الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٧١
الحديث رقم ٥٢٧١ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الطلاق في الإغلاق.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٥٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى يَعْنِي نَفْسَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ بِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا، فَقال النبي ﷺ: "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ"
[الحديث ٥٢٧١ - أطرافه في: ٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧]
٥٢٧٢ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ"
قَوْلُهُ (بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ، وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) اشْتَمَلَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ عَلَى أَحْكَامٍ يَجْمَعُهَا أَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ الْعَامِدِ الذَّاكِرِ، وَشَمَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ لَا نِيَّةَ لَهُ فِيمَا يَقُولُ أَوْ يَفْعَلُ، وَكَذَلِكَ الْغَالِطُ وَالنَّاسِي وَالَّذِي يُكْرَهُ عَلَى الشَّيْءِ. وَحَدِيثُ الْأَعْمَالِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَوَصَلَهُ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ الْإِغْلَاقُ هُوَ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يَتَغَلَّقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَيَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ تَصَرُّفُهُ، وَقِيلَ هُوَ الْعَمَلُ فِي الْغَضَبِ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ، وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي غِلَاقٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْغِلَاقُ أَظُنُّهُ الْغَضَبَ، وَتَرْجَمَ عَلَى الْحَدِيثِ الطَّلَاقُ عَلَى غَيْظٍ وَوَقَعَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ.
وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِغْلَاقُ بِالْأَلِفِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ فَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِغَيْرِ أَلِفٍ هِيَ الرَّاجِحَةُ فَهُوَ غَيْرُ الْإِغْلَاقِ.
قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: قَوْلُهُمْ إِيَّاكَ وَالْغَلْقَ أَيِ الضَّجِرَ وَالْغَضَبَ، وَرَدَّ الْفَارِسِيُّ فِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ عَلَى مَنْ قَالَ الْإِغْلَاقُ الْغَضَبُ وَغَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ طَلَاقَ النَّاسِ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَرَابِطِ: الْإِغْلَاقُ حَرَجُ النَّفْسِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ لَهُ فَارَقَ عَقْلَهُ، وَلَوْ جَازَ عَدَمُ وُقُوعِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ لَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِيمَا جَنَاهُ: كُنْتُ غَضْبَانًا اهـ. وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْغَضَبِ لَا يَقَعُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ وَلَمْ يُوجَدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ إِلَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمَطَالِعِ الْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ وَهُوَ مِنْ أَغْلَقْتُ الْبَابَ، وَقِيلَ الْغَضَبُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعُرِفَ بِعِلَّةِ الِاخْتِلَافِ الْمُطْلَقِ إِطْلَاقُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَإِذَا أَطْلَقَهُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ فَمُرَادُهُ مُقَابِلُ الْمَرَاوِزَةِ مِنْهُمْ. ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ النَّفْيُ عَنْ فِعْلِهِ لَا النَّفْيُ لِحُكْمِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ بَلْ يُطَلِّقُ لِلسُّنَّةِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ. وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَالْكُرْهُ هُوَ فِي النُّسَخِ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفِي عَطْفِهِ
عَلَى الْإِغْلَاقِ نَظَرٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْإِغْلَاقَ الْغَضَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْكَافِ مِيمٌ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ السَّكْرَانَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بَابَ حُكْمِ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَحُكْمِ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ إِلَخْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَقَعُ، قَالَ: لِأَنَّهُ شَيْءٌ افْتَدَى بِهِ نَفْسَهُ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ تَفْصِيلٌ آخَرُ: إِنْ وَرَّى الْمُكْرَهُ لَمْ يَقَعْ وَإِلَّا وَقَعَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنْ أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ وَقَعَ وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ فَلَا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ اللُّصُوصَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ يُخَالِفُهُمْ غَالِبًا بِخِلَافِ السُّلْطَانِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يَقَعُ فِيهِ، وَاحْتَجَّ عَطَاءٌ بِآيَةِ النَّحْلِ ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الطَّلَاقِ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَقَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا وَضَعَ الْكُفْرَ عَمَّنْ تَلَفَّظَ بِهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ وَأَسْقَطَ عَنْهُ أَحْكَامَ الْكُفْرِ فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنِ الْمُكْرَهِ مَا دُونَ الْكُفْرِ لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إِذَا سَقَطَ سَقَطَ مَا هُوَ دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِعَطْفِ الشِّرْكِ عَلَى الطَّلَاقِ فِي التَّرْجَمَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالسَّكْرَانُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَثَرِ عُثْمَانَ فِي هَذا الْبَابِ، وَقَدْ يَأْتِي السَّكْرَانُ فِي كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ بِمَا لَا يَأْتِي بِهِ وَهُوَ صَاحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فإِنَّ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ مَا يَقُولُ لَا يَكُونُ سَكْرَانَ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَسَيَأْتِي فِي أَثَرِ عَلِيٍّ مَعَ عُمَرَ.
وَقَوْلُهُ وَأَمَرَهُمَا فَمَعْنَاهُ هَلْ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ يَخْتَلِفُ؟ وَقَوْلُهُ وَالْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ أَيْ إِذَا وَقَعَ مِنَ الْمُكَلَّفِ مَا يَقْتَضِي الشِّرْكَ غَلَطًا أَوْ نِسْيَانًا هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ فَلْيَكُنِ الطَّلَاقُ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَغَيْرِهِ أَيْ وَغَيْرِ الشِّرْكِ مِمَّا هُوَ دُونَهُ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالشَّكِّ بَدَلَ الشِّرْكِ، قَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنْ قَالَ: وَهُوَ أَلْيَقُ، وَكَأَنَّ مُنَاسَبَةَ لَفْظِ الشِّرْكِ خَفِيَتْ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا بِلَفْظِ الشَّكِّ، فَإِنْ ثَبَتَتْ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلَى النِّسْيَانِ لَا عَلَى الطَّلَاقِ. ثُمَّ رَأَيْتُ سَلَفَ شَيْخِنَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ وَالشَّكُّ مَكَانَ الشِّرْكِ اهـ، فَفَهِمَ شَيْخُنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ أَنَّ فِي بَعْضِهَا بلَفْظ الشَّكِّ فَجَزَمَ بِذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي طَلَاقِ النَّاسِي فَكَانَ الْحَسَنُ يَرَاهُ كَالْعَمْدِ إِلَّا إِنِ اشْتَرَطَ فَقَالَ إِلَّا أَنْ أَنْسَى، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَاهُ شَيْئًا وَيَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الْآتِي كَمَا سَأُقَرِّرُهُ بَعْدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي طَلَاقِ الْمُخْطِئِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ شَيْئًا فَسَبَقَهُ لِسَانُهُ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ.
وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ إِلَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي التَّجَاوُزِ، فَمَنْ حَمَلَ التَّجَاوُزَ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ خَاصَّةً دُونَ الْوُقُوعِ فِي الْإِكْرَاهِ لَزِمَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النِّسْيَانِ، وَالْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي طَلَاقِ الْمُشْرِكِ فَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَنُسِبَ إِلَى مَالِكٍ، وَدَاوُدَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ كَمَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَعِتْقُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ.
قَوْلُهُ (وَتَلَا الشَّعْبِيُّ: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ الصَّغِيرِ مِنْ رِوَايَةِ سَلِيمٍ مَوْلَى الشَّعْبِيِّ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ (وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَالْوَاوُ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: أَبِكَ جُنُونٌ؟) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ
هَلْ بِكَ جُنُونٌ وَأَوْرَدَهُ فِي الْحُدُودِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ذِكْرُ السُّكْرِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ) الْحَدِيثَ هُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ بَدْرِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَبَقَرَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ أَيْ شَقَّ، وَالْخَوَاصِرُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ جَمْعُ خَاصِرَةٍ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ إِنَّهُ ثَمِلٌ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ سَكْرَانُ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ مَنْ لَمْ يُؤَاخِذِ السَّكْرَانَ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ، وَاعْتَرَضَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ الْخَمْرَ حِينَئِذٍ كَانَتْ مُبَاحَةً، قَالَ: فَبِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ مَا نَطَقَ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، قَالَ: وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ اهـ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ مُؤَاخَذَةِ السَّكْرَانِ بِمَا يُصْدَرُ مِنْهُ، وَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشُّرْبُ مُبَاحًا أَوْ لَا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَدَعْوَاهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ بِسَبَبِ قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ قِصَّةَ الشَّارِفَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ اتِّفَاقًا لِأَنَّ حَمْزَةَ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ عِنْدَ تَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ جَمَاعَةً اصْطَبَحُوا الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ وَاسْتُشْهِدُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَكَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بَعْدَ أُحُدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ شَبَابَةَ، وَرُوِّينَاهُ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ تَارِيخِ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَأَنَا سَكْرَانُ، فَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ رَأْيِنَا أَنْ يَجْلِدَهُ وَيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، حَتَّى حَدَّثَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمَجْنُونِ وَلَا عَلَى السَّكْرَانِ طَلَاقٌ، قَالَ عُمَرُ: تَأْمُرُونَنِي وَهَذَا يُحَدِّثُنِي عَنْ عُثْمَانَ؟ فَجَلَدَهُ، وَرَدَّ إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَثَرَ عُثْمَانَ ثُمَّ ابْنِ عَبَّاسٍ اسْتِظْهَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ، وَذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ أَيْضًا أَبُو الشَّعْثَاءَ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْقَاسِمُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ، وَاللَّيْثُ، وَإِسْحَاقُ، وَالْمُزَنِيُّ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ لَا يَقَعُ قَالَ: وَالسَّكْرَانُ مَعْتُوهٌ بِسُكْرِهِ. وَقَالَ بِوُقُوعِهِ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: الْمُصَحَّحُ مِنْهُمَا وُقُوعُهُ، وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَكِنَّ التَّرْجِيحَ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ: إِذَا تَيَقَّنَّا ذَهَابَ عَقْلِ السَّكْرَانِ. لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ، وَإِلَّا لَزِمَهُ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ حَدَّ السُّكْرِ الَّذِي تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا يَقُولُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يَأْبَاهُ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ طَلَاقِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِوُقُوعِهِ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ عَاصٍ بِفَعْلِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الْخِطَابُ بِذَلِكَ، وَلَا الْإِثْمُ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ فِي السُّكْرِ أَوْ فِيهِ، وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ فَاقِدِ الْعَقْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَهَابُ عَقْلِهِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَنْ كَسَرَ رِجْلَ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقِيَامَ انْتَقَلَ إِلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقُعُودُ فَافْتَرَقَا. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ بِأَنَّ النَّائِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْأَصْلُ فِي السَّكْرَانِ الْعَقْلُ، وَالسُّكْرُ شَيْءٌ طَرَأَ عَلَى عَقْلِهِ، فَمَهْمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ كَلَامٍ مَفْهُومٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَهَابُ عَقْلِهِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمُزَنِيِّ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْسَ لِسَكْرَانَ وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ الْمُضْطَهَدُ: بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَاءٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ هُوَ الْمَغْلُوبُ الْمَقْهُورُ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ أَيْ بِوَاقِعٍ، إِذْ لَا عَقْلَ لِلسَّكْرَانِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا اخْتِيَارَ لِلْمُسْتَكْرَهِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ) أَيْ لَا يَقَعُ، لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِمَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَدَأَ بِالطَّلَاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ) تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ وَتَقَدَّمَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَبَيَّنْتُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُمْ وَمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ نَافِعٌ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) أَمَّا قَوْلُهُ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا قَالَ النُّحَاةُ: قَطْعُ هَمْزَةِ الْبَتَّةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْقِيَاسِ اهـ، وَفِي دَعْوَى أَنَّهَا يُقَالُ بِالْقَطْعِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَلِفَ الْبَتَّةَ أَلِفُ وَصْلٍ قَطْعًا، وَالَّذِي قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ الْبَتَّةَ الْقَطْعُ وَهُوَ تَفْسِيرُهَا بِمُرَادِفِهَا لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تُقَالُ بِالْقَطْعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ بُتَّتْ فَبِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا هُنَا - وَإِنْ كَانَتِ الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَتَّةِ تَقَدَّمَتْ - مُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنْ لَا فَرْقَ فِي الشَّرْطِ بَيْنَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ عَطَاءٍ وَكَذَا مَا بَعْدَ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَتَّةِ ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا: يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ) أَيْ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَحْلِفَانِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ عَلَى أَمْرٍ يَخْتَلِفَانِ فِيهِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ: يَدِينَانِ وَيَحْمِلَانِ مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَمَّلَا. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ) أَيْ إِنْ قَصَدَ طَلَاقًا طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ قَالَ: نِيَّتُهُ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ سَأَلْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا قَالَا: إِنْ نَوَى طَلَاقًا فَوَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
قَوْلُهُ (وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي إِدْرِيسَ، وَجَرِيرٌ فَالْأَوَّلُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَالثَّانِي عَنِ الْمُغِيرَةِ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: طَلَاقُ الْعَجَمِيِّ بِلِسَانِهِ جَائِزٌ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَلْزَمُهُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا قَالَ إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً، فَإِنِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرْوَةَ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى تَطْهُرَ وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ يَغْشَاهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ ثُمَّ يُمْسِكُ عَنْهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْشَاهَا حَتَّى تَحْمِلَ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ: فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِنْ وَطِئَهَا مَرَّةً بَعْدَ التَّعْلِيقِ طَلُقَتْ سَوَاءٌ اسْتَبَانَ بِهَا حَمْلَهَا أَمْ لَا، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي قَالَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَ الْوَطْءِ طَلُقَتْ مَكَانَهَا. وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ لَا يَقَعُ إِلَّا إِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ، قَالَ: فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ فَلْيَكُنْ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ هُوَ مَا نَوَى وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْرُجِي اسْتَبْرِئِي، اذْهَبِي، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ: هِيَ تَطْلِيقَةٌ إِنْ نَوَى الطَّلَاقَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ
وَجْهُ اللَّهِ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَالنُّشُوزِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ دَائِمًا، وَالْوَطَرُ بِفَتْحَتَيْنِ الْحَاجَةُ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَلَا يُبْنَى مِنْهَا فِعْلٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتَهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهُوَ مَا نَوَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ قَالَ: هُوَ مَا نَوَى وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ إِذَا وَاجَهَهَا بِهِ وَأَرَادَ الطَّلَاقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ إِنْ كَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا مَا أَرَاهُ أَرَادَ إِلَّا الطَّلَاقَ وَعَنْ قَتَادَةَ إِنْ أَرَادَ طَلَاقًا طَلُقَتْ وَتَوَقَّفَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ اللَّيْثُ هِيَ كِذْبَةٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ وَهِيَ حُبْلَى، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَّا بَلَغَكَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ وُضِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَهُ، وَتَابَعَهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَصَرَّحَ فِيهِ بِالرَّفْعِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِمَا ابْنَ عَبَّاسٍ، جَعَلَهُ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ عَلِيٍّ وَرُجِّحَ الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَأَخَذَ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الْجُمْهُورُ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي إِيقَاعِ طَلَاقِ الصَّبِيِّ، فَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ يَلْزَمُهُ إِذَا عَقَلَ وَمَيَّزَ، وَحَدُّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يُطِيقَ الصِّيَامَ وَيُحْصِيَ الصَّلَاةَ، وَعِنْدَ عَطَاءٍ إِذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ إِذَا نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ) وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا بِسَمَاعِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَالْمُرَادُ بِالْمَعْتُوهِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَاءٌ - النَّاقِصُ الْعَقْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ ; وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ أَنَّ الْمُحَبِّرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَكَانَ مَعْتُوهًا فَأَمَرَهَا ابْنُ عُمَرَ بِالْعِدَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَعْتُوهٌ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَسْمَعِ اللَّهَ اسْتَثْنَى لِلْمَعْتُوهِ طَلَاقًا وَلَا غَيْرَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامُ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.
قَوْلُهُ (عَنْ زُرَارَةَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ، وَذَكَرْتُ فِيهِ بَعْضَ فَوَائِدِهِ، وَيَأْتِي بَقِيَّتُهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَوْلُهُ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَذَكَرَ الْمُطَرِّزِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، وَقَدْ أَسْنَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ لَيْسَ عِنْدَ قَتَادَةَ حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي أَنَّ الْمُوَسْوَسَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْجُمْهُورِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَلاقٌ وَنَوَى فِي نَفْسِهِ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةً - خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ - قَالَ: لِأَنَّ الْخَبَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِنِيَّةٍ لَا لَفْظَ مَعَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ وَنَوَى الْفُرْقَةَ التَّامَّةَ فَهِيَ نِيَّةٌ صَحِبَهَا لَفْظٌ ; وَاحْتُجَّ بِهِ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا فُلَانَةُ وَنَوَى بِذَلِكَ طَلَاقَهَا أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ وَلَمْ
يَأْتِ بِصِيغَةٍ لَا صَرِيحَةٍ وَلَا كِنَايَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَبَ الطَّلَاقَ طَلُقَتِ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ وَعَمَلَ بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَشَرْطُ مَالِكٍ فِيهِ الْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ في نَفْسه طَلُقَتْ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيِّ - وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا أَشْهَبُ عَنْهُ وَقَوَّاهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ، بِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ كَفَرَ وَمَنْ أَصَرَّ
عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَثِمَ وَكَذَلِكَ مَنْ رَاءَى بِعَمَلِهِ وَأُعْجِبَ، وَكَذَا مَنْ قَذَفَ مُسْلِمًا بِقَلْبِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ دُونَ اللِّسَانِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ مِنْ فَضَائِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُصِرُّ عَلَى الْكُفْرِ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَبِأَنَّ الْمُصِرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْآثِمَ مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَمَلُ الْمَعْصِيَةِ لَا مَنْ لَمْ يَعْمَلْ مَعْصِيَةً قَطُّ، وَأَمَّا الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَعْمَالِ. وَاحْتَجَّ الْخَطَّابِيُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الظِّهَارِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا قَالَ: وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ، وَكَذَا لَوْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْقَذْفِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ يُؤَثِّرُ لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْحَدِيثِ مَنْدُوبٌ فَلَوْ وَقَعَ لَمْ تَبْطُلْ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ عُمَرَ إِنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَقَرَّ بِالزِّنَا فَرُجِمَ، ذَكَرَهَا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحُدُودِ.
وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ هَلْ بِكَ جُنُونٌ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يُعْمَلْ بِإِقْرَارِهِ، وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ هَلْ كَانَ بِكَ جُنُونٌ أَوْ هَلْ تُجَنُّ تَارَةً وَتُفِيقُ تَارَةً؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حِينَ الْمُخَاطَبَةِ مُفِيقًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجَّهَ لَهُ الْخِطَابَ وَالْمُرَادُ اسْتِفْهَامُ مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْرَدَهَا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا أَيْضًا فِي الْحُدُودِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْآخِرَ قَدْ زَنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْمُتَأَخِّرَ عَنِ السَّعَادَةِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْأَرْذَلُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ قَتَادَةُ إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ قَالَا: مَنْ طَلَّقَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ طَلَاقُهُ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ شِهَابٍ فَقَالَا تَطْلُقُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
تَنْبِيهٌ:
وَقَعَ هَذَا الْأَثَرُ عَنْ قَتَادَةَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ قَتَادَةَ الْمَرْفُوعِ الْمَذْكُورِ هُنَا بَعْدُ، فَلَمَّا سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ قَالَ بَعْدَهُ قَالَ قَتَادَةُ فَذَكَرَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبْهَمَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ شُعَيْبًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَدْرُ عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِ أَبِي سَلَمَةَ فَأُدْرِجَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَذْلَقَتْهُ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافٍ أَيْ أَصَابَتْهُ بِحَدِّهَا، وَقَوْلُهُ (جَمَزَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَبِزَايٍ أَيْ أَسْرَعَ هَارِبًا.
١٢ - بَاب الْخُلْعِ، وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ؟ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿الظَّالِمُونَ﴾ وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ. وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا. وَقَالَ طَاوُسٌ: ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ: لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(فَقَالَ) له: (هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟) وهذا هو الغرضُ من هذا الحديث إذ مُقتضاه أنَّه (١) لو كان مجنونًا ما كان يعملُ بإقرارهِ، والمراد: هل كان بك جنونٌ؟ أو هل تُجنُّ تارةً وتفيقُ أخرى (٢)؟ لأنَّه لمَّا خاطبه كان مُفيقًا، أو الخطاب له والاستفهامُ للحاضرين (هَلْ أَُحْصَِنْتَ؟) بفتح الهمزة والصاد المهملة، أو بضم الهمزة وكسر الصاد، هل تزوَّجت قطُّ؟ (قَالَ: نَعَمْ) تزوَّجت (فَأَمَرَ بِهِ) ﷺ (أَنْ يُرْجَمَ بِالمُصَلَّى) بفتح اللام المشددة، الَّتي كان يصلِّي فيها العيد (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح اللام والقاف وسكون الفوقية، أصابتهُ (الحِجَارَةُ) بحدِّها وآلمتْه (جَمَزَ) بالجيم والميم والزاي المفتوحات، أسرع هاربًا من القتلِ (حَتَّى أُدْرِكَ) بضم الهمزة وكسر الراء (بِالحَرَّةِ) بالحاء المهملة والراء المشددة المفتوحتين، أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سودٍ خارج المدينة (فَقُتِلَ) بصيغة المجهول.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٢٦] ومسلمٌ في «الحدود»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الجنائز».
٥٢٧١ - ٥٢٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ
(وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ) اسمه ماعزٌ، وأسلمُ قبيلتهُ (١) (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) الواو للحال (فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الأَخِرَ) بفتح الهمزة المقصورة وكسر الخاء المعجمة. قال عياضٌ: ومدُّ الهمزة خطأٌ، وكذا فتح الخاء، أي: المتأخِّر عن السَّعادة المدْبر، أو الأرذلُ، أو اللَّئيم (قَدْ زَنَى -يَعْنِي: نَفْسَهُ- فَأَعْرَضَ) ﷺ (عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ) بكسر القاف وفتح الموحدة، جهته. قال الخطابيُّ: تنحَّى تفعَّل مِنْ نَحا إذا قصد، أي: قصدَ الجهة الَّتي إليها وجهه ونحا نحوها (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي) ولابن عساكرَ: «لشقِّه الَّذي» (أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ): إنَّ الأخر قد زنى (فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى) الرَّجل (لهُ الرَّابِعَةَ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ): بالزِّنا (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ، فَقَالَ) له: (هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟) قال النَّوويُّ: إنَّما قال: هل بك (٢) جنونٌ لتحقُّق حاله، فإنَّ (٣) الغالب أنَّ الإنسان لا يصرُّ على إقرارِ ما يقتضِي هلاكه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ إقرارَ المجنون باطلٌ (قَالَ: لَا) ما بي جنونٌ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية، أو للحال، أي: اذهبوا مصاحبينَ له (فَارْجُمُوهُ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ) بضم الهمزة وكسر الصاد.
(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) عطفٌ على قوله في السَّند السَّابق: شعيبٌ عن الزُّهريِّ … إلى آخره، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «فأَخْبرني» بالفاء والإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ) أبهم الرَّاوي عنه، فيحتملُ أنَّه أبو سلمة الَّذي روى عنه أوَّلًا، وأن يكون غيره روى عنه (قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى بِالمَدِينَةِ) فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمناهُ بالمصلَّى فكنتُ فيمن رجمَه، أو يقدَّر: فكنتُ فيمن أرادَ حضورَ رجمهِ فرَجمناه (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ) أي: أقلقتْهُ وأوجعتْهُ، وجواب لمَّا قوله: ((٤) جَمَزَ) أسرعَ هاربًا من القتل (حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ) وزاد أبو داود والحاكمُ من (٥) حديثِ (٦) نُعيمٍ أنَّه ﷺ
قال: «هلَّا تركْتُمُوهُ لعلَّهُ يتُوبُ فيتُوبَ اللهُ عليهِ» وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ ومن وافقَه أنَّ الهارب من الرَّجم إذا كان بالإقرارِ يُكفُّ عنه في الحال، فإن رجعَ سقط عنه الحدُّ، وإلَّا حُدَّ (١).
وحديث الباب هذا أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الرَّجم».
(١٢) (بابُ الخُلْعِ) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام، مأخوذٌ من الخَلع -بفتح الخاء- وهو النَّزع، سمِّي به لأنَّ كلًّا من الزَّوجين لباسُ الآخر في المعنى. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فكأنَّه بمفارقة الآخر نُزع لباسه، وضُمَّ مصدره تفرقةً بين الحسيِّ والمعنويِّ (وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ) أي: حكمه، هل يقع بمجرَّده، أو بذكرِ الطَّلاق باللَّفظ، أو بالنيَّة خلافٌ. وتعريف الخُلع: فِراقُ زوجٍ يصحُّ طلاقُه لزوجتهِ بعوضٍ يحصلُ لجهة الزَّوج بلفظِ طلاقٍ وخلعٍ، والمرادُ ما يشملهُما وغيرهما من ألفاظِ الطَّلاق، والخُلعُ صريحٌ وكنايةٌ كالفراق والإبانةِ والمفاداةِ، وخرج بجهةِ الزَّوج تعليقُ طلاقِهَا بالبراءةِ عمَّا لها (٢) على غيرهِ، فيقعُ الطَّلاق في ذلك رجعيًّا، فإن وقعَ بلفظ الخُلع ولم ينوِ به طلاقًا فالأظهرُ أنَّه (٣) طلاقٌ يُنقص العدد، وكذا إنْ وقعَ بلفظ الطَّلاق مقرونًا بالنِّيَّة، وقد نصَّ في «الإملاءِ» أنَّه من صرائحِ الطَّلاق، وفي قول: إنَّه فسخٌ وليس بطلاقٍ لأنَّه فراقٌ حصلَ بمعاوضةٍ فأشبَه ما لو اشترى زوجتَهُ، ونصَّ عليه في القديم، وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق، وهو مشهورُ مذهبِ الإمام أحمد لحديث الدَّارقطنيِّ عن طاوس، عن ابن عبَّاسٍ: «الخُلعُ فرقَةٌ، وليسَ بطلَاقٍ» أمَّا إذا نوى به الطَّلاق فهو طلاقٌ قطعًا عملًا بنيَّته، فإن لم ينوِ به (٤) طلاقًا لا تقع به فرقةٌ أصلًا، كما نصَّ عليه في «الأمِّ» وقوّاه السُّبكيُّ، فإن وقعَ الخُلع بمسمًّى صحيحٍ لزمَ، أو بمسمًّى فاسدٍ كخمرٍ وجب مهرُ المثل.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على الخلعِ المضاف إليه الباب، ولأبي ذرٍّ: «وقوله (١) ﷿»: (﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾) أيُّها الأزواج أو الحكَّام لأنَّهم الآمرونَ بالأخذِ والإيتاءِ عند التَّرافع إليهم، فكأنَّهم الآخذونَ والمؤتون (﴿أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾) ممَّا أعطيتموهنَّ من المهورِ (٢) (﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) أي: إلَّا أن يعلمَ الزَّوجان تركَ إقامةِ حدودِ الله فيما يُلزمهما من مواجبِ الزَّوجيَّة، لِمَا يحدثُ من نشوزِ المرأةِ وسوء خُلقها، وسياقُ الآية إلى ﴿حُدُودَ اللّهِ﴾ لأبي ذرٍّ، ولغيرهِ إلى قوله: «﴿شَيْئًا﴾» ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿الظَّالِمُونَ﴾» وتمام المراد من الآية في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لا جناح على الرَّجل فيما أخذَ، ولا (٣) عليها فيما افتدتْ به نفسها واختلعتْ من بذلِ ما أوتيتْ من المهر، وفيه مشروعيَّة الخُلع، وقد أجمعَ عليه العلماء خلافًا لبكر بن عبدِ الله المُزنيِّ التَّابعيِّ، فإنَّه قال بعدمِ حلِّ أخذِ شيءٍ من الزَّوجة عوضًا عن فراقها مُحتجًّا بقولهِ تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأوردَ عليه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فأجاب بأنَّها منسوخةٌ بآية النِّساء، وأُجيب بقولهِ تعالى في سورة النِّساء أيضًا: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] وبقولهِ تعالى (٤) فيها: ﴿فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا﴾ الاية [النساء: ١٢٨] وقد انعقدَ الإجماع بعدَه على اعتبارهِ، وأنَّ آية النِّساء مخصوصةٌ بآية البقرةِ وبآيتي النِّساء الأُخريين، وقد تمسَّك بالشَّرط من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من منع الخُلع إلَّا إن حصلَ الشِّقاق بين (٥) الزَّوجين معًا، والجمهورُ على الجواز على الصَّداق وغيره، ولو كان أكثر منه لكن تُكره الزِّيادة عليه كما في «الإحياء»، وعند الدَّارقطنيِّ، عن عطاء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يأخُذُ الرَّجلُ منَ المُخْتَلِعةِ أكثَرَ ممَّا أعطَاهَا» ويصحُّ في حالتي الشِّقاق والوِفاق، فذكرُ الخوف في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا﴾ جريٌ على الغالب، ولا يكره عند الشِّقاق أو عند كَراهتها له لسوءِ خُلقهِ، أو دينهِ، أو عند خوفِ تقصيرٍ منها في حقِّه، أو عند حلفهِ بالطَّلاق الثَّلاث من مدخولٍ بها على فعلِ ما لا بدَّ له من فعله، وإن أكرهها بالضَّرب، ونحوه على الخُلع
فاختلعتْ لم يصحَّ للإكراهِ، ووقعَ الطَّلاق رجعيًّا إن لم يسمِّ المال، فإن سمَّاه أو قال: طلَّقتك بكذا، وضربها لتقبل فقبلتْ لم يقعِ الطَّلاق لأنَّها لم تقبلْ مختارةً، والله أعلم.
(وَأَجَازَ عُمَرُ) ﵁ (الخُلْعَ دُونَ) حضور (السُّلْطَانِ) الإمام الأعظم، أو نائبهِ، أو بغير إذنهِ، وصله ابنُ أبي شَيبة في «مصنفه» ولفظه -كما قرأته فيه-: أُتي بشر بن مروان في خُلعٍ كان بين رجلٍ وامرأتهِ فلم يُجزه، فقال له عبدُ الله بن شهابٍ الخولانيُّ: شهدتُ عمرَ بن الخطَّاب أُتي بخلعٍ كان بين رجلٍ وامرأتهِ فأجازه.
قال في «الفتح»: وأرادَ البخاريُّ بإيرادِ ذلك الإشارة إلى ما أخرجه سعيدُ بن منصورٍ: عن الحسن البصريِّ، قال: لا يجوزُ الخلع دون السُّلطان. ولفظ ابن أبي شيبة، قال: هو عند السُّلطان. واستدلَّ له أبو عُبيد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] قال: فجعلَ الخوف لغير الزَّوجين، ولم يقل: فإن خافا، قال: فالمراد الولاية (١). وردَّه النَّحَّاس بأنَّه قولٌ لا يساعده الإعرابُ ولا اللَّفظُ ولا المعنى، وإذا كان الطَّلاق جائزًا دون الحاكمِ فكذلك الخُلع، وأمَّا الآية فجرتْ على الغالب، كما مرَّ.
(وَأَجَازَ عُثْمَانُ) ﵁ (الخُلْعَ) ببذل كلِّ ما تملك (دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا) بكسر العين وفتح القاف آخره صاد مهملة: الخيط الَّذي تَعقص به أطرافَ رأسها.
وهذا وصلَه أبو القاسم بن بِشران (٢) في «أماليه»: عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ، قالت: «اختلعتُ من زوجِي بما دونَ عِقاص رأسِي فأجازَ ذلك عثمان» وأخرجه البيهقيُّ وقال في آخره: فدفعتُ إليه كلَّ شيءٍ حتَّى غلَّقتُ (٣) البابَ بيني وبينه. وعند ابن سعدٍ: فقال عثمان -يعني: لزوج الرُّبيع-: خُذ كلَّ شيءٍ حتَّى عِقاصَ رأسها.
(وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني ابنُ طاوس، وقلتُ له: ما كان أبوك يقول في الفِداء؟ قال: كان يقولُ ما قال الله تعالى: (﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾) أي: (فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي العِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ) قال ابنُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٥٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى يَعْنِي نَفْسَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ بِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا، فَقال النبي ﷺ: "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ"
[الحديث ٥٢٧١ - أطرافه في: ٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧]
٥٢٧٢ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ"
قَوْلُهُ (بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ، وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) اشْتَمَلَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ عَلَى أَحْكَامٍ يَجْمَعُهَا أَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ الْعَامِدِ الذَّاكِرِ، وَشَمَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ لَا نِيَّةَ لَهُ فِيمَا يَقُولُ أَوْ يَفْعَلُ، وَكَذَلِكَ الْغَالِطُ وَالنَّاسِي وَالَّذِي يُكْرَهُ عَلَى الشَّيْءِ. وَحَدِيثُ الْأَعْمَالِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَوَصَلَهُ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ الْإِغْلَاقُ هُوَ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يَتَغَلَّقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَيَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ تَصَرُّفُهُ، وَقِيلَ هُوَ الْعَمَلُ فِي الْغَضَبِ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ، وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي غِلَاقٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْغِلَاقُ أَظُنُّهُ الْغَضَبَ، وَتَرْجَمَ عَلَى الْحَدِيثِ الطَّلَاقُ عَلَى غَيْظٍ وَوَقَعَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ.
وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِغْلَاقُ بِالْأَلِفِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ فَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِغَيْرِ أَلِفٍ هِيَ الرَّاجِحَةُ فَهُوَ غَيْرُ الْإِغْلَاقِ.
قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: قَوْلُهُمْ إِيَّاكَ وَالْغَلْقَ أَيِ الضَّجِرَ وَالْغَضَبَ، وَرَدَّ الْفَارِسِيُّ فِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ عَلَى مَنْ قَالَ الْإِغْلَاقُ الْغَضَبُ وَغَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ طَلَاقَ النَّاسِ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَرَابِطِ: الْإِغْلَاقُ حَرَجُ النَّفْسِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ لَهُ فَارَقَ عَقْلَهُ، وَلَوْ جَازَ عَدَمُ وُقُوعِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ لَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِيمَا جَنَاهُ: كُنْتُ غَضْبَانًا اهـ. وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْغَضَبِ لَا يَقَعُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ وَلَمْ يُوجَدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ إِلَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمَطَالِعِ الْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ وَهُوَ مِنْ أَغْلَقْتُ الْبَابَ، وَقِيلَ الْغَضَبُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعُرِفَ بِعِلَّةِ الِاخْتِلَافِ الْمُطْلَقِ إِطْلَاقُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَإِذَا أَطْلَقَهُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ فَمُرَادُهُ مُقَابِلُ الْمَرَاوِزَةِ مِنْهُمْ. ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ النَّفْيُ عَنْ فِعْلِهِ لَا النَّفْيُ لِحُكْمِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ بَلْ يُطَلِّقُ لِلسُّنَّةِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ. وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَالْكُرْهُ هُوَ فِي النُّسَخِ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَفِي عَطْفِهِ
عَلَى الْإِغْلَاقِ نَظَرٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْإِغْلَاقَ الْغَضَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْكَافِ مِيمٌ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ السَّكْرَانَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بَابَ حُكْمِ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَحُكْمِ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ إِلَخْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَقَعُ، قَالَ: لِأَنَّهُ شَيْءٌ افْتَدَى بِهِ نَفْسَهُ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ تَفْصِيلٌ آخَرُ: إِنْ وَرَّى الْمُكْرَهُ لَمْ يَقَعْ وَإِلَّا وَقَعَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنْ أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ وَقَعَ وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ فَلَا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ اللُّصُوصَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ يُخَالِفُهُمْ غَالِبًا بِخِلَافِ السُّلْطَانِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يَقَعُ فِيهِ، وَاحْتَجَّ عَطَاءٌ بِآيَةِ النَّحْلِ ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الطَّلَاقِ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَقَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا وَضَعَ الْكُفْرَ عَمَّنْ تَلَفَّظَ بِهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ وَأَسْقَطَ عَنْهُ أَحْكَامَ الْكُفْرِ فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنِ الْمُكْرَهِ مَا دُونَ الْكُفْرِ لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إِذَا سَقَطَ سَقَطَ مَا هُوَ دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِعَطْفِ الشِّرْكِ عَلَى الطَّلَاقِ فِي التَّرْجَمَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالسَّكْرَانُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَثَرِ عُثْمَانَ فِي هَذا الْبَابِ، وَقَدْ يَأْتِي السَّكْرَانُ فِي كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ بِمَا لَا يَأْتِي بِهِ وَهُوَ صَاحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فإِنَّ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ مَا يَقُولُ لَا يَكُونُ سَكْرَانَ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَسَيَأْتِي فِي أَثَرِ عَلِيٍّ مَعَ عُمَرَ.
وَقَوْلُهُ وَأَمَرَهُمَا فَمَعْنَاهُ هَلْ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ يَخْتَلِفُ؟ وَقَوْلُهُ وَالْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ أَيْ إِذَا وَقَعَ مِنَ الْمُكَلَّفِ مَا يَقْتَضِي الشِّرْكَ غَلَطًا أَوْ نِسْيَانًا هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ فَلْيَكُنِ الطَّلَاقُ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَغَيْرِهِ أَيْ وَغَيْرِ الشِّرْكِ مِمَّا هُوَ دُونَهُ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالشَّكِّ بَدَلَ الشِّرْكِ، قَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنْ قَالَ: وَهُوَ أَلْيَقُ، وَكَأَنَّ مُنَاسَبَةَ لَفْظِ الشِّرْكِ خَفِيَتْ عَلَيْهِمَا، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا بِلَفْظِ الشَّكِّ، فَإِنْ ثَبَتَتْ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلَى النِّسْيَانِ لَا عَلَى الطَّلَاقِ. ثُمَّ رَأَيْتُ سَلَفَ شَيْخِنَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ وَالشَّكُّ مَكَانَ الشِّرْكِ اهـ، فَفَهِمَ شَيْخُنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ أَنَّ فِي بَعْضِهَا بلَفْظ الشَّكِّ فَجَزَمَ بِذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي طَلَاقِ النَّاسِي فَكَانَ الْحَسَنُ يَرَاهُ كَالْعَمْدِ إِلَّا إِنِ اشْتَرَطَ فَقَالَ إِلَّا أَنْ أَنْسَى، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَاهُ شَيْئًا وَيَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الْآتِي كَمَا سَأُقَرِّرُهُ بَعْدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي طَلَاقِ الْمُخْطِئِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ شَيْئًا فَسَبَقَهُ لِسَانُهُ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ.
وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ إِلَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي التَّجَاوُزِ، فَمَنْ حَمَلَ التَّجَاوُزَ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ خَاصَّةً دُونَ الْوُقُوعِ فِي الْإِكْرَاهِ لَزِمَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النِّسْيَانِ، وَالْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي طَلَاقِ الْمُشْرِكِ فَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَنُسِبَ إِلَى مَالِكٍ، وَدَاوُدَ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ كَمَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَعِتْقُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ.
قَوْلُهُ (وَتَلَا الشَّعْبِيُّ: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ الصَّغِيرِ مِنْ رِوَايَةِ سَلِيمٍ مَوْلَى الشَّعْبِيِّ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ (وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَالْوَاوُ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: أَبِكَ جُنُونٌ؟) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ
هَلْ بِكَ جُنُونٌ وَأَوْرَدَهُ فِي الْحُدُودِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ذِكْرُ السُّكْرِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ) الْحَدِيثَ هُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ بَدْرِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَبَقَرَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ أَيْ شَقَّ، وَالْخَوَاصِرُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ جَمْعُ خَاصِرَةٍ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ إِنَّهُ ثَمِلٌ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ سَكْرَانُ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ مَنْ لَمْ يُؤَاخِذِ السَّكْرَانَ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ، وَاعْتَرَضَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ الْخَمْرَ حِينَئِذٍ كَانَتْ مُبَاحَةً، قَالَ: فَبِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ مَا نَطَقَ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، قَالَ: وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ اهـ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ مُؤَاخَذَةِ السَّكْرَانِ بِمَا يُصْدَرُ مِنْهُ، وَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشُّرْبُ مُبَاحًا أَوْ لَا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَدَعْوَاهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ بِسَبَبِ قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ قِصَّةَ الشَّارِفَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ اتِّفَاقًا لِأَنَّ حَمْزَةَ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ عِنْدَ تَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ جَمَاعَةً اصْطَبَحُوا الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ وَاسْتُشْهِدُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَكَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بَعْدَ أُحُدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ شَبَابَةَ، وَرُوِّينَاهُ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ تَارِيخِ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَأَنَا سَكْرَانُ، فَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ رَأْيِنَا أَنْ يَجْلِدَهُ وَيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، حَتَّى حَدَّثَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمَجْنُونِ وَلَا عَلَى السَّكْرَانِ طَلَاقٌ، قَالَ عُمَرُ: تَأْمُرُونَنِي وَهَذَا يُحَدِّثُنِي عَنْ عُثْمَانَ؟ فَجَلَدَهُ، وَرَدَّ إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَثَرَ عُثْمَانَ ثُمَّ ابْنِ عَبَّاسٍ اسْتِظْهَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ، وَذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ أَيْضًا أَبُو الشَّعْثَاءَ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْقَاسِمُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ، وَاللَّيْثُ، وَإِسْحَاقُ، وَالْمُزَنِيُّ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ لَا يَقَعُ قَالَ: وَالسَّكْرَانُ مَعْتُوهٌ بِسُكْرِهِ. وَقَالَ بِوُقُوعِهِ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: الْمُصَحَّحُ مِنْهُمَا وُقُوعُهُ، وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَكِنَّ التَّرْجِيحَ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ: إِذَا تَيَقَّنَّا ذَهَابَ عَقْلِ السَّكْرَانِ. لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ، وَإِلَّا لَزِمَهُ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ حَدَّ السُّكْرِ الَّذِي تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا يَقُولُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يَأْبَاهُ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ طَلَاقِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِوُقُوعِهِ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ عَاصٍ بِفَعْلِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الْخِطَابُ بِذَلِكَ، وَلَا الْإِثْمُ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ فِي السُّكْرِ أَوْ فِيهِ، وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ فَاقِدِ الْعَقْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَهَابُ عَقْلِهِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَنْ كَسَرَ رِجْلَ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقِيَامَ انْتَقَلَ إِلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقُعُودُ فَافْتَرَقَا. وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ بِأَنَّ النَّائِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْأَصْلُ فِي السَّكْرَانِ الْعَقْلُ، وَالسُّكْرُ شَيْءٌ طَرَأَ عَلَى عَقْلِهِ، فَمَهْمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ كَلَامٍ مَفْهُومٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَهَابُ عَقْلِهِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمُزَنِيِّ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْسَ لِسَكْرَانَ وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ الْمُضْطَهَدُ: بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَاءٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ هُوَ الْمَغْلُوبُ الْمَقْهُورُ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ أَيْ بِوَاقِعٍ، إِذْ لَا عَقْلَ لِلسَّكْرَانِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا اخْتِيَارَ لِلْمُسْتَكْرَهِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ) أَيْ لَا يَقَعُ، لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِمَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَدَأَ بِالطَّلَاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ) تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ وَتَقَدَّمَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ، وَبَيَّنْتُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُمْ وَمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ نَافِعٌ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) أَمَّا قَوْلُهُ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ.
قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا قَالَ النُّحَاةُ: قَطْعُ هَمْزَةِ الْبَتَّةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْقِيَاسِ اهـ، وَفِي دَعْوَى أَنَّهَا يُقَالُ بِالْقَطْعِ نَظَرٌ، فَإِنَّ أَلِفَ الْبَتَّةَ أَلِفُ وَصْلٍ قَطْعًا، وَالَّذِي قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ الْبَتَّةَ الْقَطْعُ وَهُوَ تَفْسِيرُهَا بِمُرَادِفِهَا لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تُقَالُ بِالْقَطْعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ بُتَّتْ فَبِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا هُنَا - وَإِنْ كَانَتِ الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَتَّةِ تَقَدَّمَتْ - مُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنْ لَا فَرْقَ فِي الشَّرْطِ بَيْنَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ عَطَاءٍ وَكَذَا مَا بَعْدَ هَذَا. وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَتَّةِ ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا: يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ) أَيْ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَحْلِفَانِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ عَلَى أَمْرٍ يَخْتَلِفَانِ فِيهِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ: يَدِينَانِ وَيَحْمِلَانِ مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَمَّلَا. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ) أَيْ إِنْ قَصَدَ طَلَاقًا طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ قَالَ: نِيَّتُهُ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ سَأَلْتُ الْحَكَمَ، وَحَمَّادًا قَالَا: إِنْ نَوَى طَلَاقًا فَوَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
قَوْلُهُ (وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي إِدْرِيسَ، وَجَرِيرٌ فَالْأَوَّلُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَالثَّانِي عَنِ الْمُغِيرَةِ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: طَلَاقُ الْعَجَمِيِّ بِلِسَانِهِ جَائِزٌ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَلْزَمُهُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا قَالَ إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً، فَإِنِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرْوَةَ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى تَطْهُرَ وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ، عَنِ الْحَسَنِ يَغْشَاهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ ثُمَّ يُمْسِكُ عَنْهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْشَاهَا حَتَّى تَحْمِلَ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ: فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِنْ وَطِئَهَا مَرَّةً بَعْدَ التَّعْلِيقِ طَلُقَتْ سَوَاءٌ اسْتَبَانَ بِهَا حَمْلَهَا أَمْ لَا، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي قَالَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَ الْوَطْءِ طَلُقَتْ مَكَانَهَا. وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ لَا يَقَعُ إِلَّا إِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ، قَالَ: فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ فَلْيَكُنْ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ هُوَ مَا نَوَى وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْرُجِي اسْتَبْرِئِي، اذْهَبِي، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ: هِيَ تَطْلِيقَةٌ إِنْ نَوَى الطَّلَاقَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ
وَجْهُ اللَّهِ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَالنُّشُوزِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ دَائِمًا، وَالْوَطَرُ بِفَتْحَتَيْنِ الْحَاجَةُ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَلَا يُبْنَى مِنْهَا فِعْلٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتَهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهُوَ مَا نَوَى) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ قَالَ: هُوَ مَا نَوَى وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ إِذَا وَاجَهَهَا بِهِ وَأَرَادَ الطَّلَاقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ إِنْ كَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا مَا أَرَاهُ أَرَادَ إِلَّا الطَّلَاقَ وَعَنْ قَتَادَةَ إِنْ أَرَادَ طَلَاقًا طَلُقَتْ وَتَوَقَّفَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ اللَّيْثُ هِيَ كِذْبَةٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ وَهِيَ حُبْلَى، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَّا بَلَغَكَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ وُضِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَهُ، وَتَابَعَهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَصَرَّحَ فِيهِ بِالرَّفْعِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِمَا ابْنَ عَبَّاسٍ، جَعَلَهُ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ عَلِيٍّ وَرُجِّحَ الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَأَخَذَ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الْجُمْهُورُ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي إِيقَاعِ طَلَاقِ الصَّبِيِّ، فَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ يَلْزَمُهُ إِذَا عَقَلَ وَمَيَّزَ، وَحَدُّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يُطِيقَ الصِّيَامَ وَيُحْصِيَ الصَّلَاةَ، وَعِنْدَ عَطَاءٍ إِذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ إِذَا نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ عَلِيٌّ: وَكُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ) وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا بِسَمَاعِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَالْمُرَادُ بِالْمَعْتُوهِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَاءٌ - النَّاقِصُ الْعَقْلِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ ; وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ أَنَّ الْمُحَبِّرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَكَانَ مَعْتُوهًا فَأَمَرَهَا ابْنُ عُمَرَ بِالْعِدَّةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَعْتُوهٌ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَسْمَعِ اللَّهَ اسْتَثْنَى لِلْمَعْتُوهِ طَلَاقًا وَلَا غَيْرَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامُ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ.
قَوْلُهُ (عَنْ زُرَارَةَ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ، وَذَكَرْتُ فِيهِ بَعْضَ فَوَائِدِهِ، وَيَأْتِي بَقِيَّتُهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَوْلُهُ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَذَكَرَ الْمُطَرِّزِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، وَقَدْ أَسْنَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ لَيْسَ عِنْدَ قَتَادَةَ حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي أَنَّ الْمُوَسْوَسَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْجُمْهُورِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَلاقٌ وَنَوَى فِي نَفْسِهِ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةً - خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ - قَالَ: لِأَنَّ الْخَبَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِنِيَّةٍ لَا لَفْظَ مَعَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ وَنَوَى الْفُرْقَةَ التَّامَّةَ فَهِيَ نِيَّةٌ صَحِبَهَا لَفْظٌ ; وَاحْتُجَّ بِهِ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا فُلَانَةُ وَنَوَى بِذَلِكَ طَلَاقَهَا أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ وَلَمْ
يَأْتِ بِصِيغَةٍ لَا صَرِيحَةٍ وَلَا كِنَايَةٍ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَبَ الطَّلَاقَ طَلُقَتِ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ وَعَمَلَ بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَشَرْطُ مَالِكٍ فِيهِ الْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ في نَفْسه طَلُقَتْ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيِّ - وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا أَشْهَبُ عَنْهُ وَقَوَّاهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ، بِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ كَفَرَ وَمَنْ أَصَرَّ
عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَثِمَ وَكَذَلِكَ مَنْ رَاءَى بِعَمَلِهِ وَأُعْجِبَ، وَكَذَا مَنْ قَذَفَ مُسْلِمًا بِقَلْبِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ دُونَ اللِّسَانِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ مِنْ فَضَائِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُصِرُّ عَلَى الْكُفْرِ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَبِأَنَّ الْمُصِرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْآثِمَ مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَمَلُ الْمَعْصِيَةِ لَا مَنْ لَمْ يَعْمَلْ مَعْصِيَةً قَطُّ، وَأَمَّا الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَعْمَالِ. وَاحْتَجَّ الْخَطَّابِيُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الظِّهَارِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا قَالَ: وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ، وَكَذَا لَوْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْقَذْفِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا، وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ يُؤَثِّرُ لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْحَدِيثِ مَنْدُوبٌ فَلَوْ وَقَعَ لَمْ تَبْطُلْ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ عُمَرَ إِنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَقَرَّ بِالزِّنَا فَرُجِمَ، ذَكَرَهَا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْحُدُودِ.
وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ هَلْ بِكَ جُنُونٌ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يُعْمَلْ بِإِقْرَارِهِ، وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ هَلْ كَانَ بِكَ جُنُونٌ أَوْ هَلْ تُجَنُّ تَارَةً وَتُفِيقُ تَارَةً؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حِينَ الْمُخَاطَبَةِ مُفِيقًا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجَّهَ لَهُ الْخِطَابَ وَالْمُرَادُ اسْتِفْهَامُ مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْرَدَهَا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا أَيْضًا فِي الْحُدُودِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْآخِرَ قَدْ زَنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ الْمُتَأَخِّرَ عَنِ السَّعَادَةِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْأَرْذَلُ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ قَتَادَةُ إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ قَالَا: مَنْ طَلَّقَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ طَلَاقُهُ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ شِهَابٍ فَقَالَا تَطْلُقُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
تَنْبِيهٌ:
وَقَعَ هَذَا الْأَثَرُ عَنْ قَتَادَةَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ قَتَادَةَ الْمَرْفُوعِ الْمَذْكُورِ هُنَا بَعْدُ، فَلَمَّا سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ قَالَ بَعْدَهُ قَالَ قَتَادَةُ فَذَكَرَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:
قَوْلُهُ (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبْهَمَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ شُعَيْبًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَدْرُ عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِ أَبِي سَلَمَةَ فَأُدْرِجَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَذْلَقَتْهُ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَقَافٍ أَيْ أَصَابَتْهُ بِحَدِّهَا، وَقَوْلُهُ (جَمَزَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَبِزَايٍ أَيْ أَسْرَعَ هَارِبًا.
١٢ - بَاب الْخُلْعِ، وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ؟ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿الظَّالِمُونَ﴾ وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ. وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا. وَقَالَ طَاوُسٌ: ﴿إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ: لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(فَقَالَ) له: (هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟) وهذا هو الغرضُ من هذا الحديث إذ مُقتضاه أنَّه (١) لو كان مجنونًا ما كان يعملُ بإقرارهِ، والمراد: هل كان بك جنونٌ؟ أو هل تُجنُّ تارةً وتفيقُ أخرى (٢)؟ لأنَّه لمَّا خاطبه كان مُفيقًا، أو الخطاب له والاستفهامُ للحاضرين (هَلْ أَُحْصَِنْتَ؟) بفتح الهمزة والصاد المهملة، أو بضم الهمزة وكسر الصاد، هل تزوَّجت قطُّ؟ (قَالَ: نَعَمْ) تزوَّجت (فَأَمَرَ بِهِ) ﷺ (أَنْ يُرْجَمَ بِالمُصَلَّى) بفتح اللام المشددة، الَّتي كان يصلِّي فيها العيد (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح اللام والقاف وسكون الفوقية، أصابتهُ (الحِجَارَةُ) بحدِّها وآلمتْه (جَمَزَ) بالجيم والميم والزاي المفتوحات، أسرع هاربًا من القتلِ (حَتَّى أُدْرِكَ) بضم الهمزة وكسر الراء (بِالحَرَّةِ) بالحاء المهملة والراء المشددة المفتوحتين، أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سودٍ خارج المدينة (فَقُتِلَ) بصيغة المجهول.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٢٦] ومسلمٌ في «الحدود»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الجنائز».
٥٢٧١ - ٥٢٧٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ
(وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ) اسمه ماعزٌ، وأسلمُ قبيلتهُ (١) (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) الواو للحال (فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الأَخِرَ) بفتح الهمزة المقصورة وكسر الخاء المعجمة. قال عياضٌ: ومدُّ الهمزة خطأٌ، وكذا فتح الخاء، أي: المتأخِّر عن السَّعادة المدْبر، أو الأرذلُ، أو اللَّئيم (قَدْ زَنَى -يَعْنِي: نَفْسَهُ- فَأَعْرَضَ) ﷺ (عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ) بكسر القاف وفتح الموحدة، جهته. قال الخطابيُّ: تنحَّى تفعَّل مِنْ نَحا إذا قصد، أي: قصدَ الجهة الَّتي إليها وجهه ونحا نحوها (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي) ولابن عساكرَ: «لشقِّه الَّذي» (أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ): إنَّ الأخر قد زنى (فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى) الرَّجل (لهُ الرَّابِعَةَ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ): بالزِّنا (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ، فَقَالَ) له: (هَلْ بِكَ جُنُونٌ؟) قال النَّوويُّ: إنَّما قال: هل بك (٢) جنونٌ لتحقُّق حاله، فإنَّ (٣) الغالب أنَّ الإنسان لا يصرُّ على إقرارِ ما يقتضِي هلاكه، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ إقرارَ المجنون باطلٌ (قَالَ: لَا) ما بي جنونٌ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية، أو للحال، أي: اذهبوا مصاحبينَ له (فَارْجُمُوهُ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ) بضم الهمزة وكسر الصاد.
(وَعَنِ الزُّهْرِيِّ) عطفٌ على قوله في السَّند السَّابق: شعيبٌ عن الزُّهريِّ … إلى آخره، أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «فأَخْبرني» بالفاء والإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ) أبهم الرَّاوي عنه، فيحتملُ أنَّه أبو سلمة الَّذي روى عنه أوَّلًا، وأن يكون غيره روى عنه (قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى بِالمَدِينَةِ) فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمناهُ بالمصلَّى فكنتُ فيمن رجمَه، أو يقدَّر: فكنتُ فيمن أرادَ حضورَ رجمهِ فرَجمناه (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ) أي: أقلقتْهُ وأوجعتْهُ، وجواب لمَّا قوله: ((٤) جَمَزَ) أسرعَ هاربًا من القتل (حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ) وزاد أبو داود والحاكمُ من (٥) حديثِ (٦) نُعيمٍ أنَّه ﷺ
قال: «هلَّا تركْتُمُوهُ لعلَّهُ يتُوبُ فيتُوبَ اللهُ عليهِ» وهو حجَّةٌ للشَّافعيِّ ومن وافقَه أنَّ الهارب من الرَّجم إذا كان بالإقرارِ يُكفُّ عنه في الحال، فإن رجعَ سقط عنه الحدُّ، وإلَّا حُدَّ (١).
وحديث الباب هذا أخرجه مسلمٌ في «الحدود»، والنَّسائيُّ في «الرَّجم».
(١٢) (بابُ الخُلْعِ) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام، مأخوذٌ من الخَلع -بفتح الخاء- وهو النَّزع، سمِّي به لأنَّ كلًّا من الزَّوجين لباسُ الآخر في المعنى. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فكأنَّه بمفارقة الآخر نُزع لباسه، وضُمَّ مصدره تفرقةً بين الحسيِّ والمعنويِّ (وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ) أي: حكمه، هل يقع بمجرَّده، أو بذكرِ الطَّلاق باللَّفظ، أو بالنيَّة خلافٌ. وتعريف الخُلع: فِراقُ زوجٍ يصحُّ طلاقُه لزوجتهِ بعوضٍ يحصلُ لجهة الزَّوج بلفظِ طلاقٍ وخلعٍ، والمرادُ ما يشملهُما وغيرهما من ألفاظِ الطَّلاق، والخُلعُ صريحٌ وكنايةٌ كالفراق والإبانةِ والمفاداةِ، وخرج بجهةِ الزَّوج تعليقُ طلاقِهَا بالبراءةِ عمَّا لها (٢) على غيرهِ، فيقعُ الطَّلاق في ذلك رجعيًّا، فإن وقعَ بلفظ الخُلع ولم ينوِ به طلاقًا فالأظهرُ أنَّه (٣) طلاقٌ يُنقص العدد، وكذا إنْ وقعَ بلفظ الطَّلاق مقرونًا بالنِّيَّة، وقد نصَّ في «الإملاءِ» أنَّه من صرائحِ الطَّلاق، وفي قول: إنَّه فسخٌ وليس بطلاقٍ لأنَّه فراقٌ حصلَ بمعاوضةٍ فأشبَه ما لو اشترى زوجتَهُ، ونصَّ عليه في القديم، وصحَّ عن ابن عبَّاسٍ فيما أخرجه عبد الرَّزَّاق، وهو مشهورُ مذهبِ الإمام أحمد لحديث الدَّارقطنيِّ عن طاوس، عن ابن عبَّاسٍ: «الخُلعُ فرقَةٌ، وليسَ بطلَاقٍ» أمَّا إذا نوى به الطَّلاق فهو طلاقٌ قطعًا عملًا بنيَّته، فإن لم ينوِ به (٤) طلاقًا لا تقع به فرقةٌ أصلًا، كما نصَّ عليه في «الأمِّ» وقوّاه السُّبكيُّ، فإن وقعَ الخُلع بمسمًّى صحيحٍ لزمَ، أو بمسمًّى فاسدٍ كخمرٍ وجب مهرُ المثل.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على الخلعِ المضاف إليه الباب، ولأبي ذرٍّ: «وقوله (١) ﷿»: (﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾) أيُّها الأزواج أو الحكَّام لأنَّهم الآمرونَ بالأخذِ والإيتاءِ عند التَّرافع إليهم، فكأنَّهم الآخذونَ والمؤتون (﴿أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾) ممَّا أعطيتموهنَّ من المهورِ (٢) (﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]) أي: إلَّا أن يعلمَ الزَّوجان تركَ إقامةِ حدودِ الله فيما يُلزمهما من مواجبِ الزَّوجيَّة، لِمَا يحدثُ من نشوزِ المرأةِ وسوء خُلقها، وسياقُ الآية إلى ﴿حُدُودَ اللّهِ﴾ لأبي ذرٍّ، ولغيرهِ إلى قوله: «﴿شَيْئًا﴾» ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿الظَّالِمُونَ﴾» وتمام المراد من الآية في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: لا جناح على الرَّجل فيما أخذَ، ولا (٣) عليها فيما افتدتْ به نفسها واختلعتْ من بذلِ ما أوتيتْ من المهر، وفيه مشروعيَّة الخُلع، وقد أجمعَ عليه العلماء خلافًا لبكر بن عبدِ الله المُزنيِّ التَّابعيِّ، فإنَّه قال بعدمِ حلِّ أخذِ شيءٍ من الزَّوجة عوضًا عن فراقها مُحتجًّا بقولهِ تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فأوردَ عليه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فأجاب بأنَّها منسوخةٌ بآية النِّساء، وأُجيب بقولهِ تعالى في سورة النِّساء أيضًا: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] وبقولهِ تعالى (٤) فيها: ﴿فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا﴾ الاية [النساء: ١٢٨] وقد انعقدَ الإجماع بعدَه على اعتبارهِ، وأنَّ آية النِّساء مخصوصةٌ بآية البقرةِ وبآيتي النِّساء الأُخريين، وقد تمسَّك بالشَّرط من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من منع الخُلع إلَّا إن حصلَ الشِّقاق بين (٥) الزَّوجين معًا، والجمهورُ على الجواز على الصَّداق وغيره، ولو كان أكثر منه لكن تُكره الزِّيادة عليه كما في «الإحياء»، وعند الدَّارقطنيِّ، عن عطاء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يأخُذُ الرَّجلُ منَ المُخْتَلِعةِ أكثَرَ ممَّا أعطَاهَا» ويصحُّ في حالتي الشِّقاق والوِفاق، فذكرُ الخوف في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا﴾ جريٌ على الغالب، ولا يكره عند الشِّقاق أو عند كَراهتها له لسوءِ خُلقهِ، أو دينهِ، أو عند خوفِ تقصيرٍ منها في حقِّه، أو عند حلفهِ بالطَّلاق الثَّلاث من مدخولٍ بها على فعلِ ما لا بدَّ له من فعله، وإن أكرهها بالضَّرب، ونحوه على الخُلع
فاختلعتْ لم يصحَّ للإكراهِ، ووقعَ الطَّلاق رجعيًّا إن لم يسمِّ المال، فإن سمَّاه أو قال: طلَّقتك بكذا، وضربها لتقبل فقبلتْ لم يقعِ الطَّلاق لأنَّها لم تقبلْ مختارةً، والله أعلم.
(وَأَجَازَ عُمَرُ) ﵁ (الخُلْعَ دُونَ) حضور (السُّلْطَانِ) الإمام الأعظم، أو نائبهِ، أو بغير إذنهِ، وصله ابنُ أبي شَيبة في «مصنفه» ولفظه -كما قرأته فيه-: أُتي بشر بن مروان في خُلعٍ كان بين رجلٍ وامرأتهِ فلم يُجزه، فقال له عبدُ الله بن شهابٍ الخولانيُّ: شهدتُ عمرَ بن الخطَّاب أُتي بخلعٍ كان بين رجلٍ وامرأتهِ فأجازه.
قال في «الفتح»: وأرادَ البخاريُّ بإيرادِ ذلك الإشارة إلى ما أخرجه سعيدُ بن منصورٍ: عن الحسن البصريِّ، قال: لا يجوزُ الخلع دون السُّلطان. ولفظ ابن أبي شيبة، قال: هو عند السُّلطان. واستدلَّ له أبو عُبيد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] قال: فجعلَ الخوف لغير الزَّوجين، ولم يقل: فإن خافا، قال: فالمراد الولاية (١). وردَّه النَّحَّاس بأنَّه قولٌ لا يساعده الإعرابُ ولا اللَّفظُ ولا المعنى، وإذا كان الطَّلاق جائزًا دون الحاكمِ فكذلك الخُلع، وأمَّا الآية فجرتْ على الغالب، كما مرَّ.
(وَأَجَازَ عُثْمَانُ) ﵁ (الخُلْعَ) ببذل كلِّ ما تملك (دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا) بكسر العين وفتح القاف آخره صاد مهملة: الخيط الَّذي تَعقص به أطرافَ رأسها.
وهذا وصلَه أبو القاسم بن بِشران (٢) في «أماليه»: عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ، قالت: «اختلعتُ من زوجِي بما دونَ عِقاص رأسِي فأجازَ ذلك عثمان» وأخرجه البيهقيُّ وقال في آخره: فدفعتُ إليه كلَّ شيءٍ حتَّى غلَّقتُ (٣) البابَ بيني وبينه. وعند ابن سعدٍ: فقال عثمان -يعني: لزوج الرُّبيع-: خُذ كلَّ شيءٍ حتَّى عِقاصَ رأسها.
(وَقَالَ طَاوُسٌ) فيما وصلَه عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرني ابنُ طاوس، وقلتُ له: ما كان أبوك يقول في الفِداء؟ قال: كان يقولُ ما قال الله تعالى: (﴿إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾) أي: (فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي العِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ) قال ابنُ