الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٨
الحديث رقم ٥٠٨ من كتاب «أبواب سترة المصلي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلاة إلى السرير.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْإِبِلِ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، فَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي السَّفَرِ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا عَلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ، وَنَظِيرُهُ صَلَاتُهُ إِلَى السَّرِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ لِكَوْنِ الْبَيْتِ كَانَ ضَيِّقًا. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ: لَا يُسْتَتَرُ بِامْرَأَةٍ وَلَا دَابَّةٍ، أَيْ: فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى بَعِيرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ رَحْلٌ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا فِي حَالِ شَدِّ الرَّحْلِ عَلَيْهَا أَقْرَبُ إِلَى السُّكُونِ مِنْ حَالِ تَجْرِيدِهَا.
(تَكْمِلَةٌ): اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مُؤَخِّرَةَ الرَّحْلِ فِي مِقْدَارِ أَقَلِّ السُّتْرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا بِفِعْلِ ذَلِكَ. فَقِيلَ ذِرَاعٌ، وَقِيلَ ثُلُثَا ذِرَاعٍ وَهُوَ أَشْهَرُ، لَكِنْ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ مُؤَخِّرَةَ رَحْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَتْ قَدْرَ ذِرَاعٍ.
٩٩ - بَاب الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ
٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لحافي.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّطٌ السَّرِيرَ الَّذِي هِيَ مُضْطَجِعَةٌ عَلَيْهِ. وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى السَّرِيرِ لَا إِلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ دَالَّةٌ عَلَى الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ: كَانَ يُصَلِّي وَالسَّرِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَمَا سَيَأْتِي، فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ.
وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ عَنْ أَصْلِ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ: إِلَى السَّرِيرِ أَيْ: عَلَى السَّرِيرِ، وَادَّعَى قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: عَلَى السَّرِيرِ.
قُلْتُ: وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّ قَوْلَهَا: فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ فَوْقَهُ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَقَدْ بَانَ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَعَدَلْتُمُونَا) هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ مِنْ عَائِشَةَ، قَالَتْهُ لِمَنْ قَالَ بِحَضْرَتِهَا: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَهُنَاكَ نَذْكُرُ مَبَاحِثَ هَذَا الْمَتْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهَا: رَأَيْتُنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، وَقَوْلُهَا: أَنْ أَسْنَحَهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ، أَيْ: أَظْهَرَ لَهُ مِنْ قُدَّامِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ مِنْ قَوْلِكَ: سَنَحَ لِيَ الشَّيْءُ إِذَا عَرَضَ لِي، تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْشَى أَنْ تَسْتَقْبِلَهُ وَهُوَ يُصَلِّي بِبَدَنِهَا، أَيْ مُنْتَصِبَةً. وَقَوْلُهَا: أَنْسَلُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، أَيْ: أَخْرُجُ بِخُفْيَةٍ أَوْ بِرِفْقٍ.
١٠٠ - بَاب يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ، وَفِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ
٥٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ. ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ
يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ.
[الحديث ٥٠٩ - طرفه- في: ٣٢٧٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَمْ غَيْرَهُ.
قولُهُ: (وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ) أَيْ: رَدَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي حَالِ التَّشَهُّدِ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعِنْدَهُمَا أَنَّ الْمَارَّ الْمَذْكُورَ هُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْكَعْبَةِ) قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَفِي الرَّكْعَةِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى.
قُلْتُ: وَرِوَايَةُ الْجُمْهُورِ مُتَّجِهَةٌ، وَتَخْصِيصُ الْكَعْبَةِ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يُتَخَيَّلَ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهَا الْمُرُورُ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ الْمُزَاحَمَةِ. وَقَدْ وَصَلَ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ فِيهِ أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ يُبَادِرُهُ قَالَ: أَيْ: يَرُدُّهُ.
قَوْلُهُ: (إِنْ أَبَى) أَيِ: الْمَارُّ، (إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ) أَيِ: الْمُصَلِّي، (قَاتَلَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: (إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ) بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ، (فَقَاتِلْهُ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، وَقَدْ وَصَلَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ.
قَوْلُهُ: (يُونُسُ) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ، وَقَدْ قَرَنَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَتَهُ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَتَبَيَّنَ مِنْ إِيرَادِهِ أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ لَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا هُوَ لَفْظُ سُلَيْمَانَ أَيْضًا لَا لَفْظُ يُونُسَ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ لَنَا ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ سَاقَ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بِعَيْنِهِ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ مُغَايِرٌ لِلَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدُ الدَّفْعِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ. وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ سُلَيْمَ بْنَ حَيَّانَ تَابَعَ يُونُسَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ.
قُلْتُ: وَالْمُطْلَقُ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُصَلِّي إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ صَلَّى فِي مَشَارِعِ الْمُشَاةِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ وَإِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ. وَفِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهَا: وَلَوْ صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ كَانَتْ وَتَبَاعَدَ مِنْهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ لِتَقْصِيرِهِ وَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ حِينَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْهِ (١) ولكن الأولى تركه.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) وَقَعَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ قَالَ: بَيْنَمَا أَبُو سَعِيدٍ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَهُ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ هَذَا آخِرُ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَفِي تَفْسِيرِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ الْوَلِيدُ هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ اهـ. وَمَرْوَانُ إِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ حِينَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ تَحَوَّلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ خَالَفَهُ. وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ شَابًّا، بَلْ كَانَ فِي عَشْرِ الْخَمْسِينَ فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ: فَأَقْبَلَ ابْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَيَتَّجِهُ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ فِيهِ: إِذْ جَاءَ شَابٌّ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَيْضًا. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ ذُو قَرَابَةٍ لِمَرْوَانَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَلَاءِ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَقَالَ فِيهِ: مَرَّ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَمَرَّ ابْنٌ لِمَرْوَانَ وَسَمَّاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى دَاوُدَ بْنَ مَرْوَانَ، وَلَفْظُهُ: أَرَادَ دَاوُدُ بْنُ مَرْوَانَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَسْمِيَةِ الْمُبْهَمِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ دَاوُدُ بْنُ مَرْوَانَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ وَلَيْسَ مَرْوَانُ مِنْ بَنِيهِ، بَلْ أَبُو مُعَيْطٍ ابْنُ عَمِّ وَالِدِ مَرْوَانَ؛ لِأَنَّهُ أَبُو مُعَيْطِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وَوَالِدُ مَرْوَانَ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَيْسَتْ أُمُّ دَاوُدَ وَلَا أُمُّ مَرْوَانَ وَلَا أُمُّ الْحَكَمِ مِنْ وَلَدِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَاوُدُ نُسِبَ إِلَى أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعَةِ، أَوْ لِكَوْنِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ كَانَ أَخًا لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ لِأُمِّهِ، فَنُسِبَ دَاوُدُ إِلَيْهِ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ تَعَدَّدَتْ لِأَبِي سَعِيدٍ مَعَ غَيْرِ وَاحِدٍ.
فَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحَدِيثَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَخْزُومِيٌّ مَا لَهُ مِنْ أَبِي مُعَيْطٍ نِسْبَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ مَمَرًّا. وَقَوْلُهُ: فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَيْ: أَصَابَ مِنْ عِرْضِهِ بِالشَّتْمِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ: وَلِابْنِ أَخِيكَ؟) أَطْلَقَ الْأُخُوَّةَ بِاعْتِبَارِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمَارَّ غَيْرَ الْوَلِيدِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ عُقْبَةَ قُتِلَ كَافِرًا، وَاسْتَدَلَّ الرَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدَّفْعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَسْلَكٌ غَيْرُهُ، خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَلِابْنِ الرِّفْعَةِ فِيهِ بَحْثٌ سَنُشِيرُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَلْيَدْفَعْهُ)، وَلِمُسْلِمٍ: فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ: بِالْإِشَارَةِ وَلَطِيفِ الْمَنْعِ.
وَقَوْلُهُ: (فَلْيُقَاتِلْهُ) أَيْ: يَزِيدُ فِي دَفْعِهِ الثَّانِي أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا وَالْخُشُوعِ فِيهَا اهـ. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَقِيقَةً، وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ذَلِكَ فِي الْقَبَسِ، وَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ الْمُدَافَعَةُ.
وَأَغْرَبَ الْبَاجِيُّ، فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ اللَّعْنَ أَوِ التَّعْنِيفَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُبْطِلٌ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَلْعَنُهُ دَاعِيًا لَا مُخَاطِبًا، لَكِنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْمُرَادِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ: فَإِنْ أَبَى فَلْيَجْعَلْ يَدَهُ فِي صَدْرِهِ وَيَدْفَعْهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّفْعِ بِالْيَدِ. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَاتَلَةِ دَفْعٌ أَشَدُّ مِنَ الدَّفْعِ الْأَوَّلِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ إِذَا تَعَيَّنَتْ فِي دَفْعِهِ، وَبِنَحْوِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا، فَقَالُوا: يَرُدُّهُ بِأَسْهَلِ الْوُجُوهِ، فَإِنْ أَبَى فَبِأَشَدَّ، وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ. فَلَوْ قَتَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُ مُقَاتَلَتَهُ، وَالْمُقَاتَلَةُ الْمُبَاحَةُ لَا ضَمَانَ فِيهَا. وَنَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ عِنْدَهُمْ خِلَافًا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (١) لجدِّه لشهرته به (٢)، وإلَّا فأبوه محمَّدٌ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الرَّازيُ الكوفيُّ الأصل (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر السُّلميِّ الكوفيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ الكوفيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ) أمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ) لمن قال بحضرتها: يقطع الصَّلاة الكلب والحمار والمرأة: (أَعَدَلْتُمُونَا) بهمزة الإنكار وفتح العين، أي: لِمَ عدلتمونا (بِالكَلْبِ وَالحِمَارِ؟! لَقَدْ) وفي رواية: «ولقد» (رَأَيْتُنِي) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: لقد (٣) أبصرت نفسي حال كوني (مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي) إليه كما بيَّن في رواية مسروقٍ عن عائشة ﵂ عند المؤلِّف في «الاستئذان» [خ¦٦٢٧٦] حيث قالت (٤): كان يصلِّي والسَّرير بينه وبين القبلة، أو المراد: أنَّه جعل نفسه الشَّريفة في وسط السَّرير فيصلِّي (٥) عليه (٦)، ويؤيِّده رواية ابن عساكر: «باب الصَّلاة على السَّرير»، وحروف الجرِّ ينوب بعضها عن بعضٍ، وأُجيب عن حديث مسروقٍ بالحمل على حالةٍ أخرى غير المذكورة هنا (فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ) بضمِّ الهمزة وفتح السِّين المُهمَلة وتشديد النُّون المكسورة وفتح الحاء المُهمَلة، وللأَصيليِّ:
«أُسْنِحَه» بضمٍّ ثمَّ سكونٍ فكسرةٍ ففتحةٍ كذا في الفرع وأصله، وفي فرعٍ آخر: «أَسْنَحَه» بفتحٍ ثمَّ سكونٍ ففتحتين، أي: أكره أن أستقبله منتصبةً ببدني في صلاته (فَأَنْسَلُّ) بهمزة قطعٍ وفتح السِّين المُهمَلة وتشديد اللَّام، عطفًا على «أكره» أي: أخرج بخفيةٍ، أو برفقٍ (مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: من جهة (رِجْلَيِ السَّرِيرِ) بالتَّثنية مع (١) الإضافة لتاليه (حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي) بكسر اللَّام، وهو المرور (٢) بين يديه، فيُستنبَط منه: أنَّ مرور المرأة غير قاطعٍ للصَّلاة، كما إذا كانت بين يدي المصلِّي.
ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ (٣) عن صحابيَّةٍ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا بعد خمسة أبوابٍ [خ¦٥١٤]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».
(١٠٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَرُدُّ المُصَلِّي) ندبًا (مَنْ مَرَّ (٤) بَيْنَ يَدَيْهِ) سواءٌ كان المارُّ آدميًّا أو غيره.
(وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة (المَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) وهو عمرو بن دينارٍ (فِي) حال (التَّشَهُّدِ) في غير الكعبة (وَ) ردَّ أيضًا المارَّ بين يديه (فِي الكَعْبَةِ) فالعطف على مُقدَّرٍ، أو هو على التَّشهُّد، فيكون الرَّدُّ في حالةٍ واحدةٍ في التَّشهُّد وفي الكعبة، وحينئذٍ فلا حاجة لمُقدَّرٍ (٥)، وفي بعض الرِّوايات -كما حكاه ابن قرقول-: «و (٦) في الرَّكعة»
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَالشَّجر فِي التَّرْجَمَة فقد ذكرنَا وَجهه آنِفا.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة تكَرر ذكرهم. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَلَفظه: (آخِرَة الرحل) ، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث أبي ذَر، وَأبي هُرَيْرَة وَأخرج النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (سُئِلَ رَسُول فِي غَزْوَة تَبُوك عَن ستْرَة الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: مثل مؤخرة الرحل.
ذكر مَعْنَاهُ) : قَوْله: (يعرض) ، بتَشْديد الرَّاء من التَّعْرِيض أَي: يَجْعَلهَا عرضا. قَوْله: (أَفَرَأَيْت؟) الْفَاء عاطفة على مُقَدّر بعد الْهمزَة أَي: أَرَأَيْت فِي تِلْكَ الْحَالة، فَرَأَيْت فِي هَذِه الْحَالة الْأُخْرَى، وَالْمعْنَى: أَخْبرنِي عَن هَذِه وَفِي بعض النّسخ: (أَرَأَيْت) بِدُونِ: الْفَاء. فَإِن قلت: من السَّائِل هُنَا وَمن المسؤول عَنهُ؟ قلت: الَّذِي يدل عَلَيْهِ الظَّاهِر أَنه كَلَام نَافِع، وَهُوَ السَّائِل. والمسؤول عَنهُ هُوَ ابْن عمر، وَلَكِن وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عُبَيْدَة بن حميد: عَن عبيد ابْن عمر أَنه كَلَام عبيد ا، والمسؤول نَافِع، فعلى هَذَا يكون هُوَ مُرْسلا، لِأَن فَاعل: يَأْخُذ، هُوَ النَّبِي وَلم يُدْرِكهُ نَافِع. قَوْله: (إِذا هبت الركاب) ، هبت بِمَعْنى: هَاجَتْ وتحركت، يُقَال: هَب الْفَحْل إِذا هاج، وهب العير فِي السّير إِذا نشط. وَقَالَ ابْن بطال: هبت أَي زَالَت عَن موضعهَا وتحركت. يُقَال: هَب النَّائِم من نَومه إِذا قَامَ، وَقَيده الْأصيلِيّ بِضَم الْهَاء، وَالْفَتْح أصوب، والركاب، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا وَالْوَاحد الرَّاحِلَة، وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَالْجمع الركب مثل الْكتب. قَوْله: (فيعدله) ، من التَّعْدِيل وَهُوَ تَقْوِيم الشَّيْء. يُقَال: عدلته فاعتدل أَي: قومته فاستقام، وَالْمعْنَى يقيمه تِلْقَاء وَجهه، لِأَن الْإِبِل إِذا هَاجَتْ شوشت على الْمُصَلِّي لعدم استقرارها، فَحِينَئِذٍ كَانَ النَّبِي،، يعدل عَنْهَا إِلَى الراحل فَيَجْعَلهُ ستْرَة. وَقد ضبط بَعضهم: فيعدله، بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْعين وَكسر الدَّال، ثمَّ فسره بقوله: أَي يقيمه تِلْقَاء وَجهه، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ من بَاب: فعل، بِالتَّشْدِيدِ، لكنه يَأْتِي بِمَعْنى: فعل بِالتَّخْفِيفِ، كَمَا يُقَال: زلتحه وزيلته، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى: فرقته. قَوْله: (إِلَى آخرته) ، بِفَتْح الْهمزَة وَالْخَاء وَالرَّاء بِلَا مد أَي: فصلى إِلَى آخِرَة الرحل، وَيجوز الْمَدّ فِي الْهمزَة، وَلَكِن بِكَسْر الْخَاء، وَهِي الْخَشَبَة الَّتِي يسْتَند إِلَيْهَا الرَّاكِب. قَوْله: (أَو قَالَ مؤخرته) ، فِي ضَبطه وُجُوه: الأول: بِضَم الْمِيم وَكسر الْخَاء وهمزة سَاكِنة، قَالَه النَّوَوِيّ. وَالثَّانِي: بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الْخَاء الْمُشَدّدَة. وَالثَّالِث: إسكان الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء، وَقَالَ أَبُو عبيد: يجوز كسر الْخَاء وَفتحهَا، وَأنكر ابْن قُتَيْبَة الْفَتْح، وَقَالَ ابْن مكي: لَا يُقَال مقدم ومؤخر بِالْكَسْرِ إلَاّ فِي العير خَاصَّة، وَأما فِي غَيرهَا فَلَا يُقَال: إِلَّا بِالْفَتْح فَقَط، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مؤخرة الرحل لُغَة قَليلَة فِي أَخَّرته، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء وَفتحهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مؤخرة الرحل الْعود الَّذِي يكون فِي آخر الرحل بِضَم الْمِيم وَكسر الْخَاء. وَالرَّابِع روى بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله) ، مقول: نَافِع، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يَفْعَله، يرجع إِلَى كل وَاحِد من التَّعْرِيض وَالتَّعْدِيل اللَّذين يدل عَلَيْهِمَا، قَوْله: يعرض، وَقَوله: فيعدله، من قبيل قَوْله تَعَالَى: {أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: ٨) أَي: الْعدْل أقرب للتقوى، فَافْهَم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز الستْرَة بِمَا يثبت من الْحَيَوَان. قَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ تجوز الصَّلَاة إِلَى كل شَيْء طَاهِر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز التستر بِالْحَيَوَانِ، وَلَا يُعَارضهُ النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي معاطن الْإِبِل لِأَن المعاطن مَوَاضِع إِقَامَتهَا عِنْد المَاء، وَكَرَاهَة الصَّلَاة حِينَئِذٍ عِنْدهَا إِمَّا لشدَّة نتنها، وَإِمَّا لأَنهم كَانُوا يتخلون بهَا مستترين بهَا. وَقيل: عِلّة النَّهْي فِي ذَلِك كَون الْإِبِل خلقت من الشَّيَاطِين، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْإِبِل.
٩٩ - (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ)
أَي: بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة إِلَى السرير، وَمرَاده: على السرير، لِأَن لفظ الحَدِيث: (فيتوسط السرير فَيصَلي) ، فَهَذَا يدل على أَنه يُصَلِّي على السرير، على أَن فِي بعض النّسخ: بَاب الصَّلَاة على السرير، نبه عَلَيْهِ الْكرْمَانِي، وَقَالَ: حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض. فَإِن قلت: قَوْله: (فيتوسط السرير) ، يَشْمَل مَا إِذا كَانَ فَوْقه أَو أَسْفَل مِنْهُ. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَن معنى قَوْله: (فيتوسط السرير) يَجْعَل نَفسه فِي وسط السرير. فَإِن قلت: ذكر البُخَارِيّ فِي الإستئذان حَدِيث الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن
عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا: (كَانَ يُصَلِّي والسرير بَينه وَبَين الْقبْلَة) . فَهَذَا يبين أَن المُرَاد من حَدِيث الْبَاب أَسْفَل السرير. قلت: لَا نسلم ذَلِك لاخْتِلَاف العبارتين مَعَ احْتِمَال كَونهمَا فِي الْحَالَتَيْنِ، فَإِذا علمت هَذَا علمت أَن قَول الْإِسْمَاعِيلِيّ: بِأَنَّهُ دَال على الصَّلَاة على السرير لَا إِلَى السرير، غير وَارِد، يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ.
٠٠١ - (بابٌ يِرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يرد الْمُصَلِّي من مر بَين يَدَيْهِ، وسنبين هَل الرَّد إِذا مر بَين يَدَيْهِ فِي مَوضِع سُجُوده؟ أَو يردهُ مُطلقًا؟ أَو لَهُ حد مَعْلُوم؟ وَأَن الرَّد وَاجِب أم سنة أم مُسْتَحبّ؟ وَأَنه مُقَيّد بمَكَان مَخْصُوص أَو فِي جَمِيع الْأَمْكِنَة؟ على مَا نذكرهُ مفصلا إِن شَاءَ اتعالى.
ورَدَّ ابنُ عُمَرَ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الْكَعْبَةِ وَقَالَ إنْ أبَى إلَاّ أنْ تُقَاتِلَهُ قَقَاتِلْهُ
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وَهِي ظَاهِرَة لِأَن ابْن عمر رد الْمَار من بَين يَدَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة.
الثَّانِي فِي معنى التَّرْكِيب: فَقَوله: ورد ابْن عمر، أَي: رد عبد ابْن عمر بن الْخطاب المارَّ بَين يَدَيْهِ حَال كَونه فِي التَّشَهُّد، وَكَانَ هَذَا الْمَار هُوَ: عَمْرو بن دِينَار، نبه عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة فِي مصنفيهما. قَوْله: (فِي الْكَعْبَة) أَي، ورد أَيْضا فِي الْكَعْبَة. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عطف على مُقَدّر، أَي: رد الْمَار بَين يَدَيْهِ عِنْد كَونه فِي الصَّلَاة وَفِي غير الْكَعْبَة وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ كَون الرَّد فِي حَالَة وَاحِدَة جمعا بَين كَونه فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة، فَلَا حَاجَة إِلَى مقد. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الإشبيلي فِي كِتَابه (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : كَذَا وَقع، وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ ابْن قرقول: ورد ابْن عمر فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: وَفِي الرَّكْعَة، بَدَلا من: الْكَعْبَة، أشبه. وَكَذَا وَقع فِي بعض الْأُصُول: الرَّكْعَة. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالظَّاهِر أَنه: وَفِي الْكَعْبَة، وَهُوَ الصَّوَاب كَمَا فِي كتاب الصَّلَاة لأبي نعيم: حدّثنا عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون عَن صَالح بن كيسَان، قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي فِي الْكَعْبَة فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ يبادره. قَالَ بردة: حدّثنا مطر بن خَليفَة حدّثنا عَمْرو بن دِينَار قَالَ: مَرَرْت بِابْن عمر بعده مَا جلس فِي آخر صلَاته حَتَّى أنظر مَا يصنع، فارتفع من مَكَانَهُ، فَدفع فِي صَدْرِي. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: أخبرنَا ابْن فُضَيْل عَن مطر عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: مَرَرْت بَين يَدي ابْن عمر وَهُوَ فِي الصَّلَاة فارتفع من قعوده ثمَّ دفع فِي صَدْرِي، وَفِي كتاب (الصَّلَاة) لأبي نعيم: فانتهزني بتسبيحة، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة الْجُمْهُور متجهة، وَتَخْصِيص الْكَعْبَة بِالذكر لِئَلَّا يتخيل أَنه يغْتَفر فِيهَا الْمُرُور لكَونهَا مَحل الْمُزَاحمَة. قلت: الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر ان ابْن عمر فِي الرَّد فِي غير الْكَعْبَة، وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا فَلَا يُقَال: فِيهِ التَّخْصِيص، وَالتَّعْلِيل فِيهِ بِكَوْن مَحل الْمُزَاحمَة غير موجه لِأَن فِي غير الْكَعْبَة أَيْضا تُوجد الْمُزَاحمَة، سِيمَا فِي أَيَّام الْجمع فِي الْجَوَامِع وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: ابْن عمر: (إِن أَبى) أَي: الْمَار، أَي: امْتنع بِكُل وَجه إلَاّ بِأَن يُقَاتل الْمُصَلِّي الْمَار قَاتله. قَوْله: (إِلَّا أَن يقاتله) وَقَوله: قَاتله، على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون لفظ: قَاتله، بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي، وَهَذَا عِنْد كَون لفظ (إِلَّا أَن يقاتله) بِصِيغَة الْفِعْل الْمُضَارع الْمَعْلُوم، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الْمَار الَّذِي هُوَ فَاعل لَفْظَة: أبي، والمنصوب يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: قَاتله، يرجع إِلَى الْمُصَلِّي والمنصوب يرجع إِلَى: الْمَار، وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون لَفْظَة (إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ) بِصِيغَة الْمُخَاطب: أَي إلَاّ أَن تقَاتل الْمَار (فقاتله) بِكَسْر التَّاء وَسُكُون اللَّام على صِيغَة الْأَمر للحاضر، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَالْأول رِوَايَة الْأَكْثَرين. فَإِن قلت: لَفْظَة: قَاتله، فِي الْوَجْه الثَّانِي جملَة أمرية، وَالْجُمْلَة الأمرية إِذا وَقعت جَزَاء للشرطية فَلَا بُد فِيهَا من الْفَاء. قلت: تَقْدِير الْكَلَام: فَأَنت قَاتله، قَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز حذف الْفَاء مِنْهَا نَحْو:
من يفعل الْحَسَنَات ايشكرها
قلت: حذف الْفَاء مِنْهَا لضَرُورَة الْوَزْن فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، ويروى: فقاتله بِالْفَاءِ على الأَصْل.
النَّوْع الثَّالِث فِي أَن الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر هَهُنَا على سَبِيل التَّعْلِيق بِثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: رده الْمَار فِي التَّشَهُّد، وَقد وَصله أَبُو نعيم وَابْن أبي شيبَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. الثَّانِي: رده فِي الْكَعْبَة، وَقد وَصله أَبُو نعيم أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي حَدِيث يزِيد الْفَقِير: صليت إِلَى جنب ابْن عمر بِمَكَّة فَلم أر رجلا أكره أَن يمر بَين يَدَيْهِ مِنْهُ. الثَّالِث: أمره بالمقاتلة عِنْد عدم امْتنَاع الْمَار من الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي، وَقد وَصله عبد الرَّزَّاق، وَلَفظه عَن ابْن عمر قَالَ: لَا تدع أحدا يمر بَين يَديك وَأَنت تصلي، فَإِن أبي إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ فقاتله. وَهَذَا مُوَافق لرِوَايَة الْكشميهني.
٩٠٥ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدّثنا يُونُسُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عنْ أبي صالِحٍ أنَّ أبَا سعِيدٍ قَالَ قَالَ النبيُّ (ح) وحدّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ قَالَ حدّثنا حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ الْعَدَوى قَالَ حدّثنا أبُو صالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فِي يَوْم جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ شَابٌّ من بَني أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغَاً إِلَاّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أبُو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأُولَى فَنَالَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ
فَشَكَا إليْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ودَخَلَ أبُو سًعيدٍ خَلْفَهُ عَلى مَرْوانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أخِيكَ يَا أبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْت النبيَّ يَقُولُ إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ أحدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإِنمَا هُوَ شَيْطَانٌ. (الحَدِيث ٩٠٥ طرفَة فِي: ٤٧٢٣) .
١١
- ٥٠ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد ابْن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: اللَّهُمَّ علمه الْكتاب. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد، تقدم أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب. الثَّالِث: يُونُس بن عبيد، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن دِينَار أَبُو عبد االبصري، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الرَّابِع: حميد، بِضَم الْحَاء: تَصْغِير الْحَمد بن هِلَال، بِكَسْر الْهَاء وَتَخْفِيف اللَّام: الْعَدوي، بِفَتْح الْعين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ: التَّابِعِيّ الْجَلِيل. الْخَامِس: أَبُو صَالح ذكْوَان السمان، وَقد تكَرر، ذكره. السَّادِس: آدم بن أبي إِيَاس. السَّابِع سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ. الثَّامِن: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك.
وَذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع من الْمَاضِي فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل والرؤية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون إلَاّ أَبَا صَالح فَإِنَّهُ مدنِي، وآدَم فَإِنَّهُ عسقلاني. وَفِيه: أَن آدم من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ لم يخرج لِسُلَيْمَان بن الْمُغيرَة شَيْئا مَوْصُولا إلَاّ هَذَا الحَدِيث، ذكره أَبُو مَسْعُود وَغَيره. وَفِيه: التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر الحَدِيث، وعلامته حرف: الْحَاء، المفردة. وَفِيه: فِي الْإِسْنَاد الأول: حميد عَن أبي صَالح أَن أَبَا سعيد، وَفِي الثَّانِي: قَالَ أَبُو صَالح: رَأَيْت أَبَا سعيد. وَالثَّانِي أقوى. وَفِيه: أَن فِي الثَّانِي ذكر قصَّة لَيست فِي الأول، وَقد سَاق البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب بَدْء الْخلق بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقه هُنَاكَ من رِوَايَة يُونُس بِعَيْنِه، وَهَهُنَا من لفظ سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة لَا من لفظ يُونُس.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي معمر فِي صفة إِبْلِيس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن شَيبَان بن فروخ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى ابْن اسماعيل.
ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (فَأَرَادَ شَاب من بني أبي معيط) وَوَقع فِي (كتاب الصَّلَاة) لأبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن، قَالَ: حدّثنا عبد ابْن عَامر عَن زيد بن أسلم، قَالَ: (بَيْنَمَا أَبُو سعيد قَائِم يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَأقبل الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط، فَأَرَادَ أَن يمر بَين يَدَيْهِ فَرده، فَأبى إلَاّ أَن يمر فَدفعهُ ولكمه) . فَهَذَا يدل على أَن هَذَا الشَّاب هُوَ الْوَلِيد بن عقبَة، وَفِي (المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حدّثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين، قَالَ: (كَانَ أَبُو سعيد قَائِما يُصَلِّي فجَاء عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام يمر بَين يَدَيْهِ فَمَنعه، فَأبى إلَاّ أَن يَجِيء فَدفعهُ أَبُو سعيد فطرحه. فَقيل لَهُ: تصنع هَذَا بِعَبْد الرَّحْمَن؟ فَقَالَ: وَا لَو أَبى إِلَّا أَن آخذ بِشعرِهِ لأخذت) . وروى عبد الرَّزَّاق حَدِيث الْبَاب عَن دَاوُد بن قيس عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد عَن أَبِيه فَقَالَ فِيهِ: إِذْ جَاءَ شَاب، وَلم يسمعهُ. وَعَن معمر عَن زيد بن أسلم فَقَالَ فِيهِ: فَذهب ذُو قرَابَة لمروان. وَمن طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن أبي سعيد فَقَالَ فِيهِ: فَمر رجل بَين يَدَيْهِ من بني مَرْوَان، وَالنَّسَائِيّ من وَجه آخر فَمر ابْن لمروان، وَسَماهُ عبد الرَّزَّاق من طَرِيق سُلَيْمَان بن مُوسَى دَاوُد بن مَرْوَان، وَلَفظه: أَرَادَ دَاوُد بن مَرْوَان أَن يمر بَين يَدي أبي سعيد، ومروان يَوْمئِذٍ أَمِير بِالْمَدِينَةِ، فَذكر الحَدِيث وَبِه جزم ابْن الْجَوْزِيّ، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة الْمُبْهم الَّذِي فِي الصَّحِيح، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة لأبي سعيد مَعَ غير وَاحِد، لِأَن فِي تعْيين وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعَ كَون اتِّحَاد الْوَاقِعَة نظرا، لَا يخفى.
قَوْله: (من بني أبي معيط) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره طاء مُهْملَة. وَأَبُو معيط فِي قُرَيْش واسْمه: أبان بن أبي عَمْرو زكوان بن أُميَّة الْأَكْبَر هُوَ وَالِد عقبَة بن أبي معيط الَّذِي قَتله رَسُول الله صبرا. ومعيط تَصْغِير: أمعط، وَهُوَ الَّذِي لَا شعرعليه، والأمعط والأمرط سَوَاء. قَوْله: (أَن يجتاز) ، بِالْجِيم من الْجَوَاز. قَوْله: (فَلم يجد مساغاً) ، بِفَتْح الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: طَرِيقا يُمكنهُ الْمُرُور مِنْهَا. يُقَال: سَاغَ الشَّرَاب فِي الْحلق إِذا نزل من غير الضَّرَر، وساغ الشَّيْء طَابَ. قَوْله: (من الأولى) أَي: من الْمرة
الأولى أَو الدفعة الأولى. قَوْله: (فنال من أبي سعيد) بالنُّون أَي: أصَاب من عرضة بالشتم، وَهُوَ من النّيل، وَهُوَ الْإِصَابَة. قَوْله: (ثمَّ دخل على مَرْوَان) ، وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، بِفَتْح الْكَاف: ر الْأمَوِي أَبُو عبد الْملك، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي، قَالَه الْوَاقِدِيّ وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، توفّي النَّبِي، وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، مَاتَ بِدِمَشْق لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَقد تقدم ذكره فِي بَاب البزاق والمخاط. قَوْله: (فَقَالَ: مَالك؟) أَي فَقَالَ مَرْوَان، فكلمة: مَا مُبْتَدأ و: لَك خَبره. (و: لِابْنِ أَخِيك) عطف عَلَيْهِ بِإِعَادَة الْخَافِض، وَأطلق الْأُخوة بِاعْتِبَار أَن الْمُؤمنِينَ أخوة، وَفِيه تأييد لقَوْل من قَالَ إِن الْمَار بَين يَدي أبي سعيد الَّذِي دَفعه غير الْوَلِيد، لِأَن أَبَاهُ عقبَة قتل كَافِرًا. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: ولأخيك، بِحَذْف الأبن. قلت: نظرا إِلَى أَنه كَانَ شَابًّا أَصْغَر مِنْهُ.
قَوْله: (فليدفعه) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فليدفع فِي نَحره) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَي بِالْإِشَارَةِ، ولطيف الْمَنْع. قَوْله: (فليقاتله) ، بِكَسْر اللَّام الجازمة وبسكونها. قَوْله: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) ، هَذَا من بَاب التَّشْبِيه حذف مِنْهُ أَدَاة التَّشْبِيه للْمُبَالَغَة أَي: إِنَّمَا هُوَ كشيطان، أَو يُرَاد بِهِ شَيْطَان الْإِنْس، وَإِطْلَاق الشَّيْطَان على المارد من الْإِنْس سَائِغ شَائِع، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: {شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ} (الْأَنْعَام: ٢١١) وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الشَّيْطَان يحملهُ على ذَلِك ويحركه إِلَيْهِ، وَقد يكون أَرَادَ بالشيطان الْمَار بَين يَدَيْهِ نَفسه، وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان هُوَ المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك الشَّيْطَان، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث ابْن عمر عِنْد مُسلم: (لَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِن مَعَه القرين) . وَعند أبن مَاجَه: (قَالَ: القرين) ، وَقَالَ المنكدري: فَإِنَّهُ مَعَه الْعُزَّى وَقيل: مَعْنَاهُ: إِنَّمَا هُوَ فعل الشَّيْطَان لشغل قلب الْمُصَلِّي، كَمَا يخْطر الشَّيْطَان بَين الْمَرْء وَنَفسه.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ اتِّخَاذ الستْرَة للْمُصَلِّي، وَزعم ابْن الْعَرَبِيّ أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي وجوب وضع الستْرَة بَين يَدي الْمُصَلِّي على ثَلَاثَة أَقْوَال. الأول: أَنه وَاجِب، فَإِن لم يجد وضع خطا، وَبِه قَالَ أَحْمد، كَأَنَّهُ اعْتمد حَدِيث ابْن عمر الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم: (لَا تصلي إلَاّ إِلَى ستْرَة وَلَا تدع أحدا يمر بَين يَديك) . وَعَن أبي نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) : حدّثنا سُلَيْمَان، أَظُنهُ عَن حميد بن هِلَال، قَالَ عمر ابْن الْخطاب: لَو يعلم الْمُصَلِّي مَا ينقص من صلَاته مَا صلى إِلَّا إِلَى شَيْء يستره من النَّاس، وَعند ابْن أبي شيبَة، عَن ابْن مَسْعُود: (إِنَّه ليقطع نصف صَلَاة الْمَرْء الْمُرُور بَين يَدَيْهِ) . الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحبَّة، ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ. الثَّالِث: جَوَاز تَركهَا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن مَالك. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: الأَصْل فِي الستْرَة أَنَّهَا مُسْتَحبَّة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يستحبون إِذا صلوا فِي الفضاء أَن يكون بَين أَيْديهم مَا يسترهم. وَقَالَ عَطاء، لَا بَأْس بترك الستْرَة، وَصلى الْقَاسِم وَسَالم فِي الصَّحرَاء إِلَى غير ستْرَة، ذكر ذَلِك كُله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .
وَاعْلَم أَن الْكَلَام فِي هَذَا على عشرَة أَنْوَاع: الأول: أَن الستْرَة وَاجِبَة أَو لَا؟ وَقد مر الْآن. الثَّانِي: مِقْدَار مَوضِع يكره الْمُرُور فِيهِ، فَقيل: مَوضِع سُجُوده، وَهُوَ اخْتِيَار شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام قاضيخان، وَقيل: مِقْدَار صفّين أَو ثَلَاثَة، وَقيل: بِثَلَاثَة أَذْرع، وَقيل: بِخَمْسَة أَذْرع. وَقيل: بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعا، وَقدر الشَّافِعِي وَأحمد بِثَلَاثَة أَذْرع، وَلم يحد مَالك فِي ذَلِك حدا إلاّ أَن ذَلِك بِقدر مَا يرْكَع فِيهِ وَيسْجد ويتمكن من دفع من مر بَين يَدَيْهِ. وَالثَّالِث: أَنه يسْتَحبّ لمن صلى فِي الصَّحرَاء أَن يتَّخذ أَمَامه ستْرَة، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فليجعل تِلْقَاء وَجهه شَيْئا، فَإِن لم يجد فلينصب عَصا، فَإِن لم يكن لَهُ عَصا، فليخط خطا وَلَا يضرّهُ مَا مر أَمَامه) . وخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَذكر عبد الْحق أَن ابْن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل صَحَّحَاهُ، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف وَإِن كَانَ قد أَخذ بِهِ أَحْمد. وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: لم نجد شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث. وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث يَقُول: عنْدكُمْ شَيْء تشدون بِهِ، وَأَشَارَ الشَّافِعِي إِلَى ضعفه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ ضعف وأضطراب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَا بَأْس بِهِ فِي مثل هَذَا الجكم.
الرَّابِع: مِقْدَار الستْرَة، قد ورد: قدر ذِرَاع، وَقد ذكرنَا الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِيمَا مضى عَن قريب. وَالْخَامِس: يَنْبَغِي أَن يكون فِي غلظ الإصبع لِأَن مَا دونه لَا يَبْدُو للنَّاظِر من بعيد. وَالسَّادِس: يقرب من الستْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. وَالسَّابِع: أَن يَجْعَل الستْرَة على حَاجِبه الْأَيْمن، أَو على الْأَيْسَر، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمِقْدَاد بن الْأسود، قَالَ: (مَا رَأَيْت سَوَّلَ الله يُصَلِّي إِلَى عود وَلَا عَمُود وَلَا شَجَرَة إلَاّ جعله على حَاجِبه الْأَيْمن أَو الْأَيْسَر، وَلَا يصمد لَهُ صمداً) ، يَعْنِي لم يَقْصِدهُ قصدا بالمواجهة،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْإِبِلِ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، فَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي السَّفَرِ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا عَلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ، وَنَظِيرُهُ صَلَاتُهُ إِلَى السَّرِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ لِكَوْنِ الْبَيْتِ كَانَ ضَيِّقًا. وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ: لَا يُسْتَتَرُ بِامْرَأَةٍ وَلَا دَابَّةٍ، أَيْ: فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى بَعِيرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ رَحْلٌ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا فِي حَالِ شَدِّ الرَّحْلِ عَلَيْهَا أَقْرَبُ إِلَى السُّكُونِ مِنْ حَالِ تَجْرِيدِهَا.
(تَكْمِلَةٌ): اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مُؤَخِّرَةَ الرَّحْلِ فِي مِقْدَارِ أَقَلِّ السُّتْرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا بِفِعْلِ ذَلِكَ. فَقِيلَ ذِرَاعٌ، وَقِيلَ ثُلُثَا ذِرَاعٍ وَهُوَ أَشْهَرُ، لَكِنْ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ مُؤَخِّرَةَ رَحْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَتْ قَدْرَ ذِرَاعٍ.
٩٩ - بَاب الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ
٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لحافي.
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّطٌ السَّرِيرَ الَّذِي هِيَ مُضْطَجِعَةٌ عَلَيْهِ. وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى السَّرِيرِ لَا إِلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ دَالَّةٌ عَلَى الْمُرَادِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ: كَانَ يُصَلِّي وَالسَّرِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَمَا سَيَأْتِي، فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْبَابِ.
وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ عَنْ أَصْلِ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ: إِلَى السَّرِيرِ أَيْ: عَلَى السَّرِيرِ، وَادَّعَى قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: عَلَى السَّرِيرِ.
قُلْتُ: وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّ قَوْلَهَا: فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ فَوْقَهُ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَقَدْ بَانَ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَعَدَلْتُمُونَا) هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ مِنْ عَائِشَةَ، قَالَتْهُ لِمَنْ قَالَ بِحَضْرَتِهَا: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، كَمَا سَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَهُنَاكَ نَذْكُرُ مَبَاحِثَ هَذَا الْمَتْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهَا: رَأَيْتُنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، وَقَوْلُهَا: أَنْ أَسْنَحَهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ، أَيْ: أَظْهَرَ لَهُ مِنْ قُدَّامِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ مِنْ قَوْلِكَ: سَنَحَ لِيَ الشَّيْءُ إِذَا عَرَضَ لِي، تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْشَى أَنْ تَسْتَقْبِلَهُ وَهُوَ يُصَلِّي بِبَدَنِهَا، أَيْ مُنْتَصِبَةً. وَقَوْلُهَا: أَنْسَلُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ، أَيْ: أَخْرُجُ بِخُفْيَةٍ أَوْ بِرِفْقٍ.
١٠٠ - بَاب يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ، وَفِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ
٥٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ. ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ
يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ.
[الحديث ٥٠٩ - طرفه- في: ٣٢٧٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَمْ غَيْرَهُ.
قولُهُ: (وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ) أَيْ: رَدَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي حَالِ التَّشَهُّدِ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَعِنْدَهُمَا أَنَّ الْمَارَّ الْمَذْكُورَ هُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْكَعْبَةِ) قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ: وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَفِي الرَّكْعَةِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى.
قُلْتُ: وَرِوَايَةُ الْجُمْهُورِ مُتَّجِهَةٌ، وَتَخْصِيصُ الْكَعْبَةِ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يُتَخَيَّلَ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهَا الْمُرُورُ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ الْمُزَاحَمَةِ. وَقَدْ وَصَلَ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ فِيهِ أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ يُبَادِرُهُ قَالَ: أَيْ: يَرُدُّهُ.
قَوْلُهُ: (إِنْ أَبَى) أَيِ: الْمَارُّ، (إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ) أَيِ: الْمُصَلِّي، (قَاتَلَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: (إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ) بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ، (فَقَاتِلْهُ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا، وَقَدْ وَصَلَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ.
قَوْلُهُ: (يُونُسُ) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ، وَقَدْ قَرَنَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَتَهُ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَتَبَيَّنَ مِنْ إِيرَادِهِ أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ لَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا هُوَ لَفْظُ سُلَيْمَانَ أَيْضًا لَا لَفْظُ يُونُسَ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ لَنَا ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ سَاقَ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بِعَيْنِهِ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ مُغَايِرٌ لِلَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا، وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدُ الدَّفْعِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ. وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ سُلَيْمَ بْنَ حَيَّانَ تَابَعَ يُونُسَ، عَنْ حُمَيْدٍ عَلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ.
قُلْتُ: وَالْمُطْلَقُ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُصَلِّي إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ صَلَّى فِي مَشَارِعِ الْمُشَاةِ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ وَإِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ. وَفِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهَا: وَلَوْ صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ كَانَتْ وَتَبَاعَدَ مِنْهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ لِتَقْصِيرِهِ وَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ حِينَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْهِ (١) ولكن الأولى تركه.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) وَقَعَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ قَالَ: بَيْنَمَا أَبُو سَعِيدٍ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَهُ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ هَذَا آخِرُ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَفِي تَفْسِيرِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ الْوَلِيدُ هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ. زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ اهـ. وَمَرْوَانُ إِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ حِينَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ تَحَوَّلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ خَالَفَهُ. وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ شَابًّا، بَلْ كَانَ فِي عَشْرِ الْخَمْسِينَ فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ: فَأَقْبَلَ ابْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَيَتَّجِهُ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، فَقَالَ فِيهِ: إِذْ جَاءَ شَابٌّ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَيْضًا. وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ ذُو قَرَابَةٍ لِمَرْوَانَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَلَاءِ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَقَالَ فِيهِ: مَرَّ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: فَمَرَّ ابْنٌ لِمَرْوَانَ وَسَمَّاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى دَاوُدَ بْنَ مَرْوَانَ، وَلَفْظُهُ: أَرَادَ دَاوُدُ بْنُ مَرْوَانَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَسْمِيَةِ الْمُبْهَمِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ دَاوُدُ بْنُ مَرْوَانَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ وَلَيْسَ مَرْوَانُ مِنْ بَنِيهِ، بَلْ أَبُو مُعَيْطٍ ابْنُ عَمِّ وَالِدِ مَرْوَانَ؛ لِأَنَّهُ أَبُو مُعَيْطِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وَوَالِدُ مَرْوَانَ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَلَيْسَتْ أُمُّ دَاوُدَ وَلَا أُمُّ مَرْوَانَ وَلَا أُمُّ الْحَكَمِ مِنْ وَلَدِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَاوُدُ نُسِبَ إِلَى أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعَةِ، أَوْ لِكَوْنِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ كَانَ أَخًا لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ لِأُمِّهِ، فَنُسِبَ دَاوُدُ إِلَيْهِ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ تَعَدَّدَتْ لِأَبِي سَعِيدٍ مَعَ غَيْرِ وَاحِدٍ.
فَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحَدِيثَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَخْزُومِيٌّ مَا لَهُ مِنْ أَبِي مُعَيْطٍ نِسْبَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ مَمَرًّا. وَقَوْلُهُ: فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَيْ: أَصَابَ مِنْ عِرْضِهِ بِالشَّتْمِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ: وَلِابْنِ أَخِيكَ؟) أَطْلَقَ الْأُخُوَّةَ بِاعْتِبَارِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمَارَّ غَيْرَ الْوَلِيدِ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ عُقْبَةَ قُتِلَ كَافِرًا، وَاسْتَدَلَّ الرَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدَّفْعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَسْلَكٌ غَيْرُهُ، خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَلِابْنِ الرِّفْعَةِ فِيهِ بَحْثٌ سَنُشِيرُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَلْيَدْفَعْهُ)، وَلِمُسْلِمٍ: فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَيْ: بِالْإِشَارَةِ وَلَطِيفِ الْمَنْعِ.
وَقَوْلُهُ: (فَلْيُقَاتِلْهُ) أَيْ: يَزِيدُ فِي دَفْعِهِ الثَّانِي أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ. قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ، لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا وَالْخُشُوعِ فِيهَا اهـ. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَقِيقَةً، وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ذَلِكَ فِي الْقَبَسِ، وَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ الْمُدَافَعَةُ.
وَأَغْرَبَ الْبَاجِيُّ، فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ اللَّعْنَ أَوِ التَّعْنِيفَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُبْطِلٌ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَلْعَنُهُ دَاعِيًا لَا مُخَاطِبًا، لَكِنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْمُرَادِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ: فَإِنْ أَبَى فَلْيَجْعَلْ يَدَهُ فِي صَدْرِهِ وَيَدْفَعْهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّفْعِ بِالْيَدِ. وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَاتَلَةِ دَفْعٌ أَشَدُّ مِنَ الدَّفْعِ الْأَوَّلِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ إِذَا تَعَيَّنَتْ فِي دَفْعِهِ، وَبِنَحْوِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا، فَقَالُوا: يَرُدُّهُ بِأَسْهَلِ الْوُجُوهِ، فَإِنْ أَبَى فَبِأَشَدَّ، وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ. فَلَوْ قَتَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُ مُقَاتَلَتَهُ، وَالْمُقَاتَلَةُ الْمُبَاحَةُ لَا ضَمَانَ فِيهَا. وَنَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ عِنْدَهُمْ خِلَافًا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٠٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (١) لجدِّه لشهرته به (٢)، وإلَّا فأبوه محمَّدٌ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد الرَّازيُ الكوفيُّ الأصل (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر السُّلميِّ الكوفيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النَّخعيِّ الكوفيِّ (عَنِ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيِّ (عَنْ) أمِّ المؤمنين (عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ) لمن قال بحضرتها: يقطع الصَّلاة الكلب والحمار والمرأة: (أَعَدَلْتُمُونَا) بهمزة الإنكار وفتح العين، أي: لِمَ عدلتمونا (بِالكَلْبِ وَالحِمَارِ؟! لَقَدْ) وفي رواية: «ولقد» (رَأَيْتُنِي) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: لقد (٣) أبصرت نفسي حال كوني (مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي) إليه كما بيَّن في رواية مسروقٍ عن عائشة ﵂ عند المؤلِّف في «الاستئذان» [خ¦٦٢٧٦] حيث قالت (٤): كان يصلِّي والسَّرير بينه وبين القبلة، أو المراد: أنَّه جعل نفسه الشَّريفة في وسط السَّرير فيصلِّي (٥) عليه (٦)، ويؤيِّده رواية ابن عساكر: «باب الصَّلاة على السَّرير»، وحروف الجرِّ ينوب بعضها عن بعضٍ، وأُجيب عن حديث مسروقٍ بالحمل على حالةٍ أخرى غير المذكورة هنا (فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ) بضمِّ الهمزة وفتح السِّين المُهمَلة وتشديد النُّون المكسورة وفتح الحاء المُهمَلة، وللأَصيليِّ:
«أُسْنِحَه» بضمٍّ ثمَّ سكونٍ فكسرةٍ ففتحةٍ كذا في الفرع وأصله، وفي فرعٍ آخر: «أَسْنَحَه» بفتحٍ ثمَّ سكونٍ ففتحتين، أي: أكره أن أستقبله منتصبةً ببدني في صلاته (فَأَنْسَلُّ) بهمزة قطعٍ وفتح السِّين المُهمَلة وتشديد اللَّام، عطفًا على «أكره» أي: أخرج بخفيةٍ، أو برفقٍ (مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: من جهة (رِجْلَيِ السَّرِيرِ) بالتَّثنية مع (١) الإضافة لتاليه (حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي) بكسر اللَّام، وهو المرور (٢) بين يديه، فيُستنبَط منه: أنَّ مرور المرأة غير قاطعٍ للصَّلاة، كما إذا كانت بين يدي المصلِّي.
ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وفيه: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ (٣) عن صحابيَّةٍ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا بعد خمسة أبوابٍ [خ¦٥١٤]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».
(١٠٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَرُدُّ المُصَلِّي) ندبًا (مَنْ مَرَّ (٤) بَيْنَ يَدَيْهِ) سواءٌ كان المارُّ آدميًّا أو غيره.
(وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة (المَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) وهو عمرو بن دينارٍ (فِي) حال (التَّشَهُّدِ) في غير الكعبة (وَ) ردَّ أيضًا المارَّ بين يديه (فِي الكَعْبَةِ) فالعطف على مُقدَّرٍ، أو هو على التَّشهُّد، فيكون الرَّدُّ في حالةٍ واحدةٍ في التَّشهُّد وفي الكعبة، وحينئذٍ فلا حاجة لمُقدَّرٍ (٥)، وفي بعض الرِّوايات -كما حكاه ابن قرقول-: «و (٦) في الرَّكعة»
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَالشَّجر فِي التَّرْجَمَة فقد ذكرنَا وَجهه آنِفا.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة تكَرر ذكرهم. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.
وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَلَفظه: (آخِرَة الرحل) ، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث أبي ذَر، وَأبي هُرَيْرَة وَأخرج النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: (سُئِلَ رَسُول فِي غَزْوَة تَبُوك عَن ستْرَة الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: مثل مؤخرة الرحل.
ذكر مَعْنَاهُ) : قَوْله: (يعرض) ، بتَشْديد الرَّاء من التَّعْرِيض أَي: يَجْعَلهَا عرضا. قَوْله: (أَفَرَأَيْت؟) الْفَاء عاطفة على مُقَدّر بعد الْهمزَة أَي: أَرَأَيْت فِي تِلْكَ الْحَالة، فَرَأَيْت فِي هَذِه الْحَالة الْأُخْرَى، وَالْمعْنَى: أَخْبرنِي عَن هَذِه وَفِي بعض النّسخ: (أَرَأَيْت) بِدُونِ: الْفَاء. فَإِن قلت: من السَّائِل هُنَا وَمن المسؤول عَنهُ؟ قلت: الَّذِي يدل عَلَيْهِ الظَّاهِر أَنه كَلَام نَافِع، وَهُوَ السَّائِل. والمسؤول عَنهُ هُوَ ابْن عمر، وَلَكِن وَقع فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عُبَيْدَة بن حميد: عَن عبيد ابْن عمر أَنه كَلَام عبيد ا، والمسؤول نَافِع، فعلى هَذَا يكون هُوَ مُرْسلا، لِأَن فَاعل: يَأْخُذ، هُوَ النَّبِي وَلم يُدْرِكهُ نَافِع. قَوْله: (إِذا هبت الركاب) ، هبت بِمَعْنى: هَاجَتْ وتحركت، يُقَال: هَب الْفَحْل إِذا هاج، وهب العير فِي السّير إِذا نشط. وَقَالَ ابْن بطال: هبت أَي زَالَت عَن موضعهَا وتحركت. يُقَال: هَب النَّائِم من نَومه إِذا قَامَ، وَقَيده الْأصيلِيّ بِضَم الْهَاء، وَالْفَتْح أصوب، والركاب، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف: الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا وَالْوَاحد الرَّاحِلَة، وَلَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَالْجمع الركب مثل الْكتب. قَوْله: (فيعدله) ، من التَّعْدِيل وَهُوَ تَقْوِيم الشَّيْء. يُقَال: عدلته فاعتدل أَي: قومته فاستقام، وَالْمعْنَى يقيمه تِلْقَاء وَجهه، لِأَن الْإِبِل إِذا هَاجَتْ شوشت على الْمُصَلِّي لعدم استقرارها، فَحِينَئِذٍ كَانَ النَّبِي،، يعدل عَنْهَا إِلَى الراحل فَيَجْعَلهُ ستْرَة. وَقد ضبط بَعضهم: فيعدله، بِفَتْح أَوله وَسُكُون الْعين وَكسر الدَّال، ثمَّ فسره بقوله: أَي يقيمه تِلْقَاء وَجهه، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ من بَاب: فعل، بِالتَّشْدِيدِ، لكنه يَأْتِي بِمَعْنى: فعل بِالتَّخْفِيفِ، كَمَا يُقَال: زلتحه وزيلته، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى: فرقته. قَوْله: (إِلَى آخرته) ، بِفَتْح الْهمزَة وَالْخَاء وَالرَّاء بِلَا مد أَي: فصلى إِلَى آخِرَة الرحل، وَيجوز الْمَدّ فِي الْهمزَة، وَلَكِن بِكَسْر الْخَاء، وَهِي الْخَشَبَة الَّتِي يسْتَند إِلَيْهَا الرَّاكِب. قَوْله: (أَو قَالَ مؤخرته) ، فِي ضَبطه وُجُوه: الأول: بِضَم الْمِيم وَكسر الْخَاء وهمزة سَاكِنة، قَالَه النَّوَوِيّ. وَالثَّانِي: بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الْخَاء الْمُشَدّدَة. وَالثَّالِث: إسكان الْهمزَة وَتَخْفِيف الْهَاء، وَقَالَ أَبُو عبيد: يجوز كسر الْخَاء وَفتحهَا، وَأنكر ابْن قُتَيْبَة الْفَتْح، وَقَالَ ابْن مكي: لَا يُقَال مقدم ومؤخر بِالْكَسْرِ إلَاّ فِي العير خَاصَّة، وَأما فِي غَيرهَا فَلَا يُقَال: إِلَّا بِالْفَتْح فَقَط، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مؤخرة الرحل لُغَة قَليلَة فِي أَخَّرته، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء وَفتحهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: مؤخرة الرحل الْعود الَّذِي يكون فِي آخر الرحل بِضَم الْمِيم وَكسر الْخَاء. وَالرَّابِع روى بَعضهم بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد الْخَاء. قَوْله: (وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله) ، مقول: نَافِع، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: يَفْعَله، يرجع إِلَى كل وَاحِد من التَّعْرِيض وَالتَّعْدِيل اللَّذين يدل عَلَيْهِمَا، قَوْله: يعرض، وَقَوله: فيعدله، من قبيل قَوْله تَعَالَى: {أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: ٨) أَي: الْعدْل أقرب للتقوى، فَافْهَم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز الستْرَة بِمَا يثبت من الْحَيَوَان. قَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ تجوز الصَّلَاة إِلَى كل شَيْء طَاهِر. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز التستر بِالْحَيَوَانِ، وَلَا يُعَارضهُ النَّهْي عَن الصَّلَاة فِي معاطن الْإِبِل لِأَن المعاطن مَوَاضِع إِقَامَتهَا عِنْد المَاء، وَكَرَاهَة الصَّلَاة حِينَئِذٍ عِنْدهَا إِمَّا لشدَّة نتنها، وَإِمَّا لأَنهم كَانُوا يتخلون بهَا مستترين بهَا. وَقيل: عِلّة النَّهْي فِي ذَلِك كَون الْإِبِل خلقت من الشَّيَاطِين، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب الصَّلَاة فِي مَوَاضِع الْإِبِل.
٩٩ - (بابُ الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ)
أَي: بَاب فِي بَيَان حكم الصَّلَاة إِلَى السرير، وَمرَاده: على السرير، لِأَن لفظ الحَدِيث: (فيتوسط السرير فَيصَلي) ، فَهَذَا يدل على أَنه يُصَلِّي على السرير، على أَن فِي بعض النّسخ: بَاب الصَّلَاة على السرير، نبه عَلَيْهِ الْكرْمَانِي، وَقَالَ: حُرُوف الْجَرّ يُقَام بَعْضهَا مقَام الْبَعْض. فَإِن قلت: قَوْله: (فيتوسط السرير) ، يَشْمَل مَا إِذا كَانَ فَوْقه أَو أَسْفَل مِنْهُ. قلت: لَا نسلم ذَلِك لِأَن معنى قَوْله: (فيتوسط السرير) يَجْعَل نَفسه فِي وسط السرير. فَإِن قلت: ذكر البُخَارِيّ فِي الإستئذان حَدِيث الْأَعْمَش عَن مُسلم عَن مَسْرُوق عَن
عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا: (كَانَ يُصَلِّي والسرير بَينه وَبَين الْقبْلَة) . فَهَذَا يبين أَن المُرَاد من حَدِيث الْبَاب أَسْفَل السرير. قلت: لَا نسلم ذَلِك لاخْتِلَاف العبارتين مَعَ احْتِمَال كَونهمَا فِي الْحَالَتَيْنِ، فَإِذا علمت هَذَا علمت أَن قَول الْإِسْمَاعِيلِيّ: بِأَنَّهُ دَال على الصَّلَاة على السرير لَا إِلَى السرير، غير وَارِد، يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ.
٠٠١ - (بابٌ يِرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يرد الْمُصَلِّي من مر بَين يَدَيْهِ، وسنبين هَل الرَّد إِذا مر بَين يَدَيْهِ فِي مَوضِع سُجُوده؟ أَو يردهُ مُطلقًا؟ أَو لَهُ حد مَعْلُوم؟ وَأَن الرَّد وَاجِب أم سنة أم مُسْتَحبّ؟ وَأَنه مُقَيّد بمَكَان مَخْصُوص أَو فِي جَمِيع الْأَمْكِنَة؟ على مَا نذكرهُ مفصلا إِن شَاءَ اتعالى.
ورَدَّ ابنُ عُمَرَ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الْكَعْبَةِ وَقَالَ إنْ أبَى إلَاّ أنْ تُقَاتِلَهُ قَقَاتِلْهُ
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وَهِي ظَاهِرَة لِأَن ابْن عمر رد الْمَار من بَين يَدَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة.
الثَّانِي فِي معنى التَّرْكِيب: فَقَوله: ورد ابْن عمر، أَي: رد عبد ابْن عمر بن الْخطاب المارَّ بَين يَدَيْهِ حَال كَونه فِي التَّشَهُّد، وَكَانَ هَذَا الْمَار هُوَ: عَمْرو بن دِينَار، نبه عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة فِي مصنفيهما. قَوْله: (فِي الْكَعْبَة) أَي، ورد أَيْضا فِي الْكَعْبَة. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عطف على مُقَدّر، أَي: رد الْمَار بَين يَدَيْهِ عِنْد كَونه فِي الصَّلَاة وَفِي غير الْكَعْبَة وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ كَون الرَّد فِي حَالَة وَاحِدَة جمعا بَين كَونه فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة، فَلَا حَاجَة إِلَى مقد. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الإشبيلي فِي كِتَابه (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : كَذَا وَقع، وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ ابْن قرقول: ورد ابْن عمر فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: وَفِي الرَّكْعَة، بَدَلا من: الْكَعْبَة، أشبه. وَكَذَا وَقع فِي بعض الْأُصُول: الرَّكْعَة. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالظَّاهِر أَنه: وَفِي الْكَعْبَة، وَهُوَ الصَّوَاب كَمَا فِي كتاب الصَّلَاة لأبي نعيم: حدّثنا عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون عَن صَالح بن كيسَان، قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي فِي الْكَعْبَة فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ يبادره. قَالَ بردة: حدّثنا مطر بن خَليفَة حدّثنا عَمْرو بن دِينَار قَالَ: مَرَرْت بِابْن عمر بعده مَا جلس فِي آخر صلَاته حَتَّى أنظر مَا يصنع، فارتفع من مَكَانَهُ، فَدفع فِي صَدْرِي. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: أخبرنَا ابْن فُضَيْل عَن مطر عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: مَرَرْت بَين يَدي ابْن عمر وَهُوَ فِي الصَّلَاة فارتفع من قعوده ثمَّ دفع فِي صَدْرِي، وَفِي كتاب (الصَّلَاة) لأبي نعيم: فانتهزني بتسبيحة، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة الْجُمْهُور متجهة، وَتَخْصِيص الْكَعْبَة بِالذكر لِئَلَّا يتخيل أَنه يغْتَفر فِيهَا الْمُرُور لكَونهَا مَحل الْمُزَاحمَة. قلت: الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر ان ابْن عمر فِي الرَّد فِي غير الْكَعْبَة، وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا فَلَا يُقَال: فِيهِ التَّخْصِيص، وَالتَّعْلِيل فِيهِ بِكَوْن مَحل الْمُزَاحمَة غير موجه لِأَن فِي غير الْكَعْبَة أَيْضا تُوجد الْمُزَاحمَة، سِيمَا فِي أَيَّام الْجمع فِي الْجَوَامِع وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: ابْن عمر: (إِن أَبى) أَي: الْمَار، أَي: امْتنع بِكُل وَجه إلَاّ بِأَن يُقَاتل الْمُصَلِّي الْمَار قَاتله. قَوْله: (إِلَّا أَن يقاتله) وَقَوله: قَاتله، على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون لفظ: قَاتله، بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي، وَهَذَا عِنْد كَون لفظ (إِلَّا أَن يقاتله) بِصِيغَة الْفِعْل الْمُضَارع الْمَعْلُوم، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الْمَار الَّذِي هُوَ فَاعل لَفْظَة: أبي، والمنصوب يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: قَاتله، يرجع إِلَى الْمُصَلِّي والمنصوب يرجع إِلَى: الْمَار، وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون لَفْظَة (إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ) بِصِيغَة الْمُخَاطب: أَي إلَاّ أَن تقَاتل الْمَار (فقاتله) بِكَسْر التَّاء وَسُكُون اللَّام على صِيغَة الْأَمر للحاضر، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَالْأول رِوَايَة الْأَكْثَرين. فَإِن قلت: لَفْظَة: قَاتله، فِي الْوَجْه الثَّانِي جملَة أمرية، وَالْجُمْلَة الأمرية إِذا وَقعت جَزَاء للشرطية فَلَا بُد فِيهَا من الْفَاء. قلت: تَقْدِير الْكَلَام: فَأَنت قَاتله، قَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز حذف الْفَاء مِنْهَا نَحْو:
من يفعل الْحَسَنَات ايشكرها
قلت: حذف الْفَاء مِنْهَا لضَرُورَة الْوَزْن فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، ويروى: فقاتله بِالْفَاءِ على الأَصْل.
النَّوْع الثَّالِث فِي أَن الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر هَهُنَا على سَبِيل التَّعْلِيق بِثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: رده الْمَار فِي التَّشَهُّد، وَقد وَصله أَبُو نعيم وَابْن أبي شيبَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. الثَّانِي: رده فِي الْكَعْبَة، وَقد وَصله أَبُو نعيم أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي حَدِيث يزِيد الْفَقِير: صليت إِلَى جنب ابْن عمر بِمَكَّة فَلم أر رجلا أكره أَن يمر بَين يَدَيْهِ مِنْهُ. الثَّالِث: أمره بالمقاتلة عِنْد عدم امْتنَاع الْمَار من الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي، وَقد وَصله عبد الرَّزَّاق، وَلَفظه عَن ابْن عمر قَالَ: لَا تدع أحدا يمر بَين يَديك وَأَنت تصلي، فَإِن أبي إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ فقاتله. وَهَذَا مُوَافق لرِوَايَة الْكشميهني.
٩٠٥ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدّثنا يُونُسُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عنْ أبي صالِحٍ أنَّ أبَا سعِيدٍ قَالَ قَالَ النبيُّ (ح) وحدّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ قَالَ حدّثنا حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ الْعَدَوى قَالَ حدّثنا أبُو صالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فِي يَوْم جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ شَابٌّ من بَني أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغَاً إِلَاّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أبُو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأُولَى فَنَالَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ
فَشَكَا إليْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ودَخَلَ أبُو سًعيدٍ خَلْفَهُ عَلى مَرْوانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أخِيكَ يَا أبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْت النبيَّ يَقُولُ إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ أحدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإِنمَا هُوَ شَيْطَانٌ. (الحَدِيث ٩٠٥ طرفَة فِي: ٤٧٢٣) .
١١
- ٥٠ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد ابْن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: اللَّهُمَّ علمه الْكتاب. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد، تقدم أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب. الثَّالِث: يُونُس بن عبيد، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن دِينَار أَبُو عبد االبصري، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الرَّابِع: حميد، بِضَم الْحَاء: تَصْغِير الْحَمد بن هِلَال، بِكَسْر الْهَاء وَتَخْفِيف اللَّام: الْعَدوي، بِفَتْح الْعين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ: التَّابِعِيّ الْجَلِيل. الْخَامِس: أَبُو صَالح ذكْوَان السمان، وَقد تكَرر، ذكره. السَّادِس: آدم بن أبي إِيَاس. السَّابِع سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ. الثَّامِن: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك.
وَذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع من الْمَاضِي فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل والرؤية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون إلَاّ أَبَا صَالح فَإِنَّهُ مدنِي، وآدَم فَإِنَّهُ عسقلاني. وَفِيه: أَن آدم من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ لم يخرج لِسُلَيْمَان بن الْمُغيرَة شَيْئا مَوْصُولا إلَاّ هَذَا الحَدِيث، ذكره أَبُو مَسْعُود وَغَيره. وَفِيه: التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر الحَدِيث، وعلامته حرف: الْحَاء، المفردة. وَفِيه: فِي الْإِسْنَاد الأول: حميد عَن أبي صَالح أَن أَبَا سعيد، وَفِي الثَّانِي: قَالَ أَبُو صَالح: رَأَيْت أَبَا سعيد. وَالثَّانِي أقوى. وَفِيه: أَن فِي الثَّانِي ذكر قصَّة لَيست فِي الأول، وَقد سَاق البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب بَدْء الْخلق بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقه هُنَاكَ من رِوَايَة يُونُس بِعَيْنِه، وَهَهُنَا من لفظ سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة لَا من لفظ يُونُس.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي معمر فِي صفة إِبْلِيس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن شَيبَان بن فروخ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى ابْن اسماعيل.
ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (فَأَرَادَ شَاب من بني أبي معيط) وَوَقع فِي (كتاب الصَّلَاة) لأبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن، قَالَ: حدّثنا عبد ابْن عَامر عَن زيد بن أسلم، قَالَ: (بَيْنَمَا أَبُو سعيد قَائِم يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَأقبل الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط، فَأَرَادَ أَن يمر بَين يَدَيْهِ فَرده، فَأبى إلَاّ أَن يمر فَدفعهُ ولكمه) . فَهَذَا يدل على أَن هَذَا الشَّاب هُوَ الْوَلِيد بن عقبَة، وَفِي (المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حدّثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين، قَالَ: (كَانَ أَبُو سعيد قَائِما يُصَلِّي فجَاء عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام يمر بَين يَدَيْهِ فَمَنعه، فَأبى إلَاّ أَن يَجِيء فَدفعهُ أَبُو سعيد فطرحه. فَقيل لَهُ: تصنع هَذَا بِعَبْد الرَّحْمَن؟ فَقَالَ: وَا لَو أَبى إِلَّا أَن آخذ بِشعرِهِ لأخذت) . وروى عبد الرَّزَّاق حَدِيث الْبَاب عَن دَاوُد بن قيس عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد عَن أَبِيه فَقَالَ فِيهِ: إِذْ جَاءَ شَاب، وَلم يسمعهُ. وَعَن معمر عَن زيد بن أسلم فَقَالَ فِيهِ: فَذهب ذُو قرَابَة لمروان. وَمن طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن أبي سعيد فَقَالَ فِيهِ: فَمر رجل بَين يَدَيْهِ من بني مَرْوَان، وَالنَّسَائِيّ من وَجه آخر فَمر ابْن لمروان، وَسَماهُ عبد الرَّزَّاق من طَرِيق سُلَيْمَان بن مُوسَى دَاوُد بن مَرْوَان، وَلَفظه: أَرَادَ دَاوُد بن مَرْوَان أَن يمر بَين يَدي أبي سعيد، ومروان يَوْمئِذٍ أَمِير بِالْمَدِينَةِ، فَذكر الحَدِيث وَبِه جزم ابْن الْجَوْزِيّ، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة الْمُبْهم الَّذِي فِي الصَّحِيح، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة لأبي سعيد مَعَ غير وَاحِد، لِأَن فِي تعْيين وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعَ كَون اتِّحَاد الْوَاقِعَة نظرا، لَا يخفى.
قَوْله: (من بني أبي معيط) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره طاء مُهْملَة. وَأَبُو معيط فِي قُرَيْش واسْمه: أبان بن أبي عَمْرو زكوان بن أُميَّة الْأَكْبَر هُوَ وَالِد عقبَة بن أبي معيط الَّذِي قَتله رَسُول الله صبرا. ومعيط تَصْغِير: أمعط، وَهُوَ الَّذِي لَا شعرعليه، والأمعط والأمرط سَوَاء. قَوْله: (أَن يجتاز) ، بِالْجِيم من الْجَوَاز. قَوْله: (فَلم يجد مساغاً) ، بِفَتْح الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: طَرِيقا يُمكنهُ الْمُرُور مِنْهَا. يُقَال: سَاغَ الشَّرَاب فِي الْحلق إِذا نزل من غير الضَّرَر، وساغ الشَّيْء طَابَ. قَوْله: (من الأولى) أَي: من الْمرة
الأولى أَو الدفعة الأولى. قَوْله: (فنال من أبي سعيد) بالنُّون أَي: أصَاب من عرضة بالشتم، وَهُوَ من النّيل، وَهُوَ الْإِصَابَة. قَوْله: (ثمَّ دخل على مَرْوَان) ، وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، بِفَتْح الْكَاف: ر الْأمَوِي أَبُو عبد الْملك، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي، قَالَه الْوَاقِدِيّ وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، توفّي النَّبِي، وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، مَاتَ بِدِمَشْق لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَقد تقدم ذكره فِي بَاب البزاق والمخاط. قَوْله: (فَقَالَ: مَالك؟) أَي فَقَالَ مَرْوَان، فكلمة: مَا مُبْتَدأ و: لَك خَبره. (و: لِابْنِ أَخِيك) عطف عَلَيْهِ بِإِعَادَة الْخَافِض، وَأطلق الْأُخوة بِاعْتِبَار أَن الْمُؤمنِينَ أخوة، وَفِيه تأييد لقَوْل من قَالَ إِن الْمَار بَين يَدي أبي سعيد الَّذِي دَفعه غير الْوَلِيد، لِأَن أَبَاهُ عقبَة قتل كَافِرًا. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: ولأخيك، بِحَذْف الأبن. قلت: نظرا إِلَى أَنه كَانَ شَابًّا أَصْغَر مِنْهُ.
قَوْله: (فليدفعه) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فليدفع فِي نَحره) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَي بِالْإِشَارَةِ، ولطيف الْمَنْع. قَوْله: (فليقاتله) ، بِكَسْر اللَّام الجازمة وبسكونها. قَوْله: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) ، هَذَا من بَاب التَّشْبِيه حذف مِنْهُ أَدَاة التَّشْبِيه للْمُبَالَغَة أَي: إِنَّمَا هُوَ كشيطان، أَو يُرَاد بِهِ شَيْطَان الْإِنْس، وَإِطْلَاق الشَّيْطَان على المارد من الْإِنْس سَائِغ شَائِع، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: {شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ} (الْأَنْعَام: ٢١١) وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الشَّيْطَان يحملهُ على ذَلِك ويحركه إِلَيْهِ، وَقد يكون أَرَادَ بالشيطان الْمَار بَين يَدَيْهِ نَفسه، وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان هُوَ المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك الشَّيْطَان، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث ابْن عمر عِنْد مُسلم: (لَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِن مَعَه القرين) . وَعند أبن مَاجَه: (قَالَ: القرين) ، وَقَالَ المنكدري: فَإِنَّهُ مَعَه الْعُزَّى وَقيل: مَعْنَاهُ: إِنَّمَا هُوَ فعل الشَّيْطَان لشغل قلب الْمُصَلِّي، كَمَا يخْطر الشَّيْطَان بَين الْمَرْء وَنَفسه.
ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ اتِّخَاذ الستْرَة للْمُصَلِّي، وَزعم ابْن الْعَرَبِيّ أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي وجوب وضع الستْرَة بَين يَدي الْمُصَلِّي على ثَلَاثَة أَقْوَال. الأول: أَنه وَاجِب، فَإِن لم يجد وضع خطا، وَبِه قَالَ أَحْمد، كَأَنَّهُ اعْتمد حَدِيث ابْن عمر الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم: (لَا تصلي إلَاّ إِلَى ستْرَة وَلَا تدع أحدا يمر بَين يَديك) . وَعَن أبي نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) : حدّثنا سُلَيْمَان، أَظُنهُ عَن حميد بن هِلَال، قَالَ عمر ابْن الْخطاب: لَو يعلم الْمُصَلِّي مَا ينقص من صلَاته مَا صلى إِلَّا إِلَى شَيْء يستره من النَّاس، وَعند ابْن أبي شيبَة، عَن ابْن مَسْعُود: (إِنَّه ليقطع نصف صَلَاة الْمَرْء الْمُرُور بَين يَدَيْهِ) . الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحبَّة، ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ. الثَّالِث: جَوَاز تَركهَا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن مَالك. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: الأَصْل فِي الستْرَة أَنَّهَا مُسْتَحبَّة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يستحبون إِذا صلوا فِي الفضاء أَن يكون بَين أَيْديهم مَا يسترهم. وَقَالَ عَطاء، لَا بَأْس بترك الستْرَة، وَصلى الْقَاسِم وَسَالم فِي الصَّحرَاء إِلَى غير ستْرَة، ذكر ذَلِك كُله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .
وَاعْلَم أَن الْكَلَام فِي هَذَا على عشرَة أَنْوَاع: الأول: أَن الستْرَة وَاجِبَة أَو لَا؟ وَقد مر الْآن. الثَّانِي: مِقْدَار مَوضِع يكره الْمُرُور فِيهِ، فَقيل: مَوضِع سُجُوده، وَهُوَ اخْتِيَار شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام قاضيخان، وَقيل: مِقْدَار صفّين أَو ثَلَاثَة، وَقيل: بِثَلَاثَة أَذْرع، وَقيل: بِخَمْسَة أَذْرع. وَقيل: بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعا، وَقدر الشَّافِعِي وَأحمد بِثَلَاثَة أَذْرع، وَلم يحد مَالك فِي ذَلِك حدا إلاّ أَن ذَلِك بِقدر مَا يرْكَع فِيهِ وَيسْجد ويتمكن من دفع من مر بَين يَدَيْهِ. وَالثَّالِث: أَنه يسْتَحبّ لمن صلى فِي الصَّحرَاء أَن يتَّخذ أَمَامه ستْرَة، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فليجعل تِلْقَاء وَجهه شَيْئا، فَإِن لم يجد فلينصب عَصا، فَإِن لم يكن لَهُ عَصا، فليخط خطا وَلَا يضرّهُ مَا مر أَمَامه) . وخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَذكر عبد الْحق أَن ابْن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل صَحَّحَاهُ، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف وَإِن كَانَ قد أَخذ بِهِ أَحْمد. وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: لم نجد شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث. وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث يَقُول: عنْدكُمْ شَيْء تشدون بِهِ، وَأَشَارَ الشَّافِعِي إِلَى ضعفه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ ضعف وأضطراب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَا بَأْس بِهِ فِي مثل هَذَا الجكم.
الرَّابِع: مِقْدَار الستْرَة، قد ورد: قدر ذِرَاع، وَقد ذكرنَا الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِيمَا مضى عَن قريب. وَالْخَامِس: يَنْبَغِي أَن يكون فِي غلظ الإصبع لِأَن مَا دونه لَا يَبْدُو للنَّاظِر من بعيد. وَالسَّادِس: يقرب من الستْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. وَالسَّابِع: أَن يَجْعَل الستْرَة على حَاجِبه الْأَيْمن، أَو على الْأَيْسَر، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمِقْدَاد بن الْأسود، قَالَ: (مَا رَأَيْت سَوَّلَ الله يُصَلِّي إِلَى عود وَلَا عَمُود وَلَا شَجَرَة إلَاّ جعله على حَاجِبه الْأَيْمن أَو الْأَيْسَر، وَلَا يصمد لَهُ صمداً) ، يَعْنِي لم يَقْصِدهُ قصدا بالمواجهة،