الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٧٣٨
الحديث رقم ٥٧٣٨ من كتاب «كتاب الطب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب رقية العين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٥٧٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ شَدَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا. فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرُوطِ فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سِيدَانُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ (ابْنُ مُضَارِبٍ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ آخِرَهُ (أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ) هُوَ بَصْرِيٌّ قَوَّاهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَشَيْخُهُ الْبَرَّاءُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ نُسِبَ إِلَى بَرْيِ الْعُودِ كَانَ عَطَّارًا، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَوَثَّقَهُ الْمُقَدَّمِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أَبُو مَعْشَرٍ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ صَدُوقٌ، وَشَيْخُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ ابْنُ الْأَخْنَسِ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ هُوَ نَخَعِيٌّ كُوفِيٌّ يُكَنَّى أَبَا مَالِكٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي الْأَزْدِ، وَثَّقَهُ الْأَئِمَّةُ، وَشَذَّ ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ فِي الثِّقَاتِ: يُخْطِئُ كَثِيرًا، وَمَا الثَّلَاثَة فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ; وَلَكِنْ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ عِنْدَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَلِأَبِي مَعْشَرٍ آخَرُ فِي الْأَشْرِبَةِ.
قَوْلُهُ: (مَرُّوا بِمَاءٍ) أَيْ بِقَوْمٍ نُزُولٍ عَلَى مَاءٍ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمْ لَدِيغٌ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (أَوْ سَلِيمٌ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالسَّلِيمُ هُوَ اللَّدِيغُ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا مِنَ السَّلَامَةِ لِكَوْنِ غَالِبِ مِنْ يُلْدَغُ يَعْطَبُ، وَقِيلَ: سَلِيمٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ لِلْعَطَبِ، وَاسْتِعْمَالُ اللَّدْغِ فِي ضَرْبِ الْعَقْرَبِ مَجَازٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ الَّذِي يَضْرِبُ بِفِيهِ، وَالَّذِي يَضْرِبُ بِمُؤَخَّرِهِ يُقَالُ: لَسَعَ، وَبِأَسْنَانِهِ نَهَسَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَبِأَنْفِهِ نَكَزَ بِنُونٍ وَكَافٍ وَزَايٍ، وَبِنَابِهِ نَشِطَ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بَعْضُهَا مَكَانَ بَعْضٍ تَجَوُّزًا.
قَوْلُهُ: (فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ، وَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّهَا وَقَعَتْ لَهُمْ مَعَ الَّذِي لُدِغَ، وَأَنَّهُ وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ قِصَّةٌ أُخْرَى مَعَ رَجُلٍ مُصَابٍ بِعَقْلِهِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
٣٥ - بَاب رُقْيَةِ الْعَيْنِ
٥٧٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنْ الْعَيْنِ.
٥٧٣٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ: اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ".
وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ رُقْيَةِ الْعَيْنِ) أَيْ رُقْيَةِ الَّذِي يُصَابُ بِالْعَيْنِ، تَقُولُ: عِنْتَ الرَّجُلَ أَصَبْتَهُ بِعَيْنِكَ فَهُوَ مَعِينٌ وَمَعْيُونٌ، وَرَجُلٌ عَائِنٌ وَمِعْيَانٌ وَعَيُونٌ. وَالْعَيْنُ نَظَرٌ بِاسْتِحْسَانٍ مَشُوبٍ بِحَسَدٍ مِنْ خَبِيثِ الطَّبْعِ يَحْصُلُ لِلْمَنْظُورِ مِنْهُ ضَرَرٌ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: الْعَيْنُ حَقٌّ، وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ، وَحَسَدُ ابْنِ آدَمُ. وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَعْمَلُ الْعَيْنُ مِنْ بُعْدٍ حَتَّى يَحْصُلَ الضَّرَرُ لِلْمَعْيُونِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ طَبَائِعَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ؛ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ سُمٍّ يَصِلُ مِنْ عَيْنِ الْعَائِنِ فِي الْهَوَاءِ إِلَى بَدَنِ الْمَعْيُونِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ مِعْيَانًا أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ شَيْئًا يُعْجِبُنِي وَجَدْتُ حَرَارَةً تَخْرُجُ مِنْ عَيْنِي. وَيَقْرَبُ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ الْحَائِضِ تَضَعُ يَدَهَا فِي إِنَاءِ اللَّبَنِ فَيَفْسُدُ، وَلَوْ وَضَعَتْهَا بَعْدَ طُهْرِهَا لَمْ يُفْسِدْ، وَكَذَا تَدْخُلُ الْبُسْتَانَ فَتَضُرُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْغُرُوسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهَا يَدُهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ قَدْ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنِ الرَّمْدَاءِ فَيَرْمَدُ، وَيَتَثَاءَبُ وَاحِدٌ بِحَضْرَتِهِ فَيَتَثَاءَبُ هُوَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ، وَإِبْطَالُ قَوْلِ الطَّبَائِعيِّينَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ إِلَّا مَا تُدْرِكُ الْحَوَاسُّ الْخَمْسُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ الطَّبَائِعِيِّينَ أَنَّ الْعَائِنَ يَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنِهِ قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ فَيَهْلِكُ أَوْ يَفْسُدُ، وَهُوَ كَإِصَابَةِ السُّمِّ مَنْ نَظَرَ الْأَفَاعِيَ.
وَأَشَارَ إِلَى مَنْعِ الْحَصْرِ فِي ذَلِكَ مَعَ تَجْوِيزِهِ. وَأَنَّ الَّذِي يَتَمَشَّى عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْعَيْنَ إِنَّمَا تَضُرُّ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ يَحْدُثَ الضَّرَرُ عِنْدَ مُقَابَلَةِ شَخْصٍ لِآخَرَ، وَهَلْ ثَمَّ جَوَاهِرُ خَفِيَّةٌ أَوْ لَا؟ هُوَ أَمْرٌ مُحْتَمَلٌ لَا يُقْطَعُ بِإِثْبَاتِهِ وَلَا نَفْيِهِ، وَمَنْ قَالَ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَصْحَابِ الطَّبَائِعِ بِأَنَّ جَوَاهِرَ لَطِيفَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ تَنْبَعِثُ مِنَ الْعَائِنِ فَتَتَّصِلُ بالْمَعْيُونِ وَتَتَخَلَّلُ مَسَامَ جِسْمِهِ، فَيَخْلُقُ الْبَارِئُ الْهَلَاكَ عِنْدَهَا كَمَا يَخْلُقُ الْهَلَاكَ عند شرب السُّمُومِ فَقَدْ أَخْطَأَ بِدَعْوَى الْقَطْعِ، وَلَكِنْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَادَةً لَيْسَتْ ضَرُورَةً وَلَا طَبِيعَةً اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ سَدِيدٌ، وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي إِنْكَارِهِ قَالَ: ذَهَبَتِ الْفَلَاسِفَةُ إِلَى أَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ صَادِرَةٌ عَنْ تَأْثِيرِ النَّفْسِ بِقُوَّتِهَا فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا تُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهَا ثُمَّ تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهَا. وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ سُمٌّ فِي عَيْنِ الْعَائِنِ يُصِيبُ بِلَفْحِهِ عِنْدَ التَّحْدِيقِ إِلَيْهِ كَمَا يُصِيبُ لَفْحُ سُمِّ الْأَفْعَى مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ، ثُمَّ رُدَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَخَلَّفَتِ الْإِصَابَةُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ.
وَالثَّانِي: بِأَنَّ سُمَّ الْأَفْعَى جُزْءٌ مِنْهَا وَكُلُّهَا قَاتِلٌ، وَالْعَائِنُ لَيْسَ يَقْتُلُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِهِمُ إِلَّا نَظَرُهُ وَهُوَ مَعْنًى خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ إِلَيْهِ وَإِعْجَابِهِ بِهِ إِذَا شَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَلْمٍ أَوْ هَلَكَةٍ، وَقَدْ يُصْرَفُه قَبْلَ وُقُوعِهِ إِمَّا بِالِاسْتِعَاذَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَقَدْ يَصْرِفُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِالرُّقْيَةِ أَوْ بِالِاغْتِسَالِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ. اهـ.
كَلَامُهُ، وَفِيهِ بَعْضُ مَا يُتَعَقَّبُ، فَإِنَّ الَّذِي مَثَّلَ بِالْأَفْعَى لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا تُلَامِسُ الْمُصَابَ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِ مِنْ سُمِّهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ جِنْسًا مِنَ الْأَفَاعِي اشْتُهِرَ أَنَّهَا إِذَا وَقَعَ بَصَرُهَا عَلَى الْإِنْسَانِ هَلَكَ فَكَذَلِكَ الْعَائِنُ، وَقَدْ أَشَارَ ﷺ إِلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ الْمَاضِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَبْتَرِ وَذِي الطُّفْيَتَيْنِ قَالَ: فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْخَطَّابِيِّ بِالتَّأْثِيرِ الْمَعْنَى الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ، بَلْ مَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ مِنْ حُصُولِ الضَّرَرِ لِلْمَعْيُونِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ بَعْدَ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدْرِهِ بِالنَّفْسِ، قَالَ الرَّاوِي: يَعْنِي بِالْعَيْنِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِوُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُوَى وَالْخَوَاصِّ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ كَمَا يَحْدُثُ لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مَنْ يَحْتَشِمُهُ مِنَ الْخَجَلِ فَيَرَى فِي وَجْهِهِ حُمْرَةً شَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَا الِاصْفِرَارُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مِنْ يَخَافُهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَسْقَمُ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَتَضْعُفُ قُوَاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ مَا خَلَقَ
اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الْأَرْوَاحِ مِنَ التَّأْثِيرَاتِ وَلِشِدَّةِ ارْتِبَاطِهَا بِالْعَيْنِ نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَى الْعَيْنِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِلرُّوحِ، وَالْأَرْوَاحُ مُخْتَلِفَةٌ فِي طَبَائِعِهَا وَقُوَاهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا وَخَوَاصِّهَا: فَمِنْهَا مَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ اتِّصَالٍ بِهِ لِشِدَّةِ خُبْثِ تِلْكَ الرُّوحِ وَكَيْفِيَّتِهَا الْخَبِيثَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْثِيرَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَخَلْقِهِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الِاتِّصَالِ الْجُسْمَانِيِّ، بَلْ يَكُونُ تَارَةً بِهِ وَتَارَةً بِالْمُقَابَلَةِ، وَأُخْرَى بِمُجْرِدِ الرُّؤْيَةِ، وَأُخْرَى بِتَوَجُّهِ الرُّوحِ كَالَّذِي يَحْدُثُ مِنَ الْأَدْعِيَةِ وَالرُّقَى وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَتَارَةً يَقَعُ ذَلِكَ بِالتَّوَهُّمِ وَالتَّخَيُّلِ، فَالَّذِي يَخْرُجُ مِنْ عَيْنِ الْعَائِنِ سَهْمٌ مَعْنَوِيٌّ إِنْ صَادَفَ الْبَدَنَ لَا وِقَايَةَ لَهُ أَثَّرَ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفُذِ السَّهْمُ، بَلْ رُبَّمَا رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ كَالسَّهْمِ الْحِسِّيِّ سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ) هُوَ الْجَدَلِيُّ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْهَادِ لَهُ رُؤْيَةٌ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ مِثْلُهُ، لَكِنْ شَكَّ فِيهِ فَقَالَ: أَوْ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ) أَيْ يُطْلَبُ الرُّقْيَةَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الرُّقَى بِسَبَبِ الْعَيْنِ، كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ هَلْ قَالَتْ: أَمَرَ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ أَوْ: أَمَرَنِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ: أَمَرَنِي جَزْمًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ: كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسَتَرْقِيَ، وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ: كَانَ يَأْمُرُهَا وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ أَمَرَهَا أَنْ تَسْتَرِقِيَ، وَهُوَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الرُّقْيَةِ لِمَنْ أَصَابَهُ الْعَيْنُ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ الْحَدِيثَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِآلِ حَزْمٍ فِي الرُّقْيَةِ، وَقَالَ لِأَسْمَاءَ: مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً؟ أَتُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْعَيْنَ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: ارْقِيهِمْ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: ارْقِيهِمْ، وَقَوْلُهُ: ضَارِعَةً بِمُعْجَمَةٍ أَوَّلُهُ أَيْ نَحِيفَةً، وَوَرَدَ فِي مُدَاوَاةِ الْمَعْيُونِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ الْعَائِنَ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَغْتَسِلَ مِنْهُ الْمَعِينُ، وَسَأَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ اغْتِسَالِهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.
وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) قَالَ الْحَاكِمُ، وَالْجَوْزَقِيُّ، وَالْكَلَابَاذِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، هُوَ الذُّهْلِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ؛ فَإِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى فَيَنْسِبُ أَبَاهُ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ أَيْضًا فَيَقُولُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، قَالُوا: وَقَدْ حَدَّثَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَارُودِ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، وَهِيَ قَرِينَةٌ فِي أَنَّهُ الْمُرَادُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ هُنَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ، فَانْتَفَى أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ جَبَلَةَ الرَّافِعِيُّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِ الزَّهْرِيَّاتِ جَمْعُ الذُّهْلِيِّ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا نَزَلَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ فِي الْعِتْقِ، فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُرْوَةَ رَجُلَانِ، وَهُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ خَمْسَةُ أَنْفُسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ سُلَمِيٌّ قَدِ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَا أَدْرِي لَقِيَهُ أَمْ لَا، وَهُوَ مِنْ
أَقْرَانِ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِهِ، وَمَا لَهُ عِنْدَهُ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَالِيًا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ …
فَذَكَرَهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ شَيْخُهُ خَوْلَانِيٌّ حِمْصِيٌّ كَانَ كَاتِبًا لِلزُّبَيْدِيِّ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؟ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
(تَنْبِيهٌ):
اجْتَمَعَ فِي هَذَا السَّنَدِ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى الزُّهْرِيِّ سِتَّةُ أَنْفُسٍ فِي نَسَقِ كُلٍّ مِنْهُمُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَإِذَا رَوَيْنَا الصَّحِيحَ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَاوِيُّ، عَنِ الْحَفْصِيِّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ كَانُوا عَشْرَةً.
قَوْلُهُ: (رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ: (فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُورُ ضَمُّهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَحَكَى عِيَاضٌ ضَمَّ أَوَّلِهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: هُوَ سَوَادٌ فِي الْوَجْهِ، وَمِنْهُ سَفْعَةُ الْفَرَسِ: سَوَادُ نَاصِيَتِهِ، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: حُمْرَةٌ يَعْلُوهَا سَوَادٌ، وَقِيلَ: صُفْرَةٌ، وَقِيلَ: سَوَادٌ مَعَ لَوْنٍ آخَرَ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَوْنٌ يُخَالِفُ لَوْنَ الْوَجْهِ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ بِوَجْهِهَا مَوْضِعًا عَلَى غَيْرِ لَوْنِهِ الْأَصْلِيِّ، وَكَأَنَّ الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ اللَّوْنِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ فَالسَّفْعَةُ سَوَادٌ صِرْفٌ، وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ فَالسَّفْعَةُ صُفْرَةٌ وَإِنْ كَانَ أَسْمَرَ فَالسَّفْعَةُ حُمْرَةٌ يَعْلُوهَا سَوَادٌ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَارِعِ فِي اللُّغَةِ أَنَّ السَّفْعَ سَوَادُ الْخَدَّيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ الشَّاحِبَةِ، وَالشُّحُوبُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ: تَغَيُّرُ اللَّوْنِ بِهُزَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، وَتُطْلَقُ السَّفْعَةُ عَلَى الْعَلَامَةِ، وَمِنْهُ بِوَجْهِهَا سَفْعَةُ غَضَبٍ. وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى تَغَيُّرِ اللَّوْنِ، وَأَصْلُ السَّفْعِ الْأَخْذُ بِقَهْرٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ وَيُقَالُ: إنَّ أَصْلَ السَّفْعِ الْأَخْذُ بِالنَّاصِيَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهَا، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا: لَنُعَلِّمَنَّهُ بِعَلَامَةِ أَهْلِ النَّارِ مِنْ سَوَادِ الْوَجْهِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَنُذِلَّنَّهُ، ويمْكِنُ رَدُّ الْجَمِيعِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ إِذَا أُخِذَ بِنَاصِيَتِهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ أَذَلَّهُ وَأَحْدَثَ لَهُ تَغَيُّرَ لَوْنِهِ فَظَهَرَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: قَوْمٌ أَصَابَهُمْ سَفْعٌ مِنَ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَرْقُوا لَهَا) بِسُكُونِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ) بِسُكُونِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ إِنَّ بِهَا نَظْرَةً فَاسْتَرْقُوا لَهَا، يَعْنِي بِوَجْهِهَا صُفْرَةٌ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَا عَرَفْتُ قَائِلَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ الزُّهْرِيُّ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عِيَاضٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَتَوْجِيهُهُ مَا قَدَّمْتُهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالنَّظْرَةِ فَقِيلَ: عَيْنٌ مِنْ نَظَرِ الْجِنَّ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِنْسِ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِالْعَيْنِ فَلِذَلِكَ أَذِنَ ﷺ فِي الِاسْتِرْقَاءِ لَهَا، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ عَلَى وَفْقِ التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ) يَعْنِي الْحِمْصِيَّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو يُوسُفَ (عَنِ الزُّبَيْدِيِّ) أَيْ عَلَى وَصْلِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ:، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي لَمْ يَذْكُرْ فِي إِسْنَادِهِ زَيْنَبَ وَلَا أُمَّ سَلَمَةَ، فَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزَّهْرِيَّاتِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الْحِمْصِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْحِمْصِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ فَرَوَاهَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ وَلَفْظُهُ: إنَّ جَارِيَةً دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ: كَأَنَّ بِهَا سَفْعَةً أَوْ خُطِرَتْ بِنَارٍ، هَكَذَا وَقَعَ لَنَا مَسْمُوعًا فِي جُزْءٍ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ طَاهِرٍ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ وَهْبٍ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ أَيْضًا، وَوَجَدْتُهُ فِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِهِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ عَائِشَةَ بَعْدَ عُرْوَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ فِيمَا أَحْسَبُ، وَوَجَدْتُهُ فِي جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَارِيَةٍ …
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَاعْتَمَدَ الشَّيْخَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ لِسَلَامَتِهَا مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَلَمْ يَلْتَفِتَا إِلَى تَقْصِيرِ يُونُسَ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَوْزَاعِيَّ يُفَضِّلُ الزُّبَيْدِيَّ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، يَعْنِي فِي الضَّبْطِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُلَازِمُهُ كَثِيرًا حَضَرًا وَسَفَرًا، وَقَدْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
على (المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا -أَوْ: سَلِيمًا- فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ) على اللَّديغِ (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ) أجرًا له (فَبَرَأَ) الملدوغُ. وعند أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق خارجة بن الصَّلت «أنَّ عمَّه مرَّ بقومٍ وعندهم رجلٌ مجنونٌ موثقٌ بالحديد، فقالوا: إنَّك جئتَ من عند هذا الرَّجلِ بخيرٍ، فارْق لنا هذا الرَّجل … » الحديث، فهذه قصَّةٌ غير السَّابقة؛ لأنَّ الَّذي في السَّابقة أنَّه لدغ، والرَّاقي في الأولى أبو سعيدٍ، كما وقع مصرَّحًا به في بعضِها، وفي الثَّانية عمُّ خارجة فافترقا. نعم، حديثُ ابن عبَّاس وحديثُ أبي سعيدٍ في قصَّةٍ واحدةٍ (فَجَاءَ) الَّذي رقى (بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا) أخذ (ذَلِكَ) الأجر (وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَ) فلان (عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) واستُدِلَّ به على جوازِ أخذ الأُجرةِ على تعليم القرآنِ.
(٣٥) (بابُ رُقْيَةِ) الَّذي يصابُ بنظرِ (العَيْنِ).
٥٧٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ) بسكون العين وفتح الموحدة، القاضي الكوفيُّ التَّابعيُّ قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ شَدَّادٍ) بتشديد الدال المهملة الأولى، ابنُ الهادِ اللَّيثيُّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (ﷺ أَوْ أَمَرَ) ﷺ (أَنْ يُسْتَرْقَى) بتحتية مضمومة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «أنْ نَسترقِيَ» بنون مفتوحة بدل: التحتية وكسر القاف، أي: نطلب الرُّقية ممَّن يعرفها (مِنَ العَيْنِ) أي: بسبب العينِ وذلك إذا نظرَ المعيانُ لشيءٍ باستحسانٍ مشوبٍ بحسدٍ يحصلُ للمنظورِ إليه (١) ضررٌ بعادةٍ أجراها الله تعالى،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
النَّبِيِّ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا. فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الشُّرُوطِ فِي الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سِيدَانُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ (ابْنُ مُضَارِبٍ) بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ آخِرَهُ (أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ) هُوَ بَصْرِيٌّ قَوَّاهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، وَشَيْخُهُ الْبَرَّاءُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ نُسِبَ إِلَى بَرْيِ الْعُودِ كَانَ عَطَّارًا، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَوَثَّقَهُ الْمُقَدَّمِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى التَّخْرِيجِ لَهُ. وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أَبُو مَعْشَرٍ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ صَدُوقٌ، وَشَيْخُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ ابْنُ الْأَخْنَسِ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ هُوَ نَخَعِيٌّ كُوفِيٌّ يُكَنَّى أَبَا مَالِكٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي الْأَزْدِ، وَثَّقَهُ الْأَئِمَّةُ، وَشَذَّ ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ فِي الثِّقَاتِ: يُخْطِئُ كَثِيرًا، وَمَا الثَّلَاثَة فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ; وَلَكِنْ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ عِنْدَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَلِأَبِي مَعْشَرٍ آخَرُ فِي الْأَشْرِبَةِ.
قَوْلُهُ: (مَرُّوا بِمَاءٍ) أَيْ بِقَوْمٍ نُزُولٍ عَلَى مَاءٍ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمْ لَدِيغٌ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ (أَوْ سَلِيمٌ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالسَّلِيمُ هُوَ اللَّدِيغُ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا مِنَ السَّلَامَةِ لِكَوْنِ غَالِبِ مِنْ يُلْدَغُ يَعْطَبُ، وَقِيلَ: سَلِيمٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ لِلْعَطَبِ، وَاسْتِعْمَالُ اللَّدْغِ فِي ضَرْبِ الْعَقْرَبِ مَجَازٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ الَّذِي يَضْرِبُ بِفِيهِ، وَالَّذِي يَضْرِبُ بِمُؤَخَّرِهِ يُقَالُ: لَسَعَ، وَبِأَسْنَانِهِ نَهَسَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَبِأَنْفِهِ نَكَزَ بِنُونٍ وَكَافٍ وَزَايٍ، وَبِنَابِهِ نَشِطَ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بَعْضُهَا مَكَانَ بَعْضٍ تَجَوُّزًا.
قَوْلُهُ: (فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.
قَوْلُهُ: (فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ، وَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّهَا وَقَعَتْ لَهُمْ مَعَ الَّذِي لُدِغَ، وَأَنَّهُ وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ قِصَّةٌ أُخْرَى مَعَ رَجُلٍ مُصَابٍ بِعَقْلِهِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
٣٥ - بَاب رُقْيَةِ الْعَيْنِ
٥٧٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنْ الْعَيْنِ.
٥٧٣٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ: اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ".
وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ رُقْيَةِ الْعَيْنِ) أَيْ رُقْيَةِ الَّذِي يُصَابُ بِالْعَيْنِ، تَقُولُ: عِنْتَ الرَّجُلَ أَصَبْتَهُ بِعَيْنِكَ فَهُوَ مَعِينٌ وَمَعْيُونٌ، وَرَجُلٌ عَائِنٌ وَمِعْيَانٌ وَعَيُونٌ. وَالْعَيْنُ نَظَرٌ بِاسْتِحْسَانٍ مَشُوبٍ بِحَسَدٍ مِنْ خَبِيثِ الطَّبْعِ يَحْصُلُ لِلْمَنْظُورِ مِنْهُ ضَرَرٌ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: الْعَيْنُ حَقٌّ، وَيَحْضُرُ بِهَا الشَّيْطَانُ، وَحَسَدُ ابْنِ آدَمُ. وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَعْمَلُ الْعَيْنُ مِنْ بُعْدٍ حَتَّى يَحْصُلَ الضَّرَرُ لِلْمَعْيُونِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ طَبَائِعَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ؛ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ سُمٍّ يَصِلُ مِنْ عَيْنِ الْعَائِنِ فِي الْهَوَاءِ إِلَى بَدَنِ الْمَعْيُونِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ مِعْيَانًا أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ شَيْئًا يُعْجِبُنِي وَجَدْتُ حَرَارَةً تَخْرُجُ مِنْ عَيْنِي. وَيَقْرَبُ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ الْحَائِضِ تَضَعُ يَدَهَا فِي إِنَاءِ اللَّبَنِ فَيَفْسُدُ، وَلَوْ وَضَعَتْهَا بَعْدَ طُهْرِهَا لَمْ يُفْسِدْ، وَكَذَا تَدْخُلُ الْبُسْتَانَ فَتَضُرُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْغُرُوسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهَا يَدُهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ قَدْ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنِ الرَّمْدَاءِ فَيَرْمَدُ، وَيَتَثَاءَبُ وَاحِدٌ بِحَضْرَتِهِ فَيَتَثَاءَبُ هُوَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ، وَإِبْطَالُ قَوْلِ الطَّبَائِعيِّينَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ إِلَّا مَا تُدْرِكُ الْحَوَاسُّ الْخَمْسُ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ الطَّبَائِعِيِّينَ أَنَّ الْعَائِنَ يَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنِهِ قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالْمَعِينِ فَيَهْلِكُ أَوْ يَفْسُدُ، وَهُوَ كَإِصَابَةِ السُّمِّ مَنْ نَظَرَ الْأَفَاعِيَ.
وَأَشَارَ إِلَى مَنْعِ الْحَصْرِ فِي ذَلِكَ مَعَ تَجْوِيزِهِ. وَأَنَّ الَّذِي يَتَمَشَّى عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْعَيْنَ إِنَّمَا تَضُرُّ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْ يَحْدُثَ الضَّرَرُ عِنْدَ مُقَابَلَةِ شَخْصٍ لِآخَرَ، وَهَلْ ثَمَّ جَوَاهِرُ خَفِيَّةٌ أَوْ لَا؟ هُوَ أَمْرٌ مُحْتَمَلٌ لَا يُقْطَعُ بِإِثْبَاتِهِ وَلَا نَفْيِهِ، وَمَنْ قَالَ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى الْإِسْلَامِ مِنْ أَصْحَابِ الطَّبَائِعِ بِأَنَّ جَوَاهِرَ لَطِيفَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ تَنْبَعِثُ مِنَ الْعَائِنِ فَتَتَّصِلُ بالْمَعْيُونِ وَتَتَخَلَّلُ مَسَامَ جِسْمِهِ، فَيَخْلُقُ الْبَارِئُ الْهَلَاكَ عِنْدَهَا كَمَا يَخْلُقُ الْهَلَاكَ عند شرب السُّمُومِ فَقَدْ أَخْطَأَ بِدَعْوَى الْقَطْعِ، وَلَكِنْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَادَةً لَيْسَتْ ضَرُورَةً وَلَا طَبِيعَةً اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ سَدِيدٌ، وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي إِنْكَارِهِ قَالَ: ذَهَبَتِ الْفَلَاسِفَةُ إِلَى أَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ صَادِرَةٌ عَنْ تَأْثِيرِ النَّفْسِ بِقُوَّتِهَا فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا تُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهَا ثُمَّ تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهَا. وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ سُمٌّ فِي عَيْنِ الْعَائِنِ يُصِيبُ بِلَفْحِهِ عِنْدَ التَّحْدِيقِ إِلَيْهِ كَمَا يُصِيبُ لَفْحُ سُمِّ الْأَفْعَى مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ، ثُمَّ رُدَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَخَلَّفَتِ الْإِصَابَةُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ.
وَالثَّانِي: بِأَنَّ سُمَّ الْأَفْعَى جُزْءٌ مِنْهَا وَكُلُّهَا قَاتِلٌ، وَالْعَائِنُ لَيْسَ يَقْتُلُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِهِمُ إِلَّا نَظَرُهُ وَهُوَ مَعْنًى خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ إِلَيْهِ وَإِعْجَابِهِ بِهِ إِذَا شَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَلْمٍ أَوْ هَلَكَةٍ، وَقَدْ يُصْرَفُه قَبْلَ وُقُوعِهِ إِمَّا بِالِاسْتِعَاذَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَقَدْ يَصْرِفُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِالرُّقْيَةِ أَوْ بِالِاغْتِسَالِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ. اهـ.
كَلَامُهُ، وَفِيهِ بَعْضُ مَا يُتَعَقَّبُ، فَإِنَّ الَّذِي مَثَّلَ بِالْأَفْعَى لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا تُلَامِسُ الْمُصَابَ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِ مِنْ سُمِّهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ جِنْسًا مِنَ الْأَفَاعِي اشْتُهِرَ أَنَّهَا إِذَا وَقَعَ بَصَرُهَا عَلَى الْإِنْسَانِ هَلَكَ فَكَذَلِكَ الْعَائِنُ، وَقَدْ أَشَارَ ﷺ إِلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ الْمَاضِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَبْتَرِ وَذِي الطُّفْيَتَيْنِ قَالَ: فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْخَطَّابِيِّ بِالتَّأْثِيرِ الْمَعْنَى الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ، بَلْ مَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ مِنْ حُصُولِ الضَّرَرِ لِلْمَعْيُونِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ بَعْدَ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدْرِهِ بِالنَّفْسِ، قَالَ الرَّاوِي: يَعْنِي بِالْعَيْنِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِوُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُوَى وَالْخَوَاصِّ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ كَمَا يَحْدُثُ لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مَنْ يَحْتَشِمُهُ مِنَ الْخَجَلِ فَيَرَى فِي وَجْهِهِ حُمْرَةً شَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَا الِاصْفِرَارُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مِنْ يَخَافُهُ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَسْقَمُ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَتَضْعُفُ قُوَاهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ مَا خَلَقَ
اللَّهُ - تَعَالَى - فِي الْأَرْوَاحِ مِنَ التَّأْثِيرَاتِ وَلِشِدَّةِ ارْتِبَاطِهَا بِالْعَيْنِ نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَى الْعَيْنِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِلرُّوحِ، وَالْأَرْوَاحُ مُخْتَلِفَةٌ فِي طَبَائِعِهَا وَقُوَاهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا وَخَوَاصِّهَا: فَمِنْهَا مَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ اتِّصَالٍ بِهِ لِشِدَّةِ خُبْثِ تِلْكَ الرُّوحِ وَكَيْفِيَّتِهَا الْخَبِيثَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْثِيرَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَخَلْقِهِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الِاتِّصَالِ الْجُسْمَانِيِّ، بَلْ يَكُونُ تَارَةً بِهِ وَتَارَةً بِالْمُقَابَلَةِ، وَأُخْرَى بِمُجْرِدِ الرُّؤْيَةِ، وَأُخْرَى بِتَوَجُّهِ الرُّوحِ كَالَّذِي يَحْدُثُ مِنَ الْأَدْعِيَةِ وَالرُّقَى وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ، وَتَارَةً يَقَعُ ذَلِكَ بِالتَّوَهُّمِ وَالتَّخَيُّلِ، فَالَّذِي يَخْرُجُ مِنْ عَيْنِ الْعَائِنِ سَهْمٌ مَعْنَوِيٌّ إِنْ صَادَفَ الْبَدَنَ لَا وِقَايَةَ لَهُ أَثَّرَ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفُذِ السَّهْمُ، بَلْ رُبَّمَا رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ كَالسَّهْمِ الْحِسِّيِّ سَوَاءً.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ) هُوَ الْجَدَلِيُّ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْهَادِ لَهُ رُؤْيَةٌ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ. وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ مِثْلُهُ، لَكِنْ شَكَّ فِيهِ فَقَالَ: أَوْ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ) أَيْ يُطْلَبُ الرُّقْيَةَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الرُّقَى بِسَبَبِ الْعَيْنِ، كَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ هَلْ قَالَتْ: أَمَرَ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ أَوْ: أَمَرَنِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ: أَمَرَنِي جَزْمًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ: كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسَتَرْقِيَ، وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ: كَانَ يَأْمُرُهَا وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ أَمَرَهَا أَنْ تَسْتَرِقِيَ، وَهُوَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الرُّقْيَةِ لِمَنْ أَصَابَهُ الْعَيْنُ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ الْحَدِيثَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِآلِ حَزْمٍ فِي الرُّقْيَةِ، وَقَالَ لِأَسْمَاءَ: مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً؟ أَتُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْعَيْنَ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: ارْقِيهِمْ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: ارْقِيهِمْ، وَقَوْلُهُ: ضَارِعَةً بِمُعْجَمَةٍ أَوَّلُهُ أَيْ نَحِيفَةً، وَوَرَدَ فِي مُدَاوَاةِ الْمَعْيُونِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ الْعَائِنَ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَغْتَسِلَ مِنْهُ الْمَعِينُ، وَسَأَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ اغْتِسَالِهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.
وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) قَالَ الْحَاكِمُ، وَالْجَوْزَقِيُّ، وَالْكَلَابَاذِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، هُوَ الذُّهْلِيُّ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ؛ فَإِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى فَيَنْسِبُ أَبَاهُ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ أَيْضًا فَيَقُولُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، قَالُوا: وَقَدْ حَدَّثَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْجَارُودِ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، وَهِيَ قَرِينَةٌ فِي أَنَّهُ الْمُرَادُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ هُنَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الذُّهْلِيُّ، فَانْتَفَى أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ جَبَلَةَ الرَّافِعِيُّ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِ الزَّهْرِيَّاتِ جَمْعُ الذُّهْلِيِّ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ مِمَّا نَزَلَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ فِي الْعِتْقِ، فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُرْوَةَ رَجُلَانِ، وَهُنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ خَمْسَةُ أَنْفُسٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ سُلَمِيٌّ قَدِ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَا أَدْرِي لَقِيَهُ أَمْ لَا، وَهُوَ مِنْ
أَقْرَانِ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِهِ، وَمَا لَهُ عِنْدَهُ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَالِيًا بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ …
فَذَكَرَهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ شَيْخُهُ خَوْلَانِيٌّ حِمْصِيٌّ كَانَ كَاتِبًا لِلزُّبَيْدِيِّ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؟ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
(تَنْبِيهٌ):
اجْتَمَعَ فِي هَذَا السَّنَدِ مِنَ الْبُخَارِيِّ إِلَى الزُّهْرِيِّ سِتَّةُ أَنْفُسٍ فِي نَسَقِ كُلٍّ مِنْهُمُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَإِذَا رَوَيْنَا الصَّحِيحَ مِنْ طَرِيقِ الْفَرَاوِيُّ، عَنِ الْحَفْصِيِّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ كَانُوا عَشْرَةً.
قَوْلُهُ: (رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
قَوْلُهُ: (فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُورُ ضَمُّهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَحَكَى عِيَاضٌ ضَمَّ أَوَّلِهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: هُوَ سَوَادٌ فِي الْوَجْهِ، وَمِنْهُ سَفْعَةُ الْفَرَسِ: سَوَادُ نَاصِيَتِهِ، وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: حُمْرَةٌ يَعْلُوهَا سَوَادٌ، وَقِيلَ: صُفْرَةٌ، وَقِيلَ: سَوَادٌ مَعَ لَوْنٍ آخَرَ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَوْنٌ يُخَالِفُ لَوْنَ الْوَجْهِ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ بِوَجْهِهَا مَوْضِعًا عَلَى غَيْرِ لَوْنِهِ الْأَصْلِيِّ، وَكَأَنَّ الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ اللَّوْنِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ فَالسَّفْعَةُ سَوَادٌ صِرْفٌ، وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ فَالسَّفْعَةُ صُفْرَةٌ وَإِنْ كَانَ أَسْمَرَ فَالسَّفْعَةُ حُمْرَةٌ يَعْلُوهَا سَوَادٌ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَارِعِ فِي اللُّغَةِ أَنَّ السَّفْعَ سَوَادُ الْخَدَّيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ الشَّاحِبَةِ، وَالشُّحُوبُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ: تَغَيُّرُ اللَّوْنِ بِهُزَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، وَتُطْلَقُ السَّفْعَةُ عَلَى الْعَلَامَةِ، وَمِنْهُ بِوَجْهِهَا سَفْعَةُ غَضَبٍ. وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى تَغَيُّرِ اللَّوْنِ، وَأَصْلُ السَّفْعِ الْأَخْذُ بِقَهْرٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ وَيُقَالُ: إنَّ أَصْلَ السَّفْعِ الْأَخْذُ بِالنَّاصِيَةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهَا، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهَا: لَنُعَلِّمَنَّهُ بِعَلَامَةِ أَهْلِ النَّارِ مِنْ سَوَادِ الْوَجْهِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَنُذِلَّنَّهُ، ويمْكِنُ رَدُّ الْجَمِيعِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ إِذَا أُخِذَ بِنَاصِيَتِهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ أَذَلَّهُ وَأَحْدَثَ لَهُ تَغَيُّرَ لَوْنِهِ فَظَهَرَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: قَوْمٌ أَصَابَهُمْ سَفْعٌ مِنَ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَرْقُوا لَهَا) بِسُكُونِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ) بِسُكُونِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقَالَ إِنَّ بِهَا نَظْرَةً فَاسْتَرْقُوا لَهَا، يَعْنِي بِوَجْهِهَا صُفْرَةٌ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَا عَرَفْتُ قَائِلَهُ إِلَّا أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ الزُّهْرِيُّ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عِيَاضٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَتَوْجِيهُهُ مَا قَدَّمْتُهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالنَّظْرَةِ فَقِيلَ: عَيْنٌ مِنْ نَظَرِ الْجِنَّ، وَقِيلَ: مِنَ الْإِنْسِ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِالْعَيْنِ فَلِذَلِكَ أَذِنَ ﷺ فِي الِاسْتِرْقَاءِ لَهَا، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ عَلَى وَفْقِ التَّرْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ) يَعْنِي الْحِمْصِيَّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو يُوسُفَ (عَنِ الزُّبَيْدِيِّ) أَيْ عَلَى وَصْلِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ:، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي لَمْ يَذْكُرْ فِي إِسْنَادِهِ زَيْنَبَ وَلَا أُمَّ سَلَمَةَ، فَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزَّهْرِيَّاتِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الْحِمْصِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْحِمْصِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَأَمَّا رِوَايَةُ عُقَيْلٍ فَرَوَاهَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ وَلَفْظُهُ: إنَّ جَارِيَةً دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ: كَأَنَّ بِهَا سَفْعَةً أَوْ خُطِرَتْ بِنَارٍ، هَكَذَا وَقَعَ لَنَا مَسْمُوعًا فِي جُزْءٍ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ طَاهِرٍ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ وَهْبٍ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ أَيْضًا، وَوَجَدْتُهُ فِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِهِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ عَائِشَةَ بَعْدَ عُرْوَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ فِيمَا أَحْسَبُ، وَوَجَدْتُهُ فِي جَامِعِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَارِيَةٍ …
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَاعْتَمَدَ الشَّيْخَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ لِسَلَامَتِهَا مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَلَمْ يَلْتَفِتَا إِلَى تَقْصِيرِ يُونُسَ فِيهِ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَوْزَاعِيَّ يُفَضِّلُ الزُّبَيْدِيَّ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، يَعْنِي فِي الضَّبْطِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُلَازِمُهُ كَثِيرًا حَضَرًا وَسَفَرًا، وَقَدْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
على (المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا -أَوْ: سَلِيمًا- فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ) على اللَّديغِ (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ) أجرًا له (فَبَرَأَ) الملدوغُ. وعند أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق خارجة بن الصَّلت «أنَّ عمَّه مرَّ بقومٍ وعندهم رجلٌ مجنونٌ موثقٌ بالحديد، فقالوا: إنَّك جئتَ من عند هذا الرَّجلِ بخيرٍ، فارْق لنا هذا الرَّجل … » الحديث، فهذه قصَّةٌ غير السَّابقة؛ لأنَّ الَّذي في السَّابقة أنَّه لدغ، والرَّاقي في الأولى أبو سعيدٍ، كما وقع مصرَّحًا به في بعضِها، وفي الثَّانية عمُّ خارجة فافترقا. نعم، حديثُ ابن عبَّاس وحديثُ أبي سعيدٍ في قصَّةٍ واحدةٍ (فَجَاءَ) الَّذي رقى (بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا) أخذ (ذَلِكَ) الأجر (وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَ) فلان (عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) واستُدِلَّ به على جوازِ أخذ الأُجرةِ على تعليم القرآنِ.
(٣٥) (بابُ رُقْيَةِ) الَّذي يصابُ بنظرِ (العَيْنِ).
٥٧٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلَّثة، العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قالَ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ) بسكون العين وفتح الموحدة، القاضي الكوفيُّ التَّابعيُّ قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ شَدَّادٍ) بتشديد الدال المهملة الأولى، ابنُ الهادِ اللَّيثيُّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂) أنَّها (قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (ﷺ أَوْ أَمَرَ) ﷺ (أَنْ يُسْتَرْقَى) بتحتية مضمومة وفتح القاف مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «أنْ نَسترقِيَ» بنون مفتوحة بدل: التحتية وكسر القاف، أي: نطلب الرُّقية ممَّن يعرفها (مِنَ العَيْنِ) أي: بسبب العينِ وذلك إذا نظرَ المعيانُ لشيءٍ باستحسانٍ مشوبٍ بحسدٍ يحصلُ للمنظورِ إليه (١) ضررٌ بعادةٍ أجراها الله تعالى،