمَاتِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ قَالَ: عَذَابُهَا ﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ قَالَ: عَذَابُ الْآخِرَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضِعْفَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ. وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ أَنَّ عَذَابَ النَّارِ يُوصَفُ بِالضِّعْفِ، قَالَ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ عَذَابًا مُضَاعَفًا، فَكَأَنَّ الْأَصْلَ لَأَذَقْنَاكَ عَذَابًا ضِعْفًا فِي الْحَيَاةِ ثُمَّ حَذَفَ الْمَوْصُوفَ وَأَقَامَ الصِّفَةَ مَقَامَهُ ثُمَّ أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إِضَافَةَ الْمَوْصُوفِ ; فَهُوَ كَمَا لَوْ قِيلَ أَلِيمُ الْحَيَاةِ مَثْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿خِلافَكَ﴾ وَخَلْفَكَ سَوَاءٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلًا) أَيْ بَعْدَكَ قَالَ: خِلَافُكَ وَخَلْفُكَ سَوَاءٌ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى ; وَقُرِئَ بِهِمَا. قُلْتُ: وَالْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، فَقَرَأَ خَلْفَكَ الْجُمْهُورُ، وَقَرَأَ ﴿خِلافَكَ﴾ ابْنُ عَامِرٍ وَالْإِخْوَانِ، وَهِيَ رِوَايَةُ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَنَأَى تَبَاعَدَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أَيْ تَبَاعَدَ.
قَوْلُهُ: (شَاكِلَتُهُ نَاحِيَتُهُ وَهِيَ مِنْ شَكَلْتُهُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ قَالَ: عَلَى نَاحِيَتِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: عَلَى طَبِيعَتِهِ وَعَلَى حِدَتِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: يَقُولُ عَلَى نَاحِيَتِهِ وَعَلَى مَا يَنْوِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ أَيْ عَلَى نَاحِيَتِهِ وَخِلْقَتِهِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ هَذَا مِنْ شَكْلُ هَذَا.
قَوْلُهُ: ﴿صَرَّفْنَا﴾ وَجَّهْنَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ أَيْ وَجَّهْنَا وَبَيَّنَّا.
قَوْلُهُ: (حَصِيرًا مَحْبِسًا) (١) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿حَصِيرًا﴾ أَيْ سِجْنًا.
قَوْلُهُ: (قَبِيلًا مُعَايَنَةً وَمُقَابَلَةً. وَقِيلَ الْقَابِلَةُ لِأَنَّهَا مُقَابِلَتُهَا وَتَقْبَلُ وَلَدَهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ مَجَازُ مُقَابَلَةٍ أَيْ مُعَايَنَةٍ، قَالَ الْأَعْشَى:
كَصَرْخَةِ حُبْلَى بَشَّرَتْهَا قَبِيلُهَا
أَيْ قَابِلَتُهَا، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَ بَعْضُهُمْ تَقْبُلُ وَلَدَهَا بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ ﴿قَبِيلا﴾ أَيْ جُنْدًا تُعَايِنُهُمْ مُعَايَنَةً.
قَوْلُهُ: ﴿خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ يُقَالُ أَنْفَقَ الرَّجُلُ أَمْلَقَ وَنَفَقَ الشَّيْءِ ذَهَبَ) كَذَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أَيْ مِنْ ذَهَابِ مَالٍ، يُقَالُ أَمْلَقَ فُلَانٌ ذَهَبَ مَالُهُ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ أَيْ فَقْرٍ، وَقَوْلُهُ: نَفَقَ الشَّيْءَ ذَهَبَ هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ﴾ أَيْ خَشْيَةَ أَنْ يُنْفِقُوا فَيَفْتَقِرُوا.
قَوْلُهُ: ﴿قَتُورًا﴾ مُقْتِرًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، الْوَاحِدُ ذَقَنٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ قَرِيبًا، وَاللَّحْيَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَيَجُوزِ كَسْرُهَا تَثْنِيَةُ لِحْيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْفُورًا﴾ وَافِرًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿تَبِيعًا﴾ ثَائِرًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصِيرًا) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للقرب (١)، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذَرٍّ.
٤٧٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) لقب عبد الله بن عثمان المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: «حدَّثنا» (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (ح) مهملةٌ لتحويل السَّند، قال المؤلف بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) أبو (٢) جعفر المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ) بن خالد بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن يزيد (٣) (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ) سعيدٌ: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁: (أُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) من المسجد الحرام وهو (بِإِيلِيَاءَ) بكسر الهمزة واللَّام بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ ممدودًا، بيت المقدس (بِقَدَحَيْنِ) أحدهما: (مِنْ خَمْرٍ، وَ) الآخر: (من لَبَنٍ، فَنَظَرَ) ﵊ (إِلَيْهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ) وترك الخمر، وإسقاط إناء العسل المذكور في الرِّوايات الأخرى اختصارٌ من الرَّاوي أو نسيانٌ، ولا تنافيَ في ذلك (قَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «فقال» (جِبْرِيلُ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ) الإسلاميَّة (لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ؛ غَوَتْ أُمَّتُكَ) بحذف اللَّام من «لَغَوَتْ»، قال ابن مالكٍ فيما نقله (٤) عنه في «المصابيح»: يظنُّ بعض النَّحويين أنَّ لام (٥) جواب «لو» -في نحو: لو فعلتَ؛ لفعلتُ- لازمةٌ، والصَّحيح: جواز حذفها في أفصح الكلام؛ نحو: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧].