(١) هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4913

الحديث رقم 4913 من كتاب «سورة المتحرم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تبتغي مرضاة أزواجك قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: (١) هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ…

(١) هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا، يُرِيدُ عَائِشَةَ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ، فَأَخَذَتْنِي وَاللهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا. وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ، وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَإِذَا صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، فَقَالَ: افْتَحْ افْتَحْ، فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ: بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، فَقُلْتُ: رَغَمَ (٢) أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، فَأَخَذْتُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وَعِنْدَ

⦗١٥٨⦘

رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ».

﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾

فِيهِ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

سند حديث: ٤٩١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ…

٤٩١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَالَ: «مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ

⦗١٥٧⦘

لَهُ، قَالَ: فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي، فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ وَلِمَا هَا هُنَا، فِيمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةِ، إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ، فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ، وَغَضَبَ رَسُولِهِ ﷺ، يَا بُنَيَّةُِ، لَا يَغُرَّنَّكِ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: (١) هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ…

كان عبد الله بن عباس رضي الله عنه حريصًا على أن يسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قول الله عز وجل: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] من هما المرأتان المقصودتان بالآية؟ وإن تتوبا أي من التعاون والتظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحج عبد الله بن عباس مع عمر بن الخطاب، فتنّحى عن الطريق المسلوكة إلى طريق لا تُسلك غالبًا ليقضي حاجته، وتنّحى عبد الله ومعه إناء صغير، فقضى عمر حاجته ثم جاء، فسَكَبَ له ابن عباس من الإناء ماءً فتوضأ، ثم سأله عن المرأتين المقصودتين في الآية، فتعجب عمر من ابن عباس كيف خفي عليه هذا الأمر مع شهرته بينهم بعلم التفسير، أو أنه تعجب من جهة حرصه على سؤاله عما لا يتنبه له إلا الحريص على العلم من تفسير ما أبهم في القرآن، ثم ذكر له أن المقصودتين بالآية هما عائشة وحفصة، و حكى عمر قصة نزول الآية، فذكر أنه كان له جارٌ من الأنصار هو أوس بن خولي بن عبد الله الأنصاري، وكانوا يسكنون في بني أمية بن زيد في القُرى التي بالقرب من المدينة، وكانا يتناوبان في النزول إلى المدينة، ويخبر بعضهم بعضًا بما نزل من الوحي وبالأحداث الكائنة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قريش لهم قوة وتحكم على نسائهم بحسب العادة والطبع، فلما جاؤوا إلى المدينة وجدوا أن نساء الأنصار يغلبن رجالهم، فليس لهم شدة وطأة عليهم، فأخذ نساء قريش يتعلمن سيرة الأنصاريات وطريقتهن في التعامل مع أزواجهن، وفي يومٍ رفع عمر صوته على زوجته، فردت عليه الجواب، فاستنكر منها ردها عليه، فقالت: مالك تستنكر ردي عليك؟ والله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليردنّ عليه الكلام، ويهجرنه طوال اليوم إلى الليل، فخاف عمر من قولها، وقال: خسرت من تفعل منهن هذا الفعل العظيم من الرد على النبي عليه الصلاة والسلام وهجرانه، فلبس ثيابه كلها، ثم ذهب إلى ابنته حفصة، وسألها: هل تُغضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم كله إلى الليل؟ قالت: نعم، قال: خابت وخسرت من تفعل ذلك منكن، وهل تأمن من تفعل ذلك أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلك، ثم أمرها ألا تطلب الكثير من النبي صلى الله عليه وسلم، وألا تراجعه وترد عليه القول، وألا تهجره ولو هجرها النبي عليه الصلاة والسلام، ومتى أرادت شيئًا من الضروريات أمرها أن تسأله، وألا تغتر بكون عائشة تفعل شيئًا من الهجران والرد، فلا يؤاخذها بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها تُدِلُّ بجمالها ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، فلا تغتري أنتِ بذلك لاحتمال ألا تكوني عنده في تلك المنزلة.
وكنا نقول إن قبيلة غسان تُعِدُّ العُدة لتغزو المسلمين، فنزل جاره الأنصاري يوم نوبته إلى المدينة فسمع اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زوجاته، فرجع في العشاء، فضرب باب عمر ضربًا شديدًا وقال: هل هو نائم؟ فخاف عمر من شدة الضرب وخرج إليه، فقال: حدث شيءٌ عظيمٌ، قال عمر: هل جاءت غسان؟ قال: بل أعظم من ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ويحتمل أن يكون قد جزم بذلك لوقوع إشاعة من بعض أهل النفاق لما حصل الاعتزال، فتناقله الناس، ولم تجر عادته بالاعتزال فظنوا أنه طلقهن، فقال عمر: خابت وخسرت حفصة، وخصها بالذكر لمكانتها منه؛ لكونها ابنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك، وقال: كنت أظن وأعتقد بقرب وقوع ذلك؛ لأن المراجعة قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة، فلبس عمر ثيابه وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الفجر، ودخل عليه الصلاة والسلام غرفة اعتزل فيها نساءه، فدخل عمر على حفصة فوجدها تبكي، فقال: ما الذي يبكيك؟ ألم أكن أحذرك من أن تغاضبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تراجعيه أو تهجريه، ثم استفهمها عما سمعه من طلاق النبي عليه الصلاة والسلام لهن، فقالت: لا أعلم، ها هو في الغرفة المرتفعة، فخرج عمر من بيت حفصة، وجاء إلى المنبر فوجد جماعة حوله يبكي بعضهم، فجلس معهم قليلًا ثم غلب عليه ما يجد من شغل قلبه بما بلغه من تطليقه عليه الصلاة والسلام نساءه، ومن جملتهن بنته، وفي ذلك من المشقة ما لا يخفى، فقال لغلام النبي عليه الصلاة والسلام: استأذن لي من النبي لأدخل عليه، فدخل الغلام وخرج، فأخبره أنه ذكر له استئذانه عليه، فصمت النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع عمر إلى المنبر وفعل مثل ذلك ثلاث مرات، فلما أراد أن ينصرف، فاجأه الغلام بأن النبي عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول.
فدخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده راقدًا على نسيج من حصير، ليس بينه وبين الحصير شيء، وقد أثَّر الحصير في جنبه الشريفة عليه الصلاة والسلام، وكان متكئًا على وسادة محشوة بجلد مدبوغ، فسلم عليه عمر وسأله وهو قائم: هل طلقت نساءك؟ فرفع عليه الصلاة والسلام نظره وقال: لا، فقال وهو قائم لم يجلس بعد: هل أجلس؟ وكان يتأمل هل يعود صلى الله عليه وسلم إلى الرضا أو هل أقول قولًا أطيِّب به قلبه وأسكن غضبه، وقال: لو رأيتني وكنا معشر قريش نقوى على نسائنا، فلما جئنا المدينة إذا نسائهم يَغْلِبْنهم، فذكر له ما حدث بينه وبين امرأته، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر قوله لحفصة من ألا تغتر بكون عائشة أجمل منها وأحَبَّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فتبسم عليه الصلاة والسلام مرةً أخرى، فلما رآه عمر تبسم واستأنس جلس، ورفع بصره إلى سقف بيت النبي صلى الله عليه وسلم فما وجد غير ثلاثة جلود، فلما رأى عمر ذلك قال: ادع الله أن يوسع على أمتك، فإن فارس والروم وُسِّع عليهم، وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، وكان عليه الصلاة والسلام متكئًا فجلس وقال: أأنت في شك يا ابن الخطاب في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا، إن فارس والروم قوم قُدمت لهم طيباتهم في الدنيا فلا يجدون أي نعيم في الآخرة، فقال عمر: استغفر لي يا رسول الله عن جراءتي بهذا القول في حضرتك.
فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وهو أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت حفصة بذلك فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اكتمي علي، فأفشت حفصة إلى عائشة فغضبت عائشة حتى حلف النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقربها شهرًا، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لن أدخل على نسائي لمدة شهر، من شدة غضبه عليهن حين عاتبه الله بقوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} [التحريم: 1].
والذي في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فتواطأت عائشة وحفصة على أن أيتهما دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير، أي رائحة كريهة، فقال: لا ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب ابنة جحش ولن أعود له، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في الشيئين معًا، فلما مضى تسع وعشرون ليلة، دخل عليه الصلاة والسلام على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: لقد أقسمتَ ألا تدخل علينا لمدة شهر، وقد أكملنا اليوم تسعة وعشرون يومًا، كنت أعدُّها عدًّا، فأخبرها عليه الصلاة والسلام أن هذا الشهر تسعة وعشرون يومًا، فنزلت آية التخيير، وبدأ عليه الصلاة والسلام بسؤال عائشة أولًا، فقال لها: سأذكر لكِ أمرًا، وليس عليك أن تسألي أبويك وتستشيرهم ولا تستعجلي بالرد، فقالت: إني أعلم أن أبواي لن يأمراني بفراقك، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إن الله عز وجل قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} [الأحزاب: 28] إلى قوله {عظيما} [النساء: 27]، فقالت: وهل اسأل واستشير أبواي في هذا؟ واختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم خيّر عليه الصلاة والسلام باقي نساءه، فقلن مثل ما قالت عائشة، واخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز اليمين شهرًا ألا يدخل على امرأته، ولا يكون بذلك موليًا، لأنه ليس من الإيلاء المعروف في اصطلاح الفقهاء ولا له حكمه، وهو مختصٌ بالحلف عن الامتناع عن وطء الزوجة.
  • جواز دق الباب وضربه عند الحاجة.
  • جواز دخول الآباء على البنات بغير إذن أزواجهن والتفتيش عن الأحوال.
  • مشروعية التناوب في العلم والاشتغال به.
  • الحرص على طلب العلم.
  • قبول خبر الواحد والعمل بمراسيل الصحابة.
  • كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يخبر بعضهم بعضًا بما يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعلون ذلك كالمسند، إذ ليس في الصحابة من يكذب ولا غير ثقة.
  • فضل عائشة رضي الله تعالى عنها.
  • إتيان المحدث بالحديث على وجهه بلا اختصار فيه فائدة، لأنه قد كان يكتفي حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما كان يخبره منه أنهما عائشة وحفصة.
  • مشروعية موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها.
  • الحزن والبكاء لأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يكرهه والاهتمام بما يهمه.
  • أن السكوت يحكم به، كما حكم عمر رضي الله تعالى عنه بسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صرفه إياه.
  • جواز تكرار الاستئذان.
  • للسلطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف المستأذِن عليه.
  • تقلله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وصبره على مضض ذلك.
  • يُسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته.
  • قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه: لا، ردًا لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه، ولم يخبر عمرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما أخبر به الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ولا شكاه: لعلمه أنه لم يقصد الإخبار بخلاف القصة، وإنما هو وهم جرى عليه.
  • لا يجوز لأحدٍ أن يسخط حاله ولا ما قسم الله له ولا سابق قضائه، لأنه يخاف عليه ضعف يقينه.
  • الاستغفار من السخط وقلة الرضى.
  • جواز أن تعاقب المرأة على إفشاء سر زوجها، وعلى التحيل عليه بالأذى، وبالتوبيخ لها بالقول، كما وبخ الله تعالى أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم على تظاهرهما وإفشاء سره، وعاتبهن بالإيلاء والاعتزال والهجران كما قال تعالى: {واهجروهن في المضاجع} (النساء: 43).
  • الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا.
  • المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها أو ذوي الرأي من أهلها في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها، كعائشة رضي الله تعالى عنها.
  • الدليل لجواز ذكر العمل الصالح بلا رياء وتسميع، وهي في قول عبد الله بن عباس: فحججت معه، أي: مع عمر.
  • جواز الاستعانة في الوضوء، إذ هو الظاهر من قوله: فتوضأ.
  • ضحكه صلى الله عليه وسلم التبسم إكرامًا لمن يضحك إليه، وقال جرير: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم.
  • جواز التخيير للمرأة، وجماهير العلماء على أن من خيّر زوجته فاختارته لم يكن ذلك طلاقًا، ولا يقع به فرقة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: (١) هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ يحيى بنِ عمرو الأويسيُّ القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعْرَج قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضم العين والحاء مصغَّرين، مولى زيد بنِ الخطَّاب (أنَّه سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ أنَّه قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ) أي: لأجلِ الهيبةِ الحاصلة له (حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ)

ولأبي ذرٍّ: «رجعنَا» (وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) وهو مرُّ الظَّهران (عَدَلَ) عن الطَّريق المسلوكَة الجادَّة (١) منتهيًا (إِلَى) شجرِ (الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ) كنايةً عن التَّبرُّز (قَالَ: فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ) من حاجتهِ (ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ) له: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا) أي: تعاونتَا (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟) لإفراطِ غيرتهما حتَّى حرَّم على نفسهِ ما حرَّم (فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي) عنه (فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ) بتشديد الموحدة من «خبَّرتك» (قَالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا) أي: شأنًا بحيثُ يدخلنَ المشورة، قال الكَرْمانيُّ: فإن قلت: «إن» ليست مخففة من الثَّقيلة لعدمِ اللام، ولا نافية، وإلا لزمَ أن يكون العدُّ ثابتًا؛ لأنَّ نفي النَّفي إثبات، وأجاب: بأنَّ «ما» تأكيدٌ للنَّفي المستفاد منها (٢) (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ) نحو قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] (وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ) نحو: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (قَالَ: فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ) أتفكَّر فيه (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ وَلِمَا هَهُنَا، فِيمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وفيم» بواو من غيرِ ألف، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما» (تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ) من مقالتكِ هذه! (مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ؟) بفتح الجيم، أي: ترادد في الكلامِ (وَإِنَّ ابْنَتَكَ) تريد حفصَة (لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ) غير مصروف (٣) (فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ) ثمَّ نزل (حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ)

ابنتِه، وبدأَ بها لمنزلتها منه (فَقَال لَهَا: يَا بُنَيَّةُ؛ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ) وفي روايةِ عبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ أبي ثورٍ عند المؤلِّف في «باب الغُرفة والعُلِّيَّة»، من «المظالِم» [خ¦٢٤٦٨]: فقلتُ: أيْ حفصَةُ؛ أتغاضِبُ إحداكُنَّ رسولَ الله ﷺ اليوم حتَّى اللَّيل؟ (فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ) لنراددهُ في الكلامِ (فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ ﷺ، يَا بُنَيَّةُ لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا) بالرفع على الفاعلية (حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ-) برفع «حب» بدل اشتمالٍ من الفاعل؛ وهو «هذه» و «الَّتي» نعت، ووقع في روايةِ سليمان بن بلالٍ عند مسلمٍ: «أعجبَها حسنُها وحبُّ رسولِ اللهِ ﷺ إيَّاهَا» بواو العطفِ، فحملَ بعضُهم روايةَ الباب (١) على أنَّها من بابِ حذفِ حرف (٢) العطف؛ لثبوتهِ في روايةِ مسلم، وهو يردُّ على تخصيصِ حذف حرف الجرِّ بالشِّعر، وضبطه بعضُّهم بالنَّصب على نزع الخافضِ، قال في «المصابيح»: يريد أنَّه مفعولٌ لأجلهِ، والأصل: لحبِّ رسولِ الله ﷺ، ثمَّ حذفت اللام فانتصبَ على أنَّه مفعولٌ له، ولا نزاعَ في جوازهِ، والمعنى: لا تغترِّي بكونِ عائشة تفعلُ ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها بذلك؛ فإنَّها تدلُّ بحسنهَا وبحبِّ (٣) النَّبيِّ ﷺ لها، فلا تغترِّي أنتِ بذلك؛ لاحتمالِ ألَّا تكوني عندَه في تلكَ المنزلة، فلا يكون لكِ من الإدلالِ مثل الَّذي لها، وعند ابنِ سعدٍ في روايةٍ أخرى: إنَّه ليس لكِ مثل حظوة عائشة، ولا حسن زينب بنتِ جحشٍ.

(قَالَ) عمرُ: (ثُمَّ خَرَجْتُ) من عندِ حفصةَ (حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا) لأنَّ أمَّ

عمر كانت مخزوميَّة كأمِّ سلَمة، وهي بنتُ عمِّ أمه (فَكَلَّمْتُهَا) في ذلك (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ) من أمورِ النَّاس غالبًا (حَتَّى تَبْتَغِي) أي: تطلُب (أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ فَأَخَذَتْنِي) منَعتني أمُّ سلَمة بكلامِها (وَاللهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي) به (عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ) من الغضبِ (فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو أوسُ بن خَوْلِيٍّ، كما نقله ابنُ بَشْكوال، وقيل: هو عتبان بنُ مالكٍ (إِذَا غِبْتُ) عن مجلسِ رسولِ الله ﷺ (أَتَانِي بِالخَبَرِ) من الوَحي وغيره (١) (وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالخَبَرِ) من الوَحي وغيره (وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ) بفتح المعجمة وتشديد المهملة، غير منصرف، وهو جَبلة بنُ الأَيهمِ، رواه الطَّبرانيُّ عن ابنِ عبَّاس، أو الحارثِ بن أبي شمرٍ (ذُكِرَ لَنَا أنَّه يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا) ليغزونَا (فَقَدِ امْتَلأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ) خوفًا (فَإِذَا صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ البَابَ) وفي «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: فرجعَ إلينا عشاءً فضربَ بَابي ضربًا شديدًا (فَقَالَ: افْتَحِ افْتَحْ) مرَّتين للتَّأكيد، فخرجتُ إليهِ فقال: حدثَ اليومَ أمرٌ عظيمٌ (فَقُلْتُ: جَاءَ الغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ): لا (بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) أي: بالنِّسبة إلى عُمر؛ لمكان حفصَة بنته (اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ) وفي: «بابِ موعظة الرَّجل ابنته» [خ¦٥١٩١]: طلَّق رسول الله ﷺ نساءَه، وإنَّما وقعَ الجزمُ بالطَّلاق لمخالفةِ العادة بالاعتزالِ، فظنَّ الطَّلاق (فَقُلْتُ: رَغَِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ) بكسر الغين المعجمة وفتحها، أي: لصقَ بالرَّغام وهو التُّراب (٢) ولأبي ذرٍّ: «رغِمَ اللهُ أنف حفصَة» (وَعَائِشَةَ) وخصَّهما بالذِّكر لكونهمَا كانتا السَّبب في ذلك (فَأَخَذْتُ ثَوْبِيَ) بكسر الموحدة (فَأَخْرُجُ) من منزلِي (حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ) بفتح الميم وسكون المعجمة وضم الراء، أي: غرفةٍ، وفي «المظالِم» [خ¦٢٤٦٨] و «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: فجمعتُ عليَّ ثيابِي فصلَّيت صلاةَ الفَجْر مع النَّبيِّ ﷺ، فدخل مشرُبة له (يَُرْقَى) بفتح

الياء، أو بضمها، مبنيًّا للمفعول، أي: يصعَد (عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ) بفتح العين المهملة والجيم، بدرجةٍ (وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْوَدُ) هو ربَاح (عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ) قاعدٌ (فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ) لرسولِ الله ﷺ: (هَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) يستأذنُ في الدُّخول، فدخلَ الغُلام واستأذنَه ﵊ (فَأَذِنَ لِي. قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ) لمَّا دخلتُ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) ضحِكَ بلا صوتٍ (وَإنَّه لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية (قَرَظًا) بقاف وراء فظاء معجمة مفتوحات، ورقُ السَّلَم الَّذي يدبَغ بهِ (مَصْبُوبًا) أي: مسكُوبًا، ولأبي ذرٍّ: «مصبورًا» بالراء بدل الموحدة، أي: مجمُوعًا من الصُّبرة؛ وهي الكَوم من الطَّعام (وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ) بفتح الهمزة والهاء، وبضمهما، جمع: إهابٍ، جلدٌ دبِغَ أم لم يُدبغ، أو قبل أن يدبَغ (فَرَأَيْتُ أَثَرَ الحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ (١)) ﵊ (فَبَكَيْتُ) لذلك (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ) يا ابنَ الخطَّاب؟ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله؛ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ) من زينةِ الدُّنيا ونعيمهَا (٢) (وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ) المستحقُّ لذلك لا هُما (فَقَالَ) ﵊: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا) الفانِية بزينتهَا (٣) ونعيمها (وَلَنَا الآخِرَةُ) الباقية؟ و «لهم» بضميرِ الجمع على إرادتهمَا ومن تبعهمَا، أو (٤) كان على مثلِ حالهمَا.

وهذا الحديثُ أخرجَه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٩١] وفي «خبرِ الواحد» [خ¦٧٢٥٦] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٤٣]، ومسلم في «الطَّلاق».

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾) العاملُ فيه: اذكر، فهو مفعولٌ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِذا أَنا بقبضة من شعير نَحْو الصَّاع وَمثلهَا قرظا فِي نَاحيَة الغرفة وَإِذا أفِيق مُعَلّق بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْفَاء وَهُوَ الْجلد الَّذِي لم يتم دباغه وَجمعه أفق بفتحهما كأديم وأدم قَوْله " فِيمَا هما فِيهِ " أَي فِي الَّذِي هما فِيهِ من النعم وأنواع زِينَة الدُّنْيَا قَوْله " وَأَنت رَسُول الله " قيل هَذَا الْخَبَر لَا يُرَاد بِهِ فَائِدَة وَلَا لازمها فَمَا الْغَرَض مِنْهُ وَأجِيب بِأَن غَرَضه بَيَان مَا هُوَ لَازم للرسالة وَهُوَ اسْتِحْقَاقه مَا هما فِيهِ أَي أَنْت الْمُسْتَحق لذَلِك لَا هما وَفِي رِوَايَة مُسلم قَيْصر وكسرى فِي الثِّمَار والأنهار -

٣ - (بابٌ: {وَإذْ أسَرَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى بَعْضِ أزْوَاجِهِ حَدِيثا فَلَمَّا نَبَّأْتْ بِهِ وأظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأعْرَض عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أنْبَأَكَ هاذا قَالَ نَبَّأَنِي العَلِيمُ الخَبِيرُ} (التَّحْرِيم: ٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذْ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه} إِلَى آخرهَا، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، وَذكرت الْآيَة الْمَذْكُورَة بكمالها فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا إِلَى الْخَبِير. قَوْله: (وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه) ، إسراره هُوَ تَحْرِيمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فتَاته أَي: مَارِيَة على نَفسه وَبَعض أَزوَاجه حَفْصَة بنت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْله لَهَا: لَا تُخْبِرِي بذلك أَي: بِتَحْرِيم الفتاة أحدا، وَعَن الْكَلْبِيّ: أسر إِلَيْهَا أَن أَبَاك وَأَبا عَائِشَة يكونَانِ خليفتين على أمتِي. قَوْله: (فَلَمَّا نبأت بِهِ) ، أخْبرت بِالْحَدِيثِ الَّذِي أسر إِلَيْهَا أَن أَبَاك وَأَبا عَائِشَة يكونَانِ خليفتين على أمتِي. قَوْله: (فَلَمَّا نبأت بِهِ) ، أَي: فَلَمَّا أخْبرت بِالْحَدِيثِ الَّذِي أسر إِلَيْهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صاحبتها وأظهره الله عَلَيْهِ أَي: واطلع نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَنه قد نبأت بِهِ قَوْله: (عرف بعضه) ، يَعْنِي: أخبر حَفْصَة بِبَعْض مَا قَالَت لعَائِشَة وَلم يخبرها بقولِهَا: أجمع. قَوْله: (فَلَمَّا نبأها بِهِ) أَي: فَلَمَّا أخبر حَفْصَة بذلك، قَالَت: من أَنْبَأَك هَذَا؟ قَالَ: نَبَّأَنِي الْعَلِيم الَّذِي يعلم كل شَيْء الْخَبِير بِمَا يَقع بَين عباده وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك.

{فِيهِ عَائِشَةُ عَنْ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم}

أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَرَادَ بِهِ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن عَائِشَة عبيد بن عُمَيْر فِي الْبَاب قبله.

٤١٩٤ - حدَّثنا عَلِيٌّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ عُبَيْد بنَ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَقُولُ أرَدْتُ أنْ أسَأَلَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ فَقُلْتُ يَا أمِيرَ المُؤْمِنينَ مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا أتَمَمْتُ كَلامِي حَتَّى قَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، رَضِيَ الله عَنْهُمَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة. لَا تخفى، وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا طرف من الحَدِيث الَّذِي مضى عَن قريب.

٤ - (بابٌ قَوْلُهُ: {إنْ تَتُوبا إلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التَّحْرِيم: ٤)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {أَن تَتُوبَا} الْخطاب لعَائِشَة وَحَفْصَة، أَي: أَن تَتُوبَا إِلَى الله من التعاون على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالإيذاء وَتَفْسِير: صغت، يَأْتِي الْآن.

صَغَوْتُ وَأصْغَيْتُ: مِلْتُ: لِتَصْغِي: لِتَحمَيلَ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن معنى قَوْله: قد صغت، مَالَتْ وَعدلت واستوجبتما التَّوْبَة. يُقَال: صغوت. أَي: ملت، وَكَذَلِكَ: أصغيت، ذكر مثالين: أَحدهمَا ثلاثي وَالْآخر مزِيد فِيهِ. قَوْله: (لتصغى) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {ولتصغي إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة} (الْأَنْعَام: ٣١١) أَي: التَّمْثِيل وَهَذَا ذكره اسْتِطْرَادًا.

وَإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ الله هُوَ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذالِكَ ظَهِيرٌ عَوْنٌ تَظَاهَرُونَ تَعَاوَنُونَ.

كَذَا وَقع للأكثرين وَاقْتصر أَبُو ذَر من سِيَاق الْآيَة على قَوْله: (ظهير) عون. قَوْله: (وَإِن تظاهرا) أَي: وَإِن تعاونا على

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٤٩١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بنِ يحيى بنِ عمرو الأويسيُّ القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعْرَج قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيُّ (عَنْ يَحْيَى) بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضم العين والحاء مصغَّرين، مولى زيد بنِ الخطَّاب (أنَّه سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ أنَّه قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) ﵁ (عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ) أي: لأجلِ الهيبةِ الحاصلة له (حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ)

ولأبي ذرٍّ: «رجعنَا» (وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ) وهو مرُّ الظَّهران (عَدَلَ) عن الطَّريق المسلوكَة الجادَّة (١) منتهيًا (إِلَى) شجرِ (الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ) كنايةً عن التَّبرُّز (قَالَ: فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ) من حاجتهِ (ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ) له: (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا) أي: تعاونتَا (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟) لإفراطِ غيرتهما حتَّى حرَّم على نفسهِ ما حرَّم (فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي) عنه (فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ) بتشديد الموحدة من «خبَّرتك» (قَالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا) أي: شأنًا بحيثُ يدخلنَ المشورة، قال الكَرْمانيُّ: فإن قلت: «إن» ليست مخففة من الثَّقيلة لعدمِ اللام، ولا نافية، وإلا لزمَ أن يكون العدُّ ثابتًا؛ لأنَّ نفي النَّفي إثبات، وأجاب: بأنَّ «ما» تأكيدٌ للنَّفي المستفاد منها (٢) (حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ) نحو قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] (وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ) نحو: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (قَالَ: فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ) أتفكَّر فيه (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ وَلِمَا هَهُنَا، فِيمَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «وفيم» بواو من غيرِ ألف، وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «وما» (تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ) من مقالتكِ هذه! (مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ؟) بفتح الجيم، أي: ترادد في الكلامِ (وَإِنَّ ابْنَتَكَ) تريد حفصَة (لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ) غير مصروف (٣) (فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ) ثمَّ نزل (حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ)

ابنتِه، وبدأَ بها لمنزلتها منه (فَقَال لَهَا: يَا بُنَيَّةُ؛ إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ) وفي روايةِ عبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ أبي ثورٍ عند المؤلِّف في «باب الغُرفة والعُلِّيَّة»، من «المظالِم» [خ¦٢٤٦٨]: فقلتُ: أيْ حفصَةُ؛ أتغاضِبُ إحداكُنَّ رسولَ الله ﷺ اليوم حتَّى اللَّيل؟ (فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ) لنراددهُ في الكلامِ (فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ ﷺ، يَا بُنَيَّةُ لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا) بالرفع على الفاعلية (حُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ-) برفع «حب» بدل اشتمالٍ من الفاعل؛ وهو «هذه» و «الَّتي» نعت، ووقع في روايةِ سليمان بن بلالٍ عند مسلمٍ: «أعجبَها حسنُها وحبُّ رسولِ اللهِ ﷺ إيَّاهَا» بواو العطفِ، فحملَ بعضُهم روايةَ الباب (١) على أنَّها من بابِ حذفِ حرف (٢) العطف؛ لثبوتهِ في روايةِ مسلم، وهو يردُّ على تخصيصِ حذف حرف الجرِّ بالشِّعر، وضبطه بعضُّهم بالنَّصب على نزع الخافضِ، قال في «المصابيح»: يريد أنَّه مفعولٌ لأجلهِ، والأصل: لحبِّ رسولِ الله ﷺ، ثمَّ حذفت اللام فانتصبَ على أنَّه مفعولٌ له، ولا نزاعَ في جوازهِ، والمعنى: لا تغترِّي بكونِ عائشة تفعلُ ما نهيتك عنه، فلا يؤاخذها بذلك؛ فإنَّها تدلُّ بحسنهَا وبحبِّ (٣) النَّبيِّ ﷺ لها، فلا تغترِّي أنتِ بذلك؛ لاحتمالِ ألَّا تكوني عندَه في تلكَ المنزلة، فلا يكون لكِ من الإدلالِ مثل الَّذي لها، وعند ابنِ سعدٍ في روايةٍ أخرى: إنَّه ليس لكِ مثل حظوة عائشة، ولا حسن زينب بنتِ جحشٍ.

(قَالَ) عمرُ: (ثُمَّ خَرَجْتُ) من عندِ حفصةَ (حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا) لأنَّ أمَّ

عمر كانت مخزوميَّة كأمِّ سلَمة، وهي بنتُ عمِّ أمه (فَكَلَّمْتُهَا) في ذلك (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ) من أمورِ النَّاس غالبًا (حَتَّى تَبْتَغِي) أي: تطلُب (أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ فَأَخَذَتْنِي) منَعتني أمُّ سلَمة بكلامِها (وَاللهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي) به (عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ) من الغضبِ (فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو أوسُ بن خَوْلِيٍّ، كما نقله ابنُ بَشْكوال، وقيل: هو عتبان بنُ مالكٍ (إِذَا غِبْتُ) عن مجلسِ رسولِ الله ﷺ (أَتَانِي بِالخَبَرِ) من الوَحي وغيره (١) (وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالخَبَرِ) من الوَحي وغيره (وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ) بفتح المعجمة وتشديد المهملة، غير منصرف، وهو جَبلة بنُ الأَيهمِ، رواه الطَّبرانيُّ عن ابنِ عبَّاس، أو الحارثِ بن أبي شمرٍ (ذُكِرَ لَنَا أنَّه يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا) ليغزونَا (فَقَدِ امْتَلأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ) خوفًا (فَإِذَا صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ البَابَ) وفي «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: فرجعَ إلينا عشاءً فضربَ بَابي ضربًا شديدًا (فَقَالَ: افْتَحِ افْتَحْ) مرَّتين للتَّأكيد، فخرجتُ إليهِ فقال: حدثَ اليومَ أمرٌ عظيمٌ (فَقُلْتُ: جَاءَ الغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ): لا (بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) أي: بالنِّسبة إلى عُمر؛ لمكان حفصَة بنته (اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ) وفي: «بابِ موعظة الرَّجل ابنته» [خ¦٥١٩١]: طلَّق رسول الله ﷺ نساءَه، وإنَّما وقعَ الجزمُ بالطَّلاق لمخالفةِ العادة بالاعتزالِ، فظنَّ الطَّلاق (فَقُلْتُ: رَغَِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ) بكسر الغين المعجمة وفتحها، أي: لصقَ بالرَّغام وهو التُّراب (٢) ولأبي ذرٍّ: «رغِمَ اللهُ أنف حفصَة» (وَعَائِشَةَ) وخصَّهما بالذِّكر لكونهمَا كانتا السَّبب في ذلك (فَأَخَذْتُ ثَوْبِيَ) بكسر الموحدة (فَأَخْرُجُ) من منزلِي (حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ) بفتح الميم وسكون المعجمة وضم الراء، أي: غرفةٍ، وفي «المظالِم» [خ¦٢٤٦٨] و «النِّكاح» [خ¦٥١٩١]: فجمعتُ عليَّ ثيابِي فصلَّيت صلاةَ الفَجْر مع النَّبيِّ ﷺ، فدخل مشرُبة له (يَُرْقَى) بفتح

الياء، أو بضمها، مبنيًّا للمفعول، أي: يصعَد (عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ) بفتح العين المهملة والجيم، بدرجةٍ (وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْوَدُ) هو ربَاح (عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ) قاعدٌ (فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ) لرسولِ الله ﷺ: (هَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) يستأذنُ في الدُّخول، فدخلَ الغُلام واستأذنَه ﵊ (فَأَذِنَ لِي. قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ) لمَّا دخلتُ (عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) ضحِكَ بلا صوتٍ (وَإنَّه لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ) بالتَّثنية (قَرَظًا) بقاف وراء فظاء معجمة مفتوحات، ورقُ السَّلَم الَّذي يدبَغ بهِ (مَصْبُوبًا) أي: مسكُوبًا، ولأبي ذرٍّ: «مصبورًا» بالراء بدل الموحدة، أي: مجمُوعًا من الصُّبرة؛ وهي الكَوم من الطَّعام (وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ) بفتح الهمزة والهاء، وبضمهما، جمع: إهابٍ، جلدٌ دبِغَ أم لم يُدبغ، أو قبل أن يدبَغ (فَرَأَيْتُ أَثَرَ الحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ (١)) ﵊ (فَبَكَيْتُ) لذلك (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ) يا ابنَ الخطَّاب؟ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله؛ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ) من زينةِ الدُّنيا ونعيمهَا (٢) (وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ) المستحقُّ لذلك لا هُما (فَقَالَ) ﵊: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا) الفانِية بزينتهَا (٣) ونعيمها (وَلَنَا الآخِرَةُ) الباقية؟ و «لهم» بضميرِ الجمع على إرادتهمَا ومن تبعهمَا، أو (٤) كان على مثلِ حالهمَا.

وهذا الحديثُ أخرجَه أيضًا في «النِّكاح» [خ¦٥١٩١] وفي «خبرِ الواحد» [خ¦٧٢٥٦] و «اللِّباس» [خ¦٥٨٤٣]، ومسلم في «الطَّلاق».

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾) العاملُ فيه: اذكر، فهو مفعولٌ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِذا أَنا بقبضة من شعير نَحْو الصَّاع وَمثلهَا قرظا فِي نَاحيَة الغرفة وَإِذا أفِيق مُعَلّق بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْفَاء وَهُوَ الْجلد الَّذِي لم يتم دباغه وَجمعه أفق بفتحهما كأديم وأدم قَوْله " فِيمَا هما فِيهِ " أَي فِي الَّذِي هما فِيهِ من النعم وأنواع زِينَة الدُّنْيَا قَوْله " وَأَنت رَسُول الله " قيل هَذَا الْخَبَر لَا يُرَاد بِهِ فَائِدَة وَلَا لازمها فَمَا الْغَرَض مِنْهُ وَأجِيب بِأَن غَرَضه بَيَان مَا هُوَ لَازم للرسالة وَهُوَ اسْتِحْقَاقه مَا هما فِيهِ أَي أَنْت الْمُسْتَحق لذَلِك لَا هما وَفِي رِوَايَة مُسلم قَيْصر وكسرى فِي الثِّمَار والأنهار -

٣ - (بابٌ: {وَإذْ أسَرَّ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَى بَعْضِ أزْوَاجِهِ حَدِيثا فَلَمَّا نَبَّأْتْ بِهِ وأظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأعْرَض عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أنْبَأَكَ هاذا قَالَ نَبَّأَنِي العَلِيمُ الخَبِيرُ} (التَّحْرِيم: ٣)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذْ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه} إِلَى آخرهَا، وَلَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: بَاب، وَذكرت الْآيَة الْمَذْكُورَة بكمالها فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه حَدِيثا إِلَى الْخَبِير. قَوْله: (وَإِذ أسر النَّبِي إِلَى بعض أَزوَاجه) ، إسراره هُوَ تَحْرِيمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فتَاته أَي: مَارِيَة على نَفسه وَبَعض أَزوَاجه حَفْصَة بنت عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْله لَهَا: لَا تُخْبِرِي بذلك أَي: بِتَحْرِيم الفتاة أحدا، وَعَن الْكَلْبِيّ: أسر إِلَيْهَا أَن أَبَاك وَأَبا عَائِشَة يكونَانِ خليفتين على أمتِي. قَوْله: (فَلَمَّا نبأت بِهِ) ، أخْبرت بِالْحَدِيثِ الَّذِي أسر إِلَيْهَا أَن أَبَاك وَأَبا عَائِشَة يكونَانِ خليفتين على أمتِي. قَوْله: (فَلَمَّا نبأت بِهِ) ، أَي: فَلَمَّا أخْبرت بِالْحَدِيثِ الَّذِي أسر إِلَيْهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صاحبتها وأظهره الله عَلَيْهِ أَي: واطلع نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَنه قد نبأت بِهِ قَوْله: (عرف بعضه) ، يَعْنِي: أخبر حَفْصَة بِبَعْض مَا قَالَت لعَائِشَة وَلم يخبرها بقولِهَا: أجمع. قَوْله: (فَلَمَّا نبأها بِهِ) أَي: فَلَمَّا أخبر حَفْصَة بذلك، قَالَت: من أَنْبَأَك هَذَا؟ قَالَ: نَبَّأَنِي الْعَلِيم الَّذِي يعلم كل شَيْء الْخَبِير بِمَا يَقع بَين عباده وَلَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك.

{فِيهِ عَائِشَةُ عَنْ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم}

أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث عَائِشَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَرَادَ بِهِ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن عَائِشَة عبيد بن عُمَيْر فِي الْبَاب قبله.

٤١٩٤ - حدَّثنا عَلِيٌّ حدَّثنا سُفْيَانُ حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ عُبَيْد بنَ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا يَقُولُ أرَدْتُ أنْ أسَأَلَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ فَقُلْتُ يَا أمِيرَ المُؤْمِنينَ مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمَا أتَمَمْتُ كَلامِي حَتَّى قَالَ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ، رَضِيَ الله عَنْهُمَا.

مطابقته للتَّرْجَمَة. لَا تخفى، وَعلي هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَيحيى بن سعيد هُوَ الْأنْصَارِيّ، وَهَذَا طرف من الحَدِيث الَّذِي مضى عَن قريب.

٤ - (بابٌ قَوْلُهُ: {إنْ تَتُوبا إلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التَّحْرِيم: ٤)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله عز وَجل: {أَن تَتُوبَا} الْخطاب لعَائِشَة وَحَفْصَة، أَي: أَن تَتُوبَا إِلَى الله من التعاون على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالإيذاء وَتَفْسِير: صغت، يَأْتِي الْآن.

صَغَوْتُ وَأصْغَيْتُ: مِلْتُ: لِتَصْغِي: لِتَحمَيلَ

أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن معنى قَوْله: قد صغت، مَالَتْ وَعدلت واستوجبتما التَّوْبَة. يُقَال: صغوت. أَي: ملت، وَكَذَلِكَ: أصغيت، ذكر مثالين: أَحدهمَا ثلاثي وَالْآخر مزِيد فِيهِ. قَوْله: (لتصغى) أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {ولتصغي إِلَيْهِ أَفْئِدَة الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة} (الْأَنْعَام: ٣١١) أَي: التَّمْثِيل وَهَذَا ذكره اسْتِطْرَادًا.

وَإنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإنَّ الله هُوَ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ المُؤْمِنينَ وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذالِكَ ظَهِيرٌ عَوْنٌ تَظَاهَرُونَ تَعَاوَنُونَ.

كَذَا وَقع للأكثرين وَاقْتصر أَبُو ذَر من سِيَاق الْآيَة على قَوْله: (ظهير) عون. قَوْله: (وَإِن تظاهرا) أَي: وَإِن تعاونا على

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.8 / 29.5
الإضاءة 64%
البدر بعد 6 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56