الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٢٥
الحديث رقم ٤٩٢٥ من كتاب «سورة المدثر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وثيابك فطهر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَوْلُهُ: ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يُقَالُ: الرِّجْزُ وَالرِّجْسُ الْعَذَابُ.
٤٩٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هُوَ جَالِسٌ عَلَى عرش بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.
قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ)؛ أَيِ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أَنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَرْبٍ: قُلْتُ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وَلَمْ يُبَيِّنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، كَمَا لَمْ يُبَيِّنْ أَبُو سَلَمَةَ مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مُطَوَّلًا، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ أَوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَا بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، أَوْ مَخْصُوصَةٌ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا أَوَّلِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، فَكَأَنَّ مَنْ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ اقْرَأْ أَرَادَ أَوَّلِيَّةً مُطْلَقَةً، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا الْمُدَّثِّرُ أَرَادَ بِقَيْدِ التَّصْرِيحِ بِالْإِرْسَالِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: اسْتَخْرَجَ جَابِرٌ أَوَّلُ مَا نَزَلَ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بِاجْتِهَادٍ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ رِوَاي تِهِ، وَالصَّحِيحُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَرَأَيْتُ شَيْئًا - أَيْ جِبْرِيلَ - بِحِرَاءَ، فَقَالَ لِيَ: اقْرَأْ. فَخِفْتُ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْأَوَّلِيَّةُ فِي نُزُولِ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بِقَيْدِ السَّبَبِ؛ أَيْ هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ وَهُوَ مَا وَقَعَ مِنَ التَّدَثُّرِ النَّاشِئِ عَنِ الرُّعْبِ، وَأَمَّا اقْرَأْ فَنَزَلَتِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الِاحْتِمَالِ. وَفِي أَوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ قَوْلٌ آخَرُ نُقِلَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: الْمُزَّمِّلُ نَزَلَتْ قَبْلَ الْمُدَّثِّرِ. وَعَطَاءٌ ضَعِيفٌ، وَرِوَايَتُهُ مُعْضِلَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِقَاؤُهُ لِصَحَابِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَأَخُّرُ الْمُزَّمِّلِ لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَرَاخَى عَنِ ابْتِدَاءِ نُزُولِ الْوَحْيِ، بِخِلَافِ الْمُدَّثِّرِ فَإِنَّ فِيهَا: قُمْ فَأَنْذِرْ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ: ن وَالْقَلَمِ، وَأَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. وَالْمُشْكِلُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَوْلُهُ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ، فَنُودِيتُ - إِلَى أَنْ قَالَ: - فَرَفَعْتُ رَأْسِيَ فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْنِي جِبْرِيلَ - فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي.
وَيُزِيلُ الْإِشْكَالَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَقَطَ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَشَيْخِهِ مِنَ الْقِصَّةِ مَجِيءُ جِبْرِيلَ بِحِرَاءَ بِاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَسَائِرُ مَا ذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَاوَرَ ﷺ بِحِرَاءَ شَهْرًا آخَرَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا وَهُوَ رَمَضَانُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَعَادَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ جِوَارِهِ.
قَوْلُهُ: (فَجُئِثْتُ) يَأْتِي ضَبْطُهُ فِي سُورَةِ اقْرَأْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤ - بَاب: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
٤٩٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيُّ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن (أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرت (أَنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أنَّه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) سقط قوله: «﴿الَّذِي خَلَقَ﴾» لغير أبي ذرٍّ (فَقَالَ) جابرٌ: (لَا أُخْبِرُكَ إِلَّا بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: جَاوَرْتُ في) غارِ (حِرَاءٍ) بالصَّرف (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ) أي: وصلتُ إلى بطنِ (الوَادِيَ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي؛ فَإِذَا هُوَ) يعني: الملك (جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «على كرسيٍّ» بدل: «عرشٍ» (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]) والظَّاهر أنَّ الذي أنبأَ يحيَى بن أبي كثيرٍ عروةُ بن الزُّبير، والَّذي أنبأَ أبا سَلمة عائشةُ، فإنَّ الحديث مشهورٌ عن عروةَ عن عائشة، ويحتملُ أن يكون مراده بأوَّليَّة المدَّثِّر أوليَّة مخصوصَة بما بعد فترةِ الوحي، أو مقيَّدة بالإنذارِ، لا أوَّليَّة مطلقَة.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]) أي: عن النَّجاسة، أو قَصِّرْهَا خلاف جرِّ العربِ ثيابَهم خُيلاء، فربَّما أصابتهَا النَّجاسة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكيرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين مصغَّرًا، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، قال المصنِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي بعضِ النُّسخ «ح» لتحويلِ السَّند: وحدَّثني بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد. ولأبي ذرٍّ: «قال الزُّهريُّ: قال: أخبرني» بالإفراد (١) وفي غيرِ «اليونينية»: «قال الزُّهريُّ: فأخبرني» (٢) (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (٣) (﵄) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ) أي: في حالِ التَّحديث عن احتباسِ الوَحي عن النُّزول (فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا أَمْشِي) جواب «بينَا» قوله: (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) هو جبريل (جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ) بجيم مفتوحة في الفَرْع كأصله، مضمومة في غيرهما (٤)، فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة ففوقية: فزعت (مِنْهُ رُعْبًا) أي: خوفًا، ولأبي ذرٍّ: «فجثثت» بمثلثتين ففوقية من غير همز، قال الكَرْمانيُّ: من الجثِّ وهو القطعُ (فَرَجَعْتُ) إلى خديجةَ (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَدَثَّرُونِي) غطُّوني (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إِلَى) قوله: (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) فيهِ إشعارٌ بأنَّ الأمرَ بتطهيرِ الثِّياب كان قبلَ فرضِ الصَّلاة (وَ) الرُّجز (هْيَ الأَوْثَانُ) وأنَّث الضَّمير في قولهِ، و «هي» باعتبارِ أنَّ الخَبر جمعٌ، وفسِّر بالجمعِ نظرًا إلى الجنس. قالَه الكَرْمانيُّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هُوَ جَالِسٌ عَلَى عرش بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.
قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ)؛ أَيِ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أَنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ حَرْبٍ: قُلْتُ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وَلَمْ يُبَيِّنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، كَمَا لَمْ يُبَيِّنْ أَبُو سَلَمَةَ مَنْ أَنْبَأَهُ بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مُطَوَّلًا، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ أَوَّلِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَا بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، أَوْ مَخْصُوصَةٌ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا أَوَّلِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ، فَكَأَنَّ مَنْ قَالَ: أَوَّلُ مَا نَزَلَ اقْرَأْ أَرَادَ أَوَّلِيَّةً مُطْلَقَةً، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا الْمُدَّثِّرُ أَرَادَ بِقَيْدِ التَّصْرِيحِ بِالْإِرْسَالِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: اسْتَخْرَجَ جَابِرٌ أَوَّلُ مَا نَزَلَ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بِاجْتِهَادٍ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ رِوَاي تِهِ، وَالصَّحِيحُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَرَأَيْتُ شَيْئًا - أَيْ جِبْرِيلَ - بِحِرَاءَ، فَقَالَ لِيَ: اقْرَأْ. فَخِفْتُ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْأَوَّلِيَّةُ فِي نُزُولِ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بِقَيْدِ السَّبَبِ؛ أَيْ هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ وَهُوَ مَا وَقَعَ مِنَ التَّدَثُّرِ النَّاشِئِ عَنِ الرُّعْبِ، وَأَمَّا اقْرَأْ فَنَزَلَتِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الِاحْتِمَالِ. وَفِي أَوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ قَوْلٌ آخَرُ نُقِلَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: الْمُزَّمِّلُ نَزَلَتْ قَبْلَ الْمُدَّثِّرِ. وَعَطَاءٌ ضَعِيفٌ، وَرِوَايَتُهُ مُعْضِلَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِقَاؤُهُ لِصَحَابِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَأَخُّرُ الْمُزَّمِّلِ لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَرَاخَى عَنِ ابْتِدَاءِ نُزُولِ الْوَحْيِ، بِخِلَافِ الْمُدَّثِّرِ فَإِنَّ فِيهَا: قُمْ فَأَنْذِرْ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ: ن وَالْقَلَمِ، وَأَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. وَالْمُشْكِلُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَوْلُهُ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ، فَنُودِيتُ - إِلَى أَنْ قَالَ: - فَرَفَعْتُ رَأْسِيَ فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ - يَعْنِي جِبْرِيلَ - فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي.
وَيُزِيلُ الْإِشْكَالَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَقَطَ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَشَيْخِهِ مِنَ الْقِصَّةِ مَجِيءُ جِبْرِيلَ بِحِرَاءَ بِاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وَسَائِرُ مَا ذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَاوَرَ ﷺ بِحِرَاءَ شَهْرًا آخَرَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا وَهُوَ رَمَضَانُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَعَادَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ بَعْدَ انْقِضَاءِ جِوَارِهِ.
قَوْلُهُ: (فَجُئِثْتُ) يَأْتِي ضَبْطُهُ فِي سُورَةِ اقْرَأْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٤ - بَاب: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
٤٩٢٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. ح، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيُّ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمن (أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرت (أَنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (أَيُّ القُرْآنِ أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أنَّه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]) سقط قوله: «﴿الَّذِي خَلَقَ﴾» لغير أبي ذرٍّ (فَقَالَ) جابرٌ: (لَا أُخْبِرُكَ إِلَّا بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: جَاوَرْتُ في) غارِ (حِرَاءٍ) بالصَّرف (فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ) أي: وصلتُ إلى بطنِ (الوَادِيَ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي؛ فَإِذَا هُوَ) يعني: الملك (جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ) ولأبي ذرٍّ: «على كرسيٍّ» بدل: «عرشٍ» (بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ) بضم الهمزة، مبنيًّا للمفعول (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]) والظَّاهر أنَّ الذي أنبأَ يحيَى بن أبي كثيرٍ عروةُ بن الزُّبير، والَّذي أنبأَ أبا سَلمة عائشةُ، فإنَّ الحديث مشهورٌ عن عروةَ عن عائشة، ويحتملُ أن يكون مراده بأوَّليَّة المدَّثِّر أوليَّة مخصوصَة بما بعد فترةِ الوحي، أو مقيَّدة بالإنذارِ، لا أوَّليَّة مطلقَة.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، أي: في قولهِ تعالى: (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]) أي: عن النَّجاسة، أو قَصِّرْهَا خلاف جرِّ العربِ ثيابَهم خُيلاء، فربَّما أصابتهَا النَّجاسة، وسقط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.
٤٩٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) هو يحيى بنُ عبدِ الله بنِ بُكيرٍ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ) بنُ سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين مصغَّرًا، ابنِ خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، قال المصنِّف: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي بعضِ النُّسخ «ح» لتحويلِ السَّند: وحدَّثني بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد. ولأبي ذرٍّ: «قال الزُّهريُّ: قال: أخبرني» بالإفراد (١) وفي غيرِ «اليونينية»: «قال الزُّهريُّ: فأخبرني» (٢) (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بنِ عوفٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (٣) (﵄) أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ) أي: في حالِ التَّحديث عن احتباسِ الوَحي عن النُّزول (فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا أَمْشِي) جواب «بينَا» قوله: (إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) هو جبريل (جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَئِثْتُ) بجيم مفتوحة في الفَرْع كأصله، مضمومة في غيرهما (٤)، فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة ففوقية: فزعت (مِنْهُ رُعْبًا) أي: خوفًا، ولأبي ذرٍّ: «فجثثت» بمثلثتين ففوقية من غير همز، قال الكَرْمانيُّ: من الجثِّ وهو القطعُ (فَرَجَعْتُ) إلى خديجةَ (فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) مرَّتين (فَدَثَّرُونِي) غطُّوني (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إِلَى) قوله: (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ) فيهِ إشعارٌ بأنَّ الأمرَ بتطهيرِ الثِّياب كان قبلَ فرضِ الصَّلاة (وَ) الرُّجز (هْيَ الأَوْثَانُ) وأنَّث الضَّمير في قولهِ، و «هي» باعتبارِ أنَّ الخَبر جمعٌ، وفسِّر بالجمعِ نظرًا إلى الجنس. قالَه الكَرْمانيُّ.