الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4862
الحديث رقم 4862 من كتاب «سورة والنجم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فاسجدوا لله واعبدوا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
تَابَعَهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابْنَ عَبَّاسٍ.
٤٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَفِيهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَذَكَرَ حَدِيثَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي آخِرِهِ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: مَنْ طَافَ وَمَنْ لَمْ يَطُفْ.
٤ - بَاب ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾
٤٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ.
تَابَعَهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابْنَ عَبَّاسٍ.
٤٨٦٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ، يعني الزبيري، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ وَالنَّجْمِ، قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَاسْجُدُوا وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، تَابَعَهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابْنَ عَبَّاسٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّهُ قَالَ حِينَ نَزَلَتِ السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النَّجْمُ سَجَدَ لَهَا الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَيُّوبَ فَأَرْسَلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ لِاتِّفَاقِ ثِقَتَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ عَلَى وَصْلِهِ وَهُمَا عَبْدُ الْوَارِثِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ) إِنَّمَا أَعَادَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مَعَ دُخُولِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ لِنَفْيِ تَوَهُّمِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْإِنْسِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: سَجَدَ الْمُشْرِكُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ سَجْدَةٍ نَزَلَتْ فَأَرَادُوا مُعَارَضَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّجُودِ لِمَعْبُودِهِمْ، أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِلَا قَصْدٍ، أَوْ خَافُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ. قُلْتُ: وَالِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ فِيهَا نَظَرٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْهَا لِعِيَاضٍ، وَالثَّانِي يُخَالِفُهُ سِيَاقُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ زَادَ فِيهِ أَنَّ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُمْ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْقَصْدِ، وَالثَّالِثُ أَبْعَدُ إِذِ الْمُسْلِمُونَ حِينَئِذٍ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا خَائِفِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا الْعَكْسُ، قَالَ: وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا صِحَّةَ لَهُ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا، انْتَهَى. وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ عَرَفَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ: وَالنَّجْمِ، قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي تَفْسِيرِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانَ ذَلِكَ وَالسَّبَبَ فِيهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَوَّلَ سُورَةٍ اسْتَعْانَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ النَّجْمَ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ
أَوَّلُ سُورَةٍ قَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ: النَّجْمُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا رَجُلًا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى وَهَذَا ظَاهِرُهُ تَعْمِيمُ سُجُودِهِمْ، لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ: وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ عِنْدَهُ، وَأَبَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَسْلَمَ قَالَ الْمُطَّلِبُ: فَلَا أَدَعُ السُّجُودَ فِيهَا أَبَدًا فَيُحْمَلُ تَعْمِيمُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَفًّا مِنْ تُرَابٍ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ.
قَوْلُهُ: (فَسَجَدَ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا.
قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، وَقَدْ وَافَقَ إِسْرَائِيلُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ زَكَرِيَّا بْنَ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: وَقِيلَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كِلَاهُمَا جَمِيعًا، وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي بَابِ سُجُودِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ الْوَلِيدُ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَلَمْ يُقْتَلْ بِبَدْرٍ كَافِرًا مِنَ الَّذِينَ سُمُّوا عِنْدَهُ غَيْرَهُ. وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ أَبُو لَهَبٍ، وَفِي شَرْحِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ بَزِيزَةَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بِمَكَّةَ بِلَا خِلَافٍ وَلَمْ يَكُنِ النِّفَاقُ ظَهَرَ بَعْدُ، وَقَدْ جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَانَتِ الْمُهَاجَرَةُ الْأَوْلَى إِلَى الْحَبَشَةِ خَرَجَتْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ رَجَعُوا فَوَجَدُوهُمْ عَلَى حَالِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ فَهَاجَرُوا الثَّانِيَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْبَعَةُ لَمْ يَسْجُدُوا، وَالتَّعْمِيمُ فِي كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ كَمَا قُلْتُهُ فِي الْمَطْلَبِ، لَكِنْ لَا يُفَسَّرُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَّا بِأُمَيَّةَ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٤ - سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
قَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَمِرٌّ: ذَاهِبٌ. مُزْدَجَرٌ: مُتَنَاهٍ. وَازْدُجِرَ: فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا. دُسُرٍ: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ. ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ. مُحْتَضَرٌ: يَحْضُرُونَ الْمَاءَ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مُهْطِعِينَ: النَّسَلَانُ. الْخَبَبُ: السِّرَاعُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَتَعَاطَى: فَعَاطَى بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا. الْمُحْتَظِرِ: كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ. وَازْدُجِرَ: افْتُعِلَ مَنْ زَجَرْتُ. كُفِرَ: فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ. مُسْتَقَرٌّ: عَذَابٌ حَقٌّ. يُقَالُ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ.
(سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ حَسْبُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا سُورَةُ الْقَمَرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَمِرٌّ: ذَاهِبٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ: رَأَوْهُ مُنْشَقًّا فَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ ذَاهِبٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ، وَفِي آخِرِهِ تَلَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قَالَ: يَقُولُ: ذَاهِبٌ، وَمَعْنَى ذَاهِبٌ أَيْ سَيَذْهَبُ وَيَبْطُلُ، وَقِيلَ: سَائِرٌ.
قَوْلُهُ: (مُزْدَجَرٌ: مُتَنَاهٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قَالَ: هَذَا الْقُرْآنُ. وَمِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أُحِلَّ فِيهِ الْحَلَالُ وَحُرِّمَ فِيهِ
الْحَرَامُ، وَقَوْلُهُ مُتَنَاهٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ غَايَةٌ فِي الزَّجْرِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَازْدُجِرَ: اسْتُطِيرَ جُنُونًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِهِمْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِمْ مَجْنُونٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ فِعْلِهِمْ أَنَّهُمْ زَجَرُوهُ.
قَوْلُهُ: (دُسُرٍ: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي الْغَرِيبِ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَلْوَاحُ: أَلْوَاحُ السَّفِينَةِ، وَالدُّسُرُ: مَعَارِيضُهَا الَّتِي تُشَدُّ بِهَا السَّفِينَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَدُسُرٍ، قَالَ: الْمَسَامِيرُ. وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْأَلْوَاحُ: مَقَاذِيفُ السَّفِينَةِ، وَالدُّسُرُ: دُسِرَتْ بِمَسَامِيرَ.
قَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَرَأَهَا كَفَرَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيهُ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُونَ الْمَاءَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَحْضُرُونَ الْمَاءَ إِذَا غَابَتِ النَّاقَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مُهْطِعِينَ: النَّسَلَانُ الْخَبَبُ السِّرَاعُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قَالَ: هُوَ النَّسَلَانُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ النَّسَلَانِ فِي تَفْسِيرِ الصَّافَّاتِ. وَقَوْلُهُ الْخَبَبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا أُخْرَى تَفْسِيرُ النَّسَلَانِ، وَالسِّرَاعُ تَأْكِيدٌ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قَالَ: نَاظِرِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُهْطِعُ: الْمُسْرِعُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿فَتَعَاطَى﴾ فَعَاطَى بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَعَاطَهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا أَعْلَمُ لِقَوْلِهِ فَعَاطَهَا وَجْهًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَقْلُوبِ لِأَنَّ الْعَطْوَ التَّنَاوُلُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: تَنَاوَلَ فَعَقَرَ.
قَوْلُهُ: ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: التُّرَابُ يَسْقُطُ مِنَ الْحَائِطِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، قَالَ: كَرَمَادٍ مُحْتَرِقٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَجْعَلُ حِظَارًا عَلَى الْإِبِلِ وَالْمَوَاشِي مِنْ يَبَسِ الشَّوْكِ. فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: هُوَ التُّرَابُ الْمُتَنَاثِرُ مِنَ الْحَائِطِ.
(تَنْبِيهٌ): حِظَارٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِهَا وَالظَّاءُ الْمُشَالَةُ خَفِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَازْدُجِرَ: افْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَزَادَ بَعْدَهُ: صَارَتْ تَاءُ الِافْتِعَالِ فِيهِ دَالًا.
قَوْلُهُ: (كُفِرَ: فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: يَقُولُ: أَغْرِقُوا لِنُوحٍ، أَيْ لِأَجْلِ نُوحٍ، وَكُفِرَ أَيْ أُجْحِدَ. وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ كَانَ جَزَاءً لِنُوحٍ، وَهُوَ الَّذِي كُفِرَ أَيْ جُحِدَ، وَكُذِّبَ فَجُوزِيَ بِذَلِكَ لِصَبْرِهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَرَأَ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِفَتْحَتَيْنِ، فَاللَّامُ فِي لِمَنْ عَلَى هَذَا لِقَوْمِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ عَذَابُ حَقٌّ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِمَعْنَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ اسْتَقَرَّ بِهِمْ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قَالَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ) قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ قَالَ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ. وَرُبَّمَا كَانَ مِنَ النَّشَاطِ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الشَّرِّ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةٌ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ غَدًا: يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كائنٌ (بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ-) وكان لخُزاعةَ وهُذَيل، وسمِّي بذلك لأنَّ دم الذَّبائح كان يُمنى عندها، أي: يذبحُ (قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ (١)، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ) حيث لم يكن بينهما (نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث السَّابق.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ: (﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]) أي: واعبدُوه دونَ الآلهةِ، وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمرو المنقَريُّ المقعد (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ) لله (وَالمُشْرِكُونَ) لأنَّها أوَّل سجدة نزلتْ، فأرادوا معارضةَ المسلمينَ بالسُّجودِ لمعبودِهم، وأما قولُ من قال: إنَّ ذلك وقعَ منهم بلا قصدٍ؛ فمعارضٌ بما زاده ابن مَسعودٍ من أنَّ الَّذي (٣) استثناهُ منهم أخذَ كفًّا من حصَى فوضعَ جبهتهُ عليه، فإنَّ ذلك ظاهرٌ في القصدِ، وكذا قول: إنَّهم خافُوا في ذلك المجلس من مخالفتهِم؛ لأنَّ المسلمين حينئذٍ هم الَّذين كانُوا خائفين من المشركينَ لا العكس، والظَّاهر أنَّ سببَ سُجودهِم ما أخرجه ابن أبي حاتمٍ والطَّبريُّ وابن المنذرِ من طرقٍ، عن شعبةَ، عن أبي بشر، عن ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: قرأَ رسولُ الله ﷺ بمكَّة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٨ - ١٩] أَلقَى الشَّيطان في أمنيتِهِ، أي: تلاوته: تلك
الغرانيق العُلا، وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرْتجى (١)، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنَا بخيرٍ قبل اليومِ، فسجدَ وسجدوا، فنزلت آية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ الاية [الحج: ٥٢]. وقد روي من طرقٍ ضعيفةٍ ومنقطعةٍ، لكنَّ كثرة الطُّرق تدلُّ على أنَّ لها أصلًا، مع أنَّ لها طريقينِ مرسلين رِجالهما على شرطِ الصَّحيحِ، يحتجُّ بهما من يحتجُّ بالمرسلِ، وكذا من لا يحتجُّ به لاعتضادِ بعضها ببعضٍ، وحينئذٍ فيتعيَّنُ (٢) تأويلُ ما ذكرَ (٣)، وأحسنُ ما قيل: إنَّ الشَّيطان قال ذلك محاكيًا نغمةَ النَّبيِّ ﷺ عندما سكتَ النَّبيُّ ﷺ؛ بحيثُ سمعهُ من دنَا إليه، فظنَّها من قوله ﷺ وأَشاعها، ويؤيِّدهُ تفسير ابن عبَّاس «تمنَّى» بـ «تَلا» (٤)، وأمَّا قول الكرمانيِّ: وما قيل: إنَّ ذلك كان سببًا لسجودِهم؛ فلا صحَّة له عقلًا ولا نقلًا، فهو مبنيٌّ على القول ببطلانِ القصَّةِ من أصلها، وأنَّها موضوعةٌ، وقد سبقَ ما في ذلك، والله الموفِّقُ (وَ) سجد معه (الجِنُّ وَالإِنْسُ) ذِكْرُ الجنِّ والإنسِ بعد «المسلمون» الصَّادق بهما؛ ليدفَع توهُّم اختصاصهِ بالإنسِ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الوارثِ (ابْنُ طَهْمَانَ) بفتح المهملة وسكون الهاء، ولأبي ذرٍّ: «إبراهيمُ بن طَهمان» فيما وصلهُ الإسماعيليُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم العين المهملة وفتح اللام والتحتية المشددة، إسماعيل في تحديثه عن أيُّوب (ابْنَ عَبَّاسٍ) بل أرسلهُ، ولا يقدحُ ذلك في الحديث؛ لاتِّفاق عبد الوارثِ وابن طهمانَ على وصلهِ، وهما ثقتان.
وسبقَ الحديث في «أبوابِ السُّجود»، في «باب سجود المسلمين مع المشركين» [خ¦١٠٧١].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مَكَان كَائِن بالمشلل الْكَائِن من قديد، بِضَم الْقَاف مصغر القدد، وَهُوَ من منَازِل طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة.
قَوْله: (وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي) ، بِالْفَاءِ الْمصْرِيّ. كَانَ أَمِير مصر لهشام مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة. قَوْله: (عَن ابْن شهَاب) ، وَهُوَ الزُّهْرِيّ أَي: يروي عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّحَاوِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بِطُولِهِ. قَوْله: (هم) أَي: الْأَنْصَار. قَوْله: (وغسان) ، عطف عَلَيْهِ وهم قَبيلَة. قَوْله: (يهلون بمناة) أَي: يحرمُونَ بمناة قبل الْإِسْلَام. قَوْله: (مثله) أَي: مثل حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (وَقَالَ معمر) بِفَتْح الميمين، وَهُوَ ابْن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ عَن الْحسن بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر إِلَى آخِره مطولا. قَوْله: (وَمَنَاة صنم بَين مَكَّة وَالْمَدينَة) أَي: مَنَاة اسْم صنم كَائِن بَين مَكَّة وَالْمَدينَة كَانَت صنما لخزاعة وهذيل، سميت بذلك لِأَن دم الذَّبَائِح كَانَ يمني عَلَيْهَا أَي يراق، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) كَانَت مَنَاة على سَاحل الْبَحْر تعبد، وَفِي (تَفْسِير عبد الرَّزَّاق) أخبرنَا معمر عَن قَتَادَة: اللات لأهل الطَّائِف، وعزى لقريش، وَمَنَاة للْأَنْصَار، وَعَن ابْن زيد: مَنَاة بَيت بالمشلل تبعده بَنو كَعْب، وَيُقَال: مَنَاة أصنام من حِجَارَة كَانَت فِي جَوف الْكَعْبَة يعبدونها. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور.
٤ - (بابٌ: {فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا} (النَّجْم: ٢٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: (فاسجدوا لله واعبدوا) وَهُوَ آخر سُورَة النَّجْم. قيل: وَقع للأصيلي، واسجدوا، بِالْوَاو وَهُوَ غلط. قلت: لَا ينْسب الْغَلَط للأصيلي بل للناسخ لعدم تَمْيِيزه.
٢٦٨٤ - حدَّثني أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا الوَارِثِ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَال سَجَدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإنْسُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَبْوَاب سُجُود الْقُرْآن فِي: بَاب سُجُود الْمُسلمين مَعَ الْمُشْركين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (الْمُسلمُونَ) ، يتَنَاوَل الْجِنّ وَالْإِنْس، وَفَائِدَة ذكر قَوْله: (وَالْجِنّ وَالْإِنْس) لدفع وهم اخْتِصَاصه بِالْمُسْلِمين. قَوْله: (وَالْمُشْرِكُونَ) أَي: وَسجد مَعَه الْمُشْركُونَ. قَالَ الْكرْمَانِي: سجد الْمُشْركُونَ لِأَنَّهَا أول سَجْدَة نزلت فأرادوا مُعَارضَة الْمُسلمين بِالسَّجْدَةِ لمعبودهم أَو وَقع ذَلِك مِنْهُم بِلَا قصد أَو خَافُوا فِي ذَلِك الْمجْلس من مخالفتهم، وَمَا قيل كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَا ألقِي الشَّيْطَان فِي أثْنَاء قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(تِلْكَ الغرانيق العلى ... مِنْهَا الشَّفَاعَة ترتجى)
فَلَا صِحَة لَهُ نقلا وعقلاً وَقَالَ بَعضهم: الِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة فِيهَا نظر، وَالْأول مِنْهَا لعياض، وَالثَّانِي: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود حَيْثُ زَاد فِيهِ أَن الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُم أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك ظَاهر فِي الْقَصْد، وَالثَّالِث أبعد إِذْ الْمُسلمُونَ حِينَئِذٍ هم الَّذين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين لَا الْعَكْس. قلت: ادّعى هَذَا الْقَائِل أَن فِي هَذِه الِاحْتِمَالَات نظرا، فَقَالَ فِي الأول: إِنَّه لعياض، يَعْنِي: مَسْبُوق فِيهِ بِالْقَاضِي عِيَاض، فَبين أَنه لعياض وَلم يبين وَجه النّظر، وَذكر وَجه النّظر فِي الثَّانِي: بقوله: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود، وَهَذَا غير دَافع لبَقَاء الِاحْتِمَال فِي عدم الْقَصْد من الَّذِي أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الثَّالِث: أبعد. إِلَى آخِره فَالَّذِي ذكره أبعد مِمَّا قَالَه لِأَن الْمُسلمين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين وَقت سجودهم لم يَكُونُوا يتمكنون من السُّجُود لِأَن السُّجُود مَوضِع الْجَبْهَة على الأَرْض وَمن يتَمَكَّن من ذَلِك وَرَاءه من يخَاف مِنْهُ خُصُوصا أَعدَاء الدّين، وقصدهم هَلَاك الْمُسلمين؟ .
تَابَعَهُ ابنُ طَهْمَانَ عَنْ أيُّوبَ وَلَمْ يَذْكُر ابنُ عُلَيَّةَ ابنَ عَبَّاسٍ
أَي: تَابع عبد الْوَارِث، إِبْرَاهِيم بن طهْمَان فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، إِبْرَاهِيم مَذْكُور وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق حَفْص بن عبد الله النَّيْسَابُورِي عَن ابْن طهْمَان بِلَفْظ أَنه قَالَ حِين
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَفِيهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَذَكَرَ حَدِيثَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي آخِرِهِ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا: مَنْ طَافَ وَمَنْ لَمْ يَطُفْ.
٤ - بَاب ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾
٤٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ.
تَابَعَهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ. وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابْنَ عَبَّاسٍ.
٤٨٦٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ، يعني الزبيري، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ وَالنَّجْمِ، قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَاسْجُدُوا وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ، تَابَعَهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ ابْنَ عَبَّاسٍ) أَمَّا مُتَابَعَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّهُ قَالَ حِينَ نَزَلَتِ السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النَّجْمُ سَجَدَ لَهَا الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَيُّوبَ فَأَرْسَلَهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِحٍ لِاتِّفَاقِ ثِقَتَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ عَلَى وَصْلِهِ وَهُمَا عَبْدُ الْوَارِثِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ) إِنَّمَا أَعَادَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ مَعَ دُخُولِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ لِنَفْيِ تَوَهُّمِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْإِنْسِ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: سَجَدَ الْمُشْرِكُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ سَجْدَةٍ نَزَلَتْ فَأَرَادُوا مُعَارَضَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالسُّجُودِ لِمَعْبُودِهِمْ، أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِلَا قَصْدٍ، أَوْ خَافُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ. قُلْتُ: وَالِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ فِيهَا نَظَرٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْهَا لِعِيَاضٍ، وَالثَّانِي يُخَالِفُهُ سِيَاقُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَيْثُ زَادَ فِيهِ أَنَّ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُمْ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْقَصْدِ، وَالثَّالِثُ أَبْعَدُ إِذِ الْمُسْلِمُونَ حِينَئِذٍ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا خَائِفِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا الْعَكْسُ، قَالَ: وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا صِحَّةَ لَهُ عَقْلًا وَلَا نَقْلًا، انْتَهَى. وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا أَوْرَدْتُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ عَرَفَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيهَا سَجْدَةٌ: وَالنَّجْمِ، قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي تَفْسِيرِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانَ ذَلِكَ وَالسَّبَبَ فِيهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَوَّلَ سُورَةٍ اسْتَعْانَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ عَلَى النَّاسِ النَّجْمَ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ
أَوَّلُ سُورَةٍ قَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ: النَّجْمُ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا رَجُلًا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى وَهَذَا ظَاهِرُهُ تَعْمِيمُ سُجُودِهِمْ، لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ: وَالنَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ عِنْدَهُ، وَأَبَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ أَسْلَمَ قَالَ الْمُطَّلِبُ: فَلَا أَدَعُ السُّجُودَ فِيهَا أَبَدًا فَيُحْمَلُ تَعْمِيمُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَفًّا مِنْ تُرَابٍ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ.
قَوْلُهُ: (فَسَجَدَ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا.
قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، وَقَدْ وَافَقَ إِسْرَائِيلُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ زَكَرِيَّا بْنَ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: وَقِيلَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كِلَاهُمَا جَمِيعًا، وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي بَابِ سُجُودِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ الْوَلِيدُ، وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ مَعَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَلَمْ يُقْتَلْ بِبَدْرٍ كَافِرًا مِنَ الَّذِينَ سُمُّوا عِنْدَهُ غَيْرَهُ. وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ أَبُو لَهَبٍ، وَفِي شَرْحِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ بَزِيزَةَ أَنَّهُ مُنَافِقٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بِمَكَّةَ بِلَا خِلَافٍ وَلَمْ يَكُنِ النِّفَاقُ ظَهَرَ بَعْدُ، وَقَدْ جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَانَتِ الْمُهَاجَرَةُ الْأَوْلَى إِلَى الْحَبَشَةِ خَرَجَتْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ رَجَعُوا فَوَجَدُوهُمْ عَلَى حَالِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ فَهَاجَرُوا الثَّانِيَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْبَعَةُ لَمْ يَسْجُدُوا، وَالتَّعْمِيمُ فِي كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ كَمَا قُلْتُهُ فِي الْمَطْلَبِ، لَكِنْ لَا يُفَسَّرُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَّا بِأُمَيَّةَ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥٤ - سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
قَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَمِرٌّ: ذَاهِبٌ. مُزْدَجَرٌ: مُتَنَاهٍ. وَازْدُجِرَ: فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا. دُسُرٍ: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ. ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ: كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ. مُحْتَضَرٌ: يَحْضُرُونَ الْمَاءَ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مُهْطِعِينَ: النَّسَلَانُ. الْخَبَبُ: السِّرَاعُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَتَعَاطَى: فَعَاطَى بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا. الْمُحْتَظِرِ: كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ. وَازْدُجِرَ: افْتُعِلَ مَنْ زَجَرْتُ. كُفِرَ: فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ. مُسْتَقَرٌّ: عَذَابٌ حَقٌّ. يُقَالُ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ.
(سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ حَسْبُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا سُورَةُ الْقَمَرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَمِرٌّ: ذَاهِبٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ: رَأَوْهُ مُنْشَقًّا فَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ ذَاهِبٌ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ، وَفِي آخِرِهِ تَلَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قَالَ: يَقُولُ: ذَاهِبٌ، وَمَعْنَى ذَاهِبٌ أَيْ سَيَذْهَبُ وَيَبْطُلُ، وَقِيلَ: سَائِرٌ.
قَوْلُهُ: (مُزْدَجَرٌ: مُتَنَاهٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ قَالَ: هَذَا الْقُرْآنُ. وَمِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أُحِلَّ فِيهِ الْحَلَالُ وَحُرِّمَ فِيهِ
الْحَرَامُ، وَقَوْلُهُ مُتَنَاهٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ غَايَةٌ فِي الزَّجْرِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَازْدُجِرَ: اسْتُطِيرَ جُنُونًا) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِهِمْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِمْ مَجْنُونٌ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ فِعْلِهِمْ أَنَّهُمْ زَجَرُوهُ.
قَوْلُهُ: (دُسُرٍ: أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي الْغَرِيبِ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَلْوَاحُ: أَلْوَاحُ السَّفِينَةِ، وَالدُّسُرُ: مَعَارِيضُهَا الَّتِي تُشَدُّ بِهَا السَّفِينَةُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَدُسُرٍ، قَالَ: الْمَسَامِيرُ. وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْأَلْوَاحُ: مَقَاذِيفُ السَّفِينَةِ، وَالدُّسُرُ: دُسِرَتْ بِمَسَامِيرَ.
قَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يَقُولُ كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَرَأَهَا كَفَرَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيهُ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُونَ الْمَاءَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَحْضُرُونَ الْمَاءَ إِذَا غَابَتِ النَّاقَةُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مُهْطِعِينَ: النَّسَلَانُ الْخَبَبُ السِّرَاعُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قَالَ: هُوَ النَّسَلَانُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ النَّسَلَانِ فِي تَفْسِيرِ الصَّافَّاتِ. وَقَوْلُهُ الْخَبَبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا أُخْرَى تَفْسِيرُ النَّسَلَانِ، وَالسِّرَاعُ تَأْكِيدٌ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ﴾ قَالَ: نَاظِرِينَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُهْطِعُ: الْمُسْرِعُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿فَتَعَاطَى﴾ فَعَاطَى بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَعَاطَهَا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا أَعْلَمُ لِقَوْلِهِ فَعَاطَهَا وَجْهًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَقْلُوبِ لِأَنَّ الْعَطْوَ التَّنَاوُلُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: تَنَاوَلَ فَعَقَرَ.
قَوْلُهُ: ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: التُّرَابُ يَسْقُطُ مِنَ الْحَائِطِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، قَالَ: كَرَمَادٍ مُحْتَرِقٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَجْعَلُ حِظَارًا عَلَى الْإِبِلِ وَالْمَوَاشِي مِنْ يَبَسِ الشَّوْكِ. فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: هُوَ التُّرَابُ الْمُتَنَاثِرُ مِنَ الْحَائِطِ.
(تَنْبِيهٌ): حِظَارٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِهَا وَالظَّاءُ الْمُشَالَةُ خَفِيفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَازْدُجِرَ: افْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَزَادَ بَعْدَهُ: صَارَتْ تَاءُ الِافْتِعَالِ فِيهِ دَالًا.
قَوْلُهُ: (كُفِرَ: فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَزَادَ: يَقُولُ: أَغْرِقُوا لِنُوحٍ، أَيْ لِأَجْلِ نُوحٍ، وَكُفِرَ أَيْ أُجْحِدَ. وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ كَانَ جَزَاءً لِنُوحٍ، وَهُوَ الَّذِي كُفِرَ أَيْ جُحِدَ، وَكُذِّبَ فَجُوزِيَ بِذَلِكَ لِصَبْرِهِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَرَأَ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِفَتْحَتَيْنِ، فَاللَّامُ فِي لِمَنْ عَلَى هَذَا لِقَوْمِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ عَذَابُ حَقٌّ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِمَعْنَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ اسْتَقَرَّ بِهِمْ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ. وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قَالَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ) قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ قَالَ: الْأَشَرُ: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ. وَرُبَّمَا كَانَ مِنَ النَّشَاطِ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الشَّرِّ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةٌ أُخْرَى، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ غَدًا: يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كائنٌ (بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ-) وكان لخُزاعةَ وهُذَيل، وسمِّي بذلك لأنَّ دم الذَّبائح كان يُمنى عندها، أي: يذبحُ (قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ (١)، كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ) حيث لم يكن بينهما (نَحْوَهُ) أي: نحو الحديث السَّابق.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ: (﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]) أي: واعبدُوه دونَ الآلهةِ، وسقطَ لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٨٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمرو المنقَريُّ المقعد (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتِيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه (قَالَ: سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ) لله (وَالمُشْرِكُونَ) لأنَّها أوَّل سجدة نزلتْ، فأرادوا معارضةَ المسلمينَ بالسُّجودِ لمعبودِهم، وأما قولُ من قال: إنَّ ذلك وقعَ منهم بلا قصدٍ؛ فمعارضٌ بما زاده ابن مَسعودٍ من أنَّ الَّذي (٣) استثناهُ منهم أخذَ كفًّا من حصَى فوضعَ جبهتهُ عليه، فإنَّ ذلك ظاهرٌ في القصدِ، وكذا قول: إنَّهم خافُوا في ذلك المجلس من مخالفتهِم؛ لأنَّ المسلمين حينئذٍ هم الَّذين كانُوا خائفين من المشركينَ لا العكس، والظَّاهر أنَّ سببَ سُجودهِم ما أخرجه ابن أبي حاتمٍ والطَّبريُّ وابن المنذرِ من طرقٍ، عن شعبةَ، عن أبي بشر، عن ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: قرأَ رسولُ الله ﷺ بمكَّة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٨ - ١٩] أَلقَى الشَّيطان في أمنيتِهِ، أي: تلاوته: تلك
الغرانيق العُلا، وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرْتجى (١)، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنَا بخيرٍ قبل اليومِ، فسجدَ وسجدوا، فنزلت آية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ الاية [الحج: ٥٢]. وقد روي من طرقٍ ضعيفةٍ ومنقطعةٍ، لكنَّ كثرة الطُّرق تدلُّ على أنَّ لها أصلًا، مع أنَّ لها طريقينِ مرسلين رِجالهما على شرطِ الصَّحيحِ، يحتجُّ بهما من يحتجُّ بالمرسلِ، وكذا من لا يحتجُّ به لاعتضادِ بعضها ببعضٍ، وحينئذٍ فيتعيَّنُ (٢) تأويلُ ما ذكرَ (٣)، وأحسنُ ما قيل: إنَّ الشَّيطان قال ذلك محاكيًا نغمةَ النَّبيِّ ﷺ عندما سكتَ النَّبيُّ ﷺ؛ بحيثُ سمعهُ من دنَا إليه، فظنَّها من قوله ﷺ وأَشاعها، ويؤيِّدهُ تفسير ابن عبَّاس «تمنَّى» بـ «تَلا» (٤)، وأمَّا قول الكرمانيِّ: وما قيل: إنَّ ذلك كان سببًا لسجودِهم؛ فلا صحَّة له عقلًا ولا نقلًا، فهو مبنيٌّ على القول ببطلانِ القصَّةِ من أصلها، وأنَّها موضوعةٌ، وقد سبقَ ما في ذلك، والله الموفِّقُ (وَ) سجد معه (الجِنُّ وَالإِنْسُ) ذِكْرُ الجنِّ والإنسِ بعد «المسلمون» الصَّادق بهما؛ ليدفَع توهُّم اختصاصهِ بالإنسِ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع عبد الوارثِ (ابْنُ طَهْمَانَ) بفتح المهملة وسكون الهاء، ولأبي ذرٍّ: «إبراهيمُ بن طَهمان» فيما وصلهُ الإسماعيليُّ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانيِّ (وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عُلَيَّةَ) بضم العين المهملة وفتح اللام والتحتية المشددة، إسماعيل في تحديثه عن أيُّوب (ابْنَ عَبَّاسٍ) بل أرسلهُ، ولا يقدحُ ذلك في الحديث؛ لاتِّفاق عبد الوارثِ وابن طهمانَ على وصلهِ، وهما ثقتان.
وسبقَ الحديث في «أبوابِ السُّجود»، في «باب سجود المسلمين مع المشركين» [خ¦١٠٧١].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مَكَان كَائِن بالمشلل الْكَائِن من قديد، بِضَم الْقَاف مصغر القدد، وَهُوَ من منَازِل طَرِيق مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة.
قَوْله: (وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي) ، بِالْفَاءِ الْمصْرِيّ. كَانَ أَمِير مصر لهشام مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة. قَوْله: (عَن ابْن شهَاب) ، وَهُوَ الزُّهْرِيّ أَي: يروي عَن ابْن شهَاب، وَهُوَ الزُّهْرِيّ الرَّاوِي فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّحَاوِيّ من طَرِيق عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث عَن عبد الرَّحْمَن بِطُولِهِ. قَوْله: (هم) أَي: الْأَنْصَار. قَوْله: (وغسان) ، عطف عَلَيْهِ وهم قَبيلَة. قَوْله: (يهلون بمناة) أَي: يحرمُونَ بمناة قبل الْإِسْلَام. قَوْله: (مثله) أَي: مثل حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة الْمَذْكُور قبله. قَوْله: (وَقَالَ معمر) بِفَتْح الميمين، وَهُوَ ابْن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ مُحَمَّد بن مُسلم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الطَّبَرِيّ عَن الْحسن بن يحيى عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر إِلَى آخِره مطولا. قَوْله: (وَمَنَاة صنم بَين مَكَّة وَالْمَدينَة) أَي: مَنَاة اسْم صنم كَائِن بَين مَكَّة وَالْمَدينَة كَانَت صنما لخزاعة وهذيل، سميت بذلك لِأَن دم الذَّبَائِح كَانَ يمني عَلَيْهَا أَي يراق، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) كَانَت مَنَاة على سَاحل الْبَحْر تعبد، وَفِي (تَفْسِير عبد الرَّزَّاق) أخبرنَا معمر عَن قَتَادَة: اللات لأهل الطَّائِف، وعزى لقريش، وَمَنَاة للْأَنْصَار، وَعَن ابْن زيد: مَنَاة بَيت بالمشلل تبعده بَنو كَعْب، وَيُقَال: مَنَاة أصنام من حِجَارَة كَانَت فِي جَوف الْكَعْبَة يعبدونها. قَوْله: (نَحوه) أَي: نَحْو الحَدِيث الْمَذْكُور.
٤ - (بابٌ: {فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا} (النَّجْم: ٢٦)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: (فاسجدوا لله واعبدوا) وَهُوَ آخر سُورَة النَّجْم. قيل: وَقع للأصيلي، واسجدوا، بِالْوَاو وَهُوَ غلط. قلت: لَا ينْسب الْغَلَط للأصيلي بل للناسخ لعدم تَمْيِيزه.
٢٦٨٤ - حدَّثني أبُو مَعْمَرٍ حدَّثنا الوَارِثِ حدَّثنا أيُّوبُ عَنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَال سَجَدَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإنْسُ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو معمر بِفَتْح الميمين عبد الله بن عَمْرو الْمنْقري المقعد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْوَارِث بن سعيد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.
والْحَدِيث قد مضى فِي أَبْوَاب سُجُود الْقُرْآن فِي: بَاب سُجُود الْمُسلمين مَعَ الْمُشْركين فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (الْمُسلمُونَ) ، يتَنَاوَل الْجِنّ وَالْإِنْس، وَفَائِدَة ذكر قَوْله: (وَالْجِنّ وَالْإِنْس) لدفع وهم اخْتِصَاصه بِالْمُسْلِمين. قَوْله: (وَالْمُشْرِكُونَ) أَي: وَسجد مَعَه الْمُشْركُونَ. قَالَ الْكرْمَانِي: سجد الْمُشْركُونَ لِأَنَّهَا أول سَجْدَة نزلت فأرادوا مُعَارضَة الْمُسلمين بِالسَّجْدَةِ لمعبودهم أَو وَقع ذَلِك مِنْهُم بِلَا قصد أَو خَافُوا فِي ذَلِك الْمجْلس من مخالفتهم، وَمَا قيل كَانَ ذَلِك بِسَبَب مَا ألقِي الشَّيْطَان فِي أثْنَاء قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
(تِلْكَ الغرانيق العلى ... مِنْهَا الشَّفَاعَة ترتجى)
فَلَا صِحَة لَهُ نقلا وعقلاً وَقَالَ بَعضهم: الِاحْتِمَالَات الثَّلَاثَة فِيهَا نظر، وَالْأول مِنْهَا لعياض، وَالثَّانِي: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود حَيْثُ زَاد فِيهِ أَن الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مِنْهُم أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك ظَاهر فِي الْقَصْد، وَالثَّالِث أبعد إِذْ الْمُسلمُونَ حِينَئِذٍ هم الَّذين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين لَا الْعَكْس. قلت: ادّعى هَذَا الْقَائِل أَن فِي هَذِه الِاحْتِمَالَات نظرا، فَقَالَ فِي الأول: إِنَّه لعياض، يَعْنِي: مَسْبُوق فِيهِ بِالْقَاضِي عِيَاض، فَبين أَنه لعياض وَلم يبين وَجه النّظر، وَذكر وَجه النّظر فِي الثَّانِي: بقوله: يُخَالِفهُ سِيَاق ابْن مَسْعُود، وَهَذَا غير دَافع لبَقَاء الِاحْتِمَال فِي عدم الْقَصْد من الَّذِي أَخذ كفا من حصا فَوضع جَبهته عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الثَّالِث: أبعد. إِلَى آخِره فَالَّذِي ذكره أبعد مِمَّا قَالَه لِأَن الْمُسلمين كَانُوا خَائِفين من الْمُشْركين وَقت سجودهم لم يَكُونُوا يتمكنون من السُّجُود لِأَن السُّجُود مَوضِع الْجَبْهَة على الأَرْض وَمن يتَمَكَّن من ذَلِك وَرَاءه من يخَاف مِنْهُ خُصُوصا أَعدَاء الدّين، وقصدهم هَلَاك الْمُسلمين؟ .
تَابَعَهُ ابنُ طَهْمَانَ عَنْ أيُّوبَ وَلَمْ يَذْكُر ابنُ عُلَيَّةَ ابنَ عَبَّاسٍ
أَي: تَابع عبد الْوَارِث، إِبْرَاهِيم بن طهْمَان فِي رِوَايَته عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس إِلَى آخِره، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، إِبْرَاهِيم مَذْكُور وَأخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذِه الْمُتَابَعَة من طَرِيق حَفْص بن عبد الله النَّيْسَابُورِي عَن ابْن طهْمَان بِلَفْظ أَنه قَالَ حِين
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56