«أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٠٨٤

الحديث رقم ٦٠٨٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب التبسم والضحك.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٠٨٤ في صحيح البخاري

«أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ،

⦗٢٣⦘

فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ، لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، قَالَ وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ، وَابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ لَهُ، فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ، وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللهِ عَلَى التَّبَسُّمِ، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٦٠٨٤

٦٠٨٤ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٠٨٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: حَالَفَ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُهَاجِرِينَ بَدَلَ قُرَيْشٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: قَدْ حَالَفَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا، وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ تَسْمِيَةُ السَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِصَامِ مُخْتَصَرًا خَالِيًا عَنِ السُّؤَالِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَحَدِيثُ الْقُنُوتِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ مَضَى فِي الْوِتْرِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَلَفْظُهُ (١).

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى نَحْوَهُ بِاخْتِصَارٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَنْكُثَهُ، وَحِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِمُدَّةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ جَمْعٌ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فَتَعَاقَدُوا عَلَى أَنْ يَنْصُرُوا الْمَظْلُومَ، وَيُنْصِفُوا بَيْنَ النَّاسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ الْخَيْرِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. وَتَضَمَّنَ جَوَابُ أَنَسٍ إِنْكَارَ صَدْرِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْيَ الْحِلْفِ، وَفِيمَا قَالَهُ هُوَ إِثْبَاتُهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ مَا كَانُوا يَعْتَبِرُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نَصْرِ الْحَلِيفِ، وَلَوْ كَانَ ظَالِمًا، وَمِنْ أَخْذِ الثَّأْرِ مِنَ الْقَبِيلَةِ بِسَبَبِ قَتْلِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمِنَ التَّوَارُثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْمُثْبَتُ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَالْقِيَامِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ: كَالْمُصَادَقَةِ، وَالْمُوَادَدَةِ، وَحِفْظِ الْعَهْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نَسْخِ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الْحَلِيفَ السُّدُسَ دَائِمًا فَنُسِخَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَمَلَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَ أَنَسٍ حَالَفَ عَلَى الْمُؤَاخَاةِ.

قُلْتُ: لَكِنْ سِيَاقُ عَاصِمٍ عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ الْمُحَالَفَةَ حَقِيقَةً، وَإِلَّا لما كَانَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا، وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ ظَاهِرَةٌ فِي الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بَابُ كَيْفَ آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ أَصْحَابِهِ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا أَوَّلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الْحِلْفِ، وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُؤَاخَةِ المذكورة هُنَاكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَنْفِيُّ حِلْفُ التَّوَارُثِ، وَمَا يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ، وَأَمَّا التَّحَالُفُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَالْمُؤَاخَاةِ فِي اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ أَمْرٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ.

٦٨ - بَاب التَّبَسُّمِ وَالضَّحِكِ

وَقَالَتْ فَاطِمَةُ : أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ فَضَحِكْتُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى

٦٠٨٤ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتْ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا ثَلَاث تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ - لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ جِلْبَابِهَا - قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الجاهليَّة، والمثبت ما عدَاها من نصرِ المظلوم وغيره ممَّا جاء به الشَّرع فلا تعارضَ، وحديث «لا حلْفَ في الإسلام» أخرجه مسلمٌ في «صحيحه» عن جبيرِ بن مُطعم مرفوعًا بلفظ: «لا حلْفَ في الإسلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهليَّةِ لم يزدهُ الإسلام إلَّا شدَّةً».

وحديثُ البابِ سبق في «الكفالة» [خ¦٢٢٩٤].

(٦٨) (بابُ) إباحة (التَّبَسُّمِ) وهو ظهورُ الأسنانِ بلا صوتٍ (وَالضَّحِكِ) وهو ظهورُها مع صوتٍ لا يسمعَ من بعد، فإن سمعَ من بَعُد فقهقهةٌ (وَقَالَتْ فَاطِمَةُ) الزَّهراء : أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ) أي: في مرضِ موته أنِّي أوَّل أهلهِ لُحُوقًا به (فَضَحِكْتُ) وهذا طرفٌ من حديثٍ سبقَ في «الوفاة النَّبويَّة» [خ¦٤٤٣٣] (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ، فيما (١) وصله في «الجنائز» [خ¦١٢٨٨] (إِنَّ اللهَ) ﷿ (هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىَ) لأنَّه المؤثِّر في الوجودِ لا غيره.

٦٠٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رِفَاعَةَ القُرَظِيَّ) بكسر الراء وتخفيف الفاء، و «القُرَظِيُّ»: بضم القاف وفتح الراء وكسر الظاء المعجمة، نسبةً

إلى قُريظة بن الخزرج (طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) تميمةَ بنت وهب (١)، وقيل: سهيمة (٢) -بالسِّين-، وقيل: أُميمة بنت الحارث، وقيل: عائشة بنت عبد الرَّحمن بن عتيك (فَبَتَّ) بالموحدة والفوقية المشددة، أي: قطعَ (طَلَاقَهَا) أي: قطع عصمتَها بأن طلَّقها ثلاثًا (فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الزَّبِيرِ) بفتح الزاي وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة فراء، ابن بَاطَيَا (٣) القُرَظيُّ (فَجَاءَتِ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ) القرظيَّ (فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللهِ) من الفرجِ (إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الهُدْبَةِ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ) طرف (٤) (جِلْبَابِهَا) الَّذي لم يُنسج، شُبِّه بهُدْبِ العين وهو شعرُ جفنهَا، والتَّشبيه به لصغرهِ، أو لاسترخائهِ وعدمِ انتشارهِ، وهو الظَّاهر (قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ (٥) ، وَابْنُ سَعِيدِ ابْنِ العَاصِ) خالد القرشيُّ الأمويُّ (جَالِسٌ بِبَابِ الحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ لَهُ) مبنيٌّ للمفعول في الدُّخول (فَطَفِقَ خَالِدٌ) بن سعيدٍ المذكور (يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ، وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللهِ عَلَى التَّبَسُّمِ) وهذا موضعُ التَّرجمة (ثُمَّ قَالَ) لها: (لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى) عصمةِ (رِفَاعَةَ، لَا) رجوعُ لك إليه (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) أي: عسيلةَ عبد الرَّحمن بن الزَّبير (وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) إذا قدرَ، والعسيلةُ الجماعُ، شبَّه لذَّتهُ بلذَّة العسلِ وحلاوتهِ، وليس الإنزالُ بشرطٍ، كما قُرِّر في محلِّه [خ¦٢٦٣٩].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: حَالَفَ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُهَاجِرِينَ بَدَلَ قُرَيْشٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: قَدْ حَالَفَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا، وَعُرِفَ مِنْ رِوَايَةِ الْبَابِ تَسْمِيَةُ السَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاعْتِصَامِ مُخْتَصَرًا خَالِيًا عَنِ السُّؤَالِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَحَدِيثُ الْقُنُوتِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ مَضَى فِي الْوِتْرِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَلَفْظُهُ (١).

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى نَحْوَهُ بِاخْتِصَارٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَرْفُوعًا: شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَنْكُثَهُ، وَحِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِمُدَّةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ جَمْعٌ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فَتَعَاقَدُوا عَلَى أَنْ يَنْصُرُوا الْمَظْلُومَ، وَيُنْصِفُوا بَيْنَ النَّاسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ الْخَيْرِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. وَتَضَمَّنَ جَوَابُ أَنَسٍ إِنْكَارَ صَدْرِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْيَ الْحِلْفِ، وَفِيمَا قَالَهُ هُوَ إِثْبَاتُهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ مَا كَانُوا يَعْتَبِرُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نَصْرِ الْحَلِيفِ، وَلَوْ كَانَ ظَالِمًا، وَمِنْ أَخْذِ الثَّأْرِ مِنَ الْقَبِيلَةِ بِسَبَبِ قَتْلِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمِنَ التَّوَارُثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْمُثْبَتُ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ نَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَالْقِيَامِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ: كَالْمُصَادَقَةِ، وَالْمُوَادَدَةِ، وَحِفْظِ الْعَهْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نَسْخِ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الْحَلِيفَ السُّدُسَ دَائِمًا فَنُسِخَ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَمَلَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَ أَنَسٍ حَالَفَ عَلَى الْمُؤَاخَاةِ.

قُلْتُ: لَكِنْ سِيَاقُ عَاصِمٍ عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ الْمُحَالَفَةَ حَقِيقَةً، وَإِلَّا لما كَانَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا، وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ ظَاهِرَةٌ فِي الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بَابُ كَيْفَ آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ أَصْحَابِهِ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا أَوَّلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الْحِلْفِ، وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُؤَاخَةِ المذكورة هُنَاكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَنْفِيُّ حِلْفُ التَّوَارُثِ، وَمَا يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ، وَأَمَّا التَّحَالُفُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَالْمُؤَاخَاةِ فِي اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ أَمْرٌ مُرَغَّبٌ فِيهِ.

٦٨ - بَاب التَّبَسُّمِ وَالضَّحِكِ

وَقَالَتْ فَاطِمَةُ : أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ فَضَحِكْتُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى

٦٠٨٤ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتْ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا ثَلَاث تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ - لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ جِلْبَابِهَا - قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الجاهليَّة، والمثبت ما عدَاها من نصرِ المظلوم وغيره ممَّا جاء به الشَّرع فلا تعارضَ، وحديث «لا حلْفَ في الإسلام» أخرجه مسلمٌ في «صحيحه» عن جبيرِ بن مُطعم مرفوعًا بلفظ: «لا حلْفَ في الإسلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهليَّةِ لم يزدهُ الإسلام إلَّا شدَّةً».

وحديثُ البابِ سبق في «الكفالة» [خ¦٢٢٩٤].

(٦٨) (بابُ) إباحة (التَّبَسُّمِ) وهو ظهورُ الأسنانِ بلا صوتٍ (وَالضَّحِكِ) وهو ظهورُها مع صوتٍ لا يسمعَ من بعد، فإن سمعَ من بَعُد فقهقهةٌ (وَقَالَتْ فَاطِمَةُ) الزَّهراء : أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ) أي: في مرضِ موته أنِّي أوَّل أهلهِ لُحُوقًا به (فَضَحِكْتُ) وهذا طرفٌ من حديثٍ سبقَ في «الوفاة النَّبويَّة» [خ¦٤٤٣٣] (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ، فيما (١) وصله في «الجنائز» [خ¦١٢٨٨] (إِنَّ اللهَ) ﷿ (هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىَ) لأنَّه المؤثِّر في الوجودِ لا غيره.

٦٠٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المباركِ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رِفَاعَةَ القُرَظِيَّ) بكسر الراء وتخفيف الفاء، و «القُرَظِيُّ»: بضم القاف وفتح الراء وكسر الظاء المعجمة، نسبةً

إلى قُريظة بن الخزرج (طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) تميمةَ بنت وهب (١)، وقيل: سهيمة (٢) -بالسِّين-، وقيل: أُميمة بنت الحارث، وقيل: عائشة بنت عبد الرَّحمن بن عتيك (فَبَتَّ) بالموحدة والفوقية المشددة، أي: قطعَ (طَلَاقَهَا) أي: قطع عصمتَها بأن طلَّقها ثلاثًا (فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الزَّبِيرِ) بفتح الزاي وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة فراء، ابن بَاطَيَا (٣) القُرَظيُّ (فَجَاءَتِ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ) القرظيَّ (فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللهِ) من الفرجِ (إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الهُدْبَةِ) بضم الهاء وسكون الدال المهملة (لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ) طرف (٤) (جِلْبَابِهَا) الَّذي لم يُنسج، شُبِّه بهُدْبِ العين وهو شعرُ جفنهَا، والتَّشبيه به لصغرهِ، أو لاسترخائهِ وعدمِ انتشارهِ، وهو الظَّاهر (قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ (٥) ، وَابْنُ سَعِيدِ ابْنِ العَاصِ) خالد القرشيُّ الأمويُّ (جَالِسٌ بِبَابِ الحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ لَهُ) مبنيٌّ للمفعول في الدُّخول (فَطَفِقَ خَالِدٌ) بن سعيدٍ المذكور (يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ، وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللهِ عَلَى التَّبَسُّمِ) وهذا موضعُ التَّرجمة (ثُمَّ قَالَ) لها: (لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى) عصمةِ (رِفَاعَةَ، لَا) رجوعُ لك إليه (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) أي: عسيلةَ عبد الرَّحمن بن الزَّبير (وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) إذا قدرَ، والعسيلةُ الجماعُ، شبَّه لذَّتهُ بلذَّة العسلِ وحلاوتهِ، وليس الإنزالُ بشرطٍ، كما قُرِّر في محلِّه [خ¦٢٦٣٩].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد