«اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩١٦

الحديث رقم ٤٩١٦ من كتاب «سورة المتحرم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قوله عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٩١٦ في صحيح البخاري

«اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ».

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾

التَّفَاوُتُ الِاخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ، ﴿تَمَيَّزُ﴾ تَقَطَّعُ، ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ جَوَانِبِهَا، ﴿تَدَّعُونَ﴾ وَتَدْعُونَ مِثْلُ

⦗١٥٩⦘

تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ، ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَافَّاتٍ﴾ بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ، وَنُفُورٍ الْكُفُورُ.

﴿ن * وَالْقَلَمِ﴾

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿حَرْدٍ﴾ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَضَالُّونَ﴾ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿كَالصَّرِيمِ﴾ كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ وَهْوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ.

﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٤٩١٦

٤٩١٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٩١٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَلَا لِلْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: فِقُوا وَجْهًا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَلَعَلَّ الْمَعْنَى أَوْقِفُوا بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ؛ أَيْ أَوْقِفُوهُمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ: لَكِنَّ الصَّوَابَ عَلَى هَذَا حَذْفُ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ مِنْ وَقَفَ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَوْفَقُوا - يَعْنِي بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ - لَا تَعْصُوا فَيَعْصُ ا، مِثْلَ لَا تَزِنُ فَيَزِنُ أَهْلُكَ، وَتَكُونُ أَوْ عَلَى هَذَا لِلتَّخْيِيرِ، وَالْمَعْنَى: إِمَّا أَنْ تَأْمُرُوا أَهْلِيكُمْ بِالتَّقْوَى أَوْ فَاتَّقُوا أَنْتُمْ فَيَتَّقُوا هُمْ تَبَعًا لَكُمُ، انْتَهَى. وَكُلُّ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ نَشَأَتْ عَنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْصُوا بِالصَّادِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَيْضًا طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمْرَ أَيْضًا فِي قِصَّةِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ.

٥ - بَاب: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾

٤٩١٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ : اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الْآيَةَ، ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ فِي مُوَافَقَاتِهِ، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى قِصَّةِ الْغَيْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ تَامًّا، وَذَكَرْنَا كُلَّ مُوَافَقَةٍ مِنْهَا فِي بَابِهَا، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٦٧ - سُورَةُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ التَّفَاوُتُ: الِاخْتِلَافُ. وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ. تَمَيَّزُ: تَقَطَّعُ. مَنَاكِبِهَا: جَوَانِبِهَا. تَدَّعُونَ وَتَدْعُونَ واحد، مِثْلُ تَذَكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ. وَيَقْبِضْنَ: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَافَّاتٍ: بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ. وَنُفُورٍ: الْكُفُورُ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْجَمِيعِ.

قَوْلُهُ: (التَّفَاوُتُ الِاخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ تَعَهَّدْتُهُ وَتَعَاهَدْتُهُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: مِنْ تَفَوُّتٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ. وَالتَّفَاوُتُ الِاخْتِلَافُ؛ يَقُولُ: هَلْ تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ اخْتِلَافٍ؟ وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيَاسٌ مُتَفَاوِتٌ فَلَيْسَ مُتَبَايِنًا، وَتَفَوَّتَ فَاتَ بَعْضُهُ بَعْضًا.

قَوْلُهُ: (تَمَيَّزُ: تَقَطَّعُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أَيْ: تَقَطَّعُ عَلَيْهِمْ غَيْظًا.

قَوْلُهُ: (مَنَاكِبِهَا: جَوَانِبِهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أَيْ جَوَانِبِهَا، وَكَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ.

قَوْلُهُ: (تَدَّعُونَ وَتَدْعُونَ وَاحِدٌ، مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ يُرِيدُ تَدْعُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ، قَالَ: وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أَيْ تَدَّعُونَ بِهِ وَتُكَذِّبُونَ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ غَوْرًا غَائِرًا، يُقَالُ لَا تَنَالُهُ

الدِّلَاءُ، كُلُّ شَيْءٍ غِرْتَ فِيهِ فَهِيَ مَغَارَةٌ، مَاءٌ غَوْرٌ وَبِئْرٌ غَوْرٌ وَمِيَاهٌ غَوْرٌ بِمَنْزِلَةِ الزَّوْرِ، وَهَؤُلَاءِ زَوْرٌ وَهَؤُلَاءِ ضَيْفٌ وَمَعْنَاهُ أَضْيَافٌ وَزُوَّارٌ، لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلُ قَوْمٍ عَدْلٍ وَقَوْمٍ رِضًا وَمَقْنَعٌ) ثَبَتَ هَذَا عِنْدَ النَّسَفِيِّ هُنَا، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لِأَبِي نُعَيْمٍ، وَوَقَعَ أَكْثَرُهُ لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَهُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ مَاءٌ غَوْرٌ إِلَى وَمَقْنَعٌ، لَكِنْ قَالَ بَدَلَ بِئْرٍ غَوْرٍ مَاءٌ غَوْرٌ، وَزَادَ: وَلَا يَجْمَعُونَ غَوْرٌ وَلَا يُثَنُّونَهُ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَأَمَّا أَوَّلُ الْكَلَامِ فَهُوَ مِنْ … (١) وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ وَبِئْرِ مَيْمُونِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَكَانَتْ جَاهِلِيَّةٌ، قَالَ الْفَاكِهِيُّ: وَكَانَتْ آبَارُ مَكَّةَ تَغُورُ سِرَاعًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَافَّاتٍ؛ بَسْطُ أَجْنِحَتِهُنَّ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَنُفُورٍ الْكُفُورُ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ قَالَ: كُفُورٍ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ: وَنُفُورٍ تَفُورُ كَقِدْرٍ؛ أَيْ: بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ قَالَ: وَهِيَ أَوْجَهُ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هَذَا أَوْلَى، وَمَا عَدَاهُ تَصْحِيفٌ، فإِنَّ تَفْسِيرَ نُفُورٍ بِالنُّونِ بِكُفُورٍ بَعِيدٌ. قُلْتُ: اسْتَبْعَدَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَعْنًى فَلَا يُفَسَّرُ بِالذَّاتِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي يَلِجُّ فِي عُتُوِّهِ وَنُفُورِهِ هُوَ الْكَفُورُ.

٦٨ - سُورَةُ (ن وَالْقَلَمِ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَقَالَ قَتَادَةُ: حَرْدٍ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَافَتُونَ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنا لَضَالُّونَ؛ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالصَّرِيمِ؛ كالصُّبْحُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ. وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿ن * وَالْقَلَمِ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمَشْهُورُ فِي ن أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاءُ، وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْحُوتُ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ وَالْحُوتَ، قَالَ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ قَرَأَ: ن وَالْقَلَمِ. فَالنُّونُ: الْحُوتُ، وَالْقَلَمُ: الْقَلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: حَرْدٍ؛ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ) هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الِاجْتِهَادُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِفَتْحِ الْجِيمِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: كَانَتِ الْجَنَّةُ لِشَيْخٍ، وَكَانَ يُمْسِكُ قُوتَهُ سَنَةً وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، وَكَانَ بَنُوهُ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالُوا: لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ يَقُولُ: عَلَى جِدٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ؛ قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَى فَاقَةٍ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ كَانَتْ لِأَبِيهِمْ جَنَّةٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ قَالَ: أَمْرٌ مُجْتَمِعٌ. وَقَدْ قِيلَ فِي حَرْدٍ إِنَّهَا اسْمُ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ فِيهِ أَقْوَالًا أُخْرَى: الْقَصْدُ وَالْمَنْعُ وَالْغَضَبُ وَالْحِقْدُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَافَتُونَ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيِّ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ هُنَا، وَثَبَتَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تعد قسيمةً لها؛ قلنا: وكذلك ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ تفصيل للصِّفات السَّابقة، فلا نعدهما معهنَّ.

وفي «معجم الطَّبراني الكبير» عن بريدةَ قال: وعد الله نبيَّه في هذه الآية أن يزوِّجه بالثَّيِّب آسية امرأة فرعون، وبالبِكر (١) مريمَ ابنة (٢) عِمران، وبدأ بالثَّيب قبل البكر لأنَّ زمنَ آسية قبل مريم، أو لأنَّ أزواجَه كلهم ثيِّب إلَّا عائشة. قيل: وأفضلهنَّ خديجة، فالتَّقديم من جهةِ قبليَّة الفضل وقبليَّة الزَّمان؛ لأنَّه تزوَّج الثيِّب منهنَّ قبلَ البِكر، وفي حديثٍ ضعيفٍ عندَ ابنِ عساكرٍ عن ابنِ عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ دخلَ على خديجَة، وهي في الموتِ فقال: «يا خديجَة؛ إذا لقيتِ ضرائِرك؛ فأقرئيهنَّ منِّي السَّلام» فقالت: يا رسول الله؛ وهل تزوَّجت قبلي؟ قال: «لا، ولكنَّ الله زوَّجني مريمَ بنت عِمران، وآسية امرأةَ فرعون، وكَلْثَمَ أخت موسَى». وروي نحوه بإسنادٍ ضعيفٍ من حديثِ أبي أمامَة عند أبي يَعلى، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ … » إلى آخره. وقال بعد ﴿مِّنكُنَّ﴾: «الآيةَ».

٤٩١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، الواسِطيُّ نزيلُ البصرة قال: (حَدَّثَنَا

هُشَيْمٌ) بنُ بُشير، مصغَّرين (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب ( اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ) بفتح الغين المعجمة (فَقُلْتُ لَهُنَّ) رضوان الله عليهنَّ: (﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فقلتُ له» أي: للنَّبيِّ (١) ، قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرًا منهنَّ ولم يكن على وجهِ الأرضِ نساءٌ خيرًا (٢) من أمَّهات المؤمنين؟ وأجاب: بأنَّه إذا طلقهنَّ لعصيانهنَّ له وإيذائهنَّ إيَّاه لم يبقينَ على تلكَ الصِّفة، وكان غيرهنَّ من الموصوفاتِ بهذهِ الأوصافِ مع الطَّاعة لرسول الله والنُّزول على هواهُ ورضاهُ خيرًا منهنَّ. وقال في «الأنوار»: وليسَ في الآيةِ ما يدلُّ على أنَّه لم يطلِّق حفصة؛ لأنَّ تعليقَ طلاق الكلِّ لا ينافي تطليقَ واحدةٍ.

وهذا الحديثُ سبق بتمامهِ (٣) في «بابِ ما جاء في القِبلة»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٠٢].

(((٦٧))) (سُورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ثلاثون، ولغير أبي ذرٍّ: «سورة الملك».

وقوله: ﴿تَبَارَكَ﴾ أي: تنزَّه عن صفاتِ المحدَثين و ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] بقبضةِ قدرتهِ التَّصرف في الأمورِ كلِّها.

(التَّفَاوُتُ) قال الفرَّاء: (الاِخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ) بالألف والتخفيف (وَالتَّفَوُّتُ) بغير ألف والتَّشديد، وبها قرأ حمزة والكِسائيُّ (وَاحِدٌ) في المعنى؛ كالتَّعهُّد والتَّعاهد.

(﴿تَمَيَّزُ﴾) أي: (تَقَطَّعُ) ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. قال في «الأنوار»: وهو تمثيلٌ لشدَّة اشتعالِها بهم، ويجوز أن يرادَ غيظ الزَّبانية.

(﴿مَنَاكِبِهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] أي: (جَوَانِبِهَا) قال في «فتوح

الغيب»: قوله: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ استعارةٌ تمثيليَّة أو تحقيقيَّة؛ لأنَّ القصدَ الأرض، إمَّا ناحيتها أو جبالها؛ فنسبةُ الذَّلول إليها ترشيحٌ، ونسبةُ المشي تجريدٌ. قال الرَّاغبُ: المنكب مجتمعُ ما بينَ العضد والكتِف، ومنه استعيرَ للأرضِ المنكب في قولهِ تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ كما استعيرَ لها (١) الظَّهر في قولهِ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].

(﴿تَدَّعُونَ﴾) بالتَّشديد في قولهِ تعالى: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧] (وَ ﴿تَدَّعُونَ﴾) بسكون الدال مخففًا، وهي قراءة يعقوب. زاد أبو ذرٍّ: «واحد» (مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ) بالتَّشديد (وَتَذْكُرُونَ) بالتَّخفيف، وقيل: التَّشديد من الدَّعوى، أي: تدَّعون (٢) أنَّه لا جنَّة ولا نار، وقيل: من الدُّعاء، أي: تطلبونَه وتستعجلونَه، وعلى التَّخفيف قيل: إنَّ الكفَّار كانوا يدعون على الرَّسول وأصحابه بالهلاكِ.

(﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]) أي: (يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ).

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ: (﴿صَافَّاتٍ﴾ [الملك: ١٩]) هو (بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ) وسقط قوله: «﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.

(﴿وَنُفُورٍ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] قال مجاهدٌ: هو (الكُفُورُ) فيما وصلَه عبدُ بن حميدٍ.

(((٦٨))) (سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾) مكِّيَّة وآيُها ثنتان وخمسون.

(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطَ لفظ «سورة» والبسملة لغيرِ أبي ذرٍّ، و «نون» من أسماءِ الحُروف، وقيل: اسمُ الحوتِ. وروى أبو جعفرٍ عن ابنِ عبَّاس: أوَّل ما خلقَ الله القَلم، قال: اكتُب القَدر، فجرى بما يكونُ من ذلكَ اليومِ إلى قيامِ السَّاعة، ثمَّ خلَق النون، ورفعَ بخار الماءِ، ففُتقَت منه السَّماء، وبُسطَت الأرضُ على ظهرِ النون، فاضطَرب النُّون فمادت الأرض. وكذا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وذكرَ البَغويُّ وغيره: أنَّ على ظهرِ هذا الحُوت صخرةً سمكُها كغلظِ السَّمواتِ والأرض، وعلى ظهرهَا ثورٌ لهُ أربعونَ ألفَ قرنٍ، وعلى متنهِ الأرضُون السَّبع ومَا فيهنَّ ومَا بينهنَّ، فالله أعلم.

و ﴿وَالْقَلَمِ﴾: هو الَّذي خطَّ اللَّوح، أو الَّذي يُخطُّ بهِ، وأقسمَ بهِ لكثرةِ فوائدهِ، وجوابُ القَسم الجملةُ المنفيَّة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾) من قولهِ: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أي: (يَنْتَجُونَ) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الفوقية بعدها جيم (١) (السِّرَارَ وَالكَلَامَ الخَفِي) وسقطَ هذا لغيرِ أبي ذرٍّ.

(وقَالَ قَتَادَةُ: ﴿حَرْدٍ﴾) بالجر، ولأبي ذرٍّ بالرفع (٢)، أي: في قولهِ تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أي: (جِدٍّ) بكسر الجيم (فِي أَنْفُسِهِمْ) وقيل: الحرْدُ: الغضبُ والحَنق، وقيل: المنعُ، من حاردَتِ الإبلُ: انقطع (٣) لبنُها، والسَّنَة: قلَّ مطرها. قاله أبو عُبيدة، و ﴿قَادِرِينَ﴾ حال من فاعل ﴿وَغَدَوْا﴾ و ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ متعلِّق به.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿لَضَالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]) أي: (أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا) فتُهنا عنها، ثمَّ لمَّا رجعُوا عمَّا كانوا فيه وتيقَّنوا أنَّها هي؛ قالوا (٤): ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أي: بل هي هذهِ، ولكن لا حظَّ لنا ولا نَصيب.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (﴿كَالصَّرِيمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠] أي: (كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ) انقطعَ (مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ) انقطعَ (مِنَ النَّهَارِ) فالصَّريم يطلقُ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَلَا لِلْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: فِقُوا وَجْهًا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَلَعَلَّ الْمَعْنَى أَوْقِفُوا بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ؛ أَيْ أَوْقِفُوهُمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ: لَكِنَّ الصَّوَابَ عَلَى هَذَا حَذْفُ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ مِنْ وَقَفَ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَوْفَقُوا - يَعْنِي بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ - لَا تَعْصُوا فَيَعْصُ ا، مِثْلَ لَا تَزِنُ فَيَزِنُ أَهْلُكَ، وَتَكُونُ أَوْ عَلَى هَذَا لِلتَّخْيِيرِ، وَالْمَعْنَى: إِمَّا أَنْ تَأْمُرُوا أَهْلِيكُمْ بِالتَّقْوَى أَوْ فَاتَّقُوا أَنْتُمْ فَيَتَّقُوا هُمْ تَبَعًا لَكُمُ، انْتَهَى. وَكُلُّ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ نَشَأَتْ عَنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْصُوا بِالصَّادِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَيْضًا طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمْرَ أَيْضًا فِي قِصَّةِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ.

٥ - بَاب: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾

٤٩١٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ : اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الْآيَةَ، ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ فِي مُوَافَقَاتِهِ، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى قِصَّةِ الْغَيْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ تَامًّا، وَذَكَرْنَا كُلَّ مُوَافَقَةٍ مِنْهَا فِي بَابِهَا، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٦٧ - سُورَةُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ التَّفَاوُتُ: الِاخْتِلَافُ. وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ. تَمَيَّزُ: تَقَطَّعُ. مَنَاكِبِهَا: جَوَانِبِهَا. تَدَّعُونَ وَتَدْعُونَ واحد، مِثْلُ تَذَكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ. وَيَقْبِضْنَ: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَافَّاتٍ: بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ. وَنُفُورٍ: الْكُفُورُ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْجَمِيعِ.

قَوْلُهُ: (التَّفَاوُتُ الِاخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ تَعَهَّدْتُهُ وَتَعَاهَدْتُهُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: مِنْ تَفَوُّتٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ. وَالتَّفَاوُتُ الِاخْتِلَافُ؛ يَقُولُ: هَلْ تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنَ اخْتِلَافٍ؟ وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيَاسٌ مُتَفَاوِتٌ فَلَيْسَ مُتَبَايِنًا، وَتَفَوَّتَ فَاتَ بَعْضُهُ بَعْضًا.

قَوْلُهُ: (تَمَيَّزُ: تَقَطَّعُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أَيْ: تَقَطَّعُ عَلَيْهِمْ غَيْظًا.

قَوْلُهُ: (مَنَاكِبِهَا: جَوَانِبِهَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أَيْ جَوَانِبِهَا، وَكَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ.

قَوْلُهُ: (تَدَّعُونَ وَتَدْعُونَ وَاحِدٌ، مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ يُرِيدُ تَدْعُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ، قَالَ: وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أَيْ تَدَّعُونَ بِهِ وَتُكَذِّبُونَ.

قَوْلُهُ: (يُقَالُ غَوْرًا غَائِرًا، يُقَالُ لَا تَنَالُهُ

الدِّلَاءُ، كُلُّ شَيْءٍ غِرْتَ فِيهِ فَهِيَ مَغَارَةٌ، مَاءٌ غَوْرٌ وَبِئْرٌ غَوْرٌ وَمِيَاهٌ غَوْرٌ بِمَنْزِلَةِ الزَّوْرِ، وَهَؤُلَاءِ زَوْرٌ وَهَؤُلَاءِ ضَيْفٌ وَمَعْنَاهُ أَضْيَافٌ وَزُوَّارٌ، لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِثْلُ قَوْمٍ عَدْلٍ وَقَوْمٍ رِضًا وَمَقْنَعٌ) ثَبَتَ هَذَا عِنْدَ النَّسَفِيِّ هُنَا، وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لِأَبِي نُعَيْمٍ، وَوَقَعَ أَكْثَرُهُ لِلْبَاقِينَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَهُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ مَاءٌ غَوْرٌ إِلَى وَمَقْنَعٌ، لَكِنْ قَالَ بَدَلَ بِئْرٍ غَوْرٍ مَاءٌ غَوْرٌ، وَزَادَ: وَلَا يَجْمَعُونَ غَوْرٌ وَلَا يُثَنُّونَهُ، وَالْبَاقِي سَوَاءٌ، وَأَمَّا أَوَّلُ الْكَلَامِ فَهُوَ مِنْ … (١) وَأَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ وَبِئْرِ مَيْمُونِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَكَانَتْ جَاهِلِيَّةٌ، قَالَ الْفَاكِهِيُّ: وَكَانَتْ آبَارُ مَكَّةَ تَغُورُ سِرَاعًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَافَّاتٍ؛ بَسْطُ أَجْنِحَتِهُنَّ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَنُفُورٍ الْكُفُورُ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ قَالَ: كُفُورٍ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ: وَنُفُورٍ تَفُورُ كَقِدْرٍ؛ أَيْ: بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ قَالَ: وَهِيَ أَوْجَهُ مِنَ الْأَوَّلِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هَذَا أَوْلَى، وَمَا عَدَاهُ تَصْحِيفٌ، فإِنَّ تَفْسِيرَ نُفُورٍ بِالنُّونِ بِكُفُورٍ بَعِيدٌ. قُلْتُ: اسْتَبْعَدَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَعْنًى فَلَا يُفَسَّرُ بِالذَّاتِ، لَكِنْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي يَلِجُّ فِي عُتُوِّهِ وَنُفُورِهِ هُوَ الْكَفُورُ.

٦٨ - سُورَةُ (ن وَالْقَلَمِ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَقَالَ قَتَادَةُ: حَرْدٍ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَافَتُونَ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيَّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنا لَضَالُّونَ؛ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَالصَّرِيمِ؛ كالصُّبْحُ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهُوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ. وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ ﴿ن * وَالْقَلَمِ﴾ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتْ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْمَشْهُورُ فِي ن أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الْفَرَّاءُ، وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ بِهَا الْحُوتُ، وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ وَالْحُوتَ، قَالَ: اكْتُبْ. قَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ قَرَأَ: ن وَالْقَلَمِ. فَالنُّونُ: الْحُوتُ، وَالْقَلَمُ: الْقَلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: حَرْدٍ؛ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ) هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الِاجْتِهَادُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَضُبِطَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِفَتْحِ الْجِيمِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: كَانَتِ الْجَنَّةُ لِشَيْخٍ، وَكَانَ يُمْسِكُ قُوتَهُ سَنَةً وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، وَكَانَ بَنُوهُ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُمْ غَدَوْا عَلَيْهَا فَقَالُوا: لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ يَقُولُ: عَلَى جِدٍّ مِنْ أَمْرِهِمْ؛ قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ الْحَسَنُ: عَلَى فَاقَةٍ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ كَانَتْ لِأَبِيهِمْ جَنَّةٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ قَالَ: أَمْرٌ مُجْتَمِعٌ. وَقَدْ قِيلَ فِي حَرْدٍ إِنَّهَا اسْمُ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ فِيهِ أَقْوَالًا أُخْرَى: الْقَصْدُ وَالْمَنْعُ وَالْغَضَبُ وَالْحِقْدُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَافَتُونَ؛ يَنْتَجُونَ السِّرَارَ وَالْكَلَامَ الْخَفِيِّ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ هُنَا، وَثَبَتَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تعد قسيمةً لها؛ قلنا: وكذلك ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ تفصيل للصِّفات السَّابقة، فلا نعدهما معهنَّ.

وفي «معجم الطَّبراني الكبير» عن بريدةَ قال: وعد الله نبيَّه في هذه الآية أن يزوِّجه بالثَّيِّب آسية امرأة فرعون، وبالبِكر (١) مريمَ ابنة (٢) عِمران، وبدأ بالثَّيب قبل البكر لأنَّ زمنَ آسية قبل مريم، أو لأنَّ أزواجَه كلهم ثيِّب إلَّا عائشة. قيل: وأفضلهنَّ خديجة، فالتَّقديم من جهةِ قبليَّة الفضل وقبليَّة الزَّمان؛ لأنَّه تزوَّج الثيِّب منهنَّ قبلَ البِكر، وفي حديثٍ ضعيفٍ عندَ ابنِ عساكرٍ عن ابنِ عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ دخلَ على خديجَة، وهي في الموتِ فقال: «يا خديجَة؛ إذا لقيتِ ضرائِرك؛ فأقرئيهنَّ منِّي السَّلام» فقالت: يا رسول الله؛ وهل تزوَّجت قبلي؟ قال: «لا، ولكنَّ الله زوَّجني مريمَ بنت عِمران، وآسية امرأةَ فرعون، وكَلْثَمَ أخت موسَى». وروي نحوه بإسنادٍ ضعيفٍ من حديثِ أبي أمامَة عند أبي يَعلى، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ … » إلى آخره. وقال بعد ﴿مِّنكُنَّ﴾: «الآيةَ».

٤٩١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما، الواسِطيُّ نزيلُ البصرة قال: (حَدَّثَنَا

هُشَيْمٌ) بنُ بُشير، مصغَّرين (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بنُ الخطَّاب ( اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ) بفتح الغين المعجمة (فَقُلْتُ لَهُنَّ) رضوان الله عليهنَّ: (﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «فقلتُ له» أي: للنَّبيِّ (١) ، قال في «الكشَّاف»: فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرًا منهنَّ ولم يكن على وجهِ الأرضِ نساءٌ خيرًا (٢) من أمَّهات المؤمنين؟ وأجاب: بأنَّه إذا طلقهنَّ لعصيانهنَّ له وإيذائهنَّ إيَّاه لم يبقينَ على تلكَ الصِّفة، وكان غيرهنَّ من الموصوفاتِ بهذهِ الأوصافِ مع الطَّاعة لرسول الله والنُّزول على هواهُ ورضاهُ خيرًا منهنَّ. وقال في «الأنوار»: وليسَ في الآيةِ ما يدلُّ على أنَّه لم يطلِّق حفصة؛ لأنَّ تعليقَ طلاق الكلِّ لا ينافي تطليقَ واحدةٍ.

وهذا الحديثُ سبق بتمامهِ (٣) في «بابِ ما جاء في القِبلة»، من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٠٢].

(((٦٧))) (سُورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾) مكِّيَّة، وآيُها ثلاثون، ولغير أبي ذرٍّ: «سورة الملك».

وقوله: ﴿تَبَارَكَ﴾ أي: تنزَّه عن صفاتِ المحدَثين و ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] بقبضةِ قدرتهِ التَّصرف في الأمورِ كلِّها.

(التَّفَاوُتُ) قال الفرَّاء: (الاِخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ) بالألف والتخفيف (وَالتَّفَوُّتُ) بغير ألف والتَّشديد، وبها قرأ حمزة والكِسائيُّ (وَاحِدٌ) في المعنى؛ كالتَّعهُّد والتَّعاهد.

(﴿تَمَيَّزُ﴾) أي: (تَقَطَّعُ) ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. قال في «الأنوار»: وهو تمثيلٌ لشدَّة اشتعالِها بهم، ويجوز أن يرادَ غيظ الزَّبانية.

(﴿مَنَاكِبِهَا﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] أي: (جَوَانِبِهَا) قال في «فتوح

الغيب»: قوله: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ استعارةٌ تمثيليَّة أو تحقيقيَّة؛ لأنَّ القصدَ الأرض، إمَّا ناحيتها أو جبالها؛ فنسبةُ الذَّلول إليها ترشيحٌ، ونسبةُ المشي تجريدٌ. قال الرَّاغبُ: المنكب مجتمعُ ما بينَ العضد والكتِف، ومنه استعيرَ للأرضِ المنكب في قولهِ تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ كما استعيرَ لها (١) الظَّهر في قولهِ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].

(﴿تَدَّعُونَ﴾) بالتَّشديد في قولهِ تعالى: ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك: ٢٧] (وَ ﴿تَدَّعُونَ﴾) بسكون الدال مخففًا، وهي قراءة يعقوب. زاد أبو ذرٍّ: «واحد» (مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ) بالتَّشديد (وَتَذْكُرُونَ) بالتَّخفيف، وقيل: التَّشديد من الدَّعوى، أي: تدَّعون (٢) أنَّه لا جنَّة ولا نار، وقيل: من الدُّعاء، أي: تطلبونَه وتستعجلونَه، وعلى التَّخفيف قيل: إنَّ الكفَّار كانوا يدعون على الرَّسول وأصحابه بالهلاكِ.

(﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]) أي: (يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ).

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصلَه الفِريابيُّ في قولهِ: (﴿صَافَّاتٍ﴾ [الملك: ١٩]) هو (بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ) وسقط قوله: «﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ … » إلى هنا لأبي ذرٍّ.

(﴿وَنُفُورٍ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] قال مجاهدٌ: هو (الكُفُورُ) فيما وصلَه عبدُ بن حميدٍ.

(((٦٨))) (سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾) مكِّيَّة وآيُها ثنتان وخمسون.

(بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطَ لفظ «سورة» والبسملة لغيرِ أبي ذرٍّ، و «نون» من أسماءِ الحُروف، وقيل: اسمُ الحوتِ. وروى أبو جعفرٍ عن ابنِ عبَّاس: أوَّل ما خلقَ الله القَلم، قال: اكتُب القَدر، فجرى بما يكونُ من ذلكَ اليومِ إلى قيامِ السَّاعة، ثمَّ خلَق النون، ورفعَ بخار الماءِ، ففُتقَت منه السَّماء، وبُسطَت الأرضُ على ظهرِ النون، فاضطَرب النُّون فمادت الأرض. وكذا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وذكرَ البَغويُّ وغيره: أنَّ على ظهرِ هذا الحُوت صخرةً سمكُها كغلظِ السَّمواتِ والأرض، وعلى ظهرهَا ثورٌ لهُ أربعونَ ألفَ قرنٍ، وعلى متنهِ الأرضُون السَّبع ومَا فيهنَّ ومَا بينهنَّ، فالله أعلم.

و ﴿وَالْقَلَمِ﴾: هو الَّذي خطَّ اللَّوح، أو الَّذي يُخطُّ بهِ، وأقسمَ بهِ لكثرةِ فوائدهِ، وجوابُ القَسم الجملةُ المنفيَّة.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾) من قولهِ: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] أي: (يَنْتَجُونَ) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الفوقية بعدها جيم (١) (السِّرَارَ وَالكَلَامَ الخَفِي) وسقطَ هذا لغيرِ أبي ذرٍّ.

(وقَالَ قَتَادَةُ: ﴿حَرْدٍ﴾) بالجر، ولأبي ذرٍّ بالرفع (٢)، أي: في قولهِ تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥] أي: (جِدٍّ) بكسر الجيم (فِي أَنْفُسِهِمْ) وقيل: الحرْدُ: الغضبُ والحَنق، وقيل: المنعُ، من حاردَتِ الإبلُ: انقطع (٣) لبنُها، والسَّنَة: قلَّ مطرها. قاله أبو عُبيدة، و ﴿قَادِرِينَ﴾ حال من فاعل ﴿وَغَدَوْا﴾ و ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ متعلِّق به.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصلهُ ابنُ أبي حاتمٍ: (﴿لَضَالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]) أي: (أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا) فتُهنا عنها، ثمَّ لمَّا رجعُوا عمَّا كانوا فيه وتيقَّنوا أنَّها هي؛ قالوا (٤): ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] أي: بل هي هذهِ، ولكن لا حظَّ لنا ولا نَصيب.

(وَقَالَ غَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ عبَّاسٍ: (﴿كَالصَّرِيمِ﴾) في قولهِ تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ٢٠] أي: (كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ) انقطعَ (مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ) انقطعَ (مِنَ النَّهَارِ) فالصَّريم يطلقُ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد