الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٥٥
الحديث رقم ٤٨٥٥ من كتاب «سورة والنجم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب حدثنا يحيى.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٤١⦘
مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَةَ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ».
٤٨٥٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبَصَرُ بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ: مَا زَاغَ .. إِلَخْ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْقَائِلَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بَصَرُ مُحَمَّدٍ يُقَلِّبُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ الْمَلَكِ. وَمَسْأَلَةُ الرُّؤْيَةِ مَشْهُورَةٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا طَغَى: وَمَا جَاوَزَ مَا رَأَى) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا بَدَّلَ وَمَا هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ الْفَرَّاءِ أَيْضًا وَلَفْظُهُ وَمَا جَاوَزَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ الْبُطَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا ﴿وَمَا طَغَى﴾ مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَتَمَارَوْا: كَذَّبُوا) كَذَا لَهُمْ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَتَمَارَوْا وَإِنَّمَا فِيهَا ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا، وَفِي آخِرِهَا تَتَمَارَى، وَلَعَلَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا تَتَمَارَى تُكَذِّبُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ اخْتَصَرَ كَلَامَ الْفَرَّاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ قَالَ: فَبِأَيِّ نِعْمَةِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ كَذَّبُوا بِالنُّذُرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا هَوَى: غَابَ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَغْنَى وَأَقْنَى: أَعْطَى فَأَرْضَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْنَى قَنَعَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْدَمَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْنَى جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً أَيْ أُصُولَ مَالٍ، قَالَ: وَقَالُوا: أَقْنَى أَرْضَى، يُشِيرُ إِلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ قِنْيَةٌ مِنَ الرِّضَا.
[١ - باب]
٤٨٥٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّتَاهْ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَةَ .. وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ مُوسَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَامِرٍ) هُوَ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَسْرُوقٍ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ زِيَادَةُ قِصَّةٍ فِي سِيَاقِهِ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَعْبًا بِعَرَفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ كَعْبٌ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ هَكَذَا فِي سِيَاقِ التِّرْمِذِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ نَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ، فَكَبَّرَ كَعْبٌ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ الْحَدِيثَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ كَعْبٍ مِثْلَهُ، قَالَ: - يَعْنِي الشَّعْبِيَّ - فَأَتَى مَسْرُوقٌ عَائِشَةَ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ سَبَبُ سُؤَالِ مَسْرُوقٍ، لِعَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَا أُمَّتَاهُ) أَصْلُهُ يَا أُمَّ، وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ، فَأُضِيفَ إِلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِغَاثَةِ، فَأُبْدِلَتْ تَاءً، وَزِيدَتْ هَاءُ السَّكْتِ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: إِذَا نَادَوْا قَالُوا: يَا أُمَّهْ عِنْدَ السَّكْتِ، وَعِنْدَ الْوَصْلِ: يَا أُمَّتُ بِالْمُثَنَّاةِ، فَإِذَا فَتَحُوا لِلنُّدْبَةِ قَالُوا: يَا أُمَّتَاهُ، وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ قَوْلَ مَسْرُوقٍ يَا أُمَّتَاهُ لَيْسَ لِلنُّدْبَةِ إِذْ لَيْسَ هُوَ تَفَجُّعًا عَلَيْهَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ: (هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ قَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي) أَيْ قَامَ مِنَ الْفَزَعِ، لِمَا حَصَلَ عِنْدَهَا مِنْ هَيْبَةِ اللَّهِ وَاعْتَقَدَتْهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ وَاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ، قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الْقَفُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ كَالْقُشَعْرِيرَةِ، وَأَصْلُهُ التَّقَبُّضُ وَالِاجْتِمَاعُ، لِأَنَّ الْجِلْدَ يَنْقَبِضُ عِنْدَ الْفَزَعِ فَيَقُومُ الشَّعْرُ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ)؟ أَيْ كَيْفَ يَغِيبُ فَهْمُكَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ؟ وَكَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحْضِرَهَا وَمُعْتَقِدًا كَذِبَ مَنْ يَدَّعِي وُقُوعَهَا.
قَوْلُهُ: (مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: لَمْ تَنْفِ عَائِشَةُ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَذَكَرَتْهُ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَتْ الِاسْتِنْبَاطَ عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا قَالَ قَوْلًا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ حُجَّةً اتِّفَاقًا، وَالْمُرَادُ بِالْإِدْرَاكِ فِي الْآيَةِ الْإِحَاطَةُ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ. انْتَهَى. وَجَزْمُهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَنْفِ الرُّؤْيَةَ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ خُزَيْمَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ: النَّفْيُ لَا يُوجِبُ عِلْمًا، وَلَمْ تَحْكِ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَتِ الْآيَةَ. انْتَهَى.
وَهُوَ عَجِيبٌ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ الَّذِي شَرَحَهُ الشَّيْخُ، فَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ مَسْرُوقٌ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّمَا رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا نَعَمْ، احْتِجَاجُ عَائِشَةَ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ خَالَفَهَا فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾؟ قَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ نَفْيُ الْإِحَاطَةِ بِهِ عِنْدَ رُؤْيَاهُ لَا نَفْيَ أَصْلِ رُؤْيَاهُ. وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَصْحَابِ مُوسَى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا﴾ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَجِيبٌ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْإِدْرَاكِ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ الْبَصَرُ، فَلَمَّا نُفِيَ كَانَ ظَاهِرَهُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ، بِخِلَافِ الْإِدْرَاكِ الَّذِي فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَلَوْلَا وُجُودُ الْأَخْبَارِ بِثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ مَا سَاغَ الْعُدُولُ عَنِ الظَّاهِرِ. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَبْصَارُ فِي الْآيَةِ جَمْعٌ مُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيلُ ذَلِكَ سَمْعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْكُفَّارَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قَالَ: وَإِذَا جَازَتْ فِي الْآخِرَةِ جَازَتْ فِي الدُّنْيَا؛ لِتَسَاوِي الْوَقْتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْئِيِّ انْتَهَى. وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: رُؤْيَةُ اللَّهِ ﷾ جَائِزَةٌ
عَقْلًا، وَثَبَتَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ بِوُقُوعِهَا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا لَمْ يُرَ سُبْحَانَهُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ، وَالْبَاقِي لَا يُرَى بِالْفَانِي، فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ وَرُزِقُوا أَبْصَارًا بَاقِيَةً رَأَوُا الْبَاقِيَ بِالْبَاقِي. قَالَ عِيَاضٌ: وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ اسْتِحَالَةُ الرُّؤْيَةِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا قَدَّرَ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَيْهَا لَمْ يَمْتَنِعْ.
قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَإِنْ جَازَتِ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا عَقْلًا فَقَدِ امْتَنَعَتْ سَمْعًا، لَكِنْ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ فَذَهَبَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى إِنْكَارِهَا، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى إِثْبَاتِهَا، وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ إِثْبَاتَهَا، وَكَانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ إِذَا ذُكِرَ لَهُ إِنْكَارُ عَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَزَمَ بِهِ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَالزُّهْرِيُّ وَصَاحِبُهُ مَعْمَرٌ وَآخَرُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَغَالِبِ أَتْبَاعِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ رَآهُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ؟ وَعَنْ أَحْمَدَ كَالْقَوْلَيْنِ.
قُلْتُ: جَاءَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَارٌ مُطْلَقَةٌ وَأُخْرَى مُقَيَّدَةٌ، فَيَجِبُ حَمْلُ مُطْلَقِهَا عَلَى مُقَيَّدِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ وَالْكَلَامُ لِمُوسَى وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ؟ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ نَعَمْ. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ يَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا رَآهُ بِقَلْبِهِ. وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَفْيِ عَائِشَةَ بِأَنْ يُحْمَلَ نَفْيُهَا عَلَى رُؤْيَةِ الْبَصَرِ وَإِثْبَاتُهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَلْبِ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِرُؤْيَةِ الْفُؤَادِ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ لَا مُجَرَّدَ حُصُولِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَالِمًا بِاللَّهِ عَلَى الدَّوَامِ. بَلْ مُرَادُ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ خُلِقَتْ فِي قَلْبِهِ، كَمَا يَخْلُقُ الرُّؤْيَةَ بِالْعَيْنِ لِغَيْرِهِ، وَالرُّؤْيَةُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا شَيْءٌ مَخْصُوصٌ عَقْلًا، وَلَوْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِخَلْقِهَا فِي الْعَيْنِ.
وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ. وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ نُورًا. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْهُ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مُرَادُ أَبِي ذَرٍّ بِذِكْرِهِ النُّورَ أَيِ النُّورُ حَالَ بَيْنَ رُؤْيَتِهِ لَهُ بِبَصَرِهِ، وَقَدْ رَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ قَوْلَ الْوَقْفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَزَاهُ الْجَمَاعَةَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَوَّاهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَابِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَغَايَةُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِلطَّائِفَتَيْنِ ظَوَاهِرُ مُتَعَارِضَةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، قَالَ: وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ فَيُكْتَفَى فِيهَا بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ فَلَا يُكْتَفَى فِيهَا إِلَّا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ وَجَنَحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِلَى تَرْجِيحِ الْإِثْبَاتِ وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَحَمَلَ مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِعَيْنِهِ وَمَرَّةً بِقَلْبِهِ، وَفِيمَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ ذَلِكَ مُقْنِعٌ. وَمِمَّنْ أَثْبَتَ الرُّؤْيَةَ لِنَبِيِّنَا ﷺ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَرَوَى الْخِلَال فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنِ الْمَرْوَزِيِّ، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُدْفَعُ قَوْلُهَا؟ قَالَ: بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ رَأَيْتُ رَبِّي،
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْبَرُ مِنْ قَوْلِهَا.
وَقَدْ أَنْكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ مَرَّةً: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، وَقَالَ مَرَّةً: بِفُؤَادِهِ. وَحَكَى عَنْهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَهَذَا مِنْ تَصَرُّفِ الْحَاكِي، فَإِنَّ نُصُوصَهُ مَوْجُودَةٌ.
ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، فَإِنَّ الَّذِي يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً بِأَنْ تَصْعَدَ الرُّوحُ مَثَلًا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ أَنْ يَرَى النَّائِمُ ذَلِكَ وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ أَصْلًا، فَيَحْتَمِلُ مَنْ قَالَ: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَصْعَدْ جَسَدُهُ، أَرَادَ أَنَّ رُوحَهُ عُرِجَ بِهَا حَقِيقَةً فَصَعِدَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ وَجَسَدُهُ بَاقٍ فِي مَكَانِهِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ، كَمَا أَنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ شُقَّ صَدْرُهُ وَالْتَأَمَ وَهُوَ حَيٌّ يَقْظَانُ لَا يَجِدُ بِذَلِكَ أَلَمًا. انْتَهَى. وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِسْرَاءِ تَأْبَى الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ وَعُرِجَ بِهِمَا حَقِيقَةً فِي الْيَقَظَةِ لَا مَنَامًا وَلَا اسْتِغْرَاقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ أَيْضًا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْرَاءَ تَعَدَّدَ، وَاسْتَنَدَ إِلَى اسْتِبْعَادِ أَنْ يَتَكَرَّرَ قَوْلُهُ فَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً وَطَلَبَ التَّخْفِيفَ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فَإِنَّ دَعْوَى التَّعَدُّدِ تَسْتَلْزِمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي أَنَّ فَرْضِيَّةَ الْخَمْسِينَ وَقَعَتْ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ التَّخْفِيفُ، ثُمَّ وَقَعَ سُؤَالُ التَّخْفِيفِ وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهِ، وَأُعِيدَ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي إِلَى آخِرِهِ، انْتَهَى. وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِمَّنْ قَالَ بِالتَّعَدُّدِ يَلْتَزِمُ إِعَادَةَ مِثْلِ ذَلِكَ يَقَظَةً، بَلْ يَجُوزُ وُقُوعُ مِثْلِ ذَلِكَ مَنَامًا ثُمَّ وُجُودُهُ يَقَظَةً كَمَا فِي قِصَّةِ الْمَبْعَثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهَا. وَيَجُوزُ تَكْرِيرُ إِنْشَاءِ الرُّؤْيَةِ وَلَا تُبْعِدُ الْعَادَةُ تَكْرِيرَ وُقُوعِهِ كَاسْتِفْتَاحِ السَّمَاءِ وَقَوْلِ كُلِّ نَبِيٍّ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ، بَلِ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّائِرِ فَقَعَدْتُ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْأُخْرَى فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ، فَالْتَفَتُّ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ جَلَسَ لِأَجْلِي وَفَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، فَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ، وَإِذَا دُونَهُ الْحِجَابُ وَفَوْقَهُ الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ بَصْرِيًّا مَشْهُورًا.
قُلْتُ: وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هُوَ دَلِيلٌ ثَانٍ اسْتَدَلَّتْ بِهِ عَائِشَةُ عَلَى مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ مِنْ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ ﷾ حَصَرَ تَكْلِيمَهُ لِغَيْرِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهِيَ الْوَحْيُ بِأَنْ يُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ مَا يَشَاءُ، أَوْ يُكَلِّمَهُ بِوَاسِطَةٍ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَيُبَلِّغَهُ عَنْهُ، فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ انْتِفَاءَ الرُّؤْيَةِ عَنْهُ حَالَةَ التَّكَلُّمِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ: وَعَامَّةُ مَا يَقْتَضِي نَفْيَ تَكْلِيمِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، فَيَجُوزُ أَنَّ التَّكْلِيمَ لَمْ يَقَعْ حَالَةَ الرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ الْآيَةَ) يَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَكِنَّهُ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ أَصْلِ السُّؤَالِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ مَسْرُوقٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. وَلَهُ فِي رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ: رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَبْصَرَ جِبْرِيلَ وَلَمْ يُبْصِرْ رَبَّهُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٨٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو: ابنُ موسى الخَتِّي -بالخاء المعجمة والفوقية المشددة- قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو: ابنُ الجرَّاح بنِ مَلِيحٍ (١) الرُّؤاسيُّ -بِراءٍ مضمومة فهمزة مفتوحة فمهملة- الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الأحمَسيِّ مولاهم العجليِّ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدعِ الهمدانيُّ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّتَاهْ) بضم الهمزة وتشديد الميم وبعد الفوقية ألف فَهَاءٌ ساكنة. قال في «الفتح»: والأصل: يا أمّ، والهاء للسكت، فأضيف إليها ألفُ الاستغاثَةِ، فأبدلت تاء ثمَّ زيدت هاء السَّكت بعد الألف (هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ) ليلةَ الإسراءِ؟ (فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ) بفتح القاف وتشديد الفاء، أي: قامَ (شَعَرِي) فَزعًا (مِمَّا قُلْتَ) هيبةً من اللهِ، واستحالةً لوقوعِ ذلك في الدُّنيا، وليس هو إنكارٌ منها
لجوازِ الرُّؤيةِ مطلقًا كقول المعتزلةِ، ولأبي ذرٍّ: «ممَّا قلتهُ» (أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ) أي: كيفَ يغيبُ فهمك عن ثلاثٍ؟ (مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ؟) في حديثهِ (مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ) ليلةَ المعراج (فَقَدْ كَذَبَ) وعند مسلم: «فقد أعظمَ على اللهِ الفِرْيةَ» (ثُمَّ قَرَأَتْ) مستدلَّةً لذلك بطريقِ الاستنباطِ: (﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]) وفي «مسلم»: أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فقال: «إنَّما هو جبريلُ». وعند ابن مَرْدويه أنَّها قالت: يا رسولَ الله، هل رأيتَ ربَّكَ؟ فقال: «لا، إنَّما رأيتُ جبريلَ مُنهبطًا». واحتجاجُها بالآية خالفها فيه ابن عبَّاس، ففي التِّرمذيِّ عن عكرمةَ عنه قال: رأى محمَّدٌ ربَّه. قلتُ: أليس يقول الله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: ويحكَ، ذاكَ إذا تجلَّى بنورِهِ الَّذي هو نورُهُ، وقد رأَى ربَّه مرَّتين، فالمنفيُّ في الآية إحاطَةُ الأبصارِ لا مجرَّد الرُّؤية، بل في تخصيصِ الإحاطةِ بالنَّفي ما يدلُّ على الرُّؤية أو يشعرُ بها، كما تقول: لا تحيطُ به الأفهامُ، وأصلُ المعرفةِ حاصلٌ، ثمَّ استدلَّت أيضًا بقوله تعالى: (﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]) وأُجيب بأنَّ هذه الآية لا تدلُّ على نفي الرُّؤية مطلقًا، بل على أنَّ البشرَ لا يَرى الله في حالِ التَّكلُّمِ، فنفيُ الرُّؤيةِ مقيَّدٌ (١) بهذه الحالةِ دونَ غيرها.
(وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ) ﷺ (يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: تعملُ.
(وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ) ﷺ (كَتَمَ) شيئًا ممَّا أُمر بتبليغهِ (٢) ولأبي ذرٍّ: «أنَّه قد كتَم» (فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الاية [المائدة: ٦٧] وَلَكِنَّهُ) ﵊، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكن» (رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ) له ست مئة جناحٍ (مَرَّتَيْنِ) مرَّةً بالأرضِ في الأفُقِ الأعلَى، ومرَّةً في السَّماءِ عند سِدْرةِ المُنتهى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبَصَرُ بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ: مَا زَاغَ .. إِلَخْ وَلَمْ يُعَيِّنِ الْقَائِلَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ بَصَرُ مُحَمَّدٍ يُقَلِّبُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ الْمَلَكِ. وَمَسْأَلَةُ الرُّؤْيَةِ مَشْهُورَةٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا طَغَى: وَمَا جَاوَزَ مَا رَأَى) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا بَدَّلَ وَمَا هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ الْفَرَّاءِ أَيْضًا وَلَفْظُهُ وَمَا جَاوَزَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ الْبُطَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ مَا ذَهَبَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا ﴿وَمَا طَغَى﴾ مَا جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَتَمَارَوْا: كَذَّبُوا) كَذَا لَهُمْ، وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَتَمَارَوْا وَإِنَّمَا فِيهَا ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهَا، وَفِي آخِرِهَا تَتَمَارَى، وَلَعَلَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَّاخِ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا تَتَمَارَى تُكَذِّبُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ اخْتَصَرَ كَلَامَ الْفَرَّاءِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ قَالَ: فَبِأَيِّ نِعْمَةِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ كَذَّبُوا بِالنُّذُرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا هَوَى: غَابَ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَغْنَى وَأَقْنَى: أَعْطَى فَأَرْضَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْنَى قَنَعَ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخْدَمَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْنَى جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً أَيْ أُصُولَ مَالٍ، قَالَ: وَقَالُوا: أَقْنَى أَرْضَى، يُشِيرُ إِلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ قِنْيَةٌ مِنَ الرِّضَا.
[١ - باب]
٤٨٥٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّتَاهْ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الْآيَةَ .. وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ مُوسَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَامِرٍ) هُوَ الشَّعْبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَسْرُوقٍ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ زِيَادَةُ قِصَّةٍ فِي سِيَاقِهِ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ، كَعْبًا بِعَرَفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَكَبَّرَ كَعْبٌ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ هَكَذَا فِي سِيَاقِ التِّرْمِذِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ نَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ، فَكَبَّرَ كَعْبٌ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ الْحَدِيثَ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ كَعْبٍ مِثْلَهُ، قَالَ: - يَعْنِي الشَّعْبِيَّ - فَأَتَى مَسْرُوقٌ عَائِشَةَ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ سَبَبُ سُؤَالِ مَسْرُوقٍ، لِعَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَا أُمَّتَاهُ) أَصْلُهُ يَا أُمَّ، وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ، فَأُضِيفَ إِلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِغَاثَةِ، فَأُبْدِلَتْ تَاءً، وَزِيدَتْ هَاءُ السَّكْتِ بَعْدَ الْأَلِفِ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: إِذَا نَادَوْا قَالُوا: يَا أُمَّهْ عِنْدَ السَّكْتِ، وَعِنْدَ الْوَصْلِ: يَا أُمَّتُ بِالْمُثَنَّاةِ، فَإِذَا فَتَحُوا لِلنُّدْبَةِ قَالُوا: يَا أُمَّتَاهُ، وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ قَوْلَ مَسْرُوقٍ يَا أُمَّتَاهُ لَيْسَ لِلنُّدْبَةِ إِذْ لَيْسَ هُوَ تَفَجُّعًا عَلَيْهَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ: (هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ قَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي) أَيْ قَامَ مِنَ الْفَزَعِ، لِمَا حَصَلَ عِنْدَهَا مِنْ هَيْبَةِ اللَّهِ وَاعْتَقَدَتْهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ وَاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ، قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الْقَفُّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ كَالْقُشَعْرِيرَةِ، وَأَصْلُهُ التَّقَبُّضُ وَالِاجْتِمَاعُ، لِأَنَّ الْجِلْدَ يَنْقَبِضُ عِنْدَ الْفَزَعِ فَيَقُومُ الشَّعْرُ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ)؟ أَيْ كَيْفَ يَغِيبُ فَهْمُكَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ؟ وَكَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحْضِرَهَا وَمُعْتَقِدًا كَذِبَ مَنْ يَدَّعِي وُقُوعَهَا.
قَوْلُهُ: (مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ: لَمْ تَنْفِ عَائِشَةُ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَذَكَرَتْهُ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَتْ الِاسْتِنْبَاطَ عَلَى مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا قَالَ قَوْلًا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ حُجَّةً اتِّفَاقًا، وَالْمُرَادُ بِالْإِدْرَاكِ فِي الْآيَةِ الْإِحَاطَةُ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ. انْتَهَى. وَجَزْمُهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَنْفِ الرُّؤْيَةَ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ خُزَيْمَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ: النَّفْيُ لَا يُوجِبُ عِلْمًا، وَلَمْ تَحْكِ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَتِ الْآيَةَ. انْتَهَى.
وَهُوَ عَجِيبٌ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ الَّذِي شَرَحَهُ الشَّيْخُ، فَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ مَسْرُوقٌ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: لَا إِنَّمَا رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا نَعَمْ، احْتِجَاجُ عَائِشَةَ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ خَالَفَهَا فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾؟ قَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ نَفْيُ الْإِحَاطَةِ بِهِ عِنْدَ رُؤْيَاهُ لَا نَفْيَ أَصْلِ رُؤْيَاهُ. وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَصْحَابِ مُوسَى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا﴾ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَجِيبٌ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْإِدْرَاكِ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ الْبَصَرُ، فَلَمَّا نُفِيَ كَانَ ظَاهِرَهُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ، بِخِلَافِ الْإِدْرَاكِ الَّذِي فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَلَوْلَا وُجُودُ الْأَخْبَارِ بِثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ مَا سَاغَ الْعُدُولُ عَنِ الظَّاهِرِ. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَبْصَارُ فِي الْآيَةِ جَمْعٌ مُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيلُ ذَلِكَ سَمْعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْكُفَّارَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قَالَ: وَإِذَا جَازَتْ فِي الْآخِرَةِ جَازَتْ فِي الدُّنْيَا؛ لِتَسَاوِي الْوَقْتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَرْئِيِّ انْتَهَى. وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: رُؤْيَةُ اللَّهِ ﷾ جَائِزَةٌ
عَقْلًا، وَثَبَتَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ بِوُقُوعِهَا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا لَمْ يُرَ سُبْحَانَهُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ، وَالْبَاقِي لَا يُرَى بِالْفَانِي، فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ وَرُزِقُوا أَبْصَارًا بَاقِيَةً رَأَوُا الْبَاقِيَ بِالْبَاقِي. قَالَ عِيَاضٌ: وَلَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَامِ اسْتِحَالَةُ الرُّؤْيَةِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا قَدَّرَ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَيْهَا لَمْ يَمْتَنِعْ.
قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَإِنْ جَازَتِ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا عَقْلًا فَقَدِ امْتَنَعَتْ سَمْعًا، لَكِنْ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ فَذَهَبَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى إِنْكَارِهَا، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى إِثْبَاتِهَا، وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ إِثْبَاتَهَا، وَكَانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ إِذَا ذُكِرَ لَهُ إِنْكَارُ عَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَزَمَ بِهِ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَالزُّهْرِيُّ وَصَاحِبُهُ مَعْمَرٌ وَآخَرُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَغَالِبِ أَتْبَاعِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ رَآهُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ؟ وَعَنْ أَحْمَدَ كَالْقَوْلَيْنِ.
قُلْتُ: جَاءَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَارٌ مُطْلَقَةٌ وَأُخْرَى مُقَيَّدَةٌ، فَيَجِبُ حَمْلُ مُطْلَقِهَا عَلَى مُقَيَّدِهَا، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ وَالْكَلَامُ لِمُوسَى وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ؟ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ نَعَمْ. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ: رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ.
وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ يَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا رَآهُ بِقَلْبِهِ. وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَفْيِ عَائِشَةَ بِأَنْ يُحْمَلَ نَفْيُهَا عَلَى رُؤْيَةِ الْبَصَرِ وَإِثْبَاتُهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَلْبِ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِرُؤْيَةِ الْفُؤَادِ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ لَا مُجَرَّدَ حُصُولِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَالِمًا بِاللَّهِ عَلَى الدَّوَامِ. بَلْ مُرَادُ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ أَنَّهُ رَآهُ بِقَلْبِهِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ خُلِقَتْ فِي قَلْبِهِ، كَمَا يَخْلُقُ الرُّؤْيَةَ بِالْعَيْنِ لِغَيْرِهِ، وَالرُّؤْيَةُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا شَيْءٌ مَخْصُوصٌ عَقْلًا، وَلَوْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِخَلْقِهَا فِي الْعَيْنِ.
وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ. وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ نُورًا. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْهُ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مُرَادُ أَبِي ذَرٍّ بِذِكْرِهِ النُّورَ أَيِ النُّورُ حَالَ بَيْنَ رُؤْيَتِهِ لَهُ بِبَصَرِهِ، وَقَدْ رَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ قَوْلَ الْوَقْفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعَزَاهُ الْجَمَاعَةَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَوَّاهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَابِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَغَايَةُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِلطَّائِفَتَيْنِ ظَوَاهِرُ مُتَعَارِضَةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، قَالَ: وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ الْعَمَلِيَّاتِ فَيُكْتَفَى فِيهَا بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ فَلَا يُكْتَفَى فِيهَا إِلَّا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ وَجَنَحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِلَى تَرْجِيحِ الْإِثْبَاتِ وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَحَمَلَ مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِعَيْنِهِ وَمَرَّةً بِقَلْبِهِ، وَفِيمَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ ذَلِكَ مُقْنِعٌ. وَمِمَّنْ أَثْبَتَ الرُّؤْيَةَ لِنَبِيِّنَا ﷺ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَرَوَى الْخِلَال فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنِ الْمَرْوَزِيِّ، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُدْفَعُ قَوْلُهَا؟ قَالَ: بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ رَأَيْتُ رَبِّي،
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْبَرُ مِنْ قَوْلِهَا.
وَقَدْ أَنْكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ مَرَّةً: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، وَقَالَ مَرَّةً: بِفُؤَادِهِ. وَحَكَى عَنْهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَهَذَا مِنْ تَصَرُّفِ الْحَاكِي، فَإِنَّ نُصُوصَهُ مَوْجُودَةٌ.
ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِمْ كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، فَإِنَّ الَّذِي يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً بِأَنْ تَصْعَدَ الرُّوحُ مَثَلًا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ أَنْ يَرَى النَّائِمُ ذَلِكَ وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ أَصْلًا، فَيَحْتَمِلُ مَنْ قَالَ: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَصْعَدْ جَسَدُهُ، أَرَادَ أَنَّ رُوحَهُ عُرِجَ بِهَا حَقِيقَةً فَصَعِدَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ وَجَسَدُهُ بَاقٍ فِي مَكَانِهِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ، كَمَا أَنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ شُقَّ صَدْرُهُ وَالْتَأَمَ وَهُوَ حَيٌّ يَقْظَانُ لَا يَجِدُ بِذَلِكَ أَلَمًا. انْتَهَى. وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِسْرَاءِ تَأْبَى الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ وَعُرِجَ بِهِمَا حَقِيقَةً فِي الْيَقَظَةِ لَا مَنَامًا وَلَا اسْتِغْرَاقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْهَدْيِ أَيْضًا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْرَاءَ تَعَدَّدَ، وَاسْتَنَدَ إِلَى اسْتِبْعَادِ أَنْ يَتَكَرَّرَ قَوْلُهُ فَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً وَطَلَبَ التَّخْفِيفَ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فَإِنَّ دَعْوَى التَّعَدُّدِ تَسْتَلْزِمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي أَنَّ فَرْضِيَّةَ الْخَمْسِينَ وَقَعَتْ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ التَّخْفِيفُ، ثُمَّ وَقَعَ سُؤَالُ التَّخْفِيفِ وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهِ، وَأُعِيدَ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي إِلَى آخِرِهِ، انْتَهَى. وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِمَّنْ قَالَ بِالتَّعَدُّدِ يَلْتَزِمُ إِعَادَةَ مِثْلِ ذَلِكَ يَقَظَةً، بَلْ يَجُوزُ وُقُوعُ مِثْلِ ذَلِكَ مَنَامًا ثُمَّ وُجُودُهُ يَقَظَةً كَمَا فِي قِصَّةِ الْمَبْعَثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهَا. وَيَجُوزُ تَكْرِيرُ إِنْشَاءِ الرُّؤْيَةِ وَلَا تُبْعِدُ الْعَادَةُ تَكْرِيرَ وُقُوعِهِ كَاسْتِفْتَاحِ السَّمَاءِ وَقَوْلِ كُلِّ نَبِيٍّ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ، بَلِ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَنَسٍ رَفَعَهُ بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفِي فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّائِرِ فَقَعَدْتُ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْأُخْرَى فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسِسْتُ، فَالْتَفَتُّ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ جَلَسَ لِأَجْلِي وَفَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، فَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ، وَإِذَا دُونَهُ الْحِجَابُ وَفَوْقَهُ الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ بَصْرِيًّا مَشْهُورًا.
قُلْتُ: وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هُوَ دَلِيلٌ ثَانٍ اسْتَدَلَّتْ بِهِ عَائِشَةُ عَلَى مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ مِنْ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ ﷾ حَصَرَ تَكْلِيمَهُ لِغَيْرِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهِيَ الْوَحْيُ بِأَنْ يُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ مَا يَشَاءُ، أَوْ يُكَلِّمَهُ بِوَاسِطَةٍ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَيُبَلِّغَهُ عَنْهُ، فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ انْتِفَاءَ الرُّؤْيَةِ عَنْهُ حَالَةَ التَّكَلُّمِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ: وَعَامَّةُ مَا يَقْتَضِي نَفْيَ تَكْلِيمِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، فَيَجُوزُ أَنَّ التَّكْلِيمَ لَمْ يَقَعْ حَالَةَ الرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ الْآيَةَ) يَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَكِنَّهُ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ أَصْلِ السُّؤَالِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ مَسْرُوقٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. وَلَهُ فِي رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ: رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَبْصَرَ جِبْرِيلَ وَلَمْ يُبْصِرْ رَبَّهُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٨٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو: ابنُ موسى الخَتِّي -بالخاء المعجمة والفوقية المشددة- قال: (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو: ابنُ الجرَّاح بنِ مَلِيحٍ (١) الرُّؤاسيُّ -بِراءٍ مضمومة فهمزة مفتوحة فمهملة- الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) الأحمَسيِّ مولاهم العجليِّ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدعِ الهمدانيُّ أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّتَاهْ) بضم الهمزة وتشديد الميم وبعد الفوقية ألف فَهَاءٌ ساكنة. قال في «الفتح»: والأصل: يا أمّ، والهاء للسكت، فأضيف إليها ألفُ الاستغاثَةِ، فأبدلت تاء ثمَّ زيدت هاء السَّكت بعد الألف (هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ) ليلةَ الإسراءِ؟ (فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ) بفتح القاف وتشديد الفاء، أي: قامَ (شَعَرِي) فَزعًا (مِمَّا قُلْتَ) هيبةً من اللهِ، واستحالةً لوقوعِ ذلك في الدُّنيا، وليس هو إنكارٌ منها
لجوازِ الرُّؤيةِ مطلقًا كقول المعتزلةِ، ولأبي ذرٍّ: «ممَّا قلتهُ» (أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ) أي: كيفَ يغيبُ فهمك عن ثلاثٍ؟ (مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ؟) في حديثهِ (مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ) ليلةَ المعراج (فَقَدْ كَذَبَ) وعند مسلم: «فقد أعظمَ على اللهِ الفِرْيةَ» (ثُمَّ قَرَأَتْ) مستدلَّةً لذلك بطريقِ الاستنباطِ: (﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]) وفي «مسلم»: أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فقال: «إنَّما هو جبريلُ». وعند ابن مَرْدويه أنَّها قالت: يا رسولَ الله، هل رأيتَ ربَّكَ؟ فقال: «لا، إنَّما رأيتُ جبريلَ مُنهبطًا». واحتجاجُها بالآية خالفها فيه ابن عبَّاس، ففي التِّرمذيِّ عن عكرمةَ عنه قال: رأى محمَّدٌ ربَّه. قلتُ: أليس يقول الله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: ويحكَ، ذاكَ إذا تجلَّى بنورِهِ الَّذي هو نورُهُ، وقد رأَى ربَّه مرَّتين، فالمنفيُّ في الآية إحاطَةُ الأبصارِ لا مجرَّد الرُّؤية، بل في تخصيصِ الإحاطةِ بالنَّفي ما يدلُّ على الرُّؤية أو يشعرُ بها، كما تقول: لا تحيطُ به الأفهامُ، وأصلُ المعرفةِ حاصلٌ، ثمَّ استدلَّت أيضًا بقوله تعالى: (﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]) وأُجيب بأنَّ هذه الآية لا تدلُّ على نفي الرُّؤية مطلقًا، بل على أنَّ البشرَ لا يَرى الله في حالِ التَّكلُّمِ، فنفيُ الرُّؤيةِ مقيَّدٌ (١) بهذه الحالةِ دونَ غيرها.
(وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ) ﷺ (يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]) أي: تعملُ.
(وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ) ﷺ (كَتَمَ) شيئًا ممَّا أُمر بتبليغهِ (٢) ولأبي ذرٍّ: «أنَّه قد كتَم» (فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الاية [المائدة: ٦٧] وَلَكِنَّهُ) ﵊، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكن» (رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ) له ست مئة جناحٍ (مَرَّتَيْنِ) مرَّةً بالأرضِ في الأفُقِ الأعلَى، ومرَّةً في السَّماءِ عند سِدْرةِ المُنتهى.