الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٥٨
الحديث رقم ٤٨٥٨ من كتاب «سورة والنجم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لقد رأى من آيات ربه الكبرى.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾
٤٨٥٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الَّذِي رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ جِبْرِيلُ كَمَا ذَهَبَتْ إِلَى ذَلِكَ عَائِشَةُ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى رَأْيِهِ: فَأَوْحَى: أَيْ جِبْرِيلُ، إِلَى عَبْدِهِ: أَيْ عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى هُوَ جِبْرِيلُ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْحَى إِلَى مُحَمَّدٍ. وَكَلَامُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَوْحَى هُوَ اللَّهُ، أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِلَى جِبْرِيلَ.
قَوْلُهُ: (لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ) زَادَ عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَتَنَاثَرُ مِنْ رِيشِهِ التَهَاوِيلُ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ يَتَنَاثَرُ مِنْهَا تَهَاوِيلُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ.
بَاب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
٤٨٥٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا جَمِيعُ مَا رَأَى ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِفَةُ جِبْرِيلَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَقَدْ رَأَى) أَيْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ) هَذَا ظَاهِرُهُ يُغَايِرُ التَّفْسِيرَ السَّابِقَ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ، وَلَكِنْ يُوَضِّحُ الْمُرَادَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَبْصَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ ﵇ عَلَى رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَيَجْتَمِعُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَوْصُوفَ جِبْرِيلُ وَالصِّفَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي سَدَّ الْأُفُقَ الرَّفْرَفُ الَّذِي فِيهِ جِبْرِيلُ، فَنَسَبَ جِبْرِيلَ إِلَى سَدِّ الْأُفُقِ مَجَازًا.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعْرَفُ الْمُرَادُ بِالرَّفْرَفِ وَأَنَّهُ حُلَّةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ وَأَصْلُ الرَّفْرَفِ مَا كَانَ مِنَ الدِّيبَاجِ رَقِيقًا حَسَنَ الصَّنْعَةِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي السِّتْرِ، وَكُلُّ مَا فَضَلَ مِنْ شَيْءٍ فَعُطِفَ وَثُنِّيَ فَهُوَ رَفْرَفٌ، وَيُقَالُ: رَفْرَفَ الطَّائِرُ بِجَنَاحَيْهِ؛ إِذَا بَسَطَهُمَا، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ بَسَطَ أَجْنِحَتَهُ فَصَارَتْ تُشْبِهُ الرَّفْرَفَ، كَذَا قَالَ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي أَوْرَدْتُهَا تُوَضِّحُ الْمُرَادَ.
٢ - بَاب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾
٤٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوْزَاءِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ ﴿اللاتَ وَالْعُزَّى﴾: كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ.
٤٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّق"
[الحديث ٤٨٦٠ - أرافه في: ٦١٠٧، ٦٣٠١، ٦٦٥٠]
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْأَشْهَبِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ هُوَ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (فِي قَوْلِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ) سَقَطَ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ اللَّاتِّ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَصْلُهُ وَخُفِّفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَدْ رُوِيَ التَّشْدِيدُ عَنْ قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ التَّخْفِيفُ كَالْجُمْهُورِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ فِيهِ زِيَادَةٌ كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ عَلَى الْحَجَرِ فَلَا يَشْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا سَمِنَ، فَعَبَدُوهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، فَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى صَخْرَةٍ بِالطَّائِفِ وَعَلَيْهَا لَهُ غَنَمٌ، فَكَانَ يَسْلُو مِنْ رَسَلِهَا وَيَأْخُذُ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ وَالْأَقِطِ فَيَجْعَلُ مِنْهُ حَيْسًا وَيُطْعِمُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا مَاتَ عَبَدُوهُ. وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقْرَأُ: اللَّاتَّ مُشَدَّدَةً. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ، قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ انْتَهَى. وَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ الْعُدْوَانِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ، وَكَانَ حَكَمَ الْعَرَبَ فِي زَمَانِهِ، وَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ:
وَمِنَّا حَكَمٌ يَقْضِي … وَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي
وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ: أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، قَالَ: وَيُقَالُ هُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ وَهُوَ وَالِدُ خُزَاعَةَ انْتَهَى.
وَحَرَّفَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَلَامَ السُّهَيْلِيِّ، وَظَنَّ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ حَارِثَةَ قَوْلٌ آخَرُ فِي اسْمِ اللَّاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ اسْمُ لُحَيٍّ فِيمَا قِيلَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّاتَ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّاتَ لَمَّا مَاتَ، قَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَةَ فَعَبَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا بَيْتًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْعَرَبَ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَحَكَى ابْنُ الْكَلْبِيِّ: أَنَّ اسْمَهُ صِرْمَةُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَانَتِ اللَّاتُ بِالطَّائِفِ، وَقِيلَ: بِنَخْلَةَ، وَقِيلَ: بِعُكَاظٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ مَنَاةٌ أَقْدَمُ مِنَ اللَّاتِ فَهَدَمَهَا عَلِيٌّ عَامَ الْفَتْحِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتِ اللَّاتُ أَحْدَثُ مِنْ مَنَاةَ فَهَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، وَكَانَتِ الْعُزَّى أَحْدَثُ مِنَ اللَّاتِ، وَكَانَ الَّذِي اتَّخَذَهَا ظَالِمُ بْنُ سَعْدٍ بِوَادِي نَخْلَةَ فَوْقَ ذَاتِ عِرْقٍ، فَهَدَمَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ.
الْحَدِيثُ الْثَّانِي.: قَوْلُهُ: (فَقَالَ فِي حَلِفِهِ) أَيْ فِي يَمِينِهِ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحَدِيثِ الْبَابِ، فَأَخْرَجُوا مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: بِئْسَ مَا قُلْتَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .. الْحَدِيثَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْيَمِينُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَعْبُودِ الْمُعَظَّمِ، فَإِذَا حَلَفَ بِاللَّاتِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ ضَاهَى الْكُفَّارَ، فَأُمِرَ أَنْ يَتَدَارَكَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَنْ حَلَفَ بِهَا جَادًّا فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَهَا جَاهِلًا أَوْ ذَاهِلًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ وَيَرُدُّ قَلْبَهُ عَنِ السَّهْوِ إِلَى الذِّكْرِ وَلِسَانَهُ إِلَى الْحَقِّ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا جَرَى بِهِ مِنَ اللَّغْوِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرُكَ فَلْيَتَصَدَّقْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُقَامِرَ بِهِ، وَقِيلَ: بِصَدَقَةٍ مَا لِتُكَفِّرَ عَنْهُ الْقَوْلَ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ. وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الَّذِي رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ جِبْرِيلُ كَمَا ذَهَبَتْ إِلَى ذَلِكَ عَائِشَةُ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى رَأْيِهِ: فَأَوْحَى: أَيْ جِبْرِيلُ، إِلَى عَبْدِهِ: أَيْ عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى هُوَ جِبْرِيلُ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْحَى إِلَى مُحَمَّدٍ. وَكَلَامُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَوْحَى هُوَ اللَّهُ، أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِلَى جِبْرِيلَ.
قَوْلُهُ: (لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ) زَادَ عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَتَنَاثَرُ مِنْ رِيشِهِ التَهَاوِيلُ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ يَتَنَاثَرُ مِنْهَا تَهَاوِيلُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ.
بَاب ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
٤٨٥٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا جَمِيعُ مَا رَأَى ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صِفَةُ جِبْرِيلَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَقَدْ رَأَى) أَيْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ) هَذَا ظَاهِرُهُ يُغَايِرُ التَّفْسِيرَ السَّابِقَ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ، وَلَكِنْ يُوَضِّحُ الْمُرَادَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَبْصَرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ ﵇ عَلَى رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَيَجْتَمِعُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَوْصُوفَ جِبْرِيلُ وَالصِّفَةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي سَدَّ الْأُفُقَ الرَّفْرَفُ الَّذِي فِيهِ جِبْرِيلُ، فَنَسَبَ جِبْرِيلَ إِلَى سَدِّ الْأُفُقِ مَجَازًا.
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: رَأَى جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعْرَفُ الْمُرَادُ بِالرَّفْرَفِ وَأَنَّهُ حُلَّةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ وَأَصْلُ الرَّفْرَفِ مَا كَانَ مِنَ الدِّيبَاجِ رَقِيقًا حَسَنَ الصَّنْعَةِ، ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي السِّتْرِ، وَكُلُّ مَا فَضَلَ مِنْ شَيْءٍ فَعُطِفَ وَثُنِّيَ فَهُوَ رَفْرَفٌ، وَيُقَالُ: رَفْرَفَ الطَّائِرُ بِجَنَاحَيْهِ؛ إِذَا بَسَطَهُمَا، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ بَسَطَ أَجْنِحَتَهُ فَصَارَتْ تُشْبِهُ الرَّفْرَفَ، كَذَا قَالَ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي أَوْرَدْتُهَا تُوَضِّحُ الْمُرَادَ.
٢ - بَاب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾
٤٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوْزَاءِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ ﴿اللاتَ وَالْعُزَّى﴾: كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ.
٤٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّق"
[الحديث ٤٨٦٠ - أرافه في: ٦١٠٧، ٦٣٠١، ٦٦٥٠]
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْأَشْهَبِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ هُوَ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (فِي قَوْلِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الْحَاجِّ) سَقَطَ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ اللَّاتِّ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَصْلُهُ وَخُفِّفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَدْ رُوِيَ التَّشْدِيدُ عَنْ قِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَرُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ التَّخْفِيفُ كَالْجُمْهُورِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ فِيهِ زِيَادَةٌ كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ عَلَى الْحَجَرِ فَلَا يَشْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا سَمِنَ، فَعَبَدُوهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، فَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى صَخْرَةٍ بِالطَّائِفِ وَعَلَيْهَا لَهُ غَنَمٌ، فَكَانَ يَسْلُو مِنْ رَسَلِهَا وَيَأْخُذُ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ وَالْأَقِطِ فَيَجْعَلُ مِنْهُ حَيْسًا وَيُطْعِمُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا مَاتَ عَبَدُوهُ. وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقْرَأُ: اللَّاتَّ مُشَدَّدَةً. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ، قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ انْتَهَى. وَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ الْعُدْوَانِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ، وَكَانَ حَكَمَ الْعَرَبَ فِي زَمَانِهِ، وَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ:
وَمِنَّا حَكَمٌ يَقْضِي … وَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي
وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ: أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، قَالَ: وَيُقَالُ هُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ وَهُوَ وَالِدُ خُزَاعَةَ انْتَهَى.
وَحَرَّفَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَلَامَ السُّهَيْلِيِّ، وَظَنَّ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ حَارِثَةَ قَوْلٌ آخَرُ فِي اسْمِ اللَّاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ اسْمُ لُحَيٍّ فِيمَا قِيلَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّاتَ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّاتَ لَمَّا مَاتَ، قَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَةَ فَعَبَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا بَيْتًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْعَرَبَ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَحَكَى ابْنُ الْكَلْبِيِّ: أَنَّ اسْمَهُ صِرْمَةُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَانَتِ اللَّاتُ بِالطَّائِفِ، وَقِيلَ: بِنَخْلَةَ، وَقِيلَ: بِعُكَاظٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ مَنَاةٌ أَقْدَمُ مِنَ اللَّاتِ فَهَدَمَهَا عَلِيٌّ عَامَ الْفَتْحِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتِ اللَّاتُ أَحْدَثُ مِنْ مَنَاةَ فَهَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، وَكَانَتِ الْعُزَّى أَحْدَثُ مِنَ اللَّاتِ، وَكَانَ الَّذِي اتَّخَذَهَا ظَالِمُ بْنُ سَعْدٍ بِوَادِي نَخْلَةَ فَوْقَ ذَاتِ عِرْقٍ، فَهَدَمَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ.
الْحَدِيثُ الْثَّانِي.: قَوْلُهُ: (فَقَالَ فِي حَلِفِهِ) أَيْ فِي يَمِينِهِ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحَدِيثِ الْبَابِ، فَأَخْرَجُوا مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، فَحَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: بِئْسَ مَا قُلْتَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .. الْحَدِيثَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْيَمِينُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَعْبُودِ الْمُعَظَّمِ، فَإِذَا حَلَفَ بِاللَّاتِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ ضَاهَى الْكُفَّارَ، فَأُمِرَ أَنْ يَتَدَارَكَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَنْ حَلَفَ بِهَا جَادًّا فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَهَا جَاهِلًا أَوْ ذَاهِلًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ وَيَرُدُّ قَلْبَهُ عَنِ السَّهْوِ إِلَى الذِّكْرِ وَلِسَانَهُ إِلَى الْحَقِّ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا جَرَى بِهِ مِنَ اللَّغْوِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرُكَ فَلْيَتَصَدَّقْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ بِالْمَالِ الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُقَامِرَ بِهِ، وَقِيلَ: بِصَدَقَةٍ مَا لِتُكَفِّرَ عَنْهُ الْقَوْلَ الَّذِي جَرَى عَلَى لِسَانِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ. وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ