«دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٢٩

الحديث رقم ٦٠٢٩ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحشا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٠٢٩ في صحيح البخاري

«دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا.»

إسناد حديث البخاري رقم ٦٠٢٩

٦٠٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٠٢٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شَفَعَ لِأَحَدٍ فِي الْخَيْرِ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الْأَجْرِ وَمَنْ شَفَعَ لَهُ بِالْبَاطِلِ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الْوِزْرِ، وَقِيلَ: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِ وَالسَّيِّئَةُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (كِفْلُ نَصِيبٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: الْكِفْلُ الْوِزْرُ وَالْإِثْمُ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْكِفْلَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ النَّصِيبُ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْأَجْرَ، وَأَنَّهُ فِي آيَةِ النِّسَاءِ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، وَفِي آيَةِ الْحَدِيدِ بِمَعْنَى الْأَجْرِ.

ثم ذكر حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى مَا فِيهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَوَقَعَ فِيهِ: إِذَا أَتَاهُ صَاحِبُ الْحَاجَةِ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ: صَاحِبُ حَاجَةٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو مُوسَى: كِفْلَيْنِ أَجْرَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قَالَ: ضِعْفَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ أَجْرَيْنِ.

٣٨ - بَاب لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَاحِّشًا

٦٠٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ خْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا.

٦٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ يَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ.

٦٠٣١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى - هُوَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ -، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ: مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ.

[الحديث ٦٠٣١ - طرفه في: ٦٠٤٦]

٦٠٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقال رسول الله : "يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشاً إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ".

[الحديث ٦٠٣٢ - طرفاه في: ٦٠٥٤، ٦١٣١]

قَوْلُهُ: (بَابٌ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَاحِشًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا مُتَفَحِّشًا بِالتَّشْدِيدِ كَمَا فِي لَفْظِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْر وفِي الْبَابِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ مُتَفَاحِشًا، وَالْفُحْشُ كُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ مِقْدَارِهِ حَتَّى يُسْتَقْبَحَ، وَيَدْخُلَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالصِّفَةِ، يُقَالُ طَوِيلٌ فَاحِشُ الطُّولِ إِذَا أَفْرَطَ فِي طُولِهِ، لَكِنِ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْقَوْلِ أَكْثَرُ. وَالْمُتَفَحِّشُ بِالتَّشْدِيدِ الَّذِي يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وَيُكْثِرُ مِنْهُ وَيَتَكَلَّفُهُ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ، فَقَالَ: الْفَاحِشُ الَّذِي يَقُولُ الْفُحْشَ، وَالْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَسْتَعْمِلُ الْفُحْشَ لِيُضْحِكَ النَّاسَ. ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الحديث الأول حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْر، وأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَهُوَ الْأَعْمَشُ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، وَمَنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ الْمَذْكُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَتْنُ بِتَمَامِهِ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ، وَفِيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: إِنَّ خَيْرَكُمْ، وَتَبَيَّنَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ مِنْ مُرَادَةٌ فِيهِ. وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ أَخْيَرُكُمْ بِوَزْنِ أَفْضَلِكُمْ، وَمَعْنَاهُ وَهِيَ عَلَى الْأَصْلِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى بِمَعْنَاهَا، يُقَالُ فُلَانٌ خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ أَيْ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ فَاحشٍ مُتَفَحِّشٍ.

الحديث الثاني حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ الرِّفْقِ، وَأَنَّ شَرْحَهُ يَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَوَقَعَ هُنَا: يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ. وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ عَيْنَ الْعُنْفِ مُثَلَّثَةٌ وَالْمَشْهُورُ ضَمُّهَا.

الحديث الثالث حَدِيثُ أَنَسٍ قَوْلُهُ: (سَبَّابًا) بِالْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ - وَيَجُوزُ فَتْحُهَا - بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَهِيَ مَصْدَرُ عَتَبَ عَلَيْهِ يَعْتِبُ عَتَبًا وَعِتَابًا وَمَعْتَبَةً وَمُعَاتَبَةً، قَالَ الْخَلِيلُ: الْعِتَابُ مُخَاطَبَةُ الْإِدْلَالِ، وَمُذَاكَرَةُ الْمُوحدَةِ.

قَوْلُهُ: (مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى خَرَّ لِوَجْهِهِ فَأَصَابَ التُّرَابُ جَبِينَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً لَهُ بِالْعِبَادَةِ كَأَنْ يُصَلِّي فَيَتْرَبُ جَبِينُهُ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِأَنَّ الْجَبِينَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: الْجَبِينَانِ يَكْتَنِفَانِ الْجَبْهَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أَيْ أَلْقَاهُ عَلَى جَبِينِهِ.

قُلْتُ: وَأَيْضًا فَالثَّانِي بَعِيدٌ جِدًّا، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اسْتَعْمَلَهَا الْعَرَبُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُوا وَضْعَ الْجَبْهَةِ بِالْأَرْضِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُهُ تَرِبَ جَبِينُهُ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَهِيَ مِنَ التُّرَابِ، أَيْ سَقَطَ جَبِينُهُ لِلْأَرْضِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفُهُ، وَلَكِنْ لَا يُرَادُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَرِبَ جَبِينُهُ، بَلْ هُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ، أَيْ أنَّهَا كَلِمَةٌ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ وَلَا يُرَادُ حَقِيقَتَهَا.

الحديث الرابع حديث عائشة، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى) هُوَ أَبُو عُثْمَانَ الضُّبَعِيُّ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ مُسْتَقِيمُ الْحَدِيثِ، قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ هُوَ أَبُو الْخَطَّابِ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ أَيْضًا، لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ وَآخَرُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَشَيْخُهُ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ مَشْهُورٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَفِي بَابِ الْمُدَارَاةِ، وَمَعْمَرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسِيَاقُ رَوْحٍ أَتَمُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ.

قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ، وَرَجَا النَّبِيُّ بِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ تَأَلُّفَهُ لِيُسْلِمَ قَوْمُهُ لِأَنَّهُ كَانَ رَئِيسُهُمْ، وَكَذَا فَسَّرَهُ بِهِ عِيَاضٌ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ جَازِمِينَ بِذَلِكَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ ولَكِنِ احْتِمَالًا لَا جَزْمًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ

اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ: اسْتَأْذَنَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلَى النَّبِيِّ ؛ فَقَالَ: بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عُيَيْنَةَ اسْتَأْذَنَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْغَنِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْخَرَّازِ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَسْتَأْذِنُ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ صَوْتَهُ، قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا وَقَعَ لَنَا فِي أَوَاخِرِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيِّ وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ. وَقَدْ حَكَى الْمُنْذِرُ فِي مُخْتَصَرِهِ الْقَوْلَيْنِ؛ فَقَالَ: هُوَ عُيَيْنَةُ، وَقِيلَ: مَخْرَمَةُ. وَأَمَّا شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فَاقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ مَخْرَمَةُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ حَاشِيَةٍ بِخَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ فَقَصَّرَ، لَكِنَّهُ حَكَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ جَوَّزَ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ قَالَ: وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ.

قَوْلُهُ: (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: بِئْسَ أَخُو الْقَوْمِ وَابْنُ الْقَوْمِ، وَهِيَ بِالْمَعْنَى، قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِالْعَشِيرَةِ الْجَمَاعَةُ أَوِ الْقَبِيلَةُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَشِيرَةُ الْأَدْنَى إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُمْ وَلَدُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ أَبْدَى لَهُ طَلَاقَةَ وَجْهِهِ، يُقَالُ: وَجْهُهُ طَلْقٌ وَطَلِيقٌ؛ أَيْ مُسْتَرْسِلٌ مُنْبَسِطٌ غَيْرُ عَبُوسٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَامِرٍ: بَشَّ فِي وَجْهِهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: وَاسْتَأْذَنَ آخَرُ، فَقَالَ: نِعْمَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَهَشَّ لَهُ وَلَمْ يَنْبَسِطْ كَمَا فَعَلَ بِالْآخَرِ، فَسَأَلْتُهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ عِلْمًا وَأَدَبًا، وَلَيْسَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يُسَمِّيهِمْ بِهَا وَيُضِيفُهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَكْرُوهِ غِيبَةٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيُفْصِحَ بِهِ وَيُعَرِّفَ النَّاسَ أَمْرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَلَكِنَّهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَمِ وَأُعْطِيَهِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَةَ وَلَمْ يُجِبْهُ بِالْمَكْرُوهِ، هذا لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّتُهُ فِي اتِّقَاءِ شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَفِي مُدَارَاتِهِ لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرِّهِ وَغَائِلَتِهِ.

قُلْتُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَصَائِصِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ مَنِ اطَّلَعَ مِنْ حَالِ شَخْصٍ عَلَى شَيْءٍ، وَخَشِيَ أَنَّ غَيْرَهُ يَغْتَرُّ بِجَمِيلِ ظَاهِرِهِ فَيَقَعُ فِي مَحْذُورٍ مَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى مَا يَحْذَرُ مِنْ ذَلِكَ قَاصِدًا نَصِيحَتَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ أَنْ يُكْشَفَ لَهُ عَنْ حَالِ مَنْ يَغْتَرُّ بِشَخْصٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِعَهُ الْمُغْتَرُّ عَلَى حَالِهِ، فَيُذَمُّ الشَّخْصَ بِحَضْرَتِهِ لِيَتَجَنَّبَهُ الْمُغْتَرُّ لِيَكُونَ نَصِيحَةً، بِخِلَافِ غَيْرِ النَّبِيِّ ؛ فَإِنَّ جَوَازَ ذَمِّهِ لِلشَّخْصِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ مِمَّنْ يُرِيدُ نُصْحَهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ غِيبَةِ الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ أَوِ الْفُحْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْجَوارِ فِي الْحُكْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْبِدْعَةِ مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ، مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى -. ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ أَنَّ الْمُدَارَاةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَرُبَّمَا اسْتُحِبَّتْ، وَالْمُدَاهَنَةُ تَرْكُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَالنَّبِيُّ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْنَ عِشْرَتِهِ وَالرِّفْقَ فِي مُكَالَمَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلٍ فَلَمْ يُنَاقِضْ قَوْلُهُ فِيهِ فِعْلَهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ قَوْلُ حَقٍّ، وَفِعْلَهُ مَعَهُ حُسْنُ عِشْرَةٍ، فَيَزُولُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ الْإِشْكَالُ بِحَمْدِ اللَّهِ - تَعَالَى -.

وَقَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَكُنْ عُيَيْنَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حِينَئِذٍ أَسْلَمَ، فَلَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ فِيهِ غِيبَةً، أَوْ كَانَ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ نَاصِحًا، فَأَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بَاطِنَهُ، وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ وَبَعْدَهُ أُمُورٌ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ؛ فَيَكُونُ مَا وَصَفَهُ بِهِ النَّبِيُّ مِنْ جُمْلَةِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا إِلَانَةُ الْقَوْلِ لَهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فَعَلَى سَبِيلِ التَّأَلُّفِ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْمُدَارَاةِ، وَفِي جَوَازِ غِيبَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَنَحْوِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَتَى عَهِدْتِنِي فَاحِشًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَحَّاشًا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَرَكَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) أبي بُردة بنِ عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبدِ الله الأشعريِّ (عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أو صاحب حاجةٍ» (قَالَ) لمن حضره من أصحابه: (اشْفَعُوا) في حاجته إلي (فَلْتُؤْجَرُوا) بسبب شفاعتِكم (وَلْيَقْضِ اللهُ) ﷿، وللحَمُّويي والمُستملي: «ويقضي الله» بغير لام وإثبات الياء التحتية (عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ) (مَا شَاءَ) وفيه الحثُّ على الشَّفاعة إلى الكبير في كشفِ كُرْبة، ومَعونة ضعيف على مقصدٍ مأذون فيه من الشَّرع.

(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ فَاحِشًا) بالطَّبع (وَلَا مُتَفَحِّشًا) بالتَّكلُّف، أي: لا ذاتيًّا ولا عرضيًّا.

٦٠٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) ابنِ مهران الأعمش، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيقَ بن سلمة، يقول: (سَمِعْتُ مَسْرُوقًا) أي: ابن الأجدع (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص (ح) قال المؤلِّف (١): (وحَدَّثَنَا) بالواو لأبي ذرٍّ (قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ) أبي وائل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدع، أنَّه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو: ابنُ العاص (حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان (إِلَى الكُوفَةِ) سنة إحدى وأربعين (فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا) بتشديد الحاء المهملة، والفحش: كلُّ ما خرج عن مقدارهِ حتَّى يُستقبحَ، ويكون في القولِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شَفَعَ لِأَحَدٍ فِي الْخَيْرِ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الْأَجْرِ وَمَنْ شَفَعَ لَهُ بِالْبَاطِلِ كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الْوِزْرِ، وَقِيلَ: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِ وَالسَّيِّئَةُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (كِفْلُ نَصِيبٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ: الْكِفْلُ الْوِزْرُ وَالْإِثْمُ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْكِفْلَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ النَّصِيبُ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْأَجْرَ، وَأَنَّهُ فِي آيَةِ النِّسَاءِ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، وَفِي آيَةِ الْحَدِيدِ بِمَعْنَى الْأَجْرِ.

ثم ذكر حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى مَا فِيهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ. وَوَقَعَ فِيهِ: إِذَا أَتَاهُ صَاحِبُ الْحَاجَةِ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ: صَاحِبُ حَاجَةٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو مُوسَى: كِفْلَيْنِ أَجْرَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ قَالَ: ضِعْفَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ أَجْرَيْنِ.

٣٨ - بَاب لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَاحِّشًا

٦٠٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ خْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا.

٦٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ يَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ.

٦٠٣١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى - هُوَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ -، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ: مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ.

[الحديث ٦٠٣١ - طرفه في: ٦٠٤٦]

٦٠٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقال رسول الله : "يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشاً إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ".

[الحديث ٦٠٣٢ - طرفاه في: ٦٠٥٤، ٦١٣١]

قَوْلُهُ: (بَابٌ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَاحِشًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَلَا مُتَفَحِّشًا بِالتَّشْدِيدِ كَمَا فِي لَفْظِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْر وفِي الْبَابِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا بِلَفْظِ مُتَفَاحِشًا، وَالْفُحْشُ كُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ مِقْدَارِهِ حَتَّى يُسْتَقْبَحَ، وَيَدْخُلَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالصِّفَةِ، يُقَالُ طَوِيلٌ فَاحِشُ الطُّولِ إِذَا أَفْرَطَ فِي طُولِهِ، لَكِنِ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْقَوْلِ أَكْثَرُ. وَالْمُتَفَحِّشُ بِالتَّشْدِيدِ الَّذِي يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وَيُكْثِرُ مِنْهُ وَيَتَكَلَّفُهُ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ، فَقَالَ: الْفَاحِشُ الَّذِي يَقُولُ الْفُحْشَ، وَالْمُتَفَحِّشُ الَّذِي يَسْتَعْمِلُ الْفُحْشَ لِيُضْحِكَ النَّاسَ. ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الحديث الأول حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْر، وأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَهُوَ الْأَعْمَشُ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، وَمَنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ الْمَذْكُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَتْنُ بِتَمَامِهِ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ، وَفِيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: إِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَوَقَعَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: إِنَّ خَيْرَكُمْ، وَتَبَيَّنَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ مِنْ مُرَادَةٌ فِيهِ. وَوَقَعَ لِلْأَكْثَرِ أَخْيَرُكُمْ بِوَزْنِ أَفْضَلِكُمْ، وَمَعْنَاهُ وَهِيَ عَلَى الْأَصْلِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى بِمَعْنَاهَا، يُقَالُ فُلَانٌ خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ أَيْ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ فَاحشٍ مُتَفَحِّشٍ.

الحديث الثاني حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ الرِّفْقِ، وَأَنَّ شَرْحَهُ يَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَوَقَعَ هُنَا: يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ. وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ عَيْنَ الْعُنْفِ مُثَلَّثَةٌ وَالْمَشْهُورُ ضَمُّهَا.

الحديث الثالث حَدِيثُ أَنَسٍ قَوْلُهُ: (سَبَّابًا) بِالْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى ثَقِيلَةٌ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ - وَيَجُوزُ فَتْحُهَا - بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَهِيَ مَصْدَرُ عَتَبَ عَلَيْهِ يَعْتِبُ عَتَبًا وَعِتَابًا وَمَعْتَبَةً وَمُعَاتَبَةً، قَالَ الْخَلِيلُ: الْعِتَابُ مُخَاطَبَةُ الْإِدْلَالِ، وَمُذَاكَرَةُ الْمُوحدَةِ.

قَوْلُهُ: (مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى خَرَّ لِوَجْهِهِ فَأَصَابَ التُّرَابُ جَبِينَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً لَهُ بِالْعِبَادَةِ كَأَنْ يُصَلِّي فَيَتْرَبُ جَبِينُهُ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِأَنَّ الْجَبِينَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: الْجَبِينَانِ يَكْتَنِفَانِ الْجَبْهَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أَيْ أَلْقَاهُ عَلَى جَبِينِهِ.

قُلْتُ: وَأَيْضًا فَالثَّانِي بَعِيدٌ جِدًّا، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اسْتَعْمَلَهَا الْعَرَبُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُوا وَضْعَ الْجَبْهَةِ بِالْأَرْضِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُهُ تَرِبَ جَبِينُهُ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ جَرَتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَهِيَ مِنَ التُّرَابِ، أَيْ سَقَطَ جَبِينُهُ لِلْأَرْضِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ رَغِمَ أَنْفُهُ، وَلَكِنْ لَا يُرَادُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَرِبَ جَبِينُهُ، بَلْ هُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ، أَيْ أنَّهَا كَلِمَةٌ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ وَلَا يُرَادُ حَقِيقَتَهَا.

الحديث الرابع حديث عائشة، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى) هُوَ أَبُو عُثْمَانَ الضُّبَعِيُّ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ مُسْتَقِيمُ الْحَدِيثِ، قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ هُوَ أَبُو الْخَطَّابِ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ أَيْضًا، لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ وَآخَرُ فِي الْمَنَاقِبِ. وَشَيْخُهُ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ مَشْهُورٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ، وَفِي بَابِ الْمُدَارَاةِ، وَمَعْمَرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسِيَاقُ رَوْحٍ أَتَمُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَمِعْتُ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ.

قَوْلُهُ: (أنَّ رَجُلًا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ، وَرَجَا النَّبِيُّ بِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ تَأَلُّفَهُ لِيُسْلِمَ قَوْمُهُ لِأَنَّهُ كَانَ رَئِيسُهُمْ، وَكَذَا فَسَّرَهُ بِهِ عِيَاضٌ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ جَازِمِينَ بِذَلِكَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ ولَكِنِ احْتِمَالًا لَا جَزْمًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ

اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ: اسْتَأْذَنَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلَى النَّبِيِّ ؛ فَقَالَ: بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عُيَيْنَةَ اسْتَأْذَنَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْغَنِيِّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ الْخَرَّازِ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَسْتَأْذِنُ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ صَوْتَهُ، قَالَ: بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا وَقَعَ لَنَا فِي أَوَاخِرِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيِّ وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ. وَقَدْ حَكَى الْمُنْذِرُ فِي مُخْتَصَرِهِ الْقَوْلَيْنِ؛ فَقَالَ: هُوَ عُيَيْنَةُ، وَقِيلَ: مَخْرَمَةُ. وَأَمَّا شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فَاقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ مَخْرَمَةُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ حَاشِيَةٍ بِخَطِّ الدِّمْيَاطِيِّ فَقَصَّرَ، لَكِنَّهُ حَكَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ جَوَّزَ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ قَالَ: وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ.

قَوْلُهُ: (بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: بِئْسَ أَخُو الْقَوْمِ وَابْنُ الْقَوْمِ، وَهِيَ بِالْمَعْنَى، قَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ بِالْعَشِيرَةِ الْجَمَاعَةُ أَوِ الْقَبِيلَةُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَشِيرَةُ الْأَدْنَى إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُمْ وَلَدُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ أَبْدَى لَهُ طَلَاقَةَ وَجْهِهِ، يُقَالُ: وَجْهُهُ طَلْقٌ وَطَلِيقٌ؛ أَيْ مُسْتَرْسِلٌ مُنْبَسِطٌ غَيْرُ عَبُوسٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَامِرٍ: بَشَّ فِي وَجْهِهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ: وَاسْتَأْذَنَ آخَرُ، فَقَالَ: نِعْمَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَهَشَّ لَهُ وَلَمْ يَنْبَسِطْ كَمَا فَعَلَ بِالْآخَرِ، فَسَأَلْتُهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ عِلْمًا وَأَدَبًا، وَلَيْسَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ بِالْأُمُورِ الَّتِي يُسَمِّيهِمْ بِهَا وَيُضِيفُهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَكْرُوهِ غِيبَةٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَيُفْصِحَ بِهِ وَيُعَرِّفَ النَّاسَ أَمْرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَلَكِنَّهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَرَمِ وَأُعْطِيَهِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَةَ وَلَمْ يُجِبْهُ بِالْمَكْرُوهِ، هذا لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّتُهُ فِي اتِّقَاءِ شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ، وَفِي مُدَارَاتِهِ لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرِّهِ وَغَائِلَتِهِ.

قُلْتُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَصَائِصِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ مَنِ اطَّلَعَ مِنْ حَالِ شَخْصٍ عَلَى شَيْءٍ، وَخَشِيَ أَنَّ غَيْرَهُ يَغْتَرُّ بِجَمِيلِ ظَاهِرِهِ فَيَقَعُ فِي مَحْذُورٍ مَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى مَا يَحْذَرُ مِنْ ذَلِكَ قَاصِدًا نَصِيحَتَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ أَنْ يُكْشَفَ لَهُ عَنْ حَالِ مَنْ يَغْتَرُّ بِشَخْصٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِعَهُ الْمُغْتَرُّ عَلَى حَالِهِ، فَيُذَمُّ الشَّخْصَ بِحَضْرَتِهِ لِيَتَجَنَّبَهُ الْمُغْتَرُّ لِيَكُونَ نَصِيحَةً، بِخِلَافِ غَيْرِ النَّبِيِّ ؛ فَإِنَّ جَوَازَ ذَمِّهِ لِلشَّخْصِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ مِمَّنْ يُرِيدُ نُصْحَهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ غِيبَةِ الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ أَوِ الْفُحْشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْجَوارِ فِي الْحُكْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْبِدْعَةِ مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ، مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى -. ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ أَنَّ الْمُدَارَاةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَرُبَّمَا اسْتُحِبَّتْ، وَالْمُدَاهَنَةُ تَرْكُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَالنَّبِيُّ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْنَ عِشْرَتِهِ وَالرِّفْقَ فِي مُكَالَمَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلٍ فَلَمْ يُنَاقِضْ قَوْلُهُ فِيهِ فِعْلَهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ قَوْلُ حَقٍّ، وَفِعْلَهُ مَعَهُ حُسْنُ عِشْرَةٍ، فَيَزُولُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ الْإِشْكَالُ بِحَمْدِ اللَّهِ - تَعَالَى -.

وَقَالَ عِيَاضٌ: لَمْ يَكُنْ عُيَيْنَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - حِينَئِذٍ أَسْلَمَ، فَلَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ فِيهِ غِيبَةً، أَوْ كَانَ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ إِسْلَامُهُ نَاصِحًا، فَأَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ بَاطِنَهُ، وَقَدْ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ وَبَعْدَهُ أُمُورٌ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ إِيمَانِهِ؛ فَيَكُونُ مَا وَصَفَهُ بِهِ النَّبِيُّ مِنْ جُمْلَةِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَأَمَّا إِلَانَةُ الْقَوْلِ لَهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فَعَلَى سَبِيلِ التَّأَلُّفِ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْمُدَارَاةِ، وَفِي جَوَازِ غِيبَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَنَحْوِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مَتَى عَهِدْتِنِي فَاحِشًا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَحَّاشًا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَرَكَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بنُ أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) أبي بُردة بنِ عبد الله (عَنْ) جدِّه (أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبدِ الله الأشعريِّ (عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الحَاجَةِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أو صاحب حاجةٍ» (قَالَ) لمن حضره من أصحابه: (اشْفَعُوا) في حاجته إلي (فَلْتُؤْجَرُوا) بسبب شفاعتِكم (وَلْيَقْضِ اللهُ) ﷿، وللحَمُّويي والمُستملي: «ويقضي الله» بغير لام وإثبات الياء التحتية (عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ) (مَا شَاءَ) وفيه الحثُّ على الشَّفاعة إلى الكبير في كشفِ كُرْبة، ومَعونة ضعيف على مقصدٍ مأذون فيه من الشَّرع.

(٣٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ فَاحِشًا) بالطَّبع (وَلَا مُتَفَحِّشًا) بالتَّكلُّف، أي: لا ذاتيًّا ولا عرضيًّا.

٦٠٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) ابنِ مهران الأعمش، أنَّه قال: (سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيقَ بن سلمة، يقول: (سَمِعْتُ مَسْرُوقًا) أي: ابن الأجدع (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العاص (ح) قال المؤلِّف (١): (وحَدَّثَنَا) بالواو لأبي ذرٍّ (قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو: ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ) أبي وائل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدع، أنَّه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو: ابنُ العاص (حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان (إِلَى الكُوفَةِ) سنة إحدى وأربعين (فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا) بتشديد الحاء المهملة، والفحش: كلُّ ما خرج عن مقدارهِ حتَّى يُستقبحَ، ويكون في القولِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد