«أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٩١

الحديث رقم ٥٥٩١ من كتاب «كتاب الأشربة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الانتباذ في الأوعية والتور.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٥٥٩١ في صحيح البخاري

«أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعَا رَسُولَ اللهِ فِي عُرْسِهِ فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ وَهِيَ الْعَرُوسُ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ ؟ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ.»

بَابُ تَرْخِيصِ النَّبِيِّ فِي الْأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ

إسناد حديث رقم ٥٥٩١ من صحيح البخاري

٥٥٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٥٥٩١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَتَعَيَّنَ بَعْضُ الْمُقَدَّرَاتِ.

قَوْلُهُ: (فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ) أَيْ يُهْلِكُهُمْ لَيْلًا، وَالْبَيَاتُ هُجُومُ الْعَدُوِّ لَيْلًا.

قَوْلُهُ: (وَيَضَعُ الْعَلَمَ) أَيْ يُوقِعُهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنْ كَانَ الْعَلَمُ جَبَلًا فَيُدَكْدِكُهُ وَإِنْ كَانَ بِنَاءً فَيَهْدِمُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ فَقَالَ: وَضْعُ الْعِلْمِ إِمَّا بِذَهَابِ أَهْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَإِمَّا بِإِهَانَةِ أَهْلِهِ بِتَسْلِيطِ الْفَجَرَةِ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) يُرِيدُ مِمَّنْ لَمْ يُهْلِكْ فِي الْبَيَاتِ الْمَذْكُورِ، أَوْ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيَّتُوا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَيَمْسَخُ مِنْهُمُ آخَرِينَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ كَمَا وَقَعَ لِلْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ تَبَدُّلِ أَخْلَاقِهِمْ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالسِّيَاقِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى مَنْ يَتَحَيَّلُ فِي تَحْلِيلِ مَا يَحْرُمُ بِتَغْيِيرِ اسْمِهِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ. وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْإِسْكَارُ، فَمَهْمَا وُجِدَ الْإِسْكَارُ وُجِدَ التَّحْرِيمُ وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ الِاسْمُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ أَصْلٌ فِي أَنَّ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ لَا بِأَلْقَابِهَا، رَدًّا عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى اللَّفْظِ.

٧ - بَاب الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ

٥٥٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ - وَهِيَ الْعَرُوسُ - قَالَت: أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ؟ أَنْقَقتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ) هُوَ مِنْ عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّ التَّوْرَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْعِيَةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ إِنَاءٌ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ مِنْ خَشَبٍ، وَيُقَالُ: لَا يُقَالُ لَهُ تَوْرٌ إِلَّا إِذَا كَانَ صَغِيرًا، وَقِيلَ هُوَ قَدَحٌ كَبِيرٌ كَالْقِدْرِ، وَقِيلَ مِثْلُ الطَّسْتِ، وَقِيلَ كَالْإِجَّانَةِ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ: وِعَاءٌ.

قَوْلُهُ: (أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ فِي عُرْسِهِ) تَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: دَعَا النَّبِيُّ لِعُرْسِهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ دَعَا النَّبِيَّ أَصْحَابَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَتَدْرُونَ) الْقَائِلُ هُوَ سَهْلٌ و (مَا سَقَتْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَالَتْ وَسَقَيْتُ بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ الْقَافِ وَفِي آخِرِهِ مُثَنَّاةٌ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي أَنْقَعَتْ وَنَقَعَتْ وَأَنْقَعَ بِالْهَمْزَةِ لُغَةٌ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى نَقَعَتْ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَةِ بِلَفْظِ بَلَّتْ تَمَرَاتٍ.

قَوْلُهُ: (فِي تَوْرٍ) زَادَ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ حِجَارَةٍ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي رِوَايَةِ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ كَانَ النَّبِيُّ يُنْبَذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سِقَاءً يُنْبَذُ لَهُ فِي تَوْرٍ قَالَ أَشْعَثُ: وَالتَّوْرُ مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالِانْتِبَاذِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ النَّقِيعَ يُسَمَّى نَبِيذًا، فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ بِلَفْظِ النَّبِيذِ عَلَى النَّقِيعِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ بَابُ نَقِيعِ التَّمْرِ مَا لَمْ يُسْكِرْ قَالَ الْمُهَلَّبُ: النَّقِيعُ حَلَالٌ مَا لَمْ يَشْتَدَّ فَإِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى حَرُمَ. وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَقْذِفَ بِالزَّبَدِ، قَالَ: وَإِذَا نُقِعَ مِنَ اللَّيْلِ وَشُرِبَ النَّهَارَ أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَشْتَدَّ، وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ، يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ فِي سِقَاءٍ تُوكِي أَعْلَاهُ فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَتَنْبِذُهُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غَدْوَةً، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِلنَّبِيِّ غَدْوَةً، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ تَعَشَّى فَشَرِبَ عَلَى عَشَائِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ صَبَّتْهُ ثُمَّ تَنْبِذُ لَهُ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ وَتَغَدَّى شَرِبَ عَلَى غَدَائِهِ، قَالَتْ نَغْسِلُ السِّقَاءَ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

هذهِ الأمة، لكن قال بعضُهم: إنَّما (١) المرادُ مسخُ القلوب.

ومطابقةُ الجزءِ الأوَّل من التَّرجمة للحديثِ ظاهرة، وأما الجزءُ الثَّاني ففي حديثِ مالك ابنِ أبي مريمَ المذكور: «لَيَشْرَبنَّ أناسٌ من أُمَّتي الخمرَ يُسَمُّونها بغيرِ اسمهَا» كما هو عادةُ المؤلِّف في الإشارةِ بالتَّرجمة إلى حديث لم يكن على شرطهِ، وقال في «الكواكب»: أو لعلَّ نظر المؤلِّف إلى لفظ: «من أمَّتي» إذ فيه دليلٌ على أنَّهم استحلُّوها بالتَّأويل؛ إذ لو لم يكن بالتَّأويل لكان كفرًا وخروجًا (٢) عن أمَّته لأنَّ تحريمَ الخمر معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، وقيل: يحتملُ أن يقال: إنَّ الاستحلالَ لم يقعْ بعد وسيقعُ، وأن يقال: إنَّه مثل استحلالِ نكاحِ المتعةِ، واستحلالُ بعضِ الأنبذةِ، أي: المسكرة. انتهى.

ورجالُ حديث الباب كلُّهم شاميُّون.

(٧) (بابُ) حكم (الاِنْتِبَاذِ) أي: اتِّخاذ النَّبيذ (فِي الأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة، إناءٌ من حجارةٍ أو نحاسٍ أو خشبٍ، أو قدحٍ كبيرٍ كالقدرِ أو الطَّست، وعطفه على سابقه من عطفِ الخاص على العام.

٥٥٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ، وسقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسيُّ المدنيُّ نزيل الإسكندريَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بنِ دينارٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا) هو ابنُ سعد الأنصاريُّ المدنيُّ، آخرُ من مات بالمدينة من الصَّحابة (يَقُولُ: أَتَى) بفتح الهمزة والفوقية (أَبُو أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح المهملة، مالك بن ربيعة (السَّاعِدِيُّ) (فَدَعَا رَسُولَ اللهِ فِي عُرُسِهِ) بضم العين والراء في الفرع وأصله (٣)

(فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ) أمُّ أسيدٍ سلامة بنتُ وهب بن سلامة (١)، وقوله: فكانت بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وكانت امرأته» (خَادِمَهُمْ) والخادمُ بغيرِ فوقيَّة يُطلق على الذَّكر والأنثى (وَهْيَ العَرُوسُ. قَالَ) أي: سهلٌ: (أَتَدْرُونَ مَا سَقَتْ) بسكون المثناة الفوقية من غير تحتية، أي: المرأةُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قالت» أي: المرأة: «أتدرونَ ما سقيتُ» (رَسُولَ اللهِ ؟ أَنْقَعْتُ) بسكون العين وضم الفوقية، ولغير الكُشميهنيِّ: «أَنْقَعَتْ» أي: قال سهل: أنقعتْ المرأة (لَهُ) (تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ) زاد في «الوليمة» [خ¦٥١٨٢] من حجارةٍ، أي: لا من غيرها. وعند ابنِ أبي شيبة في رواية أشعث، عن أبي الزُّبير، عن جابر: «كان النَّبيُّ ينبذ له في سقاءٍ، فإذا لم يكن سقاء ينبذُ له في تورٍ». قال أشعثُ: والتَّور من لحاءِ الشَّجر. وعند مسلمٍ عن عائشة: «كنَّا ننبذُ لرسولِ الله في سقاءٍ نوكئ أعلاه فيشربه عشاءً، وننبذُه عشاء فيشربُه غدوةً». ولأبي داود من وجهٍ آخر عن عائشة: «أنَّها كانت تنبذُ للنَّبيِّ غدوةً فإذا كان من العشيِّ تعشَّى فشرب (٢) على عشائهِ، فإن فضلَ شيءٌ صَبَّتُه ثمَّ يُنْبَذُ له باللَّيل، فإذا أصبحَ وتغدَّى شربَ على غدائهِ قالتْ: نغسلُ السِّقاء غدوةً وعشيَّةً».

وحديث الباب سبق في «باب قيام المرأةِ على الرِّجال» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٨٢].

(٨) (بابُ تَرْخِيصِ النَّبِيِّ ) في الانتباذِ (فِي الأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ) عن الانتباذِ فيها، وعطف الظُّروف على سابقها من عطفِ الخاصِّ على العامِّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَتَعَيَّنَ بَعْضُ الْمُقَدَّرَاتِ.

قَوْلُهُ: (فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ) أَيْ يُهْلِكُهُمْ لَيْلًا، وَالْبَيَاتُ هُجُومُ الْعَدُوِّ لَيْلًا.

قَوْلُهُ: (وَيَضَعُ الْعَلَمَ) أَيْ يُوقِعُهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنْ كَانَ الْعَلَمُ جَبَلًا فَيُدَكْدِكُهُ وَإِنْ كَانَ بِنَاءً فَيَهْدِمُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَشَرَحَهُ عَلَى أَنَّهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ فَقَالَ: وَضْعُ الْعِلْمِ إِمَّا بِذَهَابِ أَهْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَإِمَّا بِإِهَانَةِ أَهْلِهِ بِتَسْلِيطِ الْفَجَرَةِ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) يُرِيدُ مِمَّنْ لَمْ يُهْلِكْ فِي الْبَيَاتِ الْمَذْكُورِ، أَوْ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيَّتُوا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَيَمْسَخُ مِنْهُمُ آخَرِينَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ كَمَا وَقَعَ لِلْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ تَبَدُّلِ أَخْلَاقِهِمْ. قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالسِّيَاقِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى مَنْ يَتَحَيَّلُ فِي تَحْلِيلِ مَا يَحْرُمُ بِتَغْيِيرِ اسْمِهِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ. وَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْإِسْكَارُ، فَمَهْمَا وُجِدَ الْإِسْكَارُ وُجِدَ التَّحْرِيمُ وَلَوْ لَمْ يَسْتَمِرَّ الِاسْمُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ أَصْلٌ فِي أَنَّ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ لَا بِأَلْقَابِهَا، رَدًّا عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى اللَّفْظِ.

٧ - بَاب الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ

٥٥٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ فِي عُرْسِهِ، فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ - وَهِيَ الْعَرُوسُ - قَالَت: أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ؟ أَنْقَقتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ) هُوَ مِنْ عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّ التَّوْرَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْعِيَةِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ إِنَاءٌ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ مِنْ خَشَبٍ، وَيُقَالُ: لَا يُقَالُ لَهُ تَوْرٌ إِلَّا إِذَا كَانَ صَغِيرًا، وَقِيلَ هُوَ قَدَحٌ كَبِيرٌ كَالْقِدْرِ، وَقِيلَ مِثْلُ الطَّسْتِ، وَقِيلَ كَالْإِجَّانَةِ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ: وِعَاءٌ.

قَوْلُهُ: (أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ فِي عُرْسِهِ) تَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: دَعَا النَّبِيُّ لِعُرْسِهِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ دَعَا النَّبِيَّ أَصْحَابَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَتَدْرُونَ) الْقَائِلُ هُوَ سَهْلٌ و (مَا سَقَتْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَالَتْ وَسَقَيْتُ بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ الْقَافِ وَفِي آخِرِهِ مُثَنَّاةٌ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي أَنْقَعَتْ وَنَقَعَتْ وَأَنْقَعَ بِالْهَمْزَةِ لُغَةٌ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى نَقَعَتْ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَلِيمَةِ بِلَفْظِ بَلَّتْ تَمَرَاتٍ.

قَوْلُهُ: (فِي تَوْرٍ) زَادَ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ حِجَارَةٍ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي رِوَايَةِ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ كَانَ النَّبِيُّ يُنْبَذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سِقَاءً يُنْبَذُ لَهُ فِي تَوْرٍ قَالَ أَشْعَثُ: وَالتَّوْرُ مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالِانْتِبَاذِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ النَّقِيعَ يُسَمَّى نَبِيذًا، فَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ بِلَفْظِ النَّبِيذِ عَلَى النَّقِيعِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ بَعْدَ قَلِيلٍ بَابُ نَقِيعِ التَّمْرِ مَا لَمْ يُسْكِرْ قَالَ الْمُهَلَّبُ: النَّقِيعُ حَلَالٌ مَا لَمْ يَشْتَدَّ فَإِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى حَرُمَ. وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَقْذِفَ بِالزَّبَدِ، قَالَ: وَإِذَا نُقِعَ مِنَ اللَّيْلِ وَشُرِبَ النَّهَارَ أَوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يَشْتَدَّ، وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ، يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ فِي سِقَاءٍ تُوكِي أَعْلَاهُ فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَتَنْبِذُهُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غَدْوَةً، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِلنَّبِيِّ غَدْوَةً، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ تَعَشَّى فَشَرِبَ عَلَى عَشَائِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ صَبَّتْهُ ثُمَّ تَنْبِذُ لَهُ بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ وَتَغَدَّى شَرِبَ عَلَى غَدَائِهِ، قَالَتْ نَغْسِلُ السِّقَاءَ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

هذهِ الأمة، لكن قال بعضُهم: إنَّما (١) المرادُ مسخُ القلوب.

ومطابقةُ الجزءِ الأوَّل من التَّرجمة للحديثِ ظاهرة، وأما الجزءُ الثَّاني ففي حديثِ مالك ابنِ أبي مريمَ المذكور: «لَيَشْرَبنَّ أناسٌ من أُمَّتي الخمرَ يُسَمُّونها بغيرِ اسمهَا» كما هو عادةُ المؤلِّف في الإشارةِ بالتَّرجمة إلى حديث لم يكن على شرطهِ، وقال في «الكواكب»: أو لعلَّ نظر المؤلِّف إلى لفظ: «من أمَّتي» إذ فيه دليلٌ على أنَّهم استحلُّوها بالتَّأويل؛ إذ لو لم يكن بالتَّأويل لكان كفرًا وخروجًا (٢) عن أمَّته لأنَّ تحريمَ الخمر معلومٌ من الدِّين بالضَّرورة، وقيل: يحتملُ أن يقال: إنَّ الاستحلالَ لم يقعْ بعد وسيقعُ، وأن يقال: إنَّه مثل استحلالِ نكاحِ المتعةِ، واستحلالُ بعضِ الأنبذةِ، أي: المسكرة. انتهى.

ورجالُ حديث الباب كلُّهم شاميُّون.

(٧) (بابُ) حكم (الاِنْتِبَاذِ) أي: اتِّخاذ النَّبيذ (فِي الأَوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة، إناءٌ من حجارةٍ أو نحاسٍ أو خشبٍ، أو قدحٍ كبيرٍ كالقدرِ أو الطَّست، وعطفه على سابقه من عطفِ الخاص على العام.

٥٥٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البَغْلانيُّ، وسقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الفارسيُّ المدنيُّ نزيل الإسكندريَّة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بنِ دينارٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلًا) هو ابنُ سعد الأنصاريُّ المدنيُّ، آخرُ من مات بالمدينة من الصَّحابة (يَقُولُ: أَتَى) بفتح الهمزة والفوقية (أَبُو أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح المهملة، مالك بن ربيعة (السَّاعِدِيُّ) (فَدَعَا رَسُولَ اللهِ فِي عُرُسِهِ) بضم العين والراء في الفرع وأصله (٣)

(فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ) أمُّ أسيدٍ سلامة بنتُ وهب بن سلامة (١)، وقوله: فكانت بالفاء، ولأبي ذرٍّ: «وكانت امرأته» (خَادِمَهُمْ) والخادمُ بغيرِ فوقيَّة يُطلق على الذَّكر والأنثى (وَهْيَ العَرُوسُ. قَالَ) أي: سهلٌ: (أَتَدْرُونَ مَا سَقَتْ) بسكون المثناة الفوقية من غير تحتية، أي: المرأةُ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «قالت» أي: المرأة: «أتدرونَ ما سقيتُ» (رَسُولَ اللهِ ؟ أَنْقَعْتُ) بسكون العين وضم الفوقية، ولغير الكُشميهنيِّ: «أَنْقَعَتْ» أي: قال سهل: أنقعتْ المرأة (لَهُ) (تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ) زاد في «الوليمة» [خ¦٥١٨٢] من حجارةٍ، أي: لا من غيرها. وعند ابنِ أبي شيبة في رواية أشعث، عن أبي الزُّبير، عن جابر: «كان النَّبيُّ ينبذ له في سقاءٍ، فإذا لم يكن سقاء ينبذُ له في تورٍ». قال أشعثُ: والتَّور من لحاءِ الشَّجر. وعند مسلمٍ عن عائشة: «كنَّا ننبذُ لرسولِ الله في سقاءٍ نوكئ أعلاه فيشربه عشاءً، وننبذُه عشاء فيشربُه غدوةً». ولأبي داود من وجهٍ آخر عن عائشة: «أنَّها كانت تنبذُ للنَّبيِّ غدوةً فإذا كان من العشيِّ تعشَّى فشرب (٢) على عشائهِ، فإن فضلَ شيءٌ صَبَّتُه ثمَّ يُنْبَذُ له باللَّيل، فإذا أصبحَ وتغدَّى شربَ على غدائهِ قالتْ: نغسلُ السِّقاء غدوةً وعشيَّةً».

وحديث الباب سبق في «باب قيام المرأةِ على الرِّجال» من «كتاب النِّكاح» [خ¦٥١٨٢].

(٨) (بابُ تَرْخِيصِ النَّبِيِّ ) في الانتباذِ (فِي الأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ) عن الانتباذِ فيها، وعطف الظُّروف على سابقها من عطفِ الخاصِّ على العامِّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله