«إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4861

الحديث رقم 4861 من كتاب «سورة والنجم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ومناة الثالثة الأخرى.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إنما كان من أهل بمناة الطاغية التي بالمشلل…

«إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ.». قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، مِثْلَهُ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ، وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ، نَحْوَهُ.

﴿فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا﴾

سند حديث: ٤٨٦١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا…

٤٨٦١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إنما كان من أهل بمناة الطاغية التي بالمشلل…

يبين الحديث الشريف كيفية حج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن حجته كانت في السنة العاشرة للهجرة، وأنه كان قارناً الحج والعمرة وساق معه الهدي، ولم يحرم بمثل ما أحرم به إلا قلة من الصحابة ممن ساقوا الهدي، منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال الإمام النووي في شرحه على مسلم: "حديث جابر حديث عظيم مشتمل على جُمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي: وقد تكلَّم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنَّف فيه ابن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرَّج من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه" اهـ

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أنَّ الحُليفة هي ميقات أهل المدينة، ومن أتى عليها من غير أهلها.
  • استحباب اغتسال الحائض والنفساء للإحرام، فغيرهما يكون أولى بذلك.
  • استحباب استثفار الحائض والنفساء في حالة الإحرام، ويقوم مقامها الحفائظ المستعملة الآن.
  • صحة إحرام الحائض والنفساء، فإذا طرأ الحيض والنفاس بعد الإحرام، فجواز المضي فيه من باب أولى.
  • إذا كان الإحرام وقت فريضة أو بعد نافلة لها سبب، كسنة الوضوء، استحب أن يكون الإحرام بعد تلك الصلاة، وإن لم يكن شيء من ذلك، فلا يصلي لأجل الإحرام صلاة خاصة؛ لأنَّه لا دليل عليه، والعبادات توقيفية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أولى.
  • الإهلال بالتلبية حينما يستقل المحرم مركوبه، وتقدَّم أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَهلَّ بالإحرام بالمسجد بعد انصرافه من الصلاة، ولعلَّ جابرًا من الذين لم يسمعوا إهلاله إلاَّ بعد استوائه على ناقته فحدَّث بما سمع ورأى.
  • تسمية التلبية توحيدًا لاشتمالها عليه، ففيها أنواع التوحيد الثلاثة، فتوحيد الإلهية في "لبيك لا شريك لك لبيك" فهو الاستقامة على عبوديته وحده، وتوحيد الربوبية في إثبات "أنَّ النعمة لك والملك لا شريك لك" وتوحيد الأسماء والصفات في إثبات "الحمد" المتضمن إثبات صفاته تعالى الكاملة.
  • الإشارة إلى إهلاله -صلى الله عليه وسلم- بالتوحيد مخالفة لتلبية المشركين الشركية.
  • أنَّ تحيَّة المسجد البدء بالطواف في البيت، فأول شيء بدأ به -صلى الله عليه وسلم- الطواف.
  • شرط الطواف البدء من الركن الذي فيه الحجر الأسود.
  • استحباب الرمل في الأشواط الثلاث الأُول، والمشي في الأربعة الباقية، والرمل خاص في طواف القدوم.
  • استحباب صلاة ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم، وقد تلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: {مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125[فيكون فعله تفسيرًا للصلاة المذكورة في الآية، وتعيين مقام إبراهيم في هذا الحجر المعروف.
  • استحباب استلام الحجر بعد صلاة ركعتي الطواف وقبل السعي، وليس بواجب بإجماع العلماء.
  • كل طواف بعده سعي، يسن أن يعود المُحرم إِلى الحجر فليستلمه قبل السعي إن أمكن، بخلاف ما إذا لم يكن بعده سعي، فلا يستلم بعد الركعتين.
  • أنَّ السَّعي يكون بعد طواف النسك ولا يتقدمه، وإن سعى قبل أن يطوف لم يجزئه السعي.
  • استحباب الموالاة بين الطواف والسعي.
  • البداءة بالسعي من الصفا، فلو بدأ بالمروة لم يعتد بالشوط الأول، والبدء بالصفا هو تفسير لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]، فقد بدأ بما قدَّم الله ذكره.
  • استحباب رقي الصفا واستقبال القبلة حينما يطلع عليه، وهو سنة، فيوحد الله، ويكبره، ويحمده بما ورد، ولو ترك صعوده فلا شيء عليه.
  • الذكر المشروع على الصفا والمروة مناسب للمقام؛ لأنَّه في حجة الوداع التي تجلت فيها قوة الإسلام بعد ضعفه، وظهور الدين بعد خفائه، والجهر بعبادة الله تعالى بعد إسرارها في مكة، والقيام بركنية الحج ذلك العام خالصًا لله تعالى، بعد أن كان الحج لا يؤدى إلاَّ من المشركين وحدهم، فمن يقول يستشعر ويتذكر هذ المعاني.
  • الذكر المشروع يكرره على الصفا ثلاث مرات يتخللهن الدعاء؛ لأنَّ هذا المشعر العظيم من مواطن الإجابة.
  • بعد الذكر والدعاء يتجه إلى المروة، فما بين الصفا والمروة هو المسعى.
  • لا تشترط الطهارة للسعي، بل تسن؛ لأنَّه -صلى الله عليه وسلم- لم يأمر بالطهارة فيه.
  • إذا حاذى الحاج العَلَم الأخضر هرول حتى العلم الثاني لأنَّ ما بينهما كان هو بطن الوادي، والهرولة خاصة للرجال، وبعد مجاوزة العَلَم الثاني يمشي حتى يصل المروة.
  • يرقى الحاج على المروة ويقول ويفعل عليها مثل ما قاله وفعله على الصفا، من قراءة الآية المذكورة، واستقبال القبلة، والذكر، والدعاء، وبعد تمام السعي يحل من عمرته إن كان متمتعًا، وإن كان يشرع له البقاء في إحرامه بقي محرمًا حتى يتحلل من حجه.
  • يقصر الحاج من شعره ويحلَّ بعد الطواف والسعي إن أراد التمتع، ما لم يكن ساق الهدي.
  • استحباب التوجه إلى منى للحج يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وصلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفجر يوم التاسع فيها، ثم البقاء فيها حتى تطلع الشمس، واستحبابه إجماع العلماء.
  • إذا طلعت الشمس توجه الحاج إِلى نمرة، وأقام فيها حتى تزول الشمس.
  • قوله: "ثم أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة" هذا الكلام يشعر بأنَّ نمرة في عرفة، وهي ليست بعرفة وإنما "نمرة" شعب بين جبلين"، هما نهاية حد الحرم من الشرق الجنوبي، وبجانبها أنصاب الحرم المنصوبة على طريق المأزمين، وبين عرفات والحرم "وادي عرنة" الذي ليس من الحرم وليس من عرفات.
  • استحباب البقاء بنمرة إلى ما بعد الزوال، وصلاة الظهر والعصر فيها جمعًا، وهذا الجمع متَّفق على مشروعيته.
  • استحباب الخطبة للإمام؛ ليعلم الناس صفة الوقوف، ويذكرهم بعِظم هذا اليوم، ويحثهم على الاجتهاد فيه بالدعاء والذكر.
  • بعد الزوال يذهب إلى مسجد نمرة، فيصلي بها مع الإمام الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، واستحب جمع التقديم هنا ليتسع وقت الوقوف، ولا يصلي بينهما، ولا بعدهما سنة.
  • استقبال القبلة حين الدعاء والذكر، أفضل من استقبال الجبل لمن لم يسهل عليه استقبالها معًا.
  • من وقف بعرفة نهارًا فيجب عليه الاستمرار فيها حتى غروب الشمس.
  • الدفع من عرفة إلى مزدلفة يكون بعد الغروب، وقبل الصلاة.
  • استحباب الدفع بسكينةٍ ووقارٍ وخضوعٍ، وخشوعٍ وتكبيرٍ، وتلبيةٍ، فإن وجد سائق السيارة طريقًا مشى، وإلاَّ انتظر حتى يمشي الذي أمامه، ولا يتجاوز السيارات، بل عليه بالنظام، ومراعاة خُطَّة السير، فهو آمن له، وأسهل لمن معه ولغيرهم من الحجاج.
  • لم يعين النبي -صلى الله عليه وسلم- لعرفة دعاءً خاصًا، ولا ذِكْرًا خاصًا، بل يدعو الحاج بما شاء من الأدعية الشرعية، ويكبر، ويهلل، ويذكر الله تعالى حتى تغرب الشمس.
  • الإكثار من الاستغفار والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف، والافتقار، ويُلحَّ في الدعاء، فإنَّه موقف عظيم، تسكب فيه العبرات، وتُقال فيه العثرات، وهو أعظم مجامع الدنيا.فإنَّ تلك أسباب نصبها الله مقتضية لحصول الخير، ونزول الرحمة، فإن لم يقدر على البكاء فليتباك.
  • استحباب جمع صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة تأخيرًا.
  • استحباب البقاء بمزدلفة حتى طلوع الفجر، والصلاة، والبقاء إلى قرب طلوع الشمس.
  • البداءة برمي جمرة العقبة يوم النحر، ويكون ذلك بعد طلوع الشمس، ولا يرمي غيرها هذا اليوم
  • أن يكون الحصى بقدر الباقلاء أو الفول.
  • وجوب النحر على الآفاقي: القارن والمتمتع.
  • قوله: "ثم ركب ... فأفاض إلى البيت" يعني طاف طواف الإفاضة، وهو ركن لا يتم الحج إلاَّ به، فمن لم يطف لم يحل له أن ينفر حتى يطوف، وأول وقته بعد نصف ليلة النحر لمن وقف قبل ذلك بعرفات، ويسن فعله يوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق، وإن أخَّره عن أيام منى جاز، بلا نزاع بين العلماء.
  • جواز السجع إذا كان غير متكلف: نصر عبده هزم الأحزاب وحده...

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «إنما كان من أهل بمناة الطاغية التي بالمشلل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ عِيَاضٌ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ كَانَ ذَنْبًا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْخَاطِرِ الَّذِي لَا يَسْتَمِرُّ.

قُلْتُ: وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُخِذَ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِصُدُورِ الْقَوْلِ حَيْثُ نَطَقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرُكَ فَدَعَاهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْقِمَارُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، فَالدُّعَاءُ إِلَى فِعْلِهِ حَرَامٌ، فَلَيْسَ هُنَا عَزْمٌ مُجَرَّدٌ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِمَسْأَلَةِ الْعَزْمِ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ.

٣ - بَاب ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾

٤٨٦١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ، قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ.

قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ .. مِثْلَهُ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ، وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ .. نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَنَاةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ مَنَاءَةَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بَيَانُ مَا قَالَ، وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَجَوَابُ عَائِشَةَ لَهُ، وَفِيهِ قَوْلُهَا إِلَى آخِرِهِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ) أَيْ لِأَجْلِ مَنَاةَ، فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِمَنَاةَ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ اللَّامِ، أَيْ أَهَلَّ عِنْدَهَا أَوْ أَهَلَّ بِاسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ ثُمَّ لَامٍ ثَانِيَةٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ قُدَيْدٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُهْبَطُ مِنْهُ إِلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ قُدَيْدٍ) بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ ابْنِ مُسَافِرٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِطُولِهِ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: نَصَبَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ مَنَاةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدٍ يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى أَتَوْا مَنَاةَ فَأَهَلُّوا لَهَا، فَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ .. إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مُطَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَكَانِهِ، وَهُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ نَحْوَهُ) بَقِيَّتُهُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا .. الْحَدِيثَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والأُخرى ذمٌّ؛ وهي المتأخِّرةُ الوضيعةُ المقدارِ، كقوله: ﴿قَالَتْ (١) أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ (٢)﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: ضعفاؤُهُم لأشرافِهم، ويجوزُ أن تكون الأوَّليَّةُ والتَّقدُّمُ عندهم للَّات والعزَّى. انتهى. قال (٣) صاحب «الدُّر»: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الأُخرى إنَّما تدلُّ على الغيريَّةِ، وليس فيها تعرُّضٌ لمدحٍ ولا ذمٍّ، فإن جاءَ شيءٌ فلقرينةٍ خارجيَّةٍ، وقيل: ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة للعزَّى؛ لأنَّ الثَّانية أُخرى بالنِّسبة إلى الأُولى، وقال في «الأنوار»: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] صفتان للتَّأكيد، كقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومعنى الآية: هل رأيتُم هذه الأصنامَ حقَّ الرُّؤيةِ؟ فإن رأيتُمُوها علمتُم أنَّها لا تصلحُ للألوهيَّةِ، والمقصود إبطالُ الشُّركاءِ وإثباتُ التَّوحيدِ.

٤٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلمٍ (سَمِعْتُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بنِ العوَّام يقول: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ) فيه حذفٌ ذكره في «باب: ﴿إِنَّ (٤) الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾» [البقرة: ١٥٨] من «البقرةِ» بلفظ: قلت لعائشةَ وأنا يومئذٍ حديث السِّنِّ: أرأيتِ قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فما (٥) أُرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطَّوَّف بهما (٦) [خ¦٤٤٩٥]

فقالت: (إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ) أحرم (بِمَنَاةَ) بالموحدةِ باسمها، أو عندها، ولأبي ذرٍّ: «لمناةَ» مجرورًا بالفتحة؛ لأنَّه لا ينصرفُ، وهو باللام لأجلِها (الطَّاغِيَةِ) بالجرِّ بالكسرة صفة لـ «مناةَ» باعتبار طغيانِ عَبَدَتِها، أو مضاف إليها، والمعنى: أحرَمَ باسم مناة القوم الطَّاغية (الَّتِي بِالمُشَلَّلِ) بضم الميم وفتح المعجمة وفتح اللام الأولى مشددة، أي: مناةُ الكائنةُ بالمشلَّلِ (لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) تعظيمًا لصنمِهم مناة حيث لم يكن في المسعَى، وكان فيه صَنَمان (١) لغيرهم إسافٌ ونائلةُ (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ردًّا: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ) معه بهما.

(قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة: (مَنَاةُ) كائنٌ (بِالمُشَلَّلِ) موضعٌ (مِنْ قُدَيْدٍ) بضم القاف مصغَّرًا من ناحيةِ البحرِ، وهو الجبلُ الَّذي يهبطُ إليها منه (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ -بالفاء- المصريُّ، أميرها لهشام، ممَّا وصلهُ الذُّهليُّ والطَّحاويُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (قَالَ عُرْوَةُ) بنُ الزُّبيرِ: (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (نَزَلَتْ) آية ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ (فِي الأَنْصَارِ) الأوسِ والخزرجِ (كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ) قال الجوهريُّ: اسم قبيلةٍ (قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ) يحرمونِ (لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أي: مثل حديث ابنِ عُيينة.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتحتين بينهما مهملة ساكنة، ابنُ راشد، ممَّا وصلهُ الطَّبريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها قالت (كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ -وَمَنَاةُ (٢) صَنَمٌ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْأَلْفَاظ وعلق بِفعل مَاض وَهُوَ عَالم وَقت الْيَمين أَنه كَاذِب اخْتلفُوا فِيهِ. قَالَ بَعضهم: يصير كَافِرًا لِأَنَّهُ تَعْلِيق بِشَرْط كَائِن وَهُوَ تَنْجِيز، وَقَالَ بَعضهم: لَا يكفر وَلَا يلْزمه الْكَفَّارَة، وَإِلَيْهِ مَال شيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده، وَإِن حلف بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ على أَمر مُسْتَقْبل. قَالَ بَعضهم: لَا يكفر وَيلْزمهُ الْكفَّار، وَالصَّحِيح مَا قَالَه السَّرخسِيّ أَنه ينظر إِن كَانَ فِي اعْتِقَاد الْحَالِف أَنه لَو حلف بذلك على أَمر فِي الْمَاضِي يصير كَافِرًا فِي الْحَال. وَإِن لم يكن فِي اعْتِقَاده ذَلِك لَا يكفر، سَوَاء كَانَت الْيَمين على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل أَو فِي الْمَاضِي. قَوْله تَعَالَى أَمر من التعالي، وَهُوَ الِارْتفَاع. تَقول مِنْهُ إِذا أمرت تعال يَا رجل، بِفَتْح اللَّام، وللمرأة تعالي، وللمرأتين تعاليا، وللنسوة تعالين، وَلَا يجوز أَن يُقَال مِنْهُ: تعاليت وَلَا ينْهَى عَنهُ. قَوْله: (أقامرك) ، مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، يُقَال: قامره يقامره قمارا إِذا طلب كل وَاحِد أَن يغلب صَاحبه فِي عمل أَو قَول ليَأْخُذ مَالا جعلاه للْغَالِب، وَهُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع. قَوْله: (فليتصدق) وَفِي رِوَايَة مُسلم، فليتصدق بِشَيْء. قَالَ الْعلمَاء: أَمر بالتصدق تكفيرا لخطيئته فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمعْصِيَة. قَالَ الْخطابِيّ: يتَصَدَّق بِمِقْدَار مَا كَانَ يُرِيد أَن يقامره بِهِ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: رَحمَه الله: الصَّوَاب أَن يتَصَدَّق بِمَا تيَسّر مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الصَّدَقَة. وَفِي (التَّلْوِيح) عَن بعض الْحَنَفِيَّة. إِن قَوْله: فليتصدق، المُرَاد بهَا كَفَّارَة الْيَمين، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه مَا فِيهِ. قلت: مَا فِيهِ إلَاّ عدم فهم من لَا يفهم مَا فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ بَعضهم: المُرَاد بهَا كَفَّارَة الْيَمين لِأَن هَذَا ينْعَقد يَمِينا على رَأْي هَذَا الْقَائِل: فَإِذا انْعَقَد يَمِينا تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة.

٣ - (بابٌ: {وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} (النَّجْم: ٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى} وَلم يثبت لفظ: إلَاّ لأبي ذَر، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرهَا فِي الحَدِيث، وَلَكِن يُفَسر معنى الْآيَة. فَقَوله: الثَّالِثَة لَا يُقَال لَهَا الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا الْأُخْرَى نعت للثَّانِيَة، وَقَالَ الْخَلِيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليُوَافق رُؤُوس الْآي، كَقَوْلِه: {مآرب أُخْرَى} (طه: ٨١) وَقَالَ الْحُسَيْن بن فضل فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير مجازها أَفَرَأَيْتُم الّلات والعزى الْأُخْرَى وَمَنَاة؟ .

١٦٨٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قُلْتُ لِ عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها فَقَالَتْ إنَّما كَانَ مَنْ أهَلَّ بِمَناةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي بِالمُشَلّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصّفا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى إنَّ الصَّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَطَافَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالمُسْلِمُونَ قَالَ سُفْيَانُ مَنَاةُ بِالمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خَالِدٍ عَنِ ابنِ شهابٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ نَزَلَتْ فِي الأنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَانُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمناةَ مِثْلَهُ وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمناةِ وَمَناةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ قَالُوا يَا نَبِيَّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كُنّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ تَعْظِيما لِمناةَ نَحْوَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى مطولا فِي الْحَج فِي: بَاب وجوب الصَّفَا والمروة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره.

قَوْله: (قلت لعَائِشَة فَقَالَت) ، فِيهِ حذف بَينه فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة فِي: بَاب {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} (الْبَقَرَة: ٨٥١) وَهُوَ أَن عُرْوَة قَالَ: قلت: لعَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا يَوْمئِذٍ حَدِيث السن: أَرَأَيْت قَول الله تَعَالَى: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما} فَمَا أرى على أحد شَيْئا أَن لَا يطوف بهما. فَقَالَت عَائِشَة: إِنَّمَا كَانَ من أهل. أَي: أحرم بمناة بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره: لمناة. بِاللَّامِ أَي: لأجل مَنَاة، والطاغية صفة لَهَا بِاعْتِبَار طغيان عبدتها، وَيجوز أَن يكون مُضَافا إِلَيْهَا على معنى: أحرم باسم مَنَاة الْقَوْم الطاغية. قَوْله: (الَّتِي بالمشلل) ، صفة أُخْرَى أَي: الكائنة بالمشلل، بِضَم الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة، وَهُوَ مَوضِع من قديد على مَا يَأْتِي الْآن. قَوْله: (لَا يطوفون) ، أَي: من كَانَ يحجّ لهَذَا الصَّنَم كَانَ لَا يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة تَعْظِيمًا لصنعهم حَيْثُ لم يكن فِي الْمَسْعَى، وَكَانَ فِيهِ صنمان إساف ونائلة، فَأنْزل الله تعال ردا عَلَيْهِم بقوله: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} فَطَافَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَطَاف مَعَه الْمُسلمُونَ. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (مَنَاة بالمشلل من قديد) ، مقول قَول سُفْيَان، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَنَاة. أَي: مَنَاة

مَكَان كَائِن بالمشلل الْكَائِن من قديد، بِضَم الْقَاف مصغر القدد، وَهُوَ من منَازِل طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة.

قَوْله: (وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي) ، بِالْفَاءِ الْمصْرِيّ. كَانَ أَمِير مصر لهشام مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة. قَوْله: (عَن ابْن شهَاب) ، وَهُوَ الزُّهْرِيّ أَي: يروي عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّحَاوِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بِطُولِهِ. قَوْله: (هم) أَي: الْأَنْصَار. قَوْله: (وغسان) ، عطف عَلَيْهِ وهم قَبيلَة. قَوْله: (يهلون بمناة) أَي: يحرمُونَ بمناة قبل الْإِسْلَام. قَوْله: (مثله) أَي: مثل حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (وَقَالَ معمر) بِفَتْح الميمين، وَهُوَ ابْن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ عَن الْحسن بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر إِلَى آخِره مطولا. قَوْله: (وَمَنَاة صنم بَين مَكَّة وَالْمَدينَة) أَي: مَنَاة اسْم صنم كَائِن بَين مَكَّة وَالْمَدينَة كَانَت صنما لخزاعة وهذيل، سميت بذلك لِأَن دم الذَّبَائِح كَانَ يمني عَلَيْهَا أَي يراق، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) كَانَت مَنَاة على سَاحل الْبَحْر تعبد، وَفِي (تَفْسِير عبد الرَّزَّاق) أخبرنَا معمر عَن قَتَادَة: اللات لأهل الطَّائِف، وعزى لقريش، وَمَنَاة للْأَنْصَار، وَعَن ابْن زيد: مَنَاة بَيت بالمشلل تبعده بَنو كَعْب، وَيُقَال: مَنَاة أصنام من حِجَارَة كَانَت فِي جَوف الْكَعْبَة يعبدونها. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور.

٤ - (بابٌ: {فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا} (النَّجْم: ٢٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: (فاسجدوا لله واعبدوا) وَهُوَ آخر سُورَة النَّجْم. قيل: وَقع للأصيلي، واسجدوا، بِالْوَاو وَهُوَ غلط. قلت: لَا ينْسب الْغَلَط للأصيلي بل للناسخ لعدم تَمْيِيزه.

٢٦٨٤ - حدَّثني أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا الوَارِثِ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَال سَجَدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإنْسُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.

والْحَدِيث قد مضى فِي أَبْوَاب سُجُود الْقُرْآن فِي: بَاب سُجُود الْمُسلمين مَعَ الْمُشْركين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (الْمُسلمُونَ) ، يتَنَاوَل الْجِنّ وَالْإِنْس، وَفَائِدَة ذكر قَوْله: (وَالْجِنّ وَالْإِنْس) لدفع وهم اخْتِصَاصه بِالْمُسْلِمين. قَوْله: (وَالْمُشْرِكُونَ) أَي: وَسجد مَعَه الْمُشْركُونَ. قَالَ الْكرْمَانِي: سجد الْمُشْركُونَ لِأَنَّهَا أول سَجْدَة نزلت فأرادوا مُعَارضَة الْمُسلمين بِالسَّجْدَةِ لمعبودهم أَو وَقع ذَلِك مِنْهُم بِلَا قصد أَو خَافُوا فِي ذَلِك الْمجْلس من مخالفتهم، وَمَا قيل كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَا ألقِي الشَّيْطَان فِي أثْنَاء قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

(تِلْكَ الغرانيق العلى ... مِنْهَا الشَّفَاعَة ترتجى)

فَلَا صِحَة لَهُ نقلا وعقلاً وَقَالَ بَعضهم: الِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة فِيهَا نظر، وَالْأول مِنْهَا لعياض، وَالثَّانِي: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود حَيْثُ زَاد فِيهِ أَن الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُم أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك ظَاهر فِي الْقَصْد، وَالثَّالِث أبعد إِذْ الْمُسلمُونَ حِينَئِذٍ هم الَّذين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين لَا الْعَكْس. قلت: ادّعى هَذَا الْقَائِل أَن فِي هَذِه الِاحْتِمَالَات نظرا، فَقَالَ فِي الأول: إِنَّه لعياض، يَعْنِي: مَسْبُوق فِيهِ بِالْقَاضِي عِيَاض، فَبين أَنه لعياض وَلم يبين وَجه النّظر، وَذكر وَجه النّظر فِي الثَّانِي: بقوله: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود، وَهَذَا غير دَافع لبَقَاء الِاحْتِمَال فِي عدم الْقَصْد من الَّذِي أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الثَّالِث: أبعد. إِلَى آخِره فَالَّذِي ذكره أبعد مِمَّا قَالَه لِأَن الْمُسلمين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين وَقت سجودهم لم يَكُونُوا يتمكنون من السُّجُود لِأَن السُّجُود مَوضِع الْجَبْهَة على الأَرْض وَمن يتَمَكَّن من ذَلِك وَرَاءه من يخَاف مِنْهُ خُصُوصا أَعدَاء الدّين، وقصدهم هَلَاك الْمُسلمين؟ .

تَابَعَهُ ابنُ طَهْمَانَ عَنْ أيُّوبَ وَلَمْ يَذْكُر ابنُ عُلَيَّةَ ابنَ عَبَّاسٍ

أَي: تَابع عبد الْوَارِث، إِبْرَاهِيم بن طهْمَان فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، إِبْرَاهِيم مَذْكُور وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق حَفْص بن عبد الله النَّيْسَابُورِي عَن ابْن طهْمَان بِلَفْظ أَنه قَالَ حِين

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ عِيَاضٌ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ كَانَ ذَنْبًا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْخَاطِرِ الَّذِي لَا يَسْتَمِرُّ.

قُلْتُ: وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُخِذَ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِصُدُورِ الْقَوْلِ حَيْثُ نَطَقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرُكَ فَدَعَاهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْقِمَارُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، فَالدُّعَاءُ إِلَى فِعْلِهِ حَرَامٌ، فَلَيْسَ هُنَا عَزْمٌ مُجَرَّدٌ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِمَسْأَلَةِ الْعَزْمِ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ.

٣ - بَاب ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾

٤٨٦١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ، قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ.

قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ .. مِثْلَهُ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ، وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ .. نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَنَاةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ مَنَاءَةَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بَيَانُ مَا قَالَ، وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَجَوَابُ عَائِشَةَ لَهُ، وَفِيهِ قَوْلُهَا إِلَى آخِرِهِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ) أَيْ لِأَجْلِ مَنَاةَ، فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِمَنَاةَ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ اللَّامِ، أَيْ أَهَلَّ عِنْدَهَا أَوْ أَهَلَّ بِاسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ ثُمَّ لَامٍ ثَانِيَةٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ قُدَيْدٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُهْبَطُ مِنْهُ إِلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ قُدَيْدٍ) بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ ابْنِ مُسَافِرٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِطُولِهِ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: نَصَبَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ مَنَاةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدٍ يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى أَتَوْا مَنَاةَ فَأَهَلُّوا لَهَا، فَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ .. إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مُطَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَكَانِهِ، وَهُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ نَحْوَهُ) بَقِيَّتُهُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا .. الْحَدِيثَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والأُخرى ذمٌّ؛ وهي المتأخِّرةُ الوضيعةُ المقدارِ، كقوله: ﴿قَالَتْ (١) أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ (٢)﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: ضعفاؤُهُم لأشرافِهم، ويجوزُ أن تكون الأوَّليَّةُ والتَّقدُّمُ عندهم للَّات والعزَّى. انتهى. قال (٣) صاحب «الدُّر»: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الأُخرى إنَّما تدلُّ على الغيريَّةِ، وليس فيها تعرُّضٌ لمدحٍ ولا ذمٍّ، فإن جاءَ شيءٌ فلقرينةٍ خارجيَّةٍ، وقيل: ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة للعزَّى؛ لأنَّ الثَّانية أُخرى بالنِّسبة إلى الأُولى، وقال في «الأنوار»: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] صفتان للتَّأكيد، كقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومعنى الآية: هل رأيتُم هذه الأصنامَ حقَّ الرُّؤيةِ؟ فإن رأيتُمُوها علمتُم أنَّها لا تصلحُ للألوهيَّةِ، والمقصود إبطالُ الشُّركاءِ وإثباتُ التَّوحيدِ.

٤٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلمٍ (سَمِعْتُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بنِ العوَّام يقول: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ) فيه حذفٌ ذكره في «باب: ﴿إِنَّ (٤) الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾» [البقرة: ١٥٨] من «البقرةِ» بلفظ: قلت لعائشةَ وأنا يومئذٍ حديث السِّنِّ: أرأيتِ قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فما (٥) أُرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطَّوَّف بهما (٦) [خ¦٤٤٩٥]

فقالت: (إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ) أحرم (بِمَنَاةَ) بالموحدةِ باسمها، أو عندها، ولأبي ذرٍّ: «لمناةَ» مجرورًا بالفتحة؛ لأنَّه لا ينصرفُ، وهو باللام لأجلِها (الطَّاغِيَةِ) بالجرِّ بالكسرة صفة لـ «مناةَ» باعتبار طغيانِ عَبَدَتِها، أو مضاف إليها، والمعنى: أحرَمَ باسم مناة القوم الطَّاغية (الَّتِي بِالمُشَلَّلِ) بضم الميم وفتح المعجمة وفتح اللام الأولى مشددة، أي: مناةُ الكائنةُ بالمشلَّلِ (لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) تعظيمًا لصنمِهم مناة حيث لم يكن في المسعَى، وكان فيه صَنَمان (١) لغيرهم إسافٌ ونائلةُ (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ردًّا: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَطَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالمُسْلِمُونَ) معه بهما.

(قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة: (مَنَاةُ) كائنٌ (بِالمُشَلَّلِ) موضعٌ (مِنْ قُدَيْدٍ) بضم القاف مصغَّرًا من ناحيةِ البحرِ، وهو الجبلُ الَّذي يهبطُ إليها منه (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ -بالفاء- المصريُّ، أميرها لهشام، ممَّا وصلهُ الذُّهليُّ والطَّحاويُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (قَالَ عُرْوَةُ) بنُ الزُّبيرِ: (قَالَتْ عَائِشَةُ) ﵂: (نَزَلَتْ) آية ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ (فِي الأَنْصَارِ) الأوسِ والخزرجِ (كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ) قال الجوهريُّ: اسم قبيلةٍ (قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ) يحرمونِ (لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أي: مثل حديث ابنِ عُيينة.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتحتين بينهما مهملة ساكنة، ابنُ راشد، ممَّا وصلهُ الطَّبريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها قالت (كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ -وَمَنَاةُ (٢) صَنَمٌ)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْأَلْفَاظ وعلق بِفعل مَاض وَهُوَ عَالم وَقت الْيَمين أَنه كَاذِب اخْتلفُوا فِيهِ. قَالَ بَعضهم: يصير كَافِرًا لِأَنَّهُ تَعْلِيق بِشَرْط كَائِن وَهُوَ تَنْجِيز، وَقَالَ بَعضهم: لَا يكفر وَلَا يلْزمه الْكَفَّارَة، وَإِلَيْهِ مَال شيخ الْإِسْلَام خُوَاهَر زَاده، وَإِن حلف بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ على أَمر مُسْتَقْبل. قَالَ بَعضهم: لَا يكفر وَيلْزمهُ الْكفَّار، وَالصَّحِيح مَا قَالَه السَّرخسِيّ أَنه ينظر إِن كَانَ فِي اعْتِقَاد الْحَالِف أَنه لَو حلف بذلك على أَمر فِي الْمَاضِي يصير كَافِرًا فِي الْحَال. وَإِن لم يكن فِي اعْتِقَاده ذَلِك لَا يكفر، سَوَاء كَانَت الْيَمين على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل أَو فِي الْمَاضِي. قَوْله تَعَالَى أَمر من التعالي، وَهُوَ الِارْتفَاع. تَقول مِنْهُ إِذا أمرت تعال يَا رجل، بِفَتْح اللَّام، وللمرأة تعالي، وللمرأتين تعاليا، وللنسوة تعالين، وَلَا يجوز أَن يُقَال مِنْهُ: تعاليت وَلَا ينْهَى عَنهُ. قَوْله: (أقامرك) ، مجزوم لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر، يُقَال: قامره يقامره قمارا إِذا طلب كل وَاحِد أَن يغلب صَاحبه فِي عمل أَو قَول ليَأْخُذ مَالا جعلاه للْغَالِب، وَهُوَ حرَام بِالْإِجْمَاع. قَوْله: (فليتصدق) وَفِي رِوَايَة مُسلم، فليتصدق بِشَيْء. قَالَ الْعلمَاء: أَمر بالتصدق تكفيرا لخطيئته فِي كَلَامه بِهَذِهِ الْمعْصِيَة. قَالَ الْخطابِيّ: يتَصَدَّق بِمِقْدَار مَا كَانَ يُرِيد أَن يقامره بِهِ، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: رَحمَه الله: الصَّوَاب أَن يتَصَدَّق بِمَا تيَسّر مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الصَّدَقَة. وَفِي (التَّلْوِيح) عَن بعض الْحَنَفِيَّة. إِن قَوْله: فليتصدق، المُرَاد بهَا كَفَّارَة الْيَمين، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه مَا فِيهِ. قلت: مَا فِيهِ إلَاّ عدم فهم من لَا يفهم مَا فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ بَعضهم: المُرَاد بهَا كَفَّارَة الْيَمين لِأَن هَذَا ينْعَقد يَمِينا على رَأْي هَذَا الْقَائِل: فَإِذا انْعَقَد يَمِينا تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة.

٣ - (بابٌ: {وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} (النَّجْم: ٢)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى} وَلم يثبت لفظ: إلَاّ لأبي ذَر، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرهَا فِي الحَدِيث، وَلَكِن يُفَسر معنى الْآيَة. فَقَوله: الثَّالِثَة لَا يُقَال لَهَا الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا الْأُخْرَى نعت للثَّانِيَة، وَقَالَ الْخَلِيل: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليُوَافق رُؤُوس الْآي، كَقَوْلِه: {مآرب أُخْرَى} (طه: ٨١) وَقَالَ الْحُسَيْن بن فضل فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير مجازها أَفَرَأَيْتُم الّلات والعزى الْأُخْرَى وَمَنَاة؟ .

١٦٨٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا الزُّهْرِيُّ سَمِعْتُ عُرْوَةَ قُلْتُ لِ عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها فَقَالَتْ إنَّما كَانَ مَنْ أهَلَّ بِمَناةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي بِالمُشَلّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصّفا وَالمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى إنَّ الصَّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ الله فَطَافَ رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالمُسْلِمُونَ قَالَ سُفْيَانُ مَنَاةُ بِالمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمانِ بنُ خَالِدٍ عَنِ ابنِ شهابٍ قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ نَزَلَتْ فِي الأنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَانُ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمناةَ مِثْلَهُ وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمناةِ وَمَناةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ قَالُوا يَا نَبِيَّ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كُنّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوَةِ تَعْظِيما لِمناةَ نَحْوَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحميدِي عبد الله بن الزبير، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَهَذَا الحَدِيث قد مضى مطولا فِي الْحَج فِي: بَاب وجوب الصَّفَا والمروة، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ إِلَى آخِره.

قَوْله: (قلت لعَائِشَة فَقَالَت) ، فِيهِ حذف بَينه فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة فِي: بَاب {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} (الْبَقَرَة: ٨٥١) وَهُوَ أَن عُرْوَة قَالَ: قلت: لعَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا يَوْمئِذٍ حَدِيث السن: أَرَأَيْت قَول الله تَعَالَى: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يطوف بهما} فَمَا أرى على أحد شَيْئا أَن لَا يطوف بهما. فَقَالَت عَائِشَة: إِنَّمَا كَانَ من أهل. أَي: أحرم بمناة بِالْبَاء الْمُوَحدَة فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَعند غَيره: لمناة. بِاللَّامِ أَي: لأجل مَنَاة، والطاغية صفة لَهَا بِاعْتِبَار طغيان عبدتها، وَيجوز أَن يكون مُضَافا إِلَيْهَا على معنى: أحرم باسم مَنَاة الْقَوْم الطاغية. قَوْله: (الَّتِي بالمشلل) ، صفة أُخْرَى أَي: الكائنة بالمشلل، بِضَم الْمِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة، وَهُوَ مَوضِع من قديد على مَا يَأْتِي الْآن. قَوْله: (لَا يطوفون) ، أَي: من كَانَ يحجّ لهَذَا الصَّنَم كَانَ لَا يسْعَى بَين الصَّفَا والمروة تَعْظِيمًا لصنعهم حَيْثُ لم يكن فِي الْمَسْعَى، وَكَانَ فِيهِ صنمان إساف ونائلة، فَأنْزل الله تعال ردا عَلَيْهِم بقوله: {إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله} فَطَافَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَطَاف مَعَه الْمُسلمُونَ. قَوْله: (قَالَ سُفْيَان) ، هُوَ ابْن عُيَيْنَة الرَّاوِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور. قَوْله: (مَنَاة بالمشلل من قديد) ، مقول قَول سُفْيَان، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مَنَاة. أَي: مَنَاة

مَكَان كَائِن بالمشلل الْكَائِن من قديد، بِضَم الْقَاف مصغر القدد، وَهُوَ من منَازِل طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة.

قَوْله: (وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي) ، بِالْفَاءِ الْمصْرِيّ. كَانَ أَمِير مصر لهشام مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة. قَوْله: (عَن ابْن شهَاب) ، وَهُوَ الزُّهْرِيّ أَي: يروي عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّحَاوِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بِطُولِهِ. قَوْله: (هم) أَي: الْأَنْصَار. قَوْله: (وغسان) ، عطف عَلَيْهِ وهم قَبيلَة. قَوْله: (يهلون بمناة) أَي: يحرمُونَ بمناة قبل الْإِسْلَام. قَوْله: (مثله) أَي: مثل حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (وَقَالَ معمر) بِفَتْح الميمين، وَهُوَ ابْن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ عَن الْحسن بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر إِلَى آخِره مطولا. قَوْله: (وَمَنَاة صنم بَين مَكَّة وَالْمَدينَة) أَي: مَنَاة اسْم صنم كَائِن بَين مَكَّة وَالْمَدينَة كَانَت صنما لخزاعة وهذيل، سميت بذلك لِأَن دم الذَّبَائِح كَانَ يمني عَلَيْهَا أَي يراق، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) كَانَت مَنَاة على سَاحل الْبَحْر تعبد، وَفِي (تَفْسِير عبد الرَّزَّاق) أخبرنَا معمر عَن قَتَادَة: اللات لأهل الطَّائِف، وعزى لقريش، وَمَنَاة للْأَنْصَار، وَعَن ابْن زيد: مَنَاة بَيت بالمشلل تبعده بَنو كَعْب، وَيُقَال: مَنَاة أصنام من حِجَارَة كَانَت فِي جَوف الْكَعْبَة يعبدونها. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور.

٤ - (بابٌ: {فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا} (النَّجْم: ٢٦)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: (فاسجدوا لله واعبدوا) وَهُوَ آخر سُورَة النَّجْم. قيل: وَقع للأصيلي، واسجدوا، بِالْوَاو وَهُوَ غلط. قلت: لَا ينْسب الْغَلَط للأصيلي بل للناسخ لعدم تَمْيِيزه.

٢٦٨٤ - حدَّثني أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا الوَارِثِ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَال سَجَدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإنْسُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.

والْحَدِيث قد مضى فِي أَبْوَاب سُجُود الْقُرْآن فِي: بَاب سُجُود الْمُسلمين مَعَ الْمُشْركين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (الْمُسلمُونَ) ، يتَنَاوَل الْجِنّ وَالْإِنْس، وَفَائِدَة ذكر قَوْله: (وَالْجِنّ وَالْإِنْس) لدفع وهم اخْتِصَاصه بِالْمُسْلِمين. قَوْله: (وَالْمُشْرِكُونَ) أَي: وَسجد مَعَه الْمُشْركُونَ. قَالَ الْكرْمَانِي: سجد الْمُشْركُونَ لِأَنَّهَا أول سَجْدَة نزلت فأرادوا مُعَارضَة الْمُسلمين بِالسَّجْدَةِ لمعبودهم أَو وَقع ذَلِك مِنْهُم بِلَا قصد أَو خَافُوا فِي ذَلِك الْمجْلس من مخالفتهم، وَمَا قيل كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَا ألقِي الشَّيْطَان فِي أثْنَاء قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

(تِلْكَ الغرانيق العلى ... مِنْهَا الشَّفَاعَة ترتجى)

فَلَا صِحَة لَهُ نقلا وعقلاً وَقَالَ بَعضهم: الِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة فِيهَا نظر، وَالْأول مِنْهَا لعياض، وَالثَّانِي: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود حَيْثُ زَاد فِيهِ أَن الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُم أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك ظَاهر فِي الْقَصْد، وَالثَّالِث أبعد إِذْ الْمُسلمُونَ حِينَئِذٍ هم الَّذين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين لَا الْعَكْس. قلت: ادّعى هَذَا الْقَائِل أَن فِي هَذِه الِاحْتِمَالَات نظرا، فَقَالَ فِي الأول: إِنَّه لعياض، يَعْنِي: مَسْبُوق فِيهِ بِالْقَاضِي عِيَاض، فَبين أَنه لعياض وَلم يبين وَجه النّظر، وَذكر وَجه النّظر فِي الثَّانِي: بقوله: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود، وَهَذَا غير دَافع لبَقَاء الِاحْتِمَال فِي عدم الْقَصْد من الَّذِي أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الثَّالِث: أبعد. إِلَى آخِره فَالَّذِي ذكره أبعد مِمَّا قَالَه لِأَن الْمُسلمين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين وَقت سجودهم لم يَكُونُوا يتمكنون من السُّجُود لِأَن السُّجُود مَوضِع الْجَبْهَة على الأَرْض وَمن يتَمَكَّن من ذَلِك وَرَاءه من يخَاف مِنْهُ خُصُوصا أَعدَاء الدّين، وقصدهم هَلَاك الْمُسلمين؟ .

تَابَعَهُ ابنُ طَهْمَانَ عَنْ أيُّوبَ وَلَمْ يَذْكُر ابنُ عُلَيَّةَ ابنَ عَبَّاسٍ

أَي: تَابع عبد الْوَارِث، إِبْرَاهِيم بن طهْمَان فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، إِبْرَاهِيم مَذْكُور وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق حَفْص بن عبد الله النَّيْسَابُورِي عَن ابْن طهْمَان بِلَفْظ أَنه قَالَ حِين

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 9 جمادى الأولى
أحدب متزايد اليوم 9.8 / 29.5
الإضاءة 75%
البدر بعد 5 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56