«أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٢٨٣

الحديث رقم ٥٢٨٣ من كتاب «كتاب الطلاق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٢٨٣ في صحيح البخاري

«أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ لِعَبَّاسٍ: يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟، فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ رَاجَعْتِهِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٥٢٨٣

٥٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٢٨٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحُرِّ فَكَانَتْ كَالْكِتَابِيَّةِ تُسْلِمُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ.

وَاخْتُلِفَ فِي الَّتِي تَخْتَارُ الْفِرَاقَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلَاقًا أَوْ فَسْخًا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ: تَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَثَبَتَ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: يَكُونُ فَسْخًا لَا طَلَاقًا.

قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ لَفْظُ شُعْبَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مِرْبَعٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عَنْ شُعْبَةَ وَحْدَهُ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ رَأَيْتُهُ يَبْكِي وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتْبَعُهَا وَأَمَّا لَفْظُ هَمَّامٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ وَسَاقَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ مُطَوَّلًا وَفِيهِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي أَحَدِهِمَا ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ وَهَكَذَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ اسْمَهُ مُغِيثٌ، وَضُبِطَ فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْعَسْكَرِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّ اسْمَ زَوْجِ بَرِيرَةَ مَقْسِمٌ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا.

قَوْلُهُ (عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ) عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِيَّ الْمُغِيرَةِ وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَكَانَ عَبْدًا لِآلِ الْمُغِيرَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ، مُغِيثٌ مَوْلَى أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ مِثْلَ مَا وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَوْلَى بَنِي مُطِيعٍ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَيَبْعُدُ الْجَمْعُ لِأَنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ مِنْ آلِ مَخْزُومٍ كما فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ وَبَنِي جَحْشٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَبَنِي مُطِيعٍ مِنْ آلِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ عَلَى بُعْدِهِ، أَوِ انْتَقَلَ.

١٦ - بَاب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ

٥٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ لِعبَّاسٍ: يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ رَاجَعْتِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.

قَوْلُهُ (بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ) أَيْ عِنْدَ بَرِيرَةَ لِتَرْجِعَ إِلَى عِصْمَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ تَسْوِيغُ الشَّفَاعَةِ لِلْحَاكِمِ عِنْدَ الْخَصْمِ فِي خَصْمِهِ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ أَوْ يُسْقِطَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ لَمْ تَقَعِ الشَّفَاعَةُ فِيهَا عِنْدَ التَّرَافُعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ; لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّرَافُعِ إِذْ رُؤْيَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِزَوْجِهَا يَبْكِي، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ وَبَعْدَهُ لَوْ رَاجَعْتِيهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ عِنْدَ التَّرَافُعِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ عَلَى مَا بَيَّنْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ،

وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيِّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُو ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ الْحَذَّاءُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهُوَ الثَّقَفِيُّ هَذَا عَنْ أَيُّوبَ، فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ لَكِنَّ رِوَايَةَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ أَتَمُّ سِيَاقًا كَمَا تَرَى، وَطَرِيقُ أَيُّوبَ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَطَرِيقُ خَالِدٍ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ أَيْضًا وَسَاقَهُ عَنْهُمَا نَحْوَ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ (يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي) فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا وَالسِّكَكُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ جَمْعُ سِكَّةٍ وَهِيَ الطُّرُقُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا، وَأَنَّ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَرَضَّاهَا لِتخْتَاره فَلَمْ تَفْعَلْ وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ سُؤَالَهُ لَهَا كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ لَوْ رَاجَعْتِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ لَقَالَ لَوِ اخْتَرْتِهِ، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلُ وَبَعْدُ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِرِوَايَةِ سَعِيدٍ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْفَوْرَ فِي الْخِيَارِ هُنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدُ.

قَوْلُهُ (يَا عَبَّاسُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالِدُ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ النَّبِيُّ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ أَنْبَأَنَا خَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ بِسَنَدِهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ كَلَّمَ النَّبِيَّ أَنْ يَطْلُبَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا سَكَنَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ، وَهُوَ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَعَ أَبَوَيْهِ. وَيُؤَيِّدُ تَأَخُّرَ قِصَّتِهَا أَيْضًا - بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْإِفْكِ - أَنَّ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَيَبْعُدُ وُقُوعُ تِلْكَ الْأُمُورِ وَالْمُرَاجَعَةُ وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الشِّرَاءِ وَالْعِتْقُ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ، وَأَيْضًا فَقَوْلُ عَائِشَةَ إِنْ شَاءَ مَوَالِيكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي غَايَةِ الضِّيقِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُمُ التَّوَسُّعُ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِصَّتَهَا كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً قَبْلَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ وُقُوعُ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ هُنَاكَ.

ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ السُّبْكِيَّ اسْتَشْكَلَ الْقِصَّةَ ثُمَّ جَوَّزَ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا، أَوِ اشْتَرَتْهَا وَأَخَّرَتْ عِتْقَهَا إِلَى بَعْدِ الْفَتْحِ، أَوْ دَامَ حُزْنُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ كَانَ حَصَلَ الْفَسْخُ وَطَلَبَ أَنْ تَرُدَّهُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَوْ كَانَتْ لِعَائِشَةَ ثُمَّ بَاعَتْهَا ثُمَّ اسْتَعَادَتْهَا بَعْدَ الْكِتَابَةِ اهـ، وَأَقْوَى الِاحْتِمَالَاتِ الْأَوَّلُ كَمَا تَرَى.

قَوْلُهُ (لَوْ رَاجَعْتِهِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِمُثَنَّاةٍ وَاحِدَةٍ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لَوْ رَاجَعْتِيهِ بِإِثْبَاتِ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْمُثَنَّاةِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ.

قَوْلُهُ (تَأْمُرُنِي) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ لَا وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَنْحَصِرُ فِي صِيغَةِ افْعَلْ لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِقَوْلِهِ لَوْ رَاجَعْتِهِ. فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي أَيْ تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْأَمْرَ فَيَجِبُ عَلَيَّ؟ وَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَا.

قَوْلُهُ (قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ إِنَّمَا أَشْفَعُ أَيْ أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَاعَةِ لَهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ عَلَيْكِ.

قَوْلُهُ (فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) أَيْ فَإِذَا لَمْ تُلْزِمْنِي بِذَلِكَ لَا أَخْتَارُ الْعَوْدَ إِلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ عِنْدَهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٦) (بابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ) لترجعَ إلى عصمتهِ.

٥٢٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (١) (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلامٍ البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٢) عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ) يترضَّاها لتختاره (فَقَالَ النَّبِيُّ لِعَبَّاسٍ) عمِّه: (يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا) لأنَّ الغالب أنَّ المحبَّ لا يكون إلَّا حبيبًا. وعند سعيدِ بن منصورٍ: أنَّ العبَّاس كان كلَّم النَّبيَّ أن يطلبَ إليها في ذلك، وفي «مسند» الإمام أحمد: أنَّ مُغيثًا توسَّل بالعبَّاس في سؤالِ النِّبيِّ في ذلك، وظاهره: أنَّ قصَّة بَريرة كانت متأخِّرةً في السَّنة التَّاسعة أو العاشرةِ لأنَّ العبَّاس إنَّما سكنَ المدينة بعد رجوعِهِم من غزوةِ الطَّائف وذلك أواخر سنة ثمانٍ، ويدلُّ له أيضًا قول ابن عبَّاس أنَّه شاهد ذلك وهو إنَّما قدمَ المدينةَ مع أبويهِ، وهذا يردُّ قولَ من قال: إنَّها كانت قبلَ الإفك، وجوَّز الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: أنَّ بريرة كانت تخدمُ عائشةَ قبل شِرَائها، أو اشترتها وأخَّرت عِتْقها إلى ما بعدَ الفتح، أو دامَ حُزْن زوجهَا عليها مدَّةً طويلةً، أو حصلَ لها الفسخُ وطلبَ (٣) أن تردَّه بعقدٍ جديدٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ) لها: (لَوْ رَاجَعْتِيْهِ) بمثناة تحتيَّة بعد الفوقيَّة في الفرع مصحَّحًا عليها، وقال الحافظُ ابن حجرٍ -وتبعه العينيُّ- بمثنَّاةٍ واحدةٍ، قال: ووقعَ في روايةِ ابن ماجه: «لو راجعتيهِ» بإثبات تحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد المثنَّاة، وهي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحُرِّ فَكَانَتْ كَالْكِتَابِيَّةِ تُسْلِمُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ.

وَاخْتُلِفَ فِي الَّتِي تَخْتَارُ الْفِرَاقَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ طَلَاقًا أَوْ فَسْخًا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ: تَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَثَبَتَ مِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: يَكُونُ فَسْخًا لَا طَلَاقًا.

قَوْلُهُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ لَفْظُ شُعْبَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مِرْبَعٍ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عَنْ شُعْبَةَ وَحْدَهُ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ رَأَيْتُهُ يَبْكِي وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتْبَعُهَا وَأَمَّا لَفْظُ هَمَّامٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ وَسَاقَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ هَمَّامٍ مُطَوَّلًا وَفِيهِ أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ.

ثُمَّ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي أَحَدِهِمَا ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ وَهَكَذَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ اسْمَهُ مُغِيثٌ، وَضُبِطَ فِي الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْعَسْكَرِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَغْفِرِيِّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّ اسْمَ زَوْجِ بَرِيرَةَ مَقْسِمٌ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا تَصْحِيفًا.

قَوْلُهُ (عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ) عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَيُّوبَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِيَّ الْمُغِيرَةِ وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَكَانَ عَبْدًا لِآلِ الْمُغِيرَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ، مُغِيثٌ مَوْلَى أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ مِثْلَ مَا وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ، لَكِنْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَوْلَى بَنِي مُطِيعٍ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ لِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ وَيَبْعُدُ الْجَمْعُ لِأَنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ مِنْ آلِ مَخْزُومٍ كما فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ وَبَنِي جَحْشٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَبَنِي مُطِيعٍ مِنْ آلِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ عَلَى بُعْدِهِ، أَوِ انْتَقَلَ.

١٦ - بَاب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ

٥٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ لِعبَّاسٍ: يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : لَوْ رَاجَعْتِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.

قَوْلُهُ (بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ) أَيْ عِنْدَ بَرِيرَةَ لِتَرْجِعَ إِلَى عِصْمَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَوْقِعُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْفِقْهِ تَسْوِيغُ الشَّفَاعَةِ لِلْحَاكِمِ عِنْدَ الْخَصْمِ فِي خَصْمِهِ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ أَوْ يُسْقِطَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ لَمْ تَقَعِ الشَّفَاعَةُ فِيهَا عِنْدَ التَّرَافُعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ; لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّرَافُعِ إِذْ رُؤْيَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِزَوْجِهَا يَبْكِي، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ وَبَعْدَهُ لَوْ رَاجَعْتِيهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ عِنْدَ التَّرَافُعِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ عَلَى مَا بَيَّنْتُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ،

وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيِّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُو ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ وَخَالِدٌ شَيْخُهُ هُوَ الْحَذَّاءُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهُوَ الثَّقَفِيُّ هَذَا عَنْ أَيُّوبَ، فَكَأَنَّ لَهُ فِيهِ شَيْخَيْنِ لَكِنَّ رِوَايَةَ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ أَتَمُّ سِيَاقًا كَمَا تَرَى، وَطَرِيقُ أَيُّوبَ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وَطَرِيقُ خَالِدٍ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنِ الثَّقَفِيِّ أَيْضًا وَسَاقَهُ عَنْهُمَا نَحْوَ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ (يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي) فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي عَلَيْهَا وَالسِّكَكُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ جَمْعُ سِكَّةٍ وَهِيَ الطُّرُقُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا، وَأَنَّ دُمُوعَهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَرَضَّاهَا لِتخْتَاره فَلَمْ تَفْعَلْ وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ سُؤَالَهُ لَهَا كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ لَوْ رَاجَعْتِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ قَبْلَ الْفُرْقَةِ لَقَالَ لَوِ اخْتَرْتِهِ، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلُ وَبَعْدُ. وَقَدْ تَمَسَّكَ بِرِوَايَةِ سَعِيدٍ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْفَوْرَ فِي الْخِيَارِ هُنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدُ.

قَوْلُهُ (يَا عَبَّاسُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالِدُ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ النَّبِيُّ لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ أَنْبَأَنَا خَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ بِسَنَدِهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ كَلَّمَ النَّبِيَّ أَنْ يَطْلُبَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ، لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا سَكَنَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ شَاهَدَ ذَلِكَ، وَهُوَ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَعَ أَبَوَيْهِ. وَيُؤَيِّدُ تَأَخُّرَ قِصَّتِهَا أَيْضًا - بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْإِفْكِ - أَنَّ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَيَبْعُدُ وُقُوعُ تِلْكَ الْأُمُورِ وَالْمُرَاجَعَةُ وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الشِّرَاءِ وَالْعِتْقُ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ، وَأَيْضًا فَقَوْلُ عَائِشَةَ إِنْ شَاءَ مَوَالِيكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُقُوعِ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي غَايَةِ الضِّيقِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُمُ التَّوَسُّعُ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قِصَّتَهَا كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً قَبْلَ قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ وُقُوعُ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ هُنَاكَ.

ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ السُّبْكِيَّ اسْتَشْكَلَ الْقِصَّةَ ثُمَّ جَوَّزَ أَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُمُ عَائِشَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا، أَوِ اشْتَرَتْهَا وَأَخَّرَتْ عِتْقَهَا إِلَى بَعْدِ الْفَتْحِ، أَوْ دَامَ حُزْنُ زَوْجِهَا عَلَيْهَا مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ كَانَ حَصَلَ الْفَسْخُ وَطَلَبَ أَنْ تَرُدَّهُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَوْ كَانَتْ لِعَائِشَةَ ثُمَّ بَاعَتْهَا ثُمَّ اسْتَعَادَتْهَا بَعْدَ الْكِتَابَةِ اهـ، وَأَقْوَى الِاحْتِمَالَاتِ الْأَوَّلُ كَمَا تَرَى.

قَوْلُهُ (لَوْ رَاجَعْتِهِ) كَذَا فِي الْأُصُولِ بِمُثَنَّاةٍ وَاحِدَةٍ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لَوْ رَاجَعْتِيهِ بِإِثْبَاتِ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْمُثَنَّاةِ وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فَإِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ.

قَوْلُهُ (تَأْمُرُنِي) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ لَا وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَنْحَصِرُ فِي صِيغَةِ افْعَلْ لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِقَوْلِهِ لَوْ رَاجَعْتِهِ. فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي أَيْ تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْأَمْرَ فَيَجِبُ عَلَيَّ؟ وَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ مُرْسَلِ ابْنِ سِيرِينَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَا.

قَوْلُهُ (قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ إِنَّمَا أَشْفَعُ أَيْ أَقُولُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَاعَةِ لَهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ عَلَيْكِ.

قَوْلُهُ (فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ) أَيْ فَإِذَا لَمْ تُلْزِمْنِي بِذَلِكَ لَا أَخْتَارُ الْعَوْدَ إِلَيْهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا كُنْتُ عِنْدَهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٦) (بابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ) لترجعَ إلى عصمتهِ.

٥٢٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» بالإفراد (١) (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلامٍ البِيْكَنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا (٢) عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ) يترضَّاها لتختاره (فَقَالَ النَّبِيُّ لِعَبَّاسٍ) عمِّه: (يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا) لأنَّ الغالب أنَّ المحبَّ لا يكون إلَّا حبيبًا. وعند سعيدِ بن منصورٍ: أنَّ العبَّاس كان كلَّم النَّبيَّ أن يطلبَ إليها في ذلك، وفي «مسند» الإمام أحمد: أنَّ مُغيثًا توسَّل بالعبَّاس في سؤالِ النِّبيِّ في ذلك، وظاهره: أنَّ قصَّة بَريرة كانت متأخِّرةً في السَّنة التَّاسعة أو العاشرةِ لأنَّ العبَّاس إنَّما سكنَ المدينة بعد رجوعِهِم من غزوةِ الطَّائف وذلك أواخر سنة ثمانٍ، ويدلُّ له أيضًا قول ابن عبَّاس أنَّه شاهد ذلك وهو إنَّما قدمَ المدينةَ مع أبويهِ، وهذا يردُّ قولَ من قال: إنَّها كانت قبلَ الإفك، وجوَّز الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: أنَّ بريرة كانت تخدمُ عائشةَ قبل شِرَائها، أو اشترتها وأخَّرت عِتْقها إلى ما بعدَ الفتح، أو دامَ حُزْن زوجهَا عليها مدَّةً طويلةً، أو حصلَ لها الفسخُ وطلبَ (٣) أن تردَّه بعقدٍ جديدٍ (فَقَالَ النَّبِيُّ ) لها: (لَوْ رَاجَعْتِيْهِ) بمثناة تحتيَّة بعد الفوقيَّة في الفرع مصحَّحًا عليها، وقال الحافظُ ابن حجرٍ -وتبعه العينيُّ- بمثنَّاةٍ واحدةٍ، قال: ووقعَ في روايةِ ابن ماجه: «لو راجعتيهِ» بإثبات تحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد المثنَّاة، وهي

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد