«إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٦١

الحديث رقم ٤٨٦١ من كتاب «سورة والنجم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ومناة الثالثة الأخرى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٨٦١ في صحيح البخاري

«إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ بِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ اللهِ وَالْمُسْلِمُونَ.». قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، مِثْلَهُ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ، وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ، نَحْوَهُ.

﴿فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٨٦١

٤٨٦١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٨٦١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ عِيَاضٌ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ كَانَ ذَنْبًا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْخَاطِرِ الَّذِي لَا يَسْتَمِرُّ.

قُلْتُ: وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُخِذَ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِصُدُورِ الْقَوْلِ حَيْثُ نَطَقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرُكَ فَدَعَاهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْقِمَارُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، فَالدُّعَاءُ إِلَى فِعْلِهِ حَرَامٌ، فَلَيْسَ هُنَا عَزْمٌ مُجَرَّدٌ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِمَسْأَلَةِ الْعَزْمِ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ.

٣ - بَاب ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾

٤٨٦١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ، قُلْتُ لِعَائِشَةَ : فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ.

قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ .. مِثْلَهُ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ، وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ .. نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَنَاةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ مَنَاءَةَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بَيَانُ مَا قَالَ، وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَجَوَابُ عَائِشَةَ لَهُ، وَفِيهِ قَوْلُهَا إِلَى آخِرِهِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ) أَيْ لِأَجْلِ مَنَاةَ، فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِمَنَاةَ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ اللَّامِ، أَيْ أَهَلَّ عِنْدَهَا أَوْ أَهَلَّ بِاسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ ثُمَّ لَامٍ ثَانِيَةٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ قُدَيْدٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُهْبَطُ مِنْهُ إِلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ قُدَيْدٍ) بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ ابْنِ مُسَافِرٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِطُولِهِ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: نَصَبَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ مَنَاةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدٍ يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى أَتَوْا مَنَاةَ فَأَهَلُّوا لَهَا، فَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ .. إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مُطَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَكَانِهِ، وَهُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ نَحْوَهُ) بَقِيَّتُهُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا .. الْحَدِيثَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والأُخرى ذمٌّ؛ وهي المتأخِّرةُ الوضيعةُ المقدارِ، كقوله: ﴿قَالَتْ (١) أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ (٢)[الأعراف: ٣٨] أي: ضعفاؤُهُم لأشرافِهم، ويجوزُ أن تكون الأوَّليَّةُ والتَّقدُّمُ عندهم للَّات والعزَّى. انتهى. قال (٣) صاحب «الدُّر»: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الأُخرى إنَّما تدلُّ على الغيريَّةِ، وليس فيها تعرُّضٌ لمدحٍ ولا ذمٍّ، فإن جاءَ شيءٌ فلقرينةٍ خارجيَّةٍ، وقيل: ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة للعزَّى؛ لأنَّ الثَّانية أُخرى بالنِّسبة إلى الأُولى، وقال في «الأنوار»: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] صفتان للتَّأكيد، كقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومعنى الآية: هل رأيتُم هذه الأصنامَ حقَّ الرُّؤيةِ؟ فإن رأيتُمُوها علمتُم أنَّها لا تصلحُ للألوهيَّةِ، والمقصود إبطالُ الشُّركاءِ وإثباتُ التَّوحيدِ.

٤٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلمٍ (سَمِعْتُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بنِ العوَّام يقول: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ) فيه حذفٌ ذكره في «باب: ﴿إِنَّ (٤) الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾» [البقرة: ١٥٨] من «البقرةِ» بلفظ: قلت لعائشةَ وأنا يومئذٍ حديث السِّنِّ: أرأيتِ قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فما (٥) أُرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطَّوَّف بهما (٦) [خ¦٤٤٩٥]

فقالت: (إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ) أحرم (بِمَنَاةَ) بالموحدةِ باسمها، أو عندها، ولأبي ذرٍّ: «لمناةَ» مجرورًا بالفتحة؛ لأنَّه لا ينصرفُ، وهو باللام لأجلِها (الطَّاغِيَةِ) بالجرِّ بالكسرة صفة لـ «مناةَ» باعتبار طغيانِ عَبَدَتِها، أو مضاف إليها، والمعنى: أحرَمَ باسم مناة القوم الطَّاغية (الَّتِي بِالمُشَلَّلِ) بضم الميم وفتح المعجمة وفتح اللام الأولى مشددة، أي: مناةُ الكائنةُ بالمشلَّلِ (لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) تعظيمًا لصنمِهم مناة حيث لم يكن في المسعَى، وكان فيه صَنَمان (١) لغيرهم إسافٌ ونائلةُ (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ردًّا: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَطَافَ رَسُولُ اللهِ وَالمُسْلِمُونَ) معه بهما.

(قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة: (مَنَاةُ) كائنٌ (بِالمُشَلَّلِ) موضعٌ (مِنْ قُدَيْدٍ) بضم القاف مصغَّرًا من ناحيةِ البحرِ، وهو الجبلُ الَّذي يهبطُ إليها منه (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ -بالفاء- المصريُّ، أميرها لهشام، ممَّا وصلهُ الذُّهليُّ والطَّحاويُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (قَالَ عُرْوَةُ) بنُ الزُّبيرِ: (قَالَتْ عَائِشَةُ) : (نَزَلَتْ) آية ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ (فِي الأَنْصَارِ) الأوسِ والخزرجِ (كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ) قال الجوهريُّ: اسم قبيلةٍ (قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ) يحرمونِ (لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أي: مثل حديث ابنِ عُيينة.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتحتين بينهما مهملة ساكنة، ابنُ راشد، ممَّا وصلهُ الطَّبريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها قالت (كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ -وَمَنَاةُ (٢) صَنَمٌ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ عِيَاضٌ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ كَانَ ذَنْبًا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْخَاطِرِ الَّذِي لَا يَسْتَمِرُّ.

قُلْتُ: وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُخِذَ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِصُدُورِ الْقَوْلِ حَيْثُ نَطَقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَ أُقَامِرُكَ فَدَعَاهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْقِمَارُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، فَالدُّعَاءُ إِلَى فِعْلِهِ حَرَامٌ، فَلَيْسَ هُنَا عَزْمٌ مُجَرَّدٌ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ. وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِمَسْأَلَةِ الْعَزْمِ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ.

٣ - بَاب ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾

٤٨٦١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ، قُلْتُ لِعَائِشَةَ : فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ.

قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةُ بِالْمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ .. مِثْلَهُ.

وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ، وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ .. نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَنَاةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ مَنَاءَةَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ بَيَانُ مَا قَالَ، وَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَجَوَابُ عَائِشَةَ لَهُ، وَفِيهِ قَوْلُهَا إِلَى آخِرِهِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ) أَيْ لِأَجْلِ مَنَاةَ، فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ بِمَنَاةَ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ اللَّامِ، أَيْ أَهَلَّ عِنْدَهَا أَوْ أَهَلَّ بِاسْمِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: مَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الثَّقِيلَةِ ثُمَّ لَامٍ ثَانِيَةٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ قُدَيْدٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُهْبَطُ مِنْهُ إِلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ قُدَيْدٍ) بِالْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ، هُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ ابْنِ مُسَافِرٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هُوَ الزُّهْرِيُّ، وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِطُولِهِ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: نَصَبَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ مَنَاةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي قُدَيْدٍ يَحُجُّونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ وَأَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ وَفَرَغُوا مِنْ مِنًى أَتَوْا مَنَاةَ فَأَهَلُّوا لَهَا، فَمَنْ أَهَلَّ لَهَا لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَعْمَرٌ .. إِلَخْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مُطَوَّلًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَكَانِهِ، وَهُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ نَحْوَهُ) بَقِيَّتُهُ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا .. الْحَدِيثَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والأُخرى ذمٌّ؛ وهي المتأخِّرةُ الوضيعةُ المقدارِ، كقوله: ﴿قَالَتْ (١) أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ (٢)[الأعراف: ٣٨] أي: ضعفاؤُهُم لأشرافِهم، ويجوزُ أن تكون الأوَّليَّةُ والتَّقدُّمُ عندهم للَّات والعزَّى. انتهى. قال (٣) صاحب «الدُّر»: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الأُخرى إنَّما تدلُّ على الغيريَّةِ، وليس فيها تعرُّضٌ لمدحٍ ولا ذمٍّ، فإن جاءَ شيءٌ فلقرينةٍ خارجيَّةٍ، وقيل: ﴿الْأُخْرَى﴾ صفة للعزَّى؛ لأنَّ الثَّانية أُخرى بالنِّسبة إلى الأُولى، وقال في «الأنوار»: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] صفتان للتَّأكيد، كقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومعنى الآية: هل رأيتُم هذه الأصنامَ حقَّ الرُّؤيةِ؟ فإن رأيتُمُوها علمتُم أنَّها لا تصلحُ للألوهيَّةِ، والمقصود إبطالُ الشُّركاءِ وإثباتُ التَّوحيدِ.

٤٨٦١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بنُ مسلمٍ (سَمِعْتُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بنِ العوَّام يقول: (قُلْتُ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ) فيه حذفٌ ذكره في «باب: ﴿إِنَّ (٤) الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾» [البقرة: ١٥٨] من «البقرةِ» بلفظ: قلت لعائشةَ وأنا يومئذٍ حديث السِّنِّ: أرأيتِ قول الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فما (٥) أُرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطَّوَّف بهما (٦) [خ¦٤٤٩٥]

فقالت: (إِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ) أحرم (بِمَنَاةَ) بالموحدةِ باسمها، أو عندها، ولأبي ذرٍّ: «لمناةَ» مجرورًا بالفتحة؛ لأنَّه لا ينصرفُ، وهو باللام لأجلِها (الطَّاغِيَةِ) بالجرِّ بالكسرة صفة لـ «مناةَ» باعتبار طغيانِ عَبَدَتِها، أو مضاف إليها، والمعنى: أحرَمَ باسم مناة القوم الطَّاغية (الَّتِي بِالمُشَلَّلِ) بضم الميم وفتح المعجمة وفتح اللام الأولى مشددة، أي: مناةُ الكائنةُ بالمشلَّلِ (لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) تعظيمًا لصنمِهم مناة حيث لم يكن في المسعَى، وكان فيه صَنَمان (١) لغيرهم إسافٌ ونائلةُ (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ردًّا: (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَطَافَ رَسُولُ اللهِ وَالمُسْلِمُونَ) معه بهما.

(قَالَ سُفْيَانُ) بنُ عُيينة: (مَنَاةُ) كائنٌ (بِالمُشَلَّلِ) موضعٌ (مِنْ قُدَيْدٍ) بضم القاف مصغَّرًا من ناحيةِ البحرِ، وهو الجبلُ الَّذي يهبطُ إليها منه (وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهميُّ -بالفاء- المصريُّ، أميرها لهشام، ممَّا وصلهُ الذُّهليُّ والطَّحاويُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه قال: (قَالَ عُرْوَةُ) بنُ الزُّبيرِ: (قَالَتْ عَائِشَةُ) : (نَزَلَتْ) آية ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ (فِي الأَنْصَارِ) الأوسِ والخزرجِ (كَانُوا هُمْ وَغَسَّانُ) قال الجوهريُّ: اسم قبيلةٍ (قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ) يحرمونِ (لِمَنَاةَ. مِثْلَهُ) أي: مثل حديث ابنِ عُيينة.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتحتين بينهما مهملة ساكنة، ابنُ راشد، ممَّا وصلهُ الطَّبريُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها قالت (كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ -وَمَنَاةُ (٢) صَنَمٌ)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله