الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٨٦٣
الحديث رقم ٤٨٦٣ من كتاب «سورة والنجم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فاسجدوا لله واعبدوا.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ ذَاهِبٌ، ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ مُتَنَاهٍ، ﴿وَازْدُجِرَ﴾ فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا، دُسُرٌٍ أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ، ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللهِ، ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُونَ الْمَاءَ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ النَّسَلَانُ الْخَبَبُ السِّرَاعُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿فَتَعَاطَى﴾ فَعَاطَهَا بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا، ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ ازْدُجِرَ افْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ، ﴿كُفِرَ﴾ فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ، ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ عَذَابٌ حَقٌّ، يُقَالُ: الْأَشَرُ الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ.
٤٨٦٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٨٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ) بالصاد المهملة، الجهضميُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (أَبُو أَحْمَدَ) محمد بنُ عبد الله (١) (يَعْنِي: الزُّبَيْرِيَّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِسْرَائِيلُ) بن يونسَ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ، خال إبراهيم النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (﵁) أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ قَالَ) ابن مسعودٍ: (فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بعد فراغهِ من قِراءتها (وَسَجَدَ) معه (مَنْ خَلْفَهُ، إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ) وفي رواية شعبة في «أبواب السُّجود» [خ¦١٠٦٧] «فرفعه إلى وجههِ، فقال: يكفيني هذا» (فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا) ببدرٍ (وَهْوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) وعند ابنِ سعدٍ: أنَّه الوليدُ بنُ المغيرة، وقيل: سعيد بنُ العاصِ بن أميَّة، وقيل غير ذلك (٢)، والمعتمد الأول، وعند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيح: أنَّه المطَّلبُ بن أبي وَداعة، وأنَّه أبى أن يسجُد، وأنَّه كان قبلَ أن يسلمَ، فلمَّا أسلمَ قال: فلا أدعُ السُّجودَ فيها أبدًا، فتعيين (٣) ابن مسعودٍ محمولٌ على ما اطَّلع عليه.
(((٥٤))) (سورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس وخمسون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ ولفظ «سورة» لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما (١) وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]) أي: (ذَاهِبٌ) سوف يذهب ويبطل، من قولهم: مرَّ الشَّيء واستمرَّ؛ إذا ذهبَ، وقيل: مطَّردٌ. قال في «الأنوار»: وهو يدلُّ على أنَّهم رأوا قبلَهُ آياتٍ أُخرى مترادفة ومعجزاتٍ مُتتابعة حتَّى قالوا ذلك.
(﴿مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤]) قال مجاهدٌ -فيما وصلهُ الفِريابيُّ أيضًا-: (مُتَنَاهٍ) بصيغة الفاعل، أي: نهايةً وغايةً في الزَّجرِ لا (٢) مزيدَ عليها، والدَّال بدلٌ من تاء الافتعالِ، وأصله: مُزتَجَر، قلبت التاء دالًا؛ لأنَّ تاء الافتعال تقلب دالًا بعد الزاي؛ لأنَّ الزاي حرف مجهور والتاء مهموس، فأبدلوها إلى حرفٍ مجهورٍ قريب من التاء، وهو الدَّال.
(﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]) قال مجاهدٌ: (فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا) فيكون من مقولِهم (٣)، أي: ازدَجَرَته الجنُّ وذهبَتْ بلبِّه، أو هو من كلامِ الله تعالى، أخبر عنه أنَّه زجرٌ عن (٤) التَّبليغِ بأنواعِ الأذيَّةِ.
(﴿وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]) قال مجاهدٌ: (أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ) وقيل: المساميرُ، وقيل: الخُيوطُ الَّتي تشدُّ بها السُّفنُ، وقيل: صدرُها.
(﴿لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] يَقُولُ: كُفِرَ) مبنيًّا للمفعولِ من كفرانِ النِّعمةِ (لَهُ) لنوحٍ (جَزَاءً مِنَ اللهِ) أي: فعلنا بنوحٍ وبهم ما فعلنا من فتحِ أبواب السَّماءِ، وما بعدهُ من التَّفجيرِ ونحوه جزاء من الله بما صَنعوا بنوحٍ وأصحابه، وقيل: المعنى: فعلنَا به وبهم من إنجاءِ نوحٍ وإغراقِ قومه ثوابًا لمن كفرَ به وجحدَ أمرهُ، وهو نوحٌ ﵇.
(﴿مُّحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨]) يعني: قوم صالح (يَحْضُرُونَ المَاءَ) يوم غبِّ الإبل فيشربون، ويحضرون اللَّبن يوم وردهَا (١) فيحتلبون.
(وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيد -فيما وصلهُ ابنُ المنذرِ-: (﴿مُّهْطِعِينَ﴾ النَّسَلَانُ) بفتح النون والسين المهملة، هو تفسيرٌ للإهطاع (٢) الدَّال عليه: ﴿مُّهْطِعِينَ﴾ والنَّسلان هو (الخَبَبُ) بالمعجمة والموحدتين المفتوحة الأولى (٣) ضربٌ من العدو (السِّرَاعُ) بكسر المهملة، تأكيدٌ له، وقيل: الإهطَاعُ: الإسراعُ مع مدِّ العُنقِ، وقيل: النَّظر.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن جبيرٍ: (﴿فَتَعَاطَى﴾ [القمر: ٢٩]) أي: (فَعَاطَهَا) بألف بعد العين فطاء فهاء فألف (بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا) قال السَّفاقسيُّ: لا أعلم لقوله: فعاطَها وجهًا، إلَّا أن يكون من المقلوبِ الَّذي قُدِّمت عينهُ على لامه؛ لأنَّ العطو التَّناول، فيكون المعنى: فتناوَلها بيدهِ، وأمَّا عوط فلا أعلمُه في كلام العربِ، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: في ادِّعائه أنَّه لا يعلمُ مادَّة «عوط» في كلام العربِ نظرٌ؛ وذلك لأنَّ الجوهري ذكر المادةَ، وقال فيها: يقال: عاطَتِ النَّاقة تعوطُ؛ يعني: إذا حُملَ عليها أوَّل سنةٍ فلم تحملْ، ثمَّ حُملَ عليها السَّنة الثَّانية فلم تحملْ أيضًا، فهذه المادَّةُ موجودةٌ في كلام العربِ، والظَّنُّ بالسَّفاقسيِّ عِلْم (٤) ذلك فإنَّه كثيرُ النَّظر في «الصحاح» ويعتمدُ عليه في النَّقل، فإن قلتَ: لكن هذا المعنى غير مُناسب لما نحنُ فيه؟ قلتُ: هو لم ينكِر المناسبةَ، وإنَّما أنكر وجودَ المادَّة فيما يعلمهُ، والظَّاهر أنَّه سهوٌ منه.
انتهى. وسقط لفظ «فعاطها» لأبي ذرٍّ، والمعنى: فنادوا صاحِبَهم نداءَ المستغيثِ وهو قُدَاربن سَالف وكان أشجعَهم، فتَعَاطى آلةَ العقرِ أو النَّاقة.
(﴿الْمُحْتَظِرِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] قال ابن عبَّاس فيما رواه ابن المنذرِ: (كَحَِظَارٍ) بكسر الحاء المهملة وتفتح وبالظاء المشالة المعجمة المخففة، منكسر (مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ) وعن قتادة فيما رواه عبد الرَّزَّاق: كرمادٍ مُحترقٍ.
(﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]) قال الفرَّاء: (افْتُعِلَ، مِنْ زَجَرْتُ) صارت تاء الافتعال دالًا، وقد مرَّ تقريره قريبًا، وأعاده هنا لينبِّه عليه.
(﴿كُفِرَ﴾ فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ) بنوحٍ وقومهِ (مَا فَعَلْنَا) من نصرةِ نوحٍ، وإجابة دعائهِ، وغرقِ قومهِ (جَزَاءً لِمَا صُنِعَ) بضم الصاد (بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ) من الأذى، وقد سبق نحو من هذا.
(﴿مُّسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨]) قال الفرَّاء: (عَذَابٌ حَقٌّ) وقال غيره: يستقرُّ بهم حتى يسلِّمهم إلى النَّارِ (يُقَالُ: الأَشَرُ) بفتح الهمزة والشين المعجمة والراء المخففة: (المَرَحُ) بفتح الميم والراء (وَالتَّجَبُّرُ) بالجيم والموحدة المشددة المضمومة. قاله أبو عُبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (١) قولهِ تعالى: (﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾) ماضٍ على حقيقتهِ، وهو قولُ عامَّةِ المسلمينَ إلَّا من لا يلتفتُ إلى قوله، حيث قال: إنَّه سينشقُّ يوم القيامةِ، فأوقعَ الماضِي موقعَ المستقبلِ لتحقُّقه (٢)، وهو خلافُ الإجماع (﴿وَإِن يَرَوْا﴾) كفَّار قريش (﴿آيَةً﴾)
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٤٨٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ) بالصاد المهملة، الجهضميُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أَخْبَرنا» (أَبُو أَحْمَدَ) محمد بنُ عبد الله (١) (يَعْنِي: الزُّبَيْرِيَّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (إِسْرَائِيلُ) بن يونسَ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) بن قيسٍ النَّخعيِّ، خال إبراهيم النَّخعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (﵁) أنَّه (قَالَ: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ قَالَ) ابن مسعودٍ: (فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بعد فراغهِ من قِراءتها (وَسَجَدَ) معه (مَنْ خَلْفَهُ، إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ) وفي رواية شعبة في «أبواب السُّجود» [خ¦١٠٦٧] «فرفعه إلى وجههِ، فقال: يكفيني هذا» (فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا) ببدرٍ (وَهْوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) وعند ابنِ سعدٍ: أنَّه الوليدُ بنُ المغيرة، وقيل: سعيد بنُ العاصِ بن أميَّة، وقيل غير ذلك (٢)، والمعتمد الأول، وعند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيح: أنَّه المطَّلبُ بن أبي وَداعة، وأنَّه أبى أن يسجُد، وأنَّه كان قبلَ أن يسلمَ، فلمَّا أسلمَ قال: فلا أدعُ السُّجودَ فيها أبدًا، فتعيين (٣) ابن مسعودٍ محمولٌ على ما اطَّلع عليه.
(((٥٤))) (سورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها خمس وخمسون.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطتِ البسملةُ ولفظ «سورة» لغير أبي ذرٍّ. (قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقال» (مُجَاهِدٌ) فيما (١) وصلهُ الفِريابيُّ: (﴿مُّسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]) أي: (ذَاهِبٌ) سوف يذهب ويبطل، من قولهم: مرَّ الشَّيء واستمرَّ؛ إذا ذهبَ، وقيل: مطَّردٌ. قال في «الأنوار»: وهو يدلُّ على أنَّهم رأوا قبلَهُ آياتٍ أُخرى مترادفة ومعجزاتٍ مُتتابعة حتَّى قالوا ذلك.
(﴿مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤]) قال مجاهدٌ -فيما وصلهُ الفِريابيُّ أيضًا-: (مُتَنَاهٍ) بصيغة الفاعل، أي: نهايةً وغايةً في الزَّجرِ لا (٢) مزيدَ عليها، والدَّال بدلٌ من تاء الافتعالِ، وأصله: مُزتَجَر، قلبت التاء دالًا؛ لأنَّ تاء الافتعال تقلب دالًا بعد الزاي؛ لأنَّ الزاي حرف مجهور والتاء مهموس، فأبدلوها إلى حرفٍ مجهورٍ قريب من التاء، وهو الدَّال.
(﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]) قال مجاهدٌ: (فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا) فيكون من مقولِهم (٣)، أي: ازدَجَرَته الجنُّ وذهبَتْ بلبِّه، أو هو من كلامِ الله تعالى، أخبر عنه أنَّه زجرٌ عن (٤) التَّبليغِ بأنواعِ الأذيَّةِ.
(﴿وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣]) قال مجاهدٌ: (أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ) وقيل: المساميرُ، وقيل: الخُيوطُ الَّتي تشدُّ بها السُّفنُ، وقيل: صدرُها.
(﴿لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] يَقُولُ: كُفِرَ) مبنيًّا للمفعولِ من كفرانِ النِّعمةِ (لَهُ) لنوحٍ (جَزَاءً مِنَ اللهِ) أي: فعلنا بنوحٍ وبهم ما فعلنا من فتحِ أبواب السَّماءِ، وما بعدهُ من التَّفجيرِ ونحوه جزاء من الله بما صَنعوا بنوحٍ وأصحابه، وقيل: المعنى: فعلنَا به وبهم من إنجاءِ نوحٍ وإغراقِ قومه ثوابًا لمن كفرَ به وجحدَ أمرهُ، وهو نوحٌ ﵇.
(﴿مُّحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨]) يعني: قوم صالح (يَحْضُرُونَ المَاءَ) يوم غبِّ الإبل فيشربون، ويحضرون اللَّبن يوم وردهَا (١) فيحتلبون.
(وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيد -فيما وصلهُ ابنُ المنذرِ-: (﴿مُّهْطِعِينَ﴾ النَّسَلَانُ) بفتح النون والسين المهملة، هو تفسيرٌ للإهطاع (٢) الدَّال عليه: ﴿مُّهْطِعِينَ﴾ والنَّسلان هو (الخَبَبُ) بالمعجمة والموحدتين المفتوحة الأولى (٣) ضربٌ من العدو (السِّرَاعُ) بكسر المهملة، تأكيدٌ له، وقيل: الإهطَاعُ: الإسراعُ مع مدِّ العُنقِ، وقيل: النَّظر.
(وَقَالَ غَيْرُهُ) غير ابن جبيرٍ: (﴿فَتَعَاطَى﴾ [القمر: ٢٩]) أي: (فَعَاطَهَا) بألف بعد العين فطاء فهاء فألف (بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا) قال السَّفاقسيُّ: لا أعلم لقوله: فعاطَها وجهًا، إلَّا أن يكون من المقلوبِ الَّذي قُدِّمت عينهُ على لامه؛ لأنَّ العطو التَّناول، فيكون المعنى: فتناوَلها بيدهِ، وأمَّا عوط فلا أعلمُه في كلام العربِ، وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: في ادِّعائه أنَّه لا يعلمُ مادَّة «عوط» في كلام العربِ نظرٌ؛ وذلك لأنَّ الجوهري ذكر المادةَ، وقال فيها: يقال: عاطَتِ النَّاقة تعوطُ؛ يعني: إذا حُملَ عليها أوَّل سنةٍ فلم تحملْ، ثمَّ حُملَ عليها السَّنة الثَّانية فلم تحملْ أيضًا، فهذه المادَّةُ موجودةٌ في كلام العربِ، والظَّنُّ بالسَّفاقسيِّ عِلْم (٤) ذلك فإنَّه كثيرُ النَّظر في «الصحاح» ويعتمدُ عليه في النَّقل، فإن قلتَ: لكن هذا المعنى غير مُناسب لما نحنُ فيه؟ قلتُ: هو لم ينكِر المناسبةَ، وإنَّما أنكر وجودَ المادَّة فيما يعلمهُ، والظَّاهر أنَّه سهوٌ منه.
انتهى. وسقط لفظ «فعاطها» لأبي ذرٍّ، والمعنى: فنادوا صاحِبَهم نداءَ المستغيثِ وهو قُدَاربن سَالف وكان أشجعَهم، فتَعَاطى آلةَ العقرِ أو النَّاقة.
(﴿الْمُحْتَظِرِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] قال ابن عبَّاس فيما رواه ابن المنذرِ: (كَحَِظَارٍ) بكسر الحاء المهملة وتفتح وبالظاء المشالة المعجمة المخففة، منكسر (مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ) وعن قتادة فيما رواه عبد الرَّزَّاق: كرمادٍ مُحترقٍ.
(﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]) قال الفرَّاء: (افْتُعِلَ، مِنْ زَجَرْتُ) صارت تاء الافتعال دالًا، وقد مرَّ تقريره قريبًا، وأعاده هنا لينبِّه عليه.
(﴿كُفِرَ﴾ فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ) بنوحٍ وقومهِ (مَا فَعَلْنَا) من نصرةِ نوحٍ، وإجابة دعائهِ، وغرقِ قومهِ (جَزَاءً لِمَا صُنِعَ) بضم الصاد (بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ) من الأذى، وقد سبق نحو من هذا.
(﴿مُّسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣٨]) قال الفرَّاء: (عَذَابٌ حَقٌّ) وقال غيره: يستقرُّ بهم حتى يسلِّمهم إلى النَّارِ (يُقَالُ: الأَشَرُ) بفتح الهمزة والشين المعجمة والراء المخففة: (المَرَحُ) بفتح الميم والراء (وَالتَّجَبُّرُ) بالجيم والموحدة المشددة المضمومة. قاله أبو عُبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦].
(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في (١) قولهِ تعالى: (﴿وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾) ماضٍ على حقيقتهِ، وهو قولُ عامَّةِ المسلمينَ إلَّا من لا يلتفتُ إلى قوله، حيث قال: إنَّه سينشقُّ يوم القيامةِ، فأوقعَ الماضِي موقعَ المستقبلِ لتحقُّقه (٢)، وهو خلافُ الإجماع (﴿وَإِن يَرَوْا﴾) كفَّار قريش (﴿آيَةً﴾)