الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٩٨
الحديث رقم ٤٩٨ من كتاب «أبواب سترة المصلي» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الصلاة إلى الحربة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى الْعَنَزَةِ
٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بِلَفْظِ: كَانَ الْمِنْبَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ إِلَّا قَدْرُ مَا تَمُرُّ الْعَنَزَةُ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا السِّيَاقِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَرْفُوعٌ.
قَوْلُهُ: (تَجُوزُهَا) وَلِبَعْضِهِمْ: أَنْ تَجُوزَهَا أَيِ: الْمَسَافَةَ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْجِدَارِ. فَإِنْ قِيلَ: مَنْ أَيْنَ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ؟ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُومُ بِجَنْبِ الْمِنْبَرِ، أَيْ: وَلَمْ يَكُنْ لِمَسْجِدِهِ مِحْرَابٌ، فَتَكُونُ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَظِيرَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْجِدَارِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ قَدْرُ مَا كَانَ بَيْنَ مِنْبَرِهِ ﷺ وَجِدَارِ الْقِبْلَةِ.
وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَشِيدٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي تَقَدَّمُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ حِينَ عُمِلَ فَصَلَّى عَلَيْهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ الْمِنْبَرِ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَوْضِعُ قِيَامِ الْمُصَلِّي. فَإِنْ قِيلَ: إِنْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ فَسَجَدَ فِي أَصْلِهِ، وَبَيْنَ أَصْلِ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ الْجِدَارِ أَكْثَرَ مِنْ مَمَرِّ الشَّاةِ أُجِيبَ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ قَدْ حَصَلَ فِي أَعْلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّ الدَّرَجَةَ لَمْ تَتَّسِعْ لِقَدْرِ سُجُودِهِ فَحَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ صَارَتِ الدَّرَجَةُ الَّتِي فَوْقَهُ سُتْرَةً لَهُ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا أَقَلُّ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ، يَعْنِي: قَدْرَ مَمَرِّ الشَّاةِ، وَقِيلَ: أَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أذرع؛ لِحَدِيثِ بِلَالٍ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. وَجَمَعَ الدَّاوُدِيُّ بِأَنَّ أَقَلَّهُ مَمَرُّ الشَّاةِ، وَأَكْثَرَهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَالثَّانِيَ فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قَدَّرُوا مَمَرَّ الشَّاةِ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ.
قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ الدُّنُوَّ مِنَ السُّتْرَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرُ إِمْكَانِ السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ الصُّفُوفِ. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا، وَفِيهِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ.
٩٢ - بَاب الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ
٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ تركَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ) سَاقَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ ببَابٍ.
وقَوْلُهُ: (تُرْكَزُ) أَيْ تُغْرَزُ فِي الْأَرْضِ.
٩٣ - بَاب الصَّلَاةِ إِلَى الْعَنَزَةِ
٤٩٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا.
٥٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ورواة هذا الحديث ثلاثةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ.
(٩٢) (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى) جهة (الحَرْبَةِ) المركوزة بين المصلِّي والقبلة.
٤٩٨ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب القرشيِّ المدنيِّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عبد الله بن عمر» أي: ابن الخطَّاب (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرْكَزُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة المضمومة وفتح الكاف، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «تُركَز» بالفوقيَّة، أي: تُغرَز (لَهُ الحَرْبَةُ) وهي دون الرُّمح (٢)، عريضة النَّصل (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) أي: إلى جهتها.
(٩٣) (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى) جهة (العَنَزَةِ) بفتح العين المُهمَلة والنُّون والزَّاي، وهي أقصر من الحربة، أو «الحربة»: الرُّمح العريض النَّصل، و «العَنَزَة»: مثل نصف الرُّمح.
٤٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الواسطيُّ، ثمَّ
البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) بفتح العين في «عَونٍ»، وضمِّ الجيم وفتح الحاء المُهمَلة في «جُحَيفة» (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أبا جحيفة وهب بن عبد الله (قَالَ) وللأَصيليِّ: «يقول»: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «النَّبيُّ» (ﷺ بِالهَاجِرَةِ) وقت شدَّة الحرِّ عند قيام الظَّهيرة (فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، أي: بماءٍ (فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى) بالفاء، وفي روايةٍ: «وصلَّى» (بِنَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ) جمعًا في وقت الأولى (وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (وَالمَرْأَةُ وَالحِمَارُ) وغيرهما (يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا) أي: من وراء العنزة، ولابدَّ من تقدير: «وغيرهما» للمُطابَقة، ففيه حذفٌ، ومثله قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] قال البيضاويُّ: وقسيم «مَنْ أنفق» محذوفٌ لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، أو هو من إطلاق اسم الجمع على التَّثنية، كما وقع مثله في فصيح الكلام، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقديرٍ، وقول الحافظ ابن حجرٍ: كأنَّه (١) أراد الجنس، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه إذا أُريد به جنس المرأة و (٢) جنس الحمار فيكون تثنيةً أيضًا، وحينئذٍ فلا مُطابَقة، قال: وقول ابن مالكٍ: أراد المرأة والحمار وراكبه، فحذف الرَّاكب لدلالة الحمار عليه، ثمَّ غلب تذكير (٣) الرَّاكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذا العقل على الحمار، فقال: «يمرُّون»، وقد وقع الإخبار عن مذكورٍ ومحذوفٍ في قولهم: راكب البعير طليحان (٤)،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَكِّيٍّ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بِلَفْظِ: كَانَ الْمِنْبَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ إِلَّا قَدْرُ مَا تَمُرُّ الْعَنَزَةُ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا السِّيَاقِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَرْفُوعٌ.
قَوْلُهُ: (تَجُوزُهَا) وَلِبَعْضِهِمْ: أَنْ تَجُوزَهَا أَيِ: الْمَسَافَةَ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْجِدَارِ. فَإِنْ قِيلَ: مَنْ أَيْنَ يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ؟ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُومُ بِجَنْبِ الْمِنْبَرِ، أَيْ: وَلَمْ يَكُنْ لِمَسْجِدِهِ مِحْرَابٌ، فَتَكُونُ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَظِيرَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْجِدَارِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ قَدْرُ مَا كَانَ بَيْنَ مِنْبَرِهِ ﷺ وَجِدَارِ الْقِبْلَةِ.
وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَشِيدٍ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي تَقَدَّمُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ حِينَ عُمِلَ فَصَلَّى عَلَيْهِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ الْمِنْبَرِ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَوْضِعُ قِيَامِ الْمُصَلِّي. فَإِنْ قِيلَ: إِنْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ فَسَجَدَ فِي أَصْلِهِ، وَبَيْنَ أَصْلِ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ الْجِدَارِ أَكْثَرَ مِنْ مَمَرِّ الشَّاةِ أُجِيبَ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ قَدْ حَصَلَ فِي أَعْلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّ الدَّرَجَةَ لَمْ تَتَّسِعْ لِقَدْرِ سُجُودِهِ فَحَصَلَ بِهِ الْمَقْصُودُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ صَارَتِ الدَّرَجَةُ الَّتِي فَوْقَهُ سُتْرَةً لَهُ وَهُوَ قَدْرُ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا أَقَلُّ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ، يَعْنِي: قَدْرَ مَمَرِّ الشَّاةِ، وَقِيلَ: أَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أذرع؛ لِحَدِيثِ بِلَالٍ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ. وَجَمَعَ الدَّاوُدِيُّ بِأَنَّ أَقَلَّهُ مَمَرُّ الشَّاةِ، وَأَكْثَرَهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَالثَّانِيَ فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قَدَّرُوا مَمَرَّ الشَّاةِ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ.
قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ الدُّنُوَّ مِنَ السُّتْرَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَدْرُ إِمْكَانِ السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ الصُّفُوفِ. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالدُّنُوِّ مِنْهَا، وَفِيهِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ.
٩٢ - بَاب الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ
٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ تركَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ) سَاقَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ ببَابٍ.
وقَوْلُهُ: (تُرْكَزُ) أَيْ تُغْرَزُ فِي الْأَرْضِ.
٩٣ - بَاب الصَّلَاةِ إِلَى الْعَنَزَةِ
٤٩٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا.
٥٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ورواة هذا الحديث ثلاثةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ.
(٩٢) (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى) جهة (الحَرْبَةِ) المركوزة بين المصلِّي والقبلة.
٤٩٨ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب القرشيِّ المدنيِّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ عَنْ) مولاه (عَبْدِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «عبد الله بن عمر» أي: ابن الخطَّاب (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرْكَزُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة المضمومة وفتح الكاف، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «تُركَز» بالفوقيَّة، أي: تُغرَز (لَهُ الحَرْبَةُ) وهي دون الرُّمح (٢)، عريضة النَّصل (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) أي: إلى جهتها.
(٩٣) (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى) جهة (العَنَزَةِ) بفتح العين المُهمَلة والنُّون والزَّاي، وهي أقصر من الحربة، أو «الحربة»: الرُّمح العريض النَّصل، و «العَنَزَة»: مثل نصف الرُّمح.
٤٩٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج الواسطيُّ، ثمَّ
البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) بفتح العين في «عَونٍ»، وضمِّ الجيم وفتح الحاء المُهمَلة في «جُحَيفة» (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أبا جحيفة وهب بن عبد الله (قَالَ) وللأَصيليِّ: «يقول»: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «النَّبيُّ» (ﷺ بِالهَاجِرَةِ) وقت شدَّة الحرِّ عند قيام الظَّهيرة (فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، أي: بماءٍ (فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى) بالفاء، وفي روايةٍ: «وصلَّى» (بِنَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ) جمعًا في وقت الأولى (وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (وَالمَرْأَةُ وَالحِمَارُ) وغيرهما (يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا) أي: من وراء العنزة، ولابدَّ من تقدير: «وغيرهما» للمُطابَقة، ففيه حذفٌ، ومثله قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] قال البيضاويُّ: وقسيم «مَنْ أنفق» محذوفٌ لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، أو هو من إطلاق اسم الجمع على التَّثنية، كما وقع مثله في فصيح الكلام، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقديرٍ، وقول الحافظ ابن حجرٍ: كأنَّه (١) أراد الجنس، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه إذا أُريد به جنس المرأة و (٢) جنس الحمار فيكون تثنيةً أيضًا، وحينئذٍ فلا مُطابَقة، قال: وقول ابن مالكٍ: أراد المرأة والحمار وراكبه، فحذف الرَّاكب لدلالة الحمار عليه، ثمَّ غلب تذكير (٣) الرَّاكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذا العقل على الحمار، فقال: «يمرُّون»، وقد وقع الإخبار عن مذكورٍ ومحذوفٍ في قولهم: راكب البعير طليحان (٤)،