«رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٠٩

الحديث رقم ٥٠٩ من كتاب «أبواب سترة المصلي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يرد المصلي من مر بين يديه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى…

«رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الْأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».

سند حديث: ٥٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ⦗١٠٨⦘قَالَ…

٥٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ

⦗١٠٨⦘

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ، وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى…

إذا دخلَ المصلي في صلاته، وقد وضع أمامه سترة؛ لتستره من الناس، حتى لا ينقصوا صلاته بمرورهم بين يديه، وأقبل يناجي ربه، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع بسهولة ويسر؛ فقد أسقط حرمته، وأصبح معتدياً، ويجوز وقف عدوانه بالمقاتلة بدفعه باليد؛ فإن عمله هذا من أعمال الشياطين، الذين يريدون إفساد عبادات الناس، والتلبيس عليهم في صلاتهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب وضع السترة بين يدي المصلي، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، إمامًا أو منفردًا، أما المأموم فسترة الإمام سترة له.
  • استحباب القرب من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود.
  • أن دفع المار مقيد بوضع السترة.
  • مشروعية دفع المار أمام المصلي.
  • أنَّ مدافعة المار تكون بالأسهل، فيكون بالمنع، فإن لم يُفِدْ فليدفعه، فإن لم يُفِدْ فبالمقاتلة اليدوية، ولا ينتقل إلى العنف إلاَّ بعد نفاد وسائل اللين، وهذا عام في مدافعة الصائل، ما لم يخش المباغتة، فيستعمل أحسن وسائل الوقاية.
  • جواز مقاتلة من أراد المرور بين المصلي وسترته إذا لم يندفع إلا بذلك؛ لأنَّه صائل ومعتدٍ.
  • المقاتلة المدافعة بشدة، وليس المراد المقاتلة بالسلاح، ولا بالصورة التي تؤدي للهلاك.
  • جواز الحركة في الصلاة لمصلحتها، حيث شرع للمصلي ردّ المار ومدافعته.
  • عظم إثم المار أمام المصلي.
  • استحباب صيانة الصلاة مما ينقصها، ويذهب بكمالها.
  • عظم مرتبة الصلاة، ومناجاة الله تعالى فيها؛ حيث وجب احترام المصلي، وعدم التسبُّب بالتشويش عليه.
  • المارّ بين يدي المصلي من شياطين الإنس، الذين يفسدون على الناس صلاتهم وعباداتهم، أو أنَّ الشيطان الذي هو صاحبه وقرينه، يقويه ويحضه على أذية الناس، وإفساد عباداتهم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بدل «الكعبة» قال: وهو أشبه بالمعنى، وأُجيب بأنَّه وقع عند أبي نُعيمٍ شيخ المؤلِّف في كتاب «الصَّلاة» من طريق صالح بن كيسان قال: «رأيت ابن عمر يصلِّي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمرُّ بين يديه يبادره» قال: أي: يردُّه، وبأنَّ تخصيص الكعبة بالذِّكر لدفع توهُّم اغتفاره فيها لكثرة الزِّحام بها (وَقَالَ) أي: ابن عمر ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (إِنْ أَبَى) المارُّ (إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ) أيُّها المصلِّي، بالمُثنَّاة الفوقيَّة المضمومة (فَقَاتِلْهُ) بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون اللَّام بصيغة الأمر، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «قاتلْه» بسكون اللَّام من غير فاءٍ، لكن قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: كونه بلا فاءٍ في جواب الشَّرط يُقدَّر له مُبتدَأٌ، أي: فأنت قاتله (١)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة»: «إلَّا أن يقاتله» أي: المصلِّي «قَاتَلَه» (٢) بفتح المُثنَّاة واللَّام بصيغة الماضي، وهذا واردٌ (٣) على سبيل (٤) المُبالَغة له إذ المُراد أن يدفعه دفعًا شديدًا كدفع (٥) المقاتل.

٥٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو (٦) المُقعَد البصريُّ، المُتوفَّى

بها (١) سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريُّ البصريُّ (٢)، المُتوفَّى سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عُبَيْدٍ -بالتَّصغير- ابن دينارٍ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) بكسر الهاء وتخفيف اللَّام، العدويِّ التَّابعيِّ الجليل (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد (٣) بن مالكٍ الخدريَّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٤) ح) مُهمَلةٌ للتَّحويل، وهي ساقطةٌ من «اليونينيَّة».

و (٥) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا آدَمُ) ولغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «آدم بْنُ أَبِي إِيَاسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ) القيسيُّ (٦) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ العَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانُ) المذكوران، وقرن المؤلِّف رواية يونس برواية سليمان، وساق لفظه دون لفظ يونس (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) (فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) قِيلَ: هو الوليد بن عقبة بن أبي مُعْيَطٍ كما أخرجه (٧) أبو نُعيمٍ شيخ المؤلِّف في «كتاب الصَّلاة»، وقِيلَ غيره: (أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ) بالجيم والزَّاي من الجواز (فَدَفَعَ (٨) أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ (فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) بفتح الميم والغين المُعجَمة، أي: طريقًا يمكنه المرور منها (إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ) الدَّفعة (٩) (الأُولَى، فَنَالَ) الشَّابُّ، بالفاء والنُّون (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي: أصاب من عرضه بالشَّتم (ثُمَّ دَخَلَ) الشَّابُّ (عَلَى مَرْوَانَ) بن الحكم الأمويِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وستِّين، وهو ابن ثلاثٍ وستِّين سنةً (فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ) مروان لأبي سعيدٍ: (مَا

لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ) أي: في الإسلام (يَا أَبَا سَعِيدٍ؟) وهو يردُّ على من قال: إنَّ المارَّ هو (١) الوليد بن عقبة لأنَّ أباه عقبة قُتِل كافرًا، وقوله: «ما» مُبتدَأٌ، وخبره «لك»، و «لابن أخيك»: عُطِفَ عليه بإعادة الخافض (قَالَ) أبو سعيدٍ : (سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ) قال القرطبيُّ رحمة الله عليه: بالإشارة ولطيف المنع (فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ) بكسر اللَّام الجازمة وسكونها، قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدَّفع، بل صرَّح أصحابنا رحمهم الله تعالى بأنَّه مندوبٌ. نعم قال أهل الظَّاهر بوجوبه، ونقل البيهقيُّ عن الشَّافعيِّ - رحمهما الله تعالى - أنَّ المراد بالمُقاتَلة: دفعٌ أشدُّ من الدَّفع الأوَّل، وقال أصحابنا: يردُّه بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدَّ، ولو أدَّى إلى قتله فقتله (٢) فلا شيء عليه لأنَّ الشَّارع أباح له (٣) مقاتلته، والمُقاتَلة المُباحة لا ضمان فيها، وليس المُراد المُقاتَلة بالسِّلاح، ولا بالمشي إليه، بل والمصلِّي بمحلِّه بحيث تناله يده، ولا يكون عمله في مُدافَعته كثيرًا (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) أي: إنَّما فعله فعل شيطانٍ، وإطلاق «الشَّيطان» على مارد الإنس سائغٌ على سبيل المجاز، والحصر بـ «إنَّما» للمُبالَغة، فالحكم للمعاني لا للأسماء لأنَّه (٤) يستحيل أن يصير المارُّ شيطانًا بمروره بين يدي المصلِّي.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا: (كَانَ يُصَلِّي والسرير بَينه وَبَين الْقبْلَة) . فَهَذَا يبين أَن المُرَاد من حَدِيث الْبَاب أَسْفَل السرير. قلت: لَا نسلم ذَلِك لاخْتِلَاف العبارتين مَعَ احْتِمَال كَونهمَا فِي الْحَالَتَيْنِ، فَإِذا علمت هَذَا علمت أَن قَول الْإِسْمَاعِيلِيّ: بِأَنَّهُ دَال على الصَّلَاة على السرير لَا إِلَى السرير، غير وَارِد، يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ.

٠٠١ - (بابٌ يِرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)

أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يرد الْمُصَلِّي من مر بَين يَدَيْهِ، وسنبين هَل الرَّد إِذا مر بَين يَدَيْهِ فِي مَوضِع سُجُوده؟ أَو يردهُ مُطلقًا؟ أَو لَهُ حد مَعْلُوم؟ وَأَن الرَّد وَاجِب أم سنة أم مُسْتَحبّ؟ وَأَنه مُقَيّد بمَكَان مَخْصُوص أَو فِي جَمِيع الْأَمْكِنَة؟ على مَا نذكرهُ مفصلا إِن شَاءَ اتعالى.

ورَدَّ ابنُ عُمَرَ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الْكَعْبَةِ وَقَالَ إنْ أبَى إلَاّ أنْ تُقَاتِلَهُ قَقَاتِلْهُ

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وَهِي ظَاهِرَة لِأَن ابْن عمر رد الْمَار من بَين يَدَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة.

الثَّانِي فِي معنى التَّرْكِيب: فَقَوله: ورد ابْن عمر، أَي: رد عبد ابْن عمر بن الْخطاب المارَّ بَين يَدَيْهِ حَال كَونه فِي التَّشَهُّد، وَكَانَ هَذَا الْمَار هُوَ: عَمْرو بن دِينَار، نبه عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة فِي مصنفيهما. قَوْله: (فِي الْكَعْبَة) أَي، ورد أَيْضا فِي الْكَعْبَة. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عطف على مُقَدّر، أَي: رد الْمَار بَين يَدَيْهِ عِنْد كَونه فِي الصَّلَاة وَفِي غير الْكَعْبَة وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ كَون الرَّد فِي حَالَة وَاحِدَة جمعا بَين كَونه فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة، فَلَا حَاجَة إِلَى مقد. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الإشبيلي فِي كِتَابه (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : كَذَا وَقع، وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ ابْن قرقول: ورد ابْن عمر فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: وَفِي الرَّكْعَة، بَدَلا من: الْكَعْبَة، أشبه. وَكَذَا وَقع فِي بعض الْأُصُول: الرَّكْعَة. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالظَّاهِر أَنه: وَفِي الْكَعْبَة، وَهُوَ الصَّوَاب كَمَا فِي كتاب الصَّلَاة لأبي نعيم: حدّثنا عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون عَن صَالح بن كيسَان، قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي فِي الْكَعْبَة فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ يبادره. قَالَ بردة: حدّثنا مطر بن خَليفَة حدّثنا عَمْرو بن دِينَار قَالَ: مَرَرْت بِابْن عمر بعده مَا جلس فِي آخر صلَاته حَتَّى أنظر مَا يصنع، فارتفع من مَكَانَهُ، فَدفع فِي صَدْرِي. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: أخبرنَا ابْن فُضَيْل عَن مطر عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: مَرَرْت بَين يَدي ابْن عمر وَهُوَ فِي الصَّلَاة فارتفع من قعوده ثمَّ دفع فِي صَدْرِي، وَفِي كتاب (الصَّلَاة) لأبي نعيم: فانتهزني بتسبيحة، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة الْجُمْهُور متجهة، وَتَخْصِيص الْكَعْبَة بِالذكر لِئَلَّا يتخيل أَنه يغْتَفر فِيهَا الْمُرُور لكَونهَا مَحل الْمُزَاحمَة. قلت: الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر ان ابْن عمر فِي الرَّد فِي غير الْكَعْبَة، وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا فَلَا يُقَال: فِيهِ التَّخْصِيص، وَالتَّعْلِيل فِيهِ بِكَوْن مَحل الْمُزَاحمَة غير موجه لِأَن فِي غير الْكَعْبَة أَيْضا تُوجد الْمُزَاحمَة، سِيمَا فِي أَيَّام الْجمع فِي الْجَوَامِع وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: ابْن عمر: (إِن أَبى) أَي: الْمَار، أَي: امْتنع بِكُل وَجه إلَاّ بِأَن يُقَاتل الْمُصَلِّي الْمَار قَاتله. قَوْله: (إِلَّا أَن يقاتله) وَقَوله: قَاتله، على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون لفظ: قَاتله، بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي، وَهَذَا عِنْد كَون لفظ (إِلَّا أَن يقاتله) بِصِيغَة الْفِعْل الْمُضَارع الْمَعْلُوم، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الْمَار الَّذِي هُوَ فَاعل لَفْظَة: أبي، والمنصوب يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: قَاتله، يرجع إِلَى الْمُصَلِّي والمنصوب يرجع إِلَى: الْمَار، وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون لَفْظَة (إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ) بِصِيغَة الْمُخَاطب: أَي إلَاّ أَن تقَاتل الْمَار (فقاتله) بِكَسْر التَّاء وَسُكُون اللَّام على صِيغَة الْأَمر للحاضر، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَالْأول رِوَايَة الْأَكْثَرين. فَإِن قلت: لَفْظَة: قَاتله، فِي الْوَجْه الثَّانِي جملَة أمرية، وَالْجُمْلَة الأمرية إِذا وَقعت جَزَاء للشرطية فَلَا بُد فِيهَا من الْفَاء. قلت: تَقْدِير الْكَلَام: فَأَنت قَاتله، قَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز حذف الْفَاء مِنْهَا نَحْو:

من يفعل الْحَسَنَات ايشكرها

قلت: حذف الْفَاء مِنْهَا لضَرُورَة الْوَزْن فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، ويروى: فقاتله بِالْفَاءِ على الأَصْل.

النَّوْع الثَّالِث فِي أَن الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر هَهُنَا على سَبِيل التَّعْلِيق بِثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: رده الْمَار فِي التَّشَهُّد، وَقد وَصله أَبُو نعيم وَابْن أبي شيبَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. الثَّانِي: رده فِي الْكَعْبَة، وَقد وَصله أَبُو نعيم أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي حَدِيث يزِيد الْفَقِير: صليت إِلَى جنب ابْن عمر بِمَكَّة فَلم أر رجلا أكره أَن يمر بَين يَدَيْهِ مِنْهُ. الثَّالِث: أمره بالمقاتلة عِنْد عدم امْتنَاع الْمَار من الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي، وَقد وَصله عبد الرَّزَّاق، وَلَفظه عَن ابْن عمر قَالَ: لَا تدع أحدا يمر بَين يَديك وَأَنت تصلي، فَإِن أبي إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ فقاتله. وَهَذَا مُوَافق لرِوَايَة الْكشميهني.

٩٠٥ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدّثنا يُونُسُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عنْ أبي صالِحٍ أنَّ أبَا سعِيدٍ قَالَ قَالَ النبيُّ (ح) وحدّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ قَالَ حدّثنا حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ الْعَدَوى قَالَ حدّثنا أبُو صالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فِي يَوْم جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ شَابٌّ من بَني أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغَاً إِلَاّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أبُو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأُولَى فَنَالَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ

فَشَكَا إليْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ودَخَلَ أبُو سًعيدٍ خَلْفَهُ عَلى مَرْوانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أخِيكَ يَا أبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْت النبيَّ يَقُولُ إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ أحدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإِنمَا هُوَ شَيْطَانٌ. (الحَدِيث ٩٠٥ طرفَة فِي: ٤٧٢٣) .

١١

- ٥٠ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد ابْن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: اللَّهُمَّ علمه الْكتاب. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد، تقدم أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب. الثَّالِث: يُونُس بن عبيد، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن دِينَار أَبُو عبد االبصري، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الرَّابِع: حميد، بِضَم الْحَاء: تَصْغِير الْحَمد بن هِلَال، بِكَسْر الْهَاء وَتَخْفِيف اللَّام: الْعَدوي، بِفَتْح الْعين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ: التَّابِعِيّ الْجَلِيل. الْخَامِس: أَبُو صَالح ذكْوَان السمان، وَقد تكَرر، ذكره. السَّادِس: آدم بن أبي إِيَاس. السَّابِع سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ. الثَّامِن: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك.

وَذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع من الْمَاضِي فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل والرؤية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون إلَاّ أَبَا صَالح فَإِنَّهُ مدنِي، وآدَم فَإِنَّهُ عسقلاني. وَفِيه: أَن آدم من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ لم يخرج لِسُلَيْمَان بن الْمُغيرَة شَيْئا مَوْصُولا إلَاّ هَذَا الحَدِيث، ذكره أَبُو مَسْعُود وَغَيره. وَفِيه: التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر الحَدِيث، وعلامته حرف: الْحَاء، المفردة. وَفِيه: فِي الْإِسْنَاد الأول: حميد عَن أبي صَالح أَن أَبَا سعيد، وَفِي الثَّانِي: قَالَ أَبُو صَالح: رَأَيْت أَبَا سعيد. وَالثَّانِي أقوى. وَفِيه: أَن فِي الثَّانِي ذكر قصَّة لَيست فِي الأول، وَقد سَاق البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب بَدْء الْخلق بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقه هُنَاكَ من رِوَايَة يُونُس بِعَيْنِه، وَهَهُنَا من لفظ سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة لَا من لفظ يُونُس.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي معمر فِي صفة إِبْلِيس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن شَيبَان بن فروخ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى ابْن اسماعيل.

ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (فَأَرَادَ شَاب من بني أبي معيط) وَوَقع فِي (كتاب الصَّلَاة) لأبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن، قَالَ: حدّثنا عبد ابْن عَامر عَن زيد بن أسلم، قَالَ: (بَيْنَمَا أَبُو سعيد قَائِم يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَأقبل الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط، فَأَرَادَ أَن يمر بَين يَدَيْهِ فَرده، فَأبى إلَاّ أَن يمر فَدفعهُ ولكمه) . فَهَذَا يدل على أَن هَذَا الشَّاب هُوَ الْوَلِيد بن عقبَة، وَفِي (المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حدّثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين، قَالَ: (كَانَ أَبُو سعيد قَائِما يُصَلِّي فجَاء عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام يمر بَين يَدَيْهِ فَمَنعه، فَأبى إلَاّ أَن يَجِيء فَدفعهُ أَبُو سعيد فطرحه. فَقيل لَهُ: تصنع هَذَا بِعَبْد الرَّحْمَن؟ فَقَالَ: وَا لَو أَبى إِلَّا أَن آخذ بِشعرِهِ لأخذت) . وروى عبد الرَّزَّاق حَدِيث الْبَاب عَن دَاوُد بن قيس عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد عَن أَبِيه فَقَالَ فِيهِ: إِذْ جَاءَ شَاب، وَلم يسمعهُ. وَعَن معمر عَن زيد بن أسلم فَقَالَ فِيهِ: فَذهب ذُو قرَابَة لمروان. وَمن طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن أبي سعيد فَقَالَ فِيهِ: فَمر رجل بَين يَدَيْهِ من بني مَرْوَان، وَالنَّسَائِيّ من وَجه آخر فَمر ابْن لمروان، وَسَماهُ عبد الرَّزَّاق من طَرِيق سُلَيْمَان بن مُوسَى دَاوُد بن مَرْوَان، وَلَفظه: أَرَادَ دَاوُد بن مَرْوَان أَن يمر بَين يَدي أبي سعيد، ومروان يَوْمئِذٍ أَمِير بِالْمَدِينَةِ، فَذكر الحَدِيث وَبِه جزم ابْن الْجَوْزِيّ، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة الْمُبْهم الَّذِي فِي الصَّحِيح، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة لأبي سعيد مَعَ غير وَاحِد، لِأَن فِي تعْيين وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعَ كَون اتِّحَاد الْوَاقِعَة نظرا، لَا يخفى.

قَوْله: (من بني أبي معيط) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره طاء مُهْملَة. وَأَبُو معيط فِي قُرَيْش واسْمه: أبان بن أبي عَمْرو زكوان بن أُميَّة الْأَكْبَر هُوَ وَالِد عقبَة بن أبي معيط الَّذِي قَتله رَسُول الله صبرا. ومعيط تَصْغِير: أمعط، وَهُوَ الَّذِي لَا شعرعليه، والأمعط والأمرط سَوَاء. قَوْله: (أَن يجتاز) ، بِالْجِيم من الْجَوَاز. قَوْله: (فَلم يجد مساغاً) ، بِفَتْح الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: طَرِيقا يُمكنهُ الْمُرُور مِنْهَا. يُقَال: سَاغَ الشَّرَاب فِي الْحلق إِذا نزل من غير الضَّرَر، وساغ الشَّيْء طَابَ. قَوْله: (من الأولى) أَي: من الْمرة

الأولى أَو الدفعة الأولى. قَوْله: (فنال من أبي سعيد) بالنُّون أَي: أصَاب من عرضة بالشتم، وَهُوَ من النّيل، وَهُوَ الْإِصَابَة. قَوْله: (ثمَّ دخل على مَرْوَان) ، وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، بِفَتْح الْكَاف: ر الْأمَوِي أَبُو عبد الْملك، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي، قَالَه الْوَاقِدِيّ وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، توفّي النَّبِي، وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، مَاتَ بِدِمَشْق لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَقد تقدم ذكره فِي بَاب البزاق والمخاط. قَوْله: (فَقَالَ: مَالك؟) أَي فَقَالَ مَرْوَان، فكلمة: مَا مُبْتَدأ و: لَك خَبره. (و: لِابْنِ أَخِيك) عطف عَلَيْهِ بِإِعَادَة الْخَافِض، وَأطلق الْأُخوة بِاعْتِبَار أَن الْمُؤمنِينَ أخوة، وَفِيه تأييد لقَوْل من قَالَ إِن الْمَار بَين يَدي أبي سعيد الَّذِي دَفعه غير الْوَلِيد، لِأَن أَبَاهُ عقبَة قتل كَافِرًا. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: ولأخيك، بِحَذْف الأبن. قلت: نظرا إِلَى أَنه كَانَ شَابًّا أَصْغَر مِنْهُ.

قَوْله: (فليدفعه) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فليدفع فِي نَحره) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَي بِالْإِشَارَةِ، ولطيف الْمَنْع. قَوْله: (فليقاتله) ، بِكَسْر اللَّام الجازمة وبسكونها. قَوْله: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) ، هَذَا من بَاب التَّشْبِيه حذف مِنْهُ أَدَاة التَّشْبِيه للْمُبَالَغَة أَي: إِنَّمَا هُوَ كشيطان، أَو يُرَاد بِهِ شَيْطَان الْإِنْس، وَإِطْلَاق الشَّيْطَان على المارد من الْإِنْس سَائِغ شَائِع، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: {شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ} (الْأَنْعَام: ٢١١) وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الشَّيْطَان يحملهُ على ذَلِك ويحركه إِلَيْهِ، وَقد يكون أَرَادَ بالشيطان الْمَار بَين يَدَيْهِ نَفسه، وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان هُوَ المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك الشَّيْطَان، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث ابْن عمر عِنْد مُسلم: (لَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِن مَعَه القرين) . وَعند أبن مَاجَه: (قَالَ: القرين) ، وَقَالَ المنكدري: فَإِنَّهُ مَعَه الْعُزَّى وَقيل: مَعْنَاهُ: إِنَّمَا هُوَ فعل الشَّيْطَان لشغل قلب الْمُصَلِّي، كَمَا يخْطر الشَّيْطَان بَين الْمَرْء وَنَفسه.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ اتِّخَاذ الستْرَة للْمُصَلِّي، وَزعم ابْن الْعَرَبِيّ أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي وجوب وضع الستْرَة بَين يَدي الْمُصَلِّي على ثَلَاثَة أَقْوَال. الأول: أَنه وَاجِب، فَإِن لم يجد وضع خطا، وَبِه قَالَ أَحْمد، كَأَنَّهُ اعْتمد حَدِيث ابْن عمر الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم: (لَا تصلي إلَاّ إِلَى ستْرَة وَلَا تدع أحدا يمر بَين يَديك) . وَعَن أبي نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) : حدّثنا سُلَيْمَان، أَظُنهُ عَن حميد بن هِلَال، قَالَ عمر ابْن الْخطاب: لَو يعلم الْمُصَلِّي مَا ينقص من صلَاته مَا صلى إِلَّا إِلَى شَيْء يستره من النَّاس، وَعند ابْن أبي شيبَة، عَن ابْن مَسْعُود: (إِنَّه ليقطع نصف صَلَاة الْمَرْء الْمُرُور بَين يَدَيْهِ) . الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحبَّة، ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ. الثَّالِث: جَوَاز تَركهَا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن مَالك. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: الأَصْل فِي الستْرَة أَنَّهَا مُسْتَحبَّة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يستحبون إِذا صلوا فِي الفضاء أَن يكون بَين أَيْديهم مَا يسترهم. وَقَالَ عَطاء، لَا بَأْس بترك الستْرَة، وَصلى الْقَاسِم وَسَالم فِي الصَّحرَاء إِلَى غير ستْرَة، ذكر ذَلِك كُله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .

وَاعْلَم أَن الْكَلَام فِي هَذَا على عشرَة أَنْوَاع: الأول: أَن الستْرَة وَاجِبَة أَو لَا؟ وَقد مر الْآن. الثَّانِي: مِقْدَار مَوضِع يكره الْمُرُور فِيهِ، فَقيل: مَوضِع سُجُوده، وَهُوَ اخْتِيَار شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام قاضيخان، وَقيل: مِقْدَار صفّين أَو ثَلَاثَة، وَقيل: بِثَلَاثَة أَذْرع، وَقيل: بِخَمْسَة أَذْرع. وَقيل: بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعا، وَقدر الشَّافِعِي وَأحمد بِثَلَاثَة أَذْرع، وَلم يحد مَالك فِي ذَلِك حدا إلاّ أَن ذَلِك بِقدر مَا يرْكَع فِيهِ وَيسْجد ويتمكن من دفع من مر بَين يَدَيْهِ. وَالثَّالِث: أَنه يسْتَحبّ لمن صلى فِي الصَّحرَاء أَن يتَّخذ أَمَامه ستْرَة، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فليجعل تِلْقَاء وَجهه شَيْئا، فَإِن لم يجد فلينصب عَصا، فَإِن لم يكن لَهُ عَصا، فليخط خطا وَلَا يضرّهُ مَا مر أَمَامه) . وخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَذكر عبد الْحق أَن ابْن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل صَحَّحَاهُ، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف وَإِن كَانَ قد أَخذ بِهِ أَحْمد. وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: لم نجد شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث. وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث يَقُول: عنْدكُمْ شَيْء تشدون بِهِ، وَأَشَارَ الشَّافِعِي إِلَى ضعفه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ ضعف وأضطراب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَا بَأْس بِهِ فِي مثل هَذَا الجكم.

الرَّابِع: مِقْدَار الستْرَة، قد ورد: قدر ذِرَاع، وَقد ذكرنَا الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِيمَا مضى عَن قريب. وَالْخَامِس: يَنْبَغِي أَن يكون فِي غلظ الإصبع لِأَن مَا دونه لَا يَبْدُو للنَّاظِر من بعيد. وَالسَّادِس: يقرب من الستْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. وَالسَّابِع: أَن يَجْعَل الستْرَة على حَاجِبه الْأَيْمن، أَو على الْأَيْسَر، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمِقْدَاد بن الْأسود، قَالَ: (مَا رَأَيْت سَوَّلَ الله يُصَلِّي إِلَى عود وَلَا عَمُود وَلَا شَجَرَة إلَاّ جعله على حَاجِبه الْأَيْمن أَو الْأَيْسَر، وَلَا يصمد لَهُ صمداً) ، يَعْنِي لم يَقْصِدهُ قصدا بالمواجهة،

والصمد هُوَ الْقَصْد فِي اللُّغَة. وَالثَّامِن: أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة للْقَوْم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. وَالتَّاسِع: ذكر أَصْحَابنَا أَن الْمُعْتَمد الغرز دون الْإِلْقَاء، والخط، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الدرء فَلَا يحصل بالإلقاء وَلَا بالخط، وَفِي (مَبْسُوط) شيخ الْإِسْلَام: إِنَّمَا يغرز إِذا كَانَت الأَرْض رخوة، فَإِذا كَانَت صلبة لَا يُمكنهُ فَيَضَع وضعا. لِأَن الْوَضع قد وري كَمَا رُوِيَ الغرز، لَكِن يضع طولا لَا عرضا. وروى أَبُو عصمَة عَن مُحَمَّد: إِذا لم يجد ستْرَة؟ قَالَ: لَا يخط بَين يَدَيْهِ، فَإِن الْخط وَتَركه سَوَاء، لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو للنَّاظِر من بعيد. وَقَالَ الشَّافِعِي بالعراق: إِن لم يجد مَا يخط خطا طولا، وَبِه أَخذ بعض الْمُتَأَخِّرين. وَفِي (الْمُحِيط) : الْخط لَيْسَ بِشَيْء. وَفِي (الذَّخِيرَة) للقرافي: الْخط بَاطِل، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَجوزهُ أَشهب فِي (الْعُتْبِيَّة) وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ بالعراق، ثمَّ قَالَ بِمصْر: لَا يخط، والمانعون أجابوا عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أَنه ضَعِيف. وَقَالَ عبد الْحق: ضعفه جمَاعَة ابْن حزم فِي (الْمحلى) : لم يَصح فِي الْخط شَيْء وَلَا يجوز القَوْل بِهِ. والعاشر: أَن الستْرَة إِذا كَانَت مَغْصُوبَة فَهِيَ مُعْتَبرَة عندنَا وَعَن أَحْمد تبطل صلَاته، وَمثله الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْمَغْصُوب عِنْده.

الثَّانِي من الْأَحْكَام أَن الدرء، وَهُوَ: دفع الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي هَل هُوَ وَاجِب أَو ندب؟ فَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الْأَمر، أَعنِي قَوْله: (فليدفعه) ، أَمر ندب متأكد وَلَا أعلم أحدا من الْفُقَهَاء أوجبه. قلت: قَالَ أهل الظَّاهِر بِوُجُوبِهِ لظَاهِر الْأَمر، فَكَأَن النَّوَوِيّ مَا أطلع على هَذَا، أَو اعْتد بخلافهم. وَقَالَ ابْن بطال: اتَّفقُوا على دفع الْمَار إِذا صلى إِلَى ستْرَة، فَأَما إِذا صلى إِلَى غير الستْرَة فَلَيْسَ لَهُ، لِأَن التَّصَرُّف وَالْمَشْي مُبَاح لغيره فِي ذَلِك الْموضع الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَلم يسْتَحق أَن يمنعهُ إلَاّ مَا قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ، وَهِي الستْرَة الَّتِي وَردت السّنة بمنعها.

الثَّالِث: إِنَّه يجوز لَهُ الْمَشْي إِلَيْهِ من مَوْضِعه ليَرُدهُ، وَإِنَّمَا يدافعه وَيَردهُ من مَوْضِعه، لِأَن مفْسدَة الْمَشْي أعظم من مروره بَين يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا أُبِيح لَهُ قدر مَا يَنَالهُ من موقفه، وَإِنَّمَا يردهُ إِذا كَانَ بَعيدا مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّسْبِيح، وَلَا يجمع بَينهمَا. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: لَا يَنْتَهِي دفع الْمَار إِلَى منع مُحَقّق، بل يومىء وَيُشِير بِرِفْق فِي صَدره من يمر بِهِ، وَفِي الْكَافِي للروياني يَدْفَعهُ ويصر على ذَلِك، وَإِن أدّى إِلَى قَتله. وَقيل: يَدْفَعهُ دفعا شَدِيدا أَشد من الدرء، وَلَا يَنْتَهِي إِلَى مَا يفْسد صلَاته، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد مَالك وَأحمد. وَقَالَ أَشهب فِي (الْمَجْمُوعَة) إِن قرب مِنْهُ درأه وَلَا ينازعه، فَإِن مَشى لَهُ ونازعه لم تبطل صلَاته، وَإِن تجاوزه لَا يردهُ لِأَنَّهُ مُرُور ثَان، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم من أَصْحَاب مَالك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد. وَقَالَ أَبُو مَسْعُود وَسَالم: يردهُ من حَيْثُ جَاءَ، وَإِذا مر بَين يَدَيْهِ مَا لَا تُؤثر فِيهِ إِلَّا الْإِشَارَة كالهرة. قَالَت الْمَالِكِيَّة: دَفعه بِرجلِهِ أَو ألصقه إِلَى السّتْر.

الرَّابِع: هَل يقاتله؟ فِيهِ: فَإِن أَبى فليقاتله. قَالَ عِيَاض: أَجمعُوا على أَنه لَا تلْزمهُ مقاتلته بِالسِّلَاحِ، وَلَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكه فَإِن دَفعه بِمَا يجوز فَهَلَك من ذَلِك فَلَا قَود عَلَيْهِ بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَهل تجب دِيَته أم تكون هدرا؟ فِيهِ مذهبان للْعُلَمَاء، وهما قَولَانِ فِي مَذْهَب مَالك. قَالَ ابْن شعْبَان: عَلَيْهِ الدِّيَة فِي مَاله كَامِلَة، وَقيل: هِيَ على عَاقِلَته، وَقيل: هدر، ذكره ابْن التِّين. وَاخْتلفُوا فِي معنى: فليقاتله، وَالْجُمْهُور على أَن مَعْنَاهُ: الدّفع بالقهر لَا جَوَاز الْقَتْل، وَالْمَقْصُود: الْمُبَالغَة فِي كَرَاهَة الْمُرُور. وَأطلق جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة أَن لَهُ أَن يقاتله حَقِيقَة، ورد ابْن الغربي ذَلِك، وَقَالَ: المُرَاد بالمقاتلة المدافعة. وَقَالَ بَعضهم: معنى فليقاتله، فليلعنه. قَالَ اتعالى. {قتل الخراصون} (الذاريات: ٠١) أَي: لعنُوا وَأنْكرهُ بَعضهم وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يدْفع فِي نَحره أول مرّة، ويقاتله فِي الثَّانِيَة، وَهِي المدافعة. وَقيل: يؤاخذه على ذَلِك بعد إتْمَام الصَّلَاة ويؤنبه. وَقيل: يَدْفَعهُ دفعا أَشد من الرَّد مُنْكرا عَلَيْهِ. وَفِي (التَّمْهِيد) : الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة جَائِز، نَحْو قتل البرغوث، وحك الْجَسَد، وَقتل الْعَقْرَب بِمَا خف من الضَّرْب مَا لم تكن الْمُتَابَعَة والطول، وَالْمَشْي إِلَى الْفرج إِذا كَانَ ذَلِك قَرِيبا، ودرء الْمُصَلِّي وَهَذَا كُله مَا لم يكثر، فَإِن كثر فسد.

الْخَامِس: فِيهِ أَن الْمَار كالشيطان، فِي أَنه يشغل قلبه عَن مُنَاجَاة ربه.

السَّادِس: فِيهِ أَنه يجوز أَن يُقَال للرجل إِذا فتن فِي الدّين: إِنَّه شَيْطَان.

السَّابِع: فِيهِ أَن الحكم للمعاني لَا للأسماء، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يصير الْمَار شَيْطَانا بمروره بَين يَدَيْهِ.

الثَّامِن: فِيهِ أَن دفع الأسوأ إِنَّمَا بالأسهل فالأسهل.

التَّاسِع: فِيهِ أَن فِي المنازعات لَا بُد من الرّفْع إِلَى الْحَاكِم وَلَا ينْتَقم الْخصم بِنَفسِهِ.

الْعَاشِر: فِيهِ أَن رِوَايَة الْعدْل مَقْبُولَة وَإِن كَانَ الرَّاوِي لَهُ مُنْتَفعا بِهِ.

١٠١ - (بابُ إثْمِ المَارِ بَيْنَ يَدَيِ المصَلِّي)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي، وأصل الْمَار: مارر، فاسكنت الرَّاء اللأولى وادغمت الثَّانِيَة، والإدغام فِي مثله وَاجِب.

٠١٥٩٥١ - حدّثنا عَبْدُ ااِ بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنا مالِكٌ عنْ أبي النَّضُرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ ااِ عنْ بُسْرِ بنِ سعِيد أنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أرْسَلَهُ إلَى أبي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ ماذَا سَمِعَ مِن رَسُولِ ااِ فِي الْمَارِ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي فَقَالَ أبُو جُهَيْمٍ قَالَ رسُولُ ااِ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلّي ماذَا لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيراً لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ أبُو النَّضْرِ لَا أدْرِي أقَال أرْبَعِينَ يَوْماً أوْ شَهْراً أوْ سَنَةً.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة قد ذكرُوا. وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم ابْن أبي أُميَّة، و: بسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: الْحَضْرَمِيّ الْمدنِي الزَّاهِد، مَاتَ سنة مائَة، وَلم يخلف كفناً. وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ الصَّحَابِيّ، وَأَبُو جهيم، بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء: واسْمه عبد ابْن جهيم.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: تَابِعِيّ وصحابيان. وَفِيه: أَبُو جهيم، بِالتَّصْغِيرِ مر فِي بَاب التَّيَمُّم فِي الْحَضَر، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رَاوِي حَدِيث الْمُرُور هُوَ غير رَاوِي حَدِيث التَّيَمُّم، وَقَالَ الكلاباذي: أَبُو جهيم، وَيُقَال: أَبُو جهم بن الْحَارِث، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالتَّيَمُّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَبُو جهيم رَاوِي حَدِيث الْمُرُور وَحَدِيث التَّيَمُّم غير أبي الجهم مكبر الْمَذْكُور فِي حَدِيث الخميصة والأنبجانية، لِأَن اسْمه: عبد ا، وَهُوَ أَنْصَارِي، وَاسم ذَلِك عَامر، وَهُوَ عدوي وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو الْجُهَيْم، يُقَال: أَبُو الجهم بن الْحَارِث بن الصمَّة، كَانَ أَبوهُ من كبار الصَّحَابَة، ثمَّ قَالَ: أَبُو جهيم عبد ابْن جهيم جعله، وَابْن الصمَّة وَاحِدًا أَبُو نعيم وَابْن مندة، وَكَذَا قَالَه مُسلم فِي بعض كتبه، وجعلهما ابْن عبد الْبر اثْنَيْنِ وَهُوَ أشبه، لَكِن متن الحَدِيث وَاحِد.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة، قَالَ ابْن ماجة: حدّثنا هِشَام بن عمار حدّثنا ابْن عُيَيْنَة عَن أبي النَّضر عَن بسر، قَالَ: (أرسلوني إِلَى زيد بن خَالِد أسأله عَن الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي فَأَخْبرنِي عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: لِأَن يقوم أَرْبَعِينَ خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ. قَالَ سُفْيَان. وَلَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ سنة أَو شهرا أَو صباحاً أَو سَاعَة) . وَفِي (مُسْند الْبَزَّار) : أخبرنَا أَحْمد بن عَبدة حدّثنا سُفْيَان بِهِ، وَفِيه: (أَرْسلنِي أَبُو جهيم إِلَى زيد بن خَالِد. فَقَالَ: لِأَن يقوم أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ) . وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة مقلوباً، وَالْقَوْل عندنَا قَول مَالك، وَمن تَابعه، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي حَدِيث الْبَزَّار خطىء فِيهِ ابْن عُيَيْنَة وَلَيْسَ خَطؤُهُ بمتعين لاحْتِمَال أَن يكون أَبُو جهيم بعث بسراً إِلَى زيد، وَزيد بَعثه إِلَى أبي جهيم يستثبت كل وَاحِد مَا عِنْد الآخر، فَأخْبر كل مِنْهُمَا بمحفوظه فَشك أَحدهمَا وَجزم الآخر. وَاجْتمعَ ذَلِك كُله عِنْد أبي النَّضر. قلت: قَول مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) لم يخْتَلف عَلَيْهِ فِيهِ أَن الْمُرْسل هُوَ زيد، وَأَن الْمُرْسل إِلَيْهِ هُوَ أَبُو جهيم، وَتَابعه سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي النَّضر عِنْد مُسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا، وَخَالَفَهُمَا ابْن عُيَيْنَة عَن أبي النَّضر فَقَالَ: عَن بسر بن سعيد، قَالَ: (أَرْسلنِي أَبُو جهيم إِلَى زيد بن خَالِد أسأله) فَذكر هَذَا الحَدِيث: قلت: هَذَا عكس متن (الصَّحِيحَيْنِ) لِأَن المسؤول فيهمَا هُوَ أَبُو جهيم، وَهُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَعند الْبَزَّار المسؤول زيد بن خَالِد.

ذكر مَعْنَاهُ. قَوْله: (مَاذَا عَلَيْهِ) ، أَي: من الْإِثْم والخطيئة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَاذَا عَلَيْهِ من الْإِثْم) ، وَلَيْسَت هَذِه الزِّيَادَة فِي شَيْء من الرِّوَايَات غَيره، وَكَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) لَيست هَذِه الزِّيَادَة، وَكَذَا فِي سَائِر المسندات. وَفِي المستخرجات، غير أَنه وَقع فِي (مُصَنف ابْن أبي شيبَة) : مَاذَا عَلَيْهِ، يَعْنِي من الْإِثْم، وعيب على الْمُحب الطَّبَرِيّ حَيْثُ عزا هَذِه الزِّيَادَة فِي الْأَحْكَام للْبُخَارِيّ. قَوْله: (بَين يَدي الْمُصَلِّي) أَي: أَمَامه بِالْقربِ مِنْهُ، وَعبر باليدين لكَون أَكثر الشّغل يَقع بهما. قَوْله: (أَن يقف أَرْبَعِينَ) ، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (أَرْبَعِينَ سنة أَو شهرا أَو صباحاً أَو سَاعَة) . وَفِي رِوَايَة الْبَزَّار: (أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) : عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: لَو يعلم أحدكُم مَا لَهُ فِي أَن يمر بَين يَدي أَخِيه مُعْتَرضًا فِي الصَّلَاة كَانَ لِأَن يُقيم مائَة عَام خيرا لَهُ من الخطوة الَّتِي خطأ) . وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني: عَن عبد ابْن عَمْرو مَرْفُوعا: (إِن

الَّذِي يمر بَين يَدي الْمُصَلِّي عمدا يتَمَنَّى يَوْم الْقِيَامَة أَنه شَجَرَة يابسة) . وَفِي المُصَنّف عَن عبد الحميد، عَامل عمر بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: (لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَا عَلَيْهِ لأحب أَن ينكسر فَخذه وَلَا يمر بَين يَدَيْهِ) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي أنقص من الْمَمَر عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذا مر أحد بَين يَدَيْهِ الْتَزمهُ حَتَّى يردهُ) . وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ عمر، رَضِي اعنه: (لَكَانَ يقوم حولا خير لَهُ من مروره) . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: (لَكَانَ أَن يخسف بِهِ خيرا لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ) . قَوْله: (قَالَ أَبُو النَّضر) قَالَ الْكرْمَانِي: إِمَّا من كَلَام مَالك فَهُوَ مُسْند، وَإِمَّا تَعْلِيق من البُخَارِيّ. قلت: هُوَ كَلَام مَالك وَلَيْسَ هُوَ من تَعْلِيق البُخَارِيّ لِأَنَّهُ ثَابت فِي (الْمُوَطَّأ) من جَمِيع الطّرق، وَكَذَا ثَبت فِي رِوَايَة الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (أقَال؟) الْهمزَة فِيهِ للإستفهام، وفاعله: بسرا أَو رَسُول الله كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: الظَّاهِر أَنه بسر بن أُميَّة.

ذكر إعرابه) قَوْله: (مَاذَا عَلَيْهِ؟) كلمة مَا: اسْتِفْهَام وَمحله الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَكلمَة: ذَا، إِشَارَة خَبره، وَالْأولَى أَن تكون: ذَا مَوْصُولَة بِدَلِيل افتقاره إِلَى شَيْء بعده لِأَن تَقْدِيره: مَاذَا عَلَيْهِ من الْإِثْم، ثمَّ إِن: مَاذَا عَلَيْهِ، فِي مَحل النصب على أَنه سد مسد المفعولين لقَوْله: (لَو يعلم) ، وَقد علق عمله بالإستفهام. قَوْله: (لَكَانَ) جَوَاب: لَو، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: لَو يعلم الْمَار مَا الَّذِي عَلَيْهِ من الْإِثْم من مروره بَين يَدي الْمُصَلِّي لَكَانَ وُقُوفه أَرْبَعِينَ خيرا لَهُ من أَن يمر؟ أَي: من مروره بَين يَدَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَوَاب: لَو، لَيْسَ هُوَ الْمَذْكُور، إِذْ التَّقْدِير: لَو يعلم مَاذَا عَلَيْهِ لوقف أَرْبَعِينَ، لَو وقف أَرْبَعِينَ لَكَانَ خيرا لَهُ. قلت: لَا ضَرُورَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير وَهُوَ تصرف فِيهِ تعسف، وَحقّ التَّرْكِيب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (خيرا) فِيهِ رِوَايَتَانِ: النصب وَالرَّفْع. أما النصب فَظَاهر لِأَنَّهُ خبر: لَكَانَ، وَاسم، كَانَ، هُوَ قَوْله: أَن يقف، لأَنا قُلْنَا: إِن كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَأَن التَّقْدِير: لَكَانَ وُقُوفه أَرْبَعِينَ خيرا لَهُ. وَأما وَجه الرّفْع، فقد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ اسْم: وَلم يذكر خبر مَا هُوَ، وَخبر هُوَ قَوْله: أَن يقف، وَالتَّقْدِير: لَو يعلم الْمَار مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ خير وُقُوفه أَرْبَعِينَ، وتعسف بَعضهم فَقَالَ: يحْتَمل أَن يُقَال: اسْمهَا ضمير الشَّأْن وَالْجُمْلَة خَبَرهَا.

قَوْله: (أقَال: أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو شهرا أَو سنة؟) لِأَنَّهُ ذكر الْعدَد أَعنِي أَرْبَعِينَ، وَلَا بُد من مُمَيّز، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن هَذِه الْأَشْيَاء، وَقد أبهم ذَلِك هَهُنَا. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِيهِ؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: وَأبْهم الْأَمر ليدل على الفخامة، وَأَنه مِمَّا لَا يقدر قدره وَلَا يدْخل تَحت الْعبارَة. انْتهى. قلت: الْإِبْهَام هَهُنَا من الرَّاوِي، وَفِي نفس الْأَمر الْعدَد معِين، ألَا ترى كَيفَ تعين فِيمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (لَكَانَ أَن يقف مائَة عَام؟) الحَدِيث؟ كَمَا ذكرنَا، وَكَذَا عين فِي مُسْند الْبَزَّار من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة: (لَكَانَ أَن يقف أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل للتخصيص بالأربعين حِكْمَة مَعْلُومَة؟ قلت: أسرار أَمْثَالهَا لَا يعلمهَا إلَاّ الشَّارِع، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لِأَن الْغَالِب فِي أطوار الْإِنْسَان أَن كَمَال كل طور بِأَرْبَعِينَ، كاطوار النُّطْفَة، فَإِن كل طور مِنْهَا بِأَرْبَعِينَ، وَكَمَال عدل الْإِنْسَان فِي أَرْبَعِينَ سنة، ثمَّ الْأَرْبَعَة أصل جَمِيع الْأَعْدَاد، لِأَن أجزاءه وَهِي عشرَة، وَمن العشرات المآت، وَمِنْهَا الألوف، فَلَمَّا أُرِيد التكثير ضوعف كل إِلَى عشرَة أَمْثَاله. انْتهى. قلت: غفل الْكرْمَانِي عَن رِوَايَة الْمِائَة حَيْثُ قصر فِي بَيَان الْحِكْمَة على الْأَرْبَعين، وَقَالَ بَعضهم، فِي التنكيت على الْكرْمَانِي: بِأَن هَذِه الرِّوَايَة تشعر بِأَن إِطْلَاق الْأَرْبَعين للْمُبَالَغَة فِي تَعْظِيم الْأَمر لَا لخُصُوص عدد معِين. قلت: لَا يُنَافِي رِوَايَة الْمِائَة عَن بَيَان وَجه الْحِكْمَة فِي الْأَرْبَعين، بل يَنْبَغِي أَن يطْلب وَجه الْحِكْمَة فِي كل مِنْهُمَا، لِأَن لقَائِل أَن يَقُول: لِمَ أطلق الْأَرْبَعين للْمُبَالَغَة فِي تَعْظِيم الْأَمر. ولِمَ لَمْ يذكر الْخمسين أَو سِتِّينَ أَو نَحْو ذَلِك؟ وَالْجَوَاب الْوَاضِح الشافي فِي ذَلِك أَن تعْيين الْأَرْبَعين للْوَجْه الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي، وَأما وَجه ذكر الطَّحَاوِيّ أَنه قيد بِالْمِائَةِ بعد التَّقْيِيد بالأربعين للزِّيَادَة فِي تَعْظِيم الْأَمر على الْمَار، لِأَن الْمقَام مقَام زجر وتخويف وَتَشْديد. فَإِن قلت: من أَيْن علم أَن التَّقْيِيد بِالْمِائَةِ بعد التَّقْيِيد بالأربعين؟ قلت: وقوعهما مَعًا مستعبد، لِأَن الْمِائَة أَكثر من الْأَرْبَعين، وَكَذَا وُقُوع الْأَرْبَعين بعد الْمِائَة لعدم الْفَائِدَة، وَكَلَام الشَّارِع كُله حِكْمَة وَفَائِدَة، والمناسبة أَيْضا تَقْتَضِي تَأْخِير الْمِائَة عَن الْأَرْبَعين. فَإِن قلت: قد علم فِيمَا مضى وَجه الْحِكْمَة فِي الْأَرْبَعين، فَمَا وَجه الْحِكْمَة فِي تعْيين الْمِائَة؟ قلت: الْمِائَة وسط بِالنِّسْبَةِ إِلَى العشرات والألوف، وَخير الْأُمُور أوسطها، وَهَذَا مِمَّا تفردت بِهِ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الْأَحْكَام) فِيهِ: أَن الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي مَذْمُوم، وفاعله مرتكب الْإِثْم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم الْمُرُور، فَإِن فِي الحَدِيث النَّهْي الأكيد والوعيد الشَّديد، فَيدل على ذَلِك. قلت: فعلى مَا ذكره يَنْبَغِي أَن

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بدل «الكعبة» قال: وهو أشبه بالمعنى، وأُجيب بأنَّه وقع عند أبي نُعيمٍ شيخ المؤلِّف في كتاب «الصَّلاة» من طريق صالح بن كيسان قال: «رأيت ابن عمر يصلِّي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمرُّ بين يديه يبادره» قال: أي: يردُّه، وبأنَّ تخصيص الكعبة بالذِّكر لدفع توهُّم اغتفاره فيها لكثرة الزِّحام بها (وَقَالَ) أي: ابن عمر ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (إِنْ أَبَى) المارُّ (إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ) أيُّها المصلِّي، بالمُثنَّاة الفوقيَّة المضمومة (فَقَاتِلْهُ) بكسر المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون اللَّام بصيغة الأمر، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «قاتلْه» بسكون اللَّام من غير فاءٍ، لكن قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: كونه بلا فاءٍ في جواب الشَّرط يُقدَّر له مُبتدَأٌ، أي: فأنت قاتله (١)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ في غير «اليونينيَّة»: «إلَّا أن يقاتله» أي: المصلِّي «قَاتَلَه» (٢) بفتح المُثنَّاة واللَّام بصيغة الماضي، وهذا واردٌ (٣) على سبيل (٤) المُبالَغة له إذ المُراد أن يدفعه دفعًا شديدًا كدفع (٥) المقاتل.

٥٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو (٦) المُقعَد البصريُّ، المُتوفَّى

بها (١) سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان العنبريُّ البصريُّ (٢)، المُتوفَّى سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عُبَيْدٍ -بالتَّصغير- ابن دينارٍ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) بكسر الهاء وتخفيف اللَّام، العدويِّ التَّابعيِّ الجليل (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد (٣) بن مالكٍ الخدريَّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٤) ح) مُهمَلةٌ للتَّحويل، وهي ساقطةٌ من «اليونينيَّة».

و (٥) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا آدَمُ) ولغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «آدم بْنُ أَبِي إِيَاسٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ) القيسيُّ (٦) البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ العَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانُ) المذكوران، وقرن المؤلِّف رواية يونس برواية سليمان، وساق لفظه دون لفظ يونس (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) (فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) قِيلَ: هو الوليد بن عقبة بن أبي مُعْيَطٍ كما أخرجه (٧) أبو نُعيمٍ شيخ المؤلِّف في «كتاب الصَّلاة»، وقِيلَ غيره: (أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ) بالجيم والزَّاي من الجواز (فَدَفَعَ (٨) أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ (فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) بفتح الميم والغين المُعجَمة، أي: طريقًا يمكنه المرور منها (إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ) الدَّفعة (٩) (الأُولَى، فَنَالَ) الشَّابُّ، بالفاء والنُّون (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) أي: أصاب من عرضه بالشَّتم (ثُمَّ دَخَلَ) الشَّابُّ (عَلَى مَرْوَانَ) بن الحكم الأمويِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وستِّين، وهو ابن ثلاثٍ وستِّين سنةً (فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ) مروان لأبي سعيدٍ: (مَا

لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ) أي: في الإسلام (يَا أَبَا سَعِيدٍ؟) وهو يردُّ على من قال: إنَّ المارَّ هو (١) الوليد بن عقبة لأنَّ أباه عقبة قُتِل كافرًا، وقوله: «ما» مُبتدَأٌ، وخبره «لك»، و «لابن أخيك»: عُطِفَ عليه بإعادة الخافض (قَالَ) أبو سعيدٍ : (سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ) قال القرطبيُّ رحمة الله عليه: بالإشارة ولطيف المنع (فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ) بكسر اللَّام الجازمة وسكونها، قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدَّفع، بل صرَّح أصحابنا رحمهم الله تعالى بأنَّه مندوبٌ. نعم قال أهل الظَّاهر بوجوبه، ونقل البيهقيُّ عن الشَّافعيِّ - رحمهما الله تعالى - أنَّ المراد بالمُقاتَلة: دفعٌ أشدُّ من الدَّفع الأوَّل، وقال أصحابنا: يردُّه بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدَّ، ولو أدَّى إلى قتله فقتله (٢) فلا شيء عليه لأنَّ الشَّارع أباح له (٣) مقاتلته، والمُقاتَلة المُباحة لا ضمان فيها، وليس المُراد المُقاتَلة بالسِّلاح، ولا بالمشي إليه، بل والمصلِّي بمحلِّه بحيث تناله يده، ولا يكون عمله في مُدافَعته كثيرًا (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) أي: إنَّما فعله فعل شيطانٍ، وإطلاق «الشَّيطان» على مارد الإنس سائغٌ على سبيل المجاز، والحصر بـ «إنَّما» للمُبالَغة، فالحكم للمعاني لا للأسماء لأنَّه (٤) يستحيل أن يصير المارُّ شيطانًا بمروره بين يدي المصلِّي.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا: (كَانَ يُصَلِّي والسرير بَينه وَبَين الْقبْلَة) . فَهَذَا يبين أَن المُرَاد من حَدِيث الْبَاب أَسْفَل السرير. قلت: لَا نسلم ذَلِك لاخْتِلَاف العبارتين مَعَ احْتِمَال كَونهمَا فِي الْحَالَتَيْنِ، فَإِذا علمت هَذَا علمت أَن قَول الْإِسْمَاعِيلِيّ: بِأَنَّهُ دَال على الصَّلَاة على السرير لَا إِلَى السرير، غير وَارِد، يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ.

٠٠١ - (بابٌ يِرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ)

أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: يرد الْمُصَلِّي من مر بَين يَدَيْهِ، وسنبين هَل الرَّد إِذا مر بَين يَدَيْهِ فِي مَوضِع سُجُوده؟ أَو يردهُ مُطلقًا؟ أَو لَهُ حد مَعْلُوم؟ وَأَن الرَّد وَاجِب أم سنة أم مُسْتَحبّ؟ وَأَنه مُقَيّد بمَكَان مَخْصُوص أَو فِي جَمِيع الْأَمْكِنَة؟ على مَا نذكرهُ مفصلا إِن شَاءَ اتعالى.

ورَدَّ ابنُ عُمَرَ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الْكَعْبَةِ وَقَالَ إنْ أبَى إلَاّ أنْ تُقَاتِلَهُ قَقَاتِلْهُ

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول فِي وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة وَهِي ظَاهِرَة لِأَن ابْن عمر رد الْمَار من بَين يَدَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاة.

الثَّانِي فِي معنى التَّرْكِيب: فَقَوله: ورد ابْن عمر، أَي: رد عبد ابْن عمر بن الْخطاب المارَّ بَين يَدَيْهِ حَال كَونه فِي التَّشَهُّد، وَكَانَ هَذَا الْمَار هُوَ: عَمْرو بن دِينَار، نبه عَلَيْهِ عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة فِي مصنفيهما. قَوْله: (فِي الْكَعْبَة) أَي، ورد أَيْضا فِي الْكَعْبَة. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ عطف على مُقَدّر، أَي: رد الْمَار بَين يَدَيْهِ عِنْد كَونه فِي الصَّلَاة وَفِي غير الْكَعْبَة وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ كَون الرَّد فِي حَالَة وَاحِدَة جمعا بَين كَونه فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة، فَلَا حَاجَة إِلَى مقد. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الإشبيلي فِي كِتَابه (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ) : كَذَا وَقع، وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ ابْن قرقول: ورد ابْن عمر فِي التَّشَهُّد وَفِي الْكَعْبَة. وَقَالَ الْقَابِسِيّ: وَفِي الرَّكْعَة، بَدَلا من: الْكَعْبَة، أشبه. وَكَذَا وَقع فِي بعض الْأُصُول: الرَّكْعَة. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَالظَّاهِر أَنه: وَفِي الْكَعْبَة، وَهُوَ الصَّوَاب كَمَا فِي كتاب الصَّلَاة لأبي نعيم: حدّثنا عبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون عَن صَالح بن كيسَان، قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يُصَلِّي فِي الْكَعْبَة فَلَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ يبادره. قَالَ بردة: حدّثنا مطر بن خَليفَة حدّثنا عَمْرو بن دِينَار قَالَ: مَرَرْت بِابْن عمر بعده مَا جلس فِي آخر صلَاته حَتَّى أنظر مَا يصنع، فارتفع من مَكَانَهُ، فَدفع فِي صَدْرِي. وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: أخبرنَا ابْن فُضَيْل عَن مطر عَن عَمْرو بن دِينَار، قَالَ: مَرَرْت بَين يَدي ابْن عمر وَهُوَ فِي الصَّلَاة فارتفع من قعوده ثمَّ دفع فِي صَدْرِي، وَفِي كتاب (الصَّلَاة) لأبي نعيم: فانتهزني بتسبيحة، وَقَالَ بَعضهم: رِوَايَة الْجُمْهُور متجهة، وَتَخْصِيص الْكَعْبَة بِالذكر لِئَلَّا يتخيل أَنه يغْتَفر فِيهَا الْمُرُور لكَونهَا مَحل الْمُزَاحمَة. قلت: الْوَاقِع فِي نفس الْأَمر ان ابْن عمر فِي الرَّد فِي غير الْكَعْبَة، وَفِي الْكَعْبَة أَيْضا فَلَا يُقَال: فِيهِ التَّخْصِيص، وَالتَّعْلِيل فِيهِ بِكَوْن مَحل الْمُزَاحمَة غير موجه لِأَن فِي غير الْكَعْبَة أَيْضا تُوجد الْمُزَاحمَة، سِيمَا فِي أَيَّام الْجمع فِي الْجَوَامِع وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (وَقَالَ) أَي: ابْن عمر: (إِن أَبى) أَي: الْمَار، أَي: امْتنع بِكُل وَجه إلَاّ بِأَن يُقَاتل الْمُصَلِّي الْمَار قَاتله. قَوْله: (إِلَّا أَن يقاتله) وَقَوله: قَاتله، على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون لفظ: قَاتله، بِصِيغَة الْفِعْل الْمَاضِي، وَهَذَا عِنْد كَون لفظ (إِلَّا أَن يقاتله) بِصِيغَة الْفِعْل الْمُضَارع الْمَعْلُوم، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الْمَار الَّذِي هُوَ فَاعل لَفْظَة: أبي، والمنصوب يرجع إِلَى الْمُصَلِّي، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِي: قَاتله، يرجع إِلَى الْمُصَلِّي والمنصوب يرجع إِلَى: الْمَار، وَالْوَجْه الآخر: أَن يكون لَفْظَة (إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ) بِصِيغَة الْمُخَاطب: أَي إلَاّ أَن تقَاتل الْمَار (فقاتله) بِكَسْر التَّاء وَسُكُون اللَّام على صِيغَة الْأَمر للحاضر، وَهَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَالْأول رِوَايَة الْأَكْثَرين. فَإِن قلت: لَفْظَة: قَاتله، فِي الْوَجْه الثَّانِي جملَة أمرية، وَالْجُمْلَة الأمرية إِذا وَقعت جَزَاء للشرطية فَلَا بُد فِيهَا من الْفَاء. قلت: تَقْدِير الْكَلَام: فَأَنت قَاتله، قَالَ الْكرْمَانِي: وَيجوز حذف الْفَاء مِنْهَا نَحْو:

من يفعل الْحَسَنَات ايشكرها

قلت: حذف الْفَاء مِنْهَا لضَرُورَة الْوَزْن فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ، ويروى: فقاتله بِالْفَاءِ على الأَصْل.

النَّوْع الثَّالِث فِي أَن الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر هَهُنَا على سَبِيل التَّعْلِيق بِثَلَاثَة أَشْيَاء: الأول: رده الْمَار فِي التَّشَهُّد، وَقد وَصله أَبُو نعيم وَابْن أبي شيبَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. الثَّانِي: رده فِي الْكَعْبَة، وَقد وَصله أَبُو نعيم أَيْضا كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِي حَدِيث يزِيد الْفَقِير: صليت إِلَى جنب ابْن عمر بِمَكَّة فَلم أر رجلا أكره أَن يمر بَين يَدَيْهِ مِنْهُ. الثَّالِث: أمره بالمقاتلة عِنْد عدم امْتنَاع الْمَار من الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي، وَقد وَصله عبد الرَّزَّاق، وَلَفظه عَن ابْن عمر قَالَ: لَا تدع أحدا يمر بَين يَديك وَأَنت تصلي، فَإِن أبي إلَاّ أَن تُقَاتِلهُ فقاتله. وَهَذَا مُوَافق لرِوَايَة الْكشميهني.

٩٠٥ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدّثنا يُونُسُ عنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ عنْ أبي صالِحٍ أنَّ أبَا سعِيدٍ قَالَ قَالَ النبيُّ (ح) وحدّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قَالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ قَالَ حدّثنا حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ الْعَدَوى قَالَ حدّثنا أبُو صالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فِي يَوْم جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ شَابٌّ من بَني أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغَاً إِلَاّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أبُو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأُولَى فَنَالَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ

فَشَكَا إليْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ودَخَلَ أبُو سًعيدٍ خَلْفَهُ عَلى مَرْوانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أخِيكَ يَا أبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْت النبيَّ يَقُولُ إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرَادَ أحدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإِنمَا هُوَ شَيْطَانٌ. (الحَدِيث ٩٠٥ طرفَة فِي: ٤٧٢٣) .

١١

- ٥٠ مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله وهم ثَمَانِيَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: واسْمه عبد ابْن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج المقعد الْبَصْرِيّ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَقد تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي: اللَّهُمَّ علمه الْكتاب. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد، تقدم أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب. الثَّالِث: يُونُس بن عبيد، بِالتَّصْغِيرِ: ابْن دِينَار أَبُو عبد االبصري، مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الرَّابِع: حميد، بِضَم الْحَاء: تَصْغِير الْحَمد بن هِلَال، بِكَسْر الْهَاء وَتَخْفِيف اللَّام: الْعَدوي، بِفَتْح الْعين وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ: التَّابِعِيّ الْجَلِيل. الْخَامِس: أَبُو صَالح ذكْوَان السمان، وَقد تكَرر، ذكره. السَّادِس: آدم بن أبي إِيَاس. السَّابِع سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة الْقَيْسِي الْبَصْرِيّ. الثَّامِن: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي اتعالى عَنهُ، واسْمه: سعد بن مَالك.

وَذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع من الْمَاضِي فِي سَبْعَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل والرؤية. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم بصريون إلَاّ أَبَا صَالح فَإِنَّهُ مدنِي، وآدَم فَإِنَّهُ عسقلاني. وَفِيه: أَن آدم من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ لم يخرج لِسُلَيْمَان بن الْمُغيرَة شَيْئا مَوْصُولا إلَاّ هَذَا الحَدِيث، ذكره أَبُو مَسْعُود وَغَيره. وَفِيه: التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر قبل ذكر الحَدِيث، وعلامته حرف: الْحَاء، المفردة. وَفِيه: فِي الْإِسْنَاد الأول: حميد عَن أبي صَالح أَن أَبَا سعيد، وَفِي الثَّانِي: قَالَ أَبُو صَالح: رَأَيْت أَبَا سعيد. وَالثَّانِي أقوى. وَفِيه: أَن فِي الثَّانِي ذكر قصَّة لَيست فِي الأول، وَقد سَاق البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب بَدْء الْخلق بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَاقه هُنَاكَ من رِوَايَة يُونُس بِعَيْنِه، وَهَهُنَا من لفظ سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة لَا من لفظ يُونُس.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن أبي معمر فِي صفة إِبْلِيس. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن شَيبَان بن فروخ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُوسَى ابْن اسماعيل.

ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله: (فَأَرَادَ شَاب من بني أبي معيط) وَوَقع فِي (كتاب الصَّلَاة) لأبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن، قَالَ: حدّثنا عبد ابْن عَامر عَن زيد بن أسلم، قَالَ: (بَيْنَمَا أَبُو سعيد قَائِم يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد فَأقبل الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط، فَأَرَادَ أَن يمر بَين يَدَيْهِ فَرده، فَأبى إلَاّ أَن يمر فَدفعهُ ولكمه) . فَهَذَا يدل على أَن هَذَا الشَّاب هُوَ الْوَلِيد بن عقبَة، وَفِي (المُصَنّف) لِابْنِ أبي شيبَة: حدّثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَاصِم عَن ابْن سِيرِين، قَالَ: (كَانَ أَبُو سعيد قَائِما يُصَلِّي فجَاء عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ابْن هِشَام يمر بَين يَدَيْهِ فَمَنعه، فَأبى إلَاّ أَن يَجِيء فَدفعهُ أَبُو سعيد فطرحه. فَقيل لَهُ: تصنع هَذَا بِعَبْد الرَّحْمَن؟ فَقَالَ: وَا لَو أَبى إِلَّا أَن آخذ بِشعرِهِ لأخذت) . وروى عبد الرَّزَّاق حَدِيث الْبَاب عَن دَاوُد بن قيس عَن زيد بن أسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد عَن أَبِيه فَقَالَ فِيهِ: إِذْ جَاءَ شَاب، وَلم يسمعهُ. وَعَن معمر عَن زيد بن أسلم فَقَالَ فِيهِ: فَذهب ذُو قرَابَة لمروان. وَمن طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن أبي سعيد فَقَالَ فِيهِ: فَمر رجل بَين يَدَيْهِ من بني مَرْوَان، وَالنَّسَائِيّ من وَجه آخر فَمر ابْن لمروان، وَسَماهُ عبد الرَّزَّاق من طَرِيق سُلَيْمَان بن مُوسَى دَاوُد بن مَرْوَان، وَلَفظه: أَرَادَ دَاوُد بن مَرْوَان أَن يمر بَين يَدي أبي سعيد، ومروان يَوْمئِذٍ أَمِير بِالْمَدِينَةِ، فَذكر الحَدِيث وَبِه جزم ابْن الْجَوْزِيّ، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت الِاخْتِلَاف فِي تَسْمِيَة الْمُبْهم الَّذِي فِي الصَّحِيح، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة لأبي سعيد مَعَ غير وَاحِد، لِأَن فِي تعْيين وَاحِد من هَؤُلَاءِ مَعَ كَون اتِّحَاد الْوَاقِعَة نظرا، لَا يخفى.

قَوْله: (من بني أبي معيط) ، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره طاء مُهْملَة. وَأَبُو معيط فِي قُرَيْش واسْمه: أبان بن أبي عَمْرو زكوان بن أُميَّة الْأَكْبَر هُوَ وَالِد عقبَة بن أبي معيط الَّذِي قَتله رَسُول الله صبرا. ومعيط تَصْغِير: أمعط، وَهُوَ الَّذِي لَا شعرعليه، والأمعط والأمرط سَوَاء. قَوْله: (أَن يجتاز) ، بِالْجِيم من الْجَوَاز. قَوْله: (فَلم يجد مساغاً) ، بِفَتْح الْمِيم وبالغين الْمُعْجَمَة أَي: طَرِيقا يُمكنهُ الْمُرُور مِنْهَا. يُقَال: سَاغَ الشَّرَاب فِي الْحلق إِذا نزل من غير الضَّرَر، وساغ الشَّيْء طَابَ. قَوْله: (من الأولى) أَي: من الْمرة

الأولى أَو الدفعة الأولى. قَوْله: (فنال من أبي سعيد) بالنُّون أَي: أصَاب من عرضة بالشتم، وَهُوَ من النّيل، وَهُوَ الْإِصَابَة. قَوْله: (ثمَّ دخل على مَرْوَان) ، وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، بِفَتْح الْكَاف: ر الْأمَوِي أَبُو عبد الْملك، يُقَال: إِنَّه رأى النَّبِي، قَالَه الْوَاقِدِيّ وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، توفّي النَّبِي، وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، مَاتَ بِدِمَشْق لثلاث خلون من رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَقد تقدم ذكره فِي بَاب البزاق والمخاط. قَوْله: (فَقَالَ: مَالك؟) أَي فَقَالَ مَرْوَان، فكلمة: مَا مُبْتَدأ و: لَك خَبره. (و: لِابْنِ أَخِيك) عطف عَلَيْهِ بِإِعَادَة الْخَافِض، وَأطلق الْأُخوة بِاعْتِبَار أَن الْمُؤمنِينَ أخوة، وَفِيه تأييد لقَوْل من قَالَ إِن الْمَار بَين يَدي أبي سعيد الَّذِي دَفعه غير الْوَلِيد، لِأَن أَبَاهُ عقبَة قتل كَافِرًا. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: ولأخيك، بِحَذْف الأبن. قلت: نظرا إِلَى أَنه كَانَ شَابًّا أَصْغَر مِنْهُ.

قَوْله: (فليدفعه) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فليدفع فِي نَحره) . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: أَي بِالْإِشَارَةِ، ولطيف الْمَنْع. قَوْله: (فليقاتله) ، بِكَسْر اللَّام الجازمة وبسكونها. قَوْله: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان) ، هَذَا من بَاب التَّشْبِيه حذف مِنْهُ أَدَاة التَّشْبِيه للْمُبَالَغَة أَي: إِنَّمَا هُوَ كشيطان، أَو يُرَاد بِهِ شَيْطَان الْإِنْس، وَإِطْلَاق الشَّيْطَان على المارد من الْإِنْس سَائِغ شَائِع، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: {شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ} (الْأَنْعَام: ٢١١) وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الشَّيْطَان يحملهُ على ذَلِك ويحركه إِلَيْهِ، وَقد يكون أَرَادَ بالشيطان الْمَار بَين يَدَيْهِ نَفسه، وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان هُوَ المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: الْحَامِل لَهُ على ذَلِك الشَّيْطَان، وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث ابْن عمر عِنْد مُسلم: (لَا يدع أحدا يمر بَين يَدَيْهِ فَإِن أَبى فليقاتله فَإِن مَعَه القرين) . وَعند أبن مَاجَه: (قَالَ: القرين) ، وَقَالَ المنكدري: فَإِنَّهُ مَعَه الْعُزَّى وَقيل: مَعْنَاهُ: إِنَّمَا هُوَ فعل الشَّيْطَان لشغل قلب الْمُصَلِّي، كَمَا يخْطر الشَّيْطَان بَين الْمَرْء وَنَفسه.

ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ اتِّخَاذ الستْرَة للْمُصَلِّي، وَزعم ابْن الْعَرَبِيّ أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي وجوب وضع الستْرَة بَين يَدي الْمُصَلِّي على ثَلَاثَة أَقْوَال. الأول: أَنه وَاجِب، فَإِن لم يجد وضع خطا، وَبِه قَالَ أَحْمد، كَأَنَّهُ اعْتمد حَدِيث ابْن عمر الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم: (لَا تصلي إلَاّ إِلَى ستْرَة وَلَا تدع أحدا يمر بَين يَديك) . وَعَن أبي نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) : حدّثنا سُلَيْمَان، أَظُنهُ عَن حميد بن هِلَال، قَالَ عمر ابْن الْخطاب: لَو يعلم الْمُصَلِّي مَا ينقص من صلَاته مَا صلى إِلَّا إِلَى شَيْء يستره من النَّاس، وَعند ابْن أبي شيبَة، عَن ابْن مَسْعُود: (إِنَّه ليقطع نصف صَلَاة الْمَرْء الْمُرُور بَين يَدَيْهِ) . الثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحبَّة، ذهب إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ. الثَّالِث: جَوَاز تَركهَا، وَرُوِيَ ذَلِك عَن مَالك. قلت: قَالَ أَصْحَابنَا: الأَصْل فِي الستْرَة أَنَّهَا مُسْتَحبَّة. وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: كَانُوا يستحبون إِذا صلوا فِي الفضاء أَن يكون بَين أَيْديهم مَا يسترهم. وَقَالَ عَطاء، لَا بَأْس بترك الستْرَة، وَصلى الْقَاسِم وَسَالم فِي الصَّحرَاء إِلَى غير ستْرَة، ذكر ذَلِك كُله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) .

وَاعْلَم أَن الْكَلَام فِي هَذَا على عشرَة أَنْوَاع: الأول: أَن الستْرَة وَاجِبَة أَو لَا؟ وَقد مر الْآن. الثَّانِي: مِقْدَار مَوضِع يكره الْمُرُور فِيهِ، فَقيل: مَوضِع سُجُوده، وَهُوَ اخْتِيَار شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام قاضيخان، وَقيل: مِقْدَار صفّين أَو ثَلَاثَة، وَقيل: بِثَلَاثَة أَذْرع، وَقيل: بِخَمْسَة أَذْرع. وَقيل: بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعا، وَقدر الشَّافِعِي وَأحمد بِثَلَاثَة أَذْرع، وَلم يحد مَالك فِي ذَلِك حدا إلاّ أَن ذَلِك بِقدر مَا يرْكَع فِيهِ وَيسْجد ويتمكن من دفع من مر بَين يَدَيْهِ. وَالثَّالِث: أَنه يسْتَحبّ لمن صلى فِي الصَّحرَاء أَن يتَّخذ أَمَامه ستْرَة، وروى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله قَالَ: (إِذا صلى أحدكُم فليجعل تِلْقَاء وَجهه شَيْئا، فَإِن لم يجد فلينصب عَصا، فَإِن لم يكن لَهُ عَصا، فليخط خطا وَلَا يضرّهُ مَا مر أَمَامه) . وخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَذكر عبد الْحق أَن ابْن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل صَحَّحَاهُ، وَقَالَ عِيَاض: هَذَا الحَدِيث ضَعِيف وَإِن كَانَ قد أَخذ بِهِ أَحْمد. وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: لم نجد شَيْئا نَشد بِهِ هَذَا الحَدِيث. وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث يَقُول: عنْدكُمْ شَيْء تشدون بِهِ، وَأَشَارَ الشَّافِعِي إِلَى ضعفه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ ضعف وأضطراب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَا بَأْس بِهِ فِي مثل هَذَا الجكم.

الرَّابِع: مِقْدَار الستْرَة، قد ورد: قدر ذِرَاع، وَقد ذكرنَا الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِيمَا مضى عَن قريب. وَالْخَامِس: يَنْبَغِي أَن يكون فِي غلظ الإصبع لِأَن مَا دونه لَا يَبْدُو للنَّاظِر من بعيد. وَالسَّادِس: يقرب من الستْرَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي بَاب ستْرَة الإِمَام ستْرَة لمن خَلفه. وَالسَّابِع: أَن يَجْعَل الستْرَة على حَاجِبه الْأَيْمن، أَو على الْأَيْسَر، وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْمِقْدَاد بن الْأسود، قَالَ: (مَا رَأَيْت سَوَّلَ الله يُصَلِّي إِلَى عود وَلَا عَمُود وَلَا شَجَرَة إلَاّ جعله على حَاجِبه الْأَيْمن أَو الْأَيْسَر، وَلَا يصمد لَهُ صمداً) ، يَعْنِي لم يَقْصِدهُ قصدا بالمواجهة،

والصمد هُوَ الْقَصْد فِي اللُّغَة. وَالثَّامِن: أَن ستْرَة الإِمَام ستْرَة للْقَوْم، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. وَالتَّاسِع: ذكر أَصْحَابنَا أَن الْمُعْتَمد الغرز دون الْإِلْقَاء، والخط، لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الدرء فَلَا يحصل بالإلقاء وَلَا بالخط، وَفِي (مَبْسُوط) شيخ الْإِسْلَام: إِنَّمَا يغرز إِذا كَانَت الأَرْض رخوة، فَإِذا كَانَت صلبة لَا يُمكنهُ فَيَضَع وضعا. لِأَن الْوَضع قد وري كَمَا رُوِيَ الغرز، لَكِن يضع طولا لَا عرضا. وروى أَبُو عصمَة عَن مُحَمَّد: إِذا لم يجد ستْرَة؟ قَالَ: لَا يخط بَين يَدَيْهِ، فَإِن الْخط وَتَركه سَوَاء، لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو للنَّاظِر من بعيد. وَقَالَ الشَّافِعِي بالعراق: إِن لم يجد مَا يخط خطا طولا، وَبِه أَخذ بعض الْمُتَأَخِّرين. وَفِي (الْمُحِيط) : الْخط لَيْسَ بِشَيْء. وَفِي (الذَّخِيرَة) للقرافي: الْخط بَاطِل، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور، وَجوزهُ أَشهب فِي (الْعُتْبِيَّة) وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ بالعراق، ثمَّ قَالَ بِمصْر: لَا يخط، والمانعون أجابوا عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور أَنه ضَعِيف. وَقَالَ عبد الْحق: ضعفه جمَاعَة ابْن حزم فِي (الْمحلى) : لم يَصح فِي الْخط شَيْء وَلَا يجوز القَوْل بِهِ. والعاشر: أَن الستْرَة إِذا كَانَت مَغْصُوبَة فَهِيَ مُعْتَبرَة عندنَا وَعَن أَحْمد تبطل صلَاته، وَمثله الصَّلَاة فِي الثَّوْب الْمَغْصُوب عِنْده.

الثَّانِي من الْأَحْكَام أَن الدرء، وَهُوَ: دفع الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي هَل هُوَ وَاجِب أَو ندب؟ فَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا الْأَمر، أَعنِي قَوْله: (فليدفعه) ، أَمر ندب متأكد وَلَا أعلم أحدا من الْفُقَهَاء أوجبه. قلت: قَالَ أهل الظَّاهِر بِوُجُوبِهِ لظَاهِر الْأَمر، فَكَأَن النَّوَوِيّ مَا أطلع على هَذَا، أَو اعْتد بخلافهم. وَقَالَ ابْن بطال: اتَّفقُوا على دفع الْمَار إِذا صلى إِلَى ستْرَة، فَأَما إِذا صلى إِلَى غير الستْرَة فَلَيْسَ لَهُ، لِأَن التَّصَرُّف وَالْمَشْي مُبَاح لغيره فِي ذَلِك الْموضع الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَلم يسْتَحق أَن يمنعهُ إلَاّ مَا قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ، وَهِي الستْرَة الَّتِي وَردت السّنة بمنعها.

الثَّالِث: إِنَّه يجوز لَهُ الْمَشْي إِلَيْهِ من مَوْضِعه ليَرُدهُ، وَإِنَّمَا يدافعه وَيَردهُ من مَوْضِعه، لِأَن مفْسدَة الْمَشْي أعظم من مروره بَين يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا أُبِيح لَهُ قدر مَا يَنَالهُ من موقفه، وَإِنَّمَا يردهُ إِذا كَانَ بَعيدا مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّسْبِيح، وَلَا يجمع بَينهمَا. وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: لَا يَنْتَهِي دفع الْمَار إِلَى منع مُحَقّق، بل يومىء وَيُشِير بِرِفْق فِي صَدره من يمر بِهِ، وَفِي الْكَافِي للروياني يَدْفَعهُ ويصر على ذَلِك، وَإِن أدّى إِلَى قَتله. وَقيل: يَدْفَعهُ دفعا شَدِيدا أَشد من الدرء، وَلَا يَنْتَهِي إِلَى مَا يفْسد صلَاته، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد مَالك وَأحمد. وَقَالَ أَشهب فِي (الْمَجْمُوعَة) إِن قرب مِنْهُ درأه وَلَا ينازعه، فَإِن مَشى لَهُ ونازعه لم تبطل صلَاته، وَإِن تجاوزه لَا يردهُ لِأَنَّهُ مُرُور ثَان، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم من أَصْحَاب مَالك، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد. وَقَالَ أَبُو مَسْعُود وَسَالم: يردهُ من حَيْثُ جَاءَ، وَإِذا مر بَين يَدَيْهِ مَا لَا تُؤثر فِيهِ إِلَّا الْإِشَارَة كالهرة. قَالَت الْمَالِكِيَّة: دَفعه بِرجلِهِ أَو ألصقه إِلَى السّتْر.

الرَّابِع: هَل يقاتله؟ فِيهِ: فَإِن أَبى فليقاتله. قَالَ عِيَاض: أَجمعُوا على أَنه لَا تلْزمهُ مقاتلته بِالسِّلَاحِ، وَلَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى هَلَاكه فَإِن دَفعه بِمَا يجوز فَهَلَك من ذَلِك فَلَا قَود عَلَيْهِ بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَهل تجب دِيَته أم تكون هدرا؟ فِيهِ مذهبان للْعُلَمَاء، وهما قَولَانِ فِي مَذْهَب مَالك. قَالَ ابْن شعْبَان: عَلَيْهِ الدِّيَة فِي مَاله كَامِلَة، وَقيل: هِيَ على عَاقِلَته، وَقيل: هدر، ذكره ابْن التِّين. وَاخْتلفُوا فِي معنى: فليقاتله، وَالْجُمْهُور على أَن مَعْنَاهُ: الدّفع بالقهر لَا جَوَاز الْقَتْل، وَالْمَقْصُود: الْمُبَالغَة فِي كَرَاهَة الْمُرُور. وَأطلق جمَاعَة من الشَّافِعِيَّة أَن لَهُ أَن يقاتله حَقِيقَة، ورد ابْن الغربي ذَلِك، وَقَالَ: المُرَاد بالمقاتلة المدافعة. وَقَالَ بَعضهم: معنى فليقاتله، فليلعنه. قَالَ اتعالى. {قتل الخراصون} (الذاريات: ٠١) أَي: لعنُوا وَأنْكرهُ بَعضهم وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يدْفع فِي نَحره أول مرّة، ويقاتله فِي الثَّانِيَة، وَهِي المدافعة. وَقيل: يؤاخذه على ذَلِك بعد إتْمَام الصَّلَاة ويؤنبه. وَقيل: يَدْفَعهُ دفعا أَشد من الرَّد مُنْكرا عَلَيْهِ. وَفِي (التَّمْهِيد) : الْعَمَل الْقَلِيل فِي الصَّلَاة جَائِز، نَحْو قتل البرغوث، وحك الْجَسَد، وَقتل الْعَقْرَب بِمَا خف من الضَّرْب مَا لم تكن الْمُتَابَعَة والطول، وَالْمَشْي إِلَى الْفرج إِذا كَانَ ذَلِك قَرِيبا، ودرء الْمُصَلِّي وَهَذَا كُله مَا لم يكثر، فَإِن كثر فسد.

الْخَامِس: فِيهِ أَن الْمَار كالشيطان، فِي أَنه يشغل قلبه عَن مُنَاجَاة ربه.

السَّادِس: فِيهِ أَنه يجوز أَن يُقَال للرجل إِذا فتن فِي الدّين: إِنَّه شَيْطَان.

السَّابِع: فِيهِ أَن الحكم للمعاني لَا للأسماء، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن يصير الْمَار شَيْطَانا بمروره بَين يَدَيْهِ.

الثَّامِن: فِيهِ أَن دفع الأسوأ إِنَّمَا بالأسهل فالأسهل.

التَّاسِع: فِيهِ أَن فِي المنازعات لَا بُد من الرّفْع إِلَى الْحَاكِم وَلَا ينْتَقم الْخصم بِنَفسِهِ.

الْعَاشِر: فِيهِ أَن رِوَايَة الْعدْل مَقْبُولَة وَإِن كَانَ الرَّاوِي لَهُ مُنْتَفعا بِهِ.

١٠١ - (بابُ إثْمِ المَارِ بَيْنَ يَدَيِ المصَلِّي)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي، وأصل الْمَار: مارر، فاسكنت الرَّاء اللأولى وادغمت الثَّانِيَة، والإدغام فِي مثله وَاجِب.

٠١٥٩٥١ - حدّثنا عَبْدُ ااِ بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنا مالِكٌ عنْ أبي النَّضُرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ ااِ عنْ بُسْرِ بنِ سعِيد أنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أرْسَلَهُ إلَى أبي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ ماذَا سَمِعَ مِن رَسُولِ ااِ فِي الْمَارِ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي فَقَالَ أبُو جُهَيْمٍ قَالَ رسُولُ ااِ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلّي ماذَا لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيراً لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ أبُو النَّضْرِ لَا أدْرِي أقَال أرْبَعِينَ يَوْماً أوْ شَهْراً أوْ سَنَةً.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة قد ذكرُوا. وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم ابْن أبي أُميَّة، و: بسر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: الْحَضْرَمِيّ الْمدنِي الزَّاهِد، مَاتَ سنة مائَة، وَلم يخلف كفناً. وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ الصَّحَابِيّ، وَأَبُو جهيم، بِضَم الْجِيم وَفتح الْهَاء: واسْمه عبد ابْن جهيم.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار كَذَلِك. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: تَابِعِيّ وصحابيان. وَفِيه: أَبُو جهيم، بِالتَّصْغِيرِ مر فِي بَاب التَّيَمُّم فِي الْحَضَر، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: رَاوِي حَدِيث الْمُرُور هُوَ غير رَاوِي حَدِيث التَّيَمُّم، وَقَالَ الكلاباذي: أَبُو جهيم، وَيُقَال: أَبُو جهم بن الْحَارِث، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي الصَّلَاة وَالتَّيَمُّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَبُو جهيم رَاوِي حَدِيث الْمُرُور وَحَدِيث التَّيَمُّم غير أبي الجهم مكبر الْمَذْكُور فِي حَدِيث الخميصة والأنبجانية، لِأَن اسْمه: عبد ا، وَهُوَ أَنْصَارِي، وَاسم ذَلِك عَامر، وَهُوَ عدوي وَقَالَ الذَّهَبِيّ: أَبُو الْجُهَيْم، يُقَال: أَبُو الجهم بن الْحَارِث بن الصمَّة، كَانَ أَبوهُ من كبار الصَّحَابَة، ثمَّ قَالَ: أَبُو جهيم عبد ابْن جهيم جعله، وَابْن الصمَّة وَاحِدًا أَبُو نعيم وَابْن مندة، وَكَذَا قَالَه مُسلم فِي بعض كتبه، وجعلهما ابْن عبد الْبر اثْنَيْنِ وَهُوَ أشبه، لَكِن متن الحَدِيث وَاحِد.

ذكر من أخرجه غَيره أخرجه بَقِيَّة السِّتَّة، قَالَ ابْن ماجة: حدّثنا هِشَام بن عمار حدّثنا ابْن عُيَيْنَة عَن أبي النَّضر عَن بسر، قَالَ: (أرسلوني إِلَى زيد بن خَالِد أسأله عَن الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي فَأَخْبرنِي عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: لِأَن يقوم أَرْبَعِينَ خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ. قَالَ سُفْيَان. وَلَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ سنة أَو شهرا أَو صباحاً أَو سَاعَة) . وَفِي (مُسْند الْبَزَّار) : أخبرنَا أَحْمد بن عَبدة حدّثنا سُفْيَان بِهِ، وَفِيه: (أَرْسلنِي أَبُو جهيم إِلَى زيد بن خَالِد. فَقَالَ: لِأَن يقوم أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خير لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ) . وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة مقلوباً، وَالْقَوْل عندنَا قَول مَالك، وَمن تَابعه، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي حَدِيث الْبَزَّار خطىء فِيهِ ابْن عُيَيْنَة وَلَيْسَ خَطؤُهُ بمتعين لاحْتِمَال أَن يكون أَبُو جهيم بعث بسراً إِلَى زيد، وَزيد بَعثه إِلَى أبي جهيم يستثبت كل وَاحِد مَا عِنْد الآخر، فَأخْبر كل مِنْهُمَا بمحفوظه فَشك أَحدهمَا وَجزم الآخر. وَاجْتمعَ ذَلِك كُله عِنْد أبي النَّضر. قلت: قَول مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) لم يخْتَلف عَلَيْهِ فِيهِ أَن الْمُرْسل هُوَ زيد، وَأَن الْمُرْسل إِلَيْهِ هُوَ أَبُو جهيم، وَتَابعه سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي النَّضر عِنْد مُسلم وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا، وَخَالَفَهُمَا ابْن عُيَيْنَة عَن أبي النَّضر فَقَالَ: عَن بسر بن سعيد، قَالَ: (أَرْسلنِي أَبُو جهيم إِلَى زيد بن خَالِد أسأله) فَذكر هَذَا الحَدِيث: قلت: هَذَا عكس متن (الصَّحِيحَيْنِ) لِأَن المسؤول فيهمَا هُوَ أَبُو جهيم، وَهُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَعند الْبَزَّار المسؤول زيد بن خَالِد.

ذكر مَعْنَاهُ. قَوْله: (مَاذَا عَلَيْهِ) ، أَي: من الْإِثْم والخطيئة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَاذَا عَلَيْهِ من الْإِثْم) ، وَلَيْسَت هَذِه الزِّيَادَة فِي شَيْء من الرِّوَايَات غَيره، وَكَذَا فِي (الْمُوَطَّأ) لَيست هَذِه الزِّيَادَة، وَكَذَا فِي سَائِر المسندات. وَفِي المستخرجات، غير أَنه وَقع فِي (مُصَنف ابْن أبي شيبَة) : مَاذَا عَلَيْهِ، يَعْنِي من الْإِثْم، وعيب على الْمُحب الطَّبَرِيّ حَيْثُ عزا هَذِه الزِّيَادَة فِي الْأَحْكَام للْبُخَارِيّ. قَوْله: (بَين يَدي الْمُصَلِّي) أَي: أَمَامه بِالْقربِ مِنْهُ، وَعبر باليدين لكَون أَكثر الشّغل يَقع بهما. قَوْله: (أَن يقف أَرْبَعِينَ) ، وَقد ذكرنَا أَن فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (أَرْبَعِينَ سنة أَو شهرا أَو صباحاً أَو سَاعَة) . وَفِي رِوَايَة الْبَزَّار: (أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) : عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول ا: لَو يعلم أحدكُم مَا لَهُ فِي أَن يمر بَين يَدي أَخِيه مُعْتَرضًا فِي الصَّلَاة كَانَ لِأَن يُقيم مائَة عَام خيرا لَهُ من الخطوة الَّتِي خطأ) . وَفِي (الْأَوْسَط) للطبراني: عَن عبد ابْن عَمْرو مَرْفُوعا: (إِن

الَّذِي يمر بَين يَدي الْمُصَلِّي عمدا يتَمَنَّى يَوْم الْقِيَامَة أَنه شَجَرَة يابسة) . وَفِي المُصَنّف عَن عبد الحميد، عَامل عمر بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: (لَو يعلم الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي مَا عَلَيْهِ لأحب أَن ينكسر فَخذه وَلَا يمر بَين يَدَيْهِ) . وَقَالَ ابْن مَسْعُود: (الْمَار بَين يَدي الْمُصَلِّي أنقص من الْمَمَر عَلَيْهِ، وَكَانَ إِذا مر أحد بَين يَدَيْهِ الْتَزمهُ حَتَّى يردهُ) . وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ عمر، رَضِي اعنه: (لَكَانَ يقوم حولا خير لَهُ من مروره) . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: (لَكَانَ أَن يخسف بِهِ خيرا لَهُ من أَن يمر بَين يَدَيْهِ) . قَوْله: (قَالَ أَبُو النَّضر) قَالَ الْكرْمَانِي: إِمَّا من كَلَام مَالك فَهُوَ مُسْند، وَإِمَّا تَعْلِيق من البُخَارِيّ. قلت: هُوَ كَلَام مَالك وَلَيْسَ هُوَ من تَعْلِيق البُخَارِيّ لِأَنَّهُ ثَابت فِي (الْمُوَطَّأ) من جَمِيع الطّرق، وَكَذَا ثَبت فِي رِوَايَة الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة. قَوْله: (أقَال؟) الْهمزَة فِيهِ للإستفهام، وفاعله: بسرا أَو رَسُول الله كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: الظَّاهِر أَنه بسر بن أُميَّة.

ذكر إعرابه) قَوْله: (مَاذَا عَلَيْهِ؟) كلمة مَا: اسْتِفْهَام وَمحله الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَكلمَة: ذَا، إِشَارَة خَبره، وَالْأولَى أَن تكون: ذَا مَوْصُولَة بِدَلِيل افتقاره إِلَى شَيْء بعده لِأَن تَقْدِيره: مَاذَا عَلَيْهِ من الْإِثْم، ثمَّ إِن: مَاذَا عَلَيْهِ، فِي مَحل النصب على أَنه سد مسد المفعولين لقَوْله: (لَو يعلم) ، وَقد علق عمله بالإستفهام. قَوْله: (لَكَانَ) جَوَاب: لَو، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: لَو يعلم الْمَار مَا الَّذِي عَلَيْهِ من الْإِثْم من مروره بَين يَدي الْمُصَلِّي لَكَانَ وُقُوفه أَرْبَعِينَ خيرا لَهُ من أَن يمر؟ أَي: من مروره بَين يَدَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: جَوَاب: لَو، لَيْسَ هُوَ الْمَذْكُور، إِذْ التَّقْدِير: لَو يعلم مَاذَا عَلَيْهِ لوقف أَرْبَعِينَ، لَو وقف أَرْبَعِينَ لَكَانَ خيرا لَهُ. قلت: لَا ضَرُورَة إِلَى هَذَا التَّقْدِير وَهُوَ تصرف فِيهِ تعسف، وَحقّ التَّرْكِيب مَا ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (خيرا) فِيهِ رِوَايَتَانِ: النصب وَالرَّفْع. أما النصب فَظَاهر لِأَنَّهُ خبر: لَكَانَ، وَاسم، كَانَ، هُوَ قَوْله: أَن يقف، لأَنا قُلْنَا: إِن كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، وَأَن التَّقْدِير: لَكَانَ وُقُوفه أَرْبَعِينَ خيرا لَهُ. وَأما وَجه الرّفْع، فقد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: هُوَ اسْم: وَلم يذكر خبر مَا هُوَ، وَخبر هُوَ قَوْله: أَن يقف، وَالتَّقْدِير: لَو يعلم الْمَار مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ خير وُقُوفه أَرْبَعِينَ، وتعسف بَعضهم فَقَالَ: يحْتَمل أَن يُقَال: اسْمهَا ضمير الشَّأْن وَالْجُمْلَة خَبَرهَا.

قَوْله: (أقَال: أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو شهرا أَو سنة؟) لِأَنَّهُ ذكر الْعدَد أَعنِي أَرْبَعِينَ، وَلَا بُد من مُمَيّز، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن هَذِه الْأَشْيَاء، وَقد أبهم ذَلِك هَهُنَا. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِيهِ؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: وَأبْهم الْأَمر ليدل على الفخامة، وَأَنه مِمَّا لَا يقدر قدره وَلَا يدْخل تَحت الْعبارَة. انْتهى. قلت: الْإِبْهَام هَهُنَا من الرَّاوِي، وَفِي نفس الْأَمر الْعدَد معِين، ألَا ترى كَيفَ تعين فِيمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (لَكَانَ أَن يقف مائَة عَام؟) الحَدِيث؟ كَمَا ذكرنَا، وَكَذَا عين فِي مُسْند الْبَزَّار من طَرِيق سُفْيَان بن عُيَيْنَة: (لَكَانَ أَن يقف أَرْبَعِينَ خَرِيفًا) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل للتخصيص بالأربعين حِكْمَة مَعْلُومَة؟ قلت: أسرار أَمْثَالهَا لَا يعلمهَا إلَاّ الشَّارِع، وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لِأَن الْغَالِب فِي أطوار الْإِنْسَان أَن كَمَال كل طور بِأَرْبَعِينَ، كاطوار النُّطْفَة، فَإِن كل طور مِنْهَا بِأَرْبَعِينَ، وَكَمَال عدل الْإِنْسَان فِي أَرْبَعِينَ سنة، ثمَّ الْأَرْبَعَة أصل جَمِيع الْأَعْدَاد، لِأَن أجزاءه وَهِي عشرَة، وَمن العشرات المآت، وَمِنْهَا الألوف، فَلَمَّا أُرِيد التكثير ضوعف كل إِلَى عشرَة أَمْثَاله. انْتهى. قلت: غفل الْكرْمَانِي عَن رِوَايَة الْمِائَة حَيْثُ قصر فِي بَيَان الْحِكْمَة على الْأَرْبَعين، وَقَالَ بَعضهم، فِي التنكيت على الْكرْمَانِي: بِأَن هَذِه الرِّوَايَة تشعر بِأَن إِطْلَاق الْأَرْبَعين للْمُبَالَغَة فِي تَعْظِيم الْأَمر لَا لخُصُوص عدد معِين. قلت: لَا يُنَافِي رِوَايَة الْمِائَة عَن بَيَان وَجه الْحِكْمَة فِي الْأَرْبَعين، بل يَنْبَغِي أَن يطْلب وَجه الْحِكْمَة فِي كل مِنْهُمَا، لِأَن لقَائِل أَن يَقُول: لِمَ أطلق الْأَرْبَعين للْمُبَالَغَة فِي تَعْظِيم الْأَمر. ولِمَ لَمْ يذكر الْخمسين أَو سِتِّينَ أَو نَحْو ذَلِك؟ وَالْجَوَاب الْوَاضِح الشافي فِي ذَلِك أَن تعْيين الْأَرْبَعين للْوَجْه الَّذِي ذكره الْكرْمَانِي، وَأما وَجه ذكر الطَّحَاوِيّ أَنه قيد بِالْمِائَةِ بعد التَّقْيِيد بالأربعين للزِّيَادَة فِي تَعْظِيم الْأَمر على الْمَار، لِأَن الْمقَام مقَام زجر وتخويف وَتَشْديد. فَإِن قلت: من أَيْن علم أَن التَّقْيِيد بِالْمِائَةِ بعد التَّقْيِيد بالأربعين؟ قلت: وقوعهما مَعًا مستعبد، لِأَن الْمِائَة أَكثر من الْأَرْبَعين، وَكَذَا وُقُوع الْأَرْبَعين بعد الْمِائَة لعدم الْفَائِدَة، وَكَلَام الشَّارِع كُله حِكْمَة وَفَائِدَة، والمناسبة أَيْضا تَقْتَضِي تَأْخِير الْمِائَة عَن الْأَرْبَعين. فَإِن قلت: قد علم فِيمَا مضى وَجه الْحِكْمَة فِي الْأَرْبَعين، فَمَا وَجه الْحِكْمَة فِي تعْيين الْمِائَة؟ قلت: الْمِائَة وسط بِالنِّسْبَةِ إِلَى العشرات والألوف، وَخير الْأُمُور أوسطها، وَهَذَا مِمَّا تفردت بِهِ.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ من الْأَحْكَام) فِيهِ: أَن الْمُرُور بَين يَدي الْمُصَلِّي مَذْمُوم، وفاعله مرتكب الْإِثْم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم الْمُرُور، فَإِن فِي الحَدِيث النَّهْي الأكيد والوعيد الشَّديد، فَيدل على ذَلِك. قلت: فعلى مَا ذكره يَنْبَغِي أَن

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده