«كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا، لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٠

الحديث رقم ٦١٠ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يحقن بالأذان من الدماء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦١٠ في صحيح البخاري

«كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا، لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ: فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا

⦗١٢٦⦘

إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ ، قَالَ: فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللهِ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾».

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِي

إسناد حديث البخاري رقم ٦١٠

٦١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦١٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُرَادُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ جِنٌّ لِأَنَّهُمْ يَسْتَخْفُونَ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ كُلُّ مَا يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ مِنَ الْحَيَوَانِ حَتَّى مَا لَا يَعْقِلُ دُونَ الْجَمَادَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا. قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ، تَقَرَّرَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ السَّمَاعَ وَالشَّهَادَةَ وَالتَّسْبِيحَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ حَيٍّ، فَهَلْ ذَلِكَ حِكَايَةٌ عَنْ لِسَانِ الْحَالِ لِأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ نَاطِقَةٌ بِلِسَانِ حَالِهَا بِجَلَالِ بَارِيهَا، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ؟ وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهَا الْحَيَاةَ وَالْكَلَامَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ النَّارِ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ الْبَقَرَةَ قَالَتْ: إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ اهـ.

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنَّ قَوْلَهُ هُنَا وَلَا شَيْءَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْآيَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَمَا عَرَفْتُ وَجْهَ هَذَا التَّعَقُّبِ فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاحْتِمَالِ، وَنَقْلِ الِاخْتِلَافِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْآيَةَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي كَوْنِهَا عَلَى عُمُومِهَا، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي تَسْبِيحِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ هَلْ هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): السِّرُّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنَّ أَحْكَامَ الْآخِرَةِ جَرَتْ عَلَى نَعْتِ أَحْكَامِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ تَوْجِيهِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالشَّهَادَةِ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ اشْتِهَارُ الْمَشْهُودِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ قَوْمًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ آخَرِينَ.

قَوْله: (إِلَّا شَهِدَ لَهُ) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا يَشْهَدُ لَهُ، وَتَوْجِيهُهُمَا وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَيْ هَذَا الْكَلَامَ الْأَخِيرَ وَهُوَ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَا يَسْمَعُ إِلَخْ. قُلْتُ: وَقَدْ أَوْرَدَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّرْحِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَسَاقَهُ إِلَى آخِرِهِ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ وَإِمَامُهُ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَابْنُ دَاوُدَ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرُهُمْ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ، وَأَجَابَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَائِدٌ عَلَى كُلِّ مَا ذُكِرَ اهـ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَلَفْظُهُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِذَا كُنْتَ فِي الْبَوَادِي فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا يَسْمَعُ فَذَكَرَهُ، وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِذَا أَذَّنْتَ فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ فَذَكَرَهُ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ مَوْقُوفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ أَوْ يَتَأَذَّى بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الْفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَدِّي وَمُسَاكَنَةِ الْأَعْرَابِ وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي الْأَسْبَابِ بِشَرْطِ حَظٍّ مِنَ الْعِلْمِ وَأَمْنٍ مِنْ غَلَبَةِ الْجَفَاءِ.

وَفِيهِ أَنَّ أَذَانَ الْفَذِّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي قَفْرٍ وَلَوْ لَمْ يُرْتَجَ حُضُورُ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاءُ الْمُصَلِّينَ فَلَمْ يَفُتْهُ اسْتِشْهَادُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ.

٦ - بَاب مَا يُحْقَنُ بِالْأَذَانِ مِنْ الدِّمَاءِ

٦١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦١٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قتيبة بْنُ سَعِيدٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ، وسقط «ابن مالك» في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «عن النَّبيِّ» ( كَانَ) ولأبي ذَرٍّ: «أنَّه كان» (إِذَا غَزَا بِنَا) أي: مصاحبًا لنا (قَوْمًا؛ لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا) بالواو بعد الزَّاي، وكذا لكريمة، من الغزو، والأصل (١) إسقاط الواو للجزم، ولكنَّه جاء على بعض اللُّغات، وللمُستملي من غير

«اليونينيَّة (١)»: «يغز بنا»؛ كالسَّابقة، إلَّا أنَّه بإسقاط الواو على الأصل مجزومًا، بدلٌ من «يكن» وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «يغيرُ بنا» بإثبات مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بعد الغين المعجمة ورفع الرَّاء من الإغارة، ولأبوي الوقت وذَرٍّ عن (٢) المُستملي (٣): «يُغِرْ بنا» بإسقاط الياء والجزم من الإغارة أيضًا، ولأبي الوقت أيضًا (٤) وابن عساكر: «يُغْر بنا» بضمِّ أوَّله وإسكان الغين و (٥) حرف العلَّة، من الإغراء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٦) والحَمُّويي: «يَغْدُ بنا» بإسكان الغين وبالدَّال المهملة من غير واوٍ من الغدوِّ نقيض الرَّواح (حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ) أي: ينتظر (فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ) بالهمزة، ويُقال: «غار» ثلاثيًّا، أي: هجم (عَلَيْهِمْ) من غير

علمٍ منهم (قَالَ) أنس بن مالكٍ: (فَخَرَجْنَا) من المدينة (إِلَى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ) أي: إلى أهل خيبر (لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) النَّبيُّ (وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ؛ وهو زوج أمِّ أنسٍ (وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ) بكسر الميم من الأولى، وفتحها من الثَّانية (قَدَمَ النَّبِيِّ . قَالَ) أنسٌ: (فَخَرَجُوا) أي: أهل خيبر (إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ) بفتح الميم، جمع «مِكتلٍ» بكسرها، أي: بقففهم (وَمَسَاحِيهِمْ) جمع «مسحاةٍ» أي: مجارفهم الَّتي من حديدٍ (فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ قَالُوا) وللحَمُّويي والمُستملي: «قال» أي: قائلهم: جاء (مُحَمَّدٌ وَاللهِ) جاء (مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ) بالرَّفع عطفًا على الفاعل، أو بالنَّصب مفعولًا معه، وللحَمُّويي والمُستملي: «والجيش» وهما بمعنًى، وسُمِّي بالخميس لأنَّه قلبٌ وميمنةٌ وميسرةٌ ومقدِّمةٌ وساقةٌ (قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللهِ (١) قَالَ: اللهُ أَكْبَرْ، اللهُ أَكْبَرْ) بالجزم، وفي «اليونينيَّة» بالرَّفع (٢) (خَرِبَتْ خَيْبَرُ) قاله بوحيٍ، أو تفاؤلًا بما في أيديهم من آلة الهدم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُرَادُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ جِنٌّ لِأَنَّهُمْ يَسْتَخْفُونَ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ كُلُّ مَا يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ مِنَ الْحَيَوَانِ حَتَّى مَا لَا يَعْقِلُ دُونَ الْجَمَادَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا. قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ، تَقَرَّرَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ السَّمَاعَ وَالشَّهَادَةَ وَالتَّسْبِيحَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ حَيٍّ، فَهَلْ ذَلِكَ حِكَايَةٌ عَنْ لِسَانِ الْحَالِ لِأَنَّ الْمَوْجُودَاتِ نَاطِقَةٌ بِلِسَانِ حَالِهَا بِجَلَالِ بَارِيهَا، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ؟ وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهَا الْحَيَاةَ وَالْكَلَامَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ النَّارِ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ الْبَقَرَةَ قَالَتْ: إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ اهـ.

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنَّ قَوْلَهُ هُنَا وَلَا شَيْءَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ الْآيَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَمَا عَرَفْتُ وَجْهَ هَذَا التَّعَقُّبِ فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاحْتِمَالِ، وَنَقْلِ الِاخْتِلَافِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْآيَةَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي كَوْنِهَا عَلَى عُمُومِهَا، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِي تَسْبِيحِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ هَلْ هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَائِدَةٌ): السِّرُّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنَّ أَحْكَامَ الْآخِرَةِ جَرَتْ عَلَى نَعْتِ أَحْكَامِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ تَوْجِيهِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالشَّهَادَةِ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ اشْتِهَارُ الْمَشْهُودِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ قَوْمًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ آخَرِينَ.

قَوْله: (إِلَّا شَهِدَ لَهُ) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا يَشْهَدُ لَهُ، وَتَوْجِيهُهُمَا وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَيْ هَذَا الْكَلَامَ الْأَخِيرَ وَهُوَ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَا يَسْمَعُ إِلَخْ. قُلْتُ: وَقَدْ أَوْرَدَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّرْحِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَسَاقَهُ إِلَى آخِرِهِ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ وَإِمَامُهُ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَابْنُ دَاوُدَ شَارِحُ الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرُهُمْ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ، وَأَجَابَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ قَوْلَ أَبِي سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَائِدٌ عَلَى كُلِّ مَا ذُكِرَ اهـ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَلَفْظُهُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِذَا كُنْتَ فِي الْبَوَادِي فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: لَا يَسْمَعُ فَذَكَرَهُ، وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِذَا أَذَّنْتَ فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ فَذَكَرَهُ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ مَوْقُوفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ أَوْ يَتَأَذَّى بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الْفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَدِّي وَمُسَاكَنَةِ الْأَعْرَابِ وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي الْأَسْبَابِ بِشَرْطِ حَظٍّ مِنَ الْعِلْمِ وَأَمْنٍ مِنْ غَلَبَةِ الْجَفَاءِ.

وَفِيهِ أَنَّ أَذَانَ الْفَذِّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي قَفْرٍ وَلَوْ لَمْ يُرْتَجَ حُضُورُ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاءُ الْمُصَلِّينَ فَلَمْ يَفُتْهُ اسْتِشْهَادُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ.

٦ - بَاب مَا يُحْقَنُ بِالْأَذَانِ مِنْ الدِّمَاءِ

٦١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦١٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «قتيبة بْنُ سَعِيدٍ» (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ، وسقط «ابن مالك» في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي: «عن النَّبيِّ» ( كَانَ) ولأبي ذَرٍّ: «أنَّه كان» (إِذَا غَزَا بِنَا) أي: مصاحبًا لنا (قَوْمًا؛ لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا) بالواو بعد الزَّاي، وكذا لكريمة، من الغزو، والأصل (١) إسقاط الواو للجزم، ولكنَّه جاء على بعض اللُّغات، وللمُستملي من غير

«اليونينيَّة (١)»: «يغز بنا»؛ كالسَّابقة، إلَّا أنَّه بإسقاط الواو على الأصل مجزومًا، بدلٌ من «يكن» وللأَصيليِّ وأبي الوقت: «يغيرُ بنا» بإثبات مُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ بعد الغين المعجمة ورفع الرَّاء من الإغارة، ولأبوي الوقت وذَرٍّ عن (٢) المُستملي (٣): «يُغِرْ بنا» بإسقاط الياء والجزم من الإغارة أيضًا، ولأبي الوقت أيضًا (٤) وابن عساكر: «يُغْر بنا» بضمِّ أوَّله وإسكان الغين و (٥) حرف العلَّة، من الإغراء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٦) والحَمُّويي: «يَغْدُ بنا» بإسكان الغين وبالدَّال المهملة من غير واوٍ من الغدوِّ نقيض الرَّواح (حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ) أي: ينتظر (فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ) بالهمزة، ويُقال: «غار» ثلاثيًّا، أي: هجم (عَلَيْهِمْ) من غير

علمٍ منهم (قَالَ) أنس بن مالكٍ: (فَخَرَجْنَا) من المدينة (إِلَى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ) أي: إلى أهل خيبر (لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ) النَّبيُّ (وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ؛ وهو زوج أمِّ أنسٍ (وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ) بكسر الميم من الأولى، وفتحها من الثَّانية (قَدَمَ النَّبِيِّ . قَالَ) أنسٌ: (فَخَرَجُوا) أي: أهل خيبر (إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ) بفتح الميم، جمع «مِكتلٍ» بكسرها، أي: بقففهم (وَمَسَاحِيهِمْ) جمع «مسحاةٍ» أي: مجارفهم الَّتي من حديدٍ (فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ قَالُوا) وللحَمُّويي والمُستملي: «قال» أي: قائلهم: جاء (مُحَمَّدٌ وَاللهِ) جاء (مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ) بالرَّفع عطفًا على الفاعل، أو بالنَّصب مفعولًا معه، وللحَمُّويي والمُستملي: «والجيش» وهما بمعنًى، وسُمِّي بالخميس لأنَّه قلبٌ وميمنةٌ وميسرةٌ ومقدِّمةٌ وساقةٌ (قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللهِ (١) قَالَ: اللهُ أَكْبَرْ، اللهُ أَكْبَرْ) بالجزم، وفي «اليونينيَّة» بالرَّفع (٢) (خَرِبَتْ خَيْبَرُ) قاله بوحيٍ، أو تفاؤلًا بما في أيديهم من آلة الهدم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله