الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٩٤
الحديث رقم ٦١٩٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من سمى بأسماء الأنبياء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦١٩٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ :
⦗٤٤⦘
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرْسَلَ إِذَا جَاءَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَبَيَّنَ صِحَّةُ مَخْرَجِ الْمُرْسَلِ، وَقَاعِدَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْوَصْلِ وَالْإِرْسَالِ لَا يَقْدَحُ الْمُرْسَلُ فِي الْمَوْصُولِ إِذَا كَانَ الْوَاصِلُ أَحْفَظَ مِنَ الْمُرْسِلِ كَالَّذِي هُنَا، فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ أَحْفَظُ مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَا تَنْبَغِي التَّسْمِيَةُ بِاسْمٍ قَبِيحِ الْمَعْنَى، وَلَا بِاسْمٍ يَقْتَضِي التَّزْكِيَةَ لَهُ، وَلَا بِاسْمٍ مَعْنَاهُ السَّبُّ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَخَصُّ مِنَ الْأَوَّلِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَتِ الْأَسْمَاءُ إِنَّمَا هِيَ أَعْلَامٌ لِلْأَشْخَاصِ لَا يُقْصَدُ بِهَا حَقِيقَةُ الصِّفَةِ، لَكِنْ وَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَسْمَعَ سَامِعٌ بِالِاسْمِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسَمَّى، فَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ يُحَوِّلُ الِاسْمَ إِلَى مَا إِذَا دُعِيَ بِهِ صَاحِبُهُ كَانَ صِدْقًا، قَالَ: وَقَدْ غَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِدَّةَ أَسْمَاءٍ، وَلَيْسَ مَا غَيَّرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَنْعِ مِنَ التَّسَمِّي بِهَا بَلْ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ، قَالَ: وَمِنْ ثَمَّ أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُسَمَّى الرَّجُلُ الْقَبِيحُ بِحَسَنٍ وَالْفَاسِدُ بِصَالِحٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُلْزِمْ حَزْنًا لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ تَحْوِيلِ اسْمِهِ إِلَى سَهْلٍ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَحْسِينِ الْأَسْمَاءِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ فِي سَنَدِهِ انْقِطَاعًا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا رَاوِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ [وَأَبِي الدَّرْدَاءِ] فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ غَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْعَاصَ، وَعَتَلَةَ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا لَامٌ - وَشَيْطَانٌ، وَغُرَابٌ، وَحُبَابٌ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ - وَشِهَابٌ، وَحَرْبٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَالْعَاصِي الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَدَوِيُّ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، وَوَقَعَ مِثْلُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَالْأَخْبَارُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَعَتَلَةُ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ، وَشَيْطَانٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَغُرَابٌ هُوَ مُسْلِمٌ أَبُو رَايِطَةَ، وَحُبَابٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَشِهَابٌ هُوَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَحَرْبٌ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ سَمَّاهُ عَلِيٌّ أَوَّلًا حَرْبًا، وَأَسَانِيدُهَا مُبَيَّنَةٌ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ.
١٠٩ - بَاب مَنْ سَمَّى بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ أَنَسٌ: قَبَّلَ النَّبِيُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ؛ يَعْنِي ابْنَهُ
٦١٩٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَاتَ صَغِيراً وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ عَاشَ ابْنُهُ وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ".
٦١٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ لَهُ مُرْضِعاً فِي الْجَنَّةِ".
٦١٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ". وَرَوَاهُ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٦١٩٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) تقدَّم في الباب السَّابق [خ¦٦١٩٠] أخبرنا مَعمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابن المسيَّب، عن أبيه: أنَّ أباه جاء إلى النَّبيِّ ﷺ. فرواهُ موصولًا عن أبيهِ، عن جدِّه، ورواه هنا عن جدِّه مرسلًا فأسقطَ أباه، وقاعدةُ البخاريِّ أنَّ الاختلافَ في الوصل والإرسال لا يقدحُ المرسل في الموصول إذا كان الَّذي وصلَ أحفظ من الَّذي أرسلَ كما هنا، فإنَّ الزُّهريَّ أحفظُ من عبدِ الحميد، والقاعدةُ عند إمامنا الشَّافعيِّ أنَّ المرسل إذا جاء موصولًا من وجهٍ آخر تبيَّن صحَّة مخرج المرسل (فَقَالَ) ﷺ لحزنٍ: (مَا اسْمُكَ؟ قَالَ اسْمِي: حَزْنٌ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الحُزُونَةُ بَعْدُ) وفي الحديث أنَّ التَّغيير ليس على وجه المنع من التَّسمِّي بالقبيح بل على وجهِ الاختيار، فيجوزُ تسمية الرَّجل القبيح بحسن، والفاسق (١) بصالحٍ؛ لأنَّه ﷺ لم يُلزم حَزنًا لمَّا امتنع في (٢) تحويلِ اسمه إلى سهل بذلك، ولو كان لازمًا لما أقرَّه على قولهِ: ما أنا بمغيِّرٍ اسمًا سمَّانيه أبي، والله الموفِّق للصَّواب.
والحديثُ سبق قبل هذا الباب [خ¦٦١٩٠].
(١٠٩) (بابُ مَنْ سَمَّى) ابنَهُ أو غيره (بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ) عليهم الصلاة والسلام، كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (وَقَالَ أَنَسٌ) فيما سبقَ موصولًا في «الجنائز» [خ¦١٣٠٣] (قَبَّلَ النَّبِيُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ. يَعْنِي ابْنَهُ) وهذا التَّعليق ثابتٌ في رواية الكُشميهنيِّ ساقطٌ في غيرها.
٦١٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم، هو محمَّد بن عبد الله بن نميرٍ، فنسبه (٣) لجدِّه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، العبديُّ قال:
(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي (١) خالدٍ البجليُّ قال: (قُلْتُ لاِبْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء، عبد الله الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، واسمُ أبي أوفى علقمة (رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ) أي: هل رأيتَ إبراهيم (ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ): نعم رأيتُه، وعند ابنِ منده والإسماعيليِّ: «قال: نعم، كان أشبهَ النَّاس به لكنَّه» (مَاتَ صَغِيرًا) ثمَّ ذكر السَّبب فقال: (وَلَوْ قُضِيَ) بضم القاف وكسر الضاد المعجمة (أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ عَاشَ ابْنُهُ) إبراهيم (وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ) لأنَّه خاتم النَّبيِّين، وعند ابن ماجه من حديث ابن عبَّاس لمَّا مات إبراهيمُ ابن النَّبيِّ ﷺ صلَّى عليه وقال: «إنَّ له مرضعًا في الجنَّة ولو عاش لكان صدِّيقًا نبيًّا» وفي إسناده أبو شيبة إبراهيمُ بن عثمان الواسطيُّ، وهو ضعيفٌ، ومن طريقه أخرجه ابنُ مندهْ في «المعرفة» وقال: إنَّه غريبٌ، وعند أحمدَ وابن مندهْ (٢) من طريق السُّدِّي، عن أنسٍ قال: كان إبراهيمُ قد ملأ المهد، ولو بقيَ لكان نبيًّا لكنَّه لم يكن ليبقَى، فإنَّ نبيَّكم آخرَ الأنبياء. ومثلُ هذا لا يقال من قبل الرَّأي، وقد تواردَ عليه جماعةٌ من الصَّحابة. وأمَّا استنكارُ ابن عبد البرِّ حديث أنس حيثُ قال بعد إيرادهِ في «التَّمهيد»: لا أدري ما هذا؟ فقد ولد لنوحٍ (٣) غير نبيٍّ، ولو لم يلد النَّبيُّ إلَّا نبيًّا لكان كلُّ أحد نبيًّا؛ لأنَّهم من ولد نوحٍ، ولا يلزمُ من الحديث المذكور ما ذكرهُ لما لا يخفَى، وكأنَّ النَّوويَّ تبعَه (٤) في قولهِ في «تهذيب الأسماء واللُّغات»: وأمَّا ما روي عن بعض المتقدِّمين: لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا، فباطلٌ وجَسَارة على الكلام على المغيَّبات ومجازفةٌ وهجومٌ على عظيمٍ من الزَّلل، قال الحافظُ ابن حجرٍ في «الإصابة» وغيرها: وهو عجيبٌ مع وروده عن ثلاثةٍ من الصَّحابة، فكأنَّه (٥) لم يظهر له وجه
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرْسَلَ إِذَا جَاءَ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَبَيَّنَ صِحَّةُ مَخْرَجِ الْمُرْسَلِ، وَقَاعِدَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْوَصْلِ وَالْإِرْسَالِ لَا يَقْدَحُ الْمُرْسَلُ فِي الْمَوْصُولِ إِذَا كَانَ الْوَاصِلُ أَحْفَظَ مِنَ الْمُرْسِلِ كَالَّذِي هُنَا، فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ أَحْفَظُ مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَا تَنْبَغِي التَّسْمِيَةُ بِاسْمٍ قَبِيحِ الْمَعْنَى، وَلَا بِاسْمٍ يَقْتَضِي التَّزْكِيَةَ لَهُ، وَلَا بِاسْمٍ مَعْنَاهُ السَّبُّ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَخَصُّ مِنَ الْأَوَّلِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَتِ الْأَسْمَاءُ إِنَّمَا هِيَ أَعْلَامٌ لِلْأَشْخَاصِ لَا يُقْصَدُ بِهَا حَقِيقَةُ الصِّفَةِ، لَكِنْ وَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَسْمَعَ سَامِعٌ بِالِاسْمِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسَمَّى، فَلِذَلِكَ كَانَ ﷺ يُحَوِّلُ الِاسْمَ إِلَى مَا إِذَا دُعِيَ بِهِ صَاحِبُهُ كَانَ صِدْقًا، قَالَ: وَقَدْ غَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِدَّةَ أَسْمَاءٍ، وَلَيْسَ مَا غَيَّرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَنْعِ مِنَ التَّسَمِّي بِهَا بَلْ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ، قَالَ: وَمِنْ ثَمَّ أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُسَمَّى الرَّجُلُ الْقَبِيحُ بِحَسَنٍ وَالْفَاسِدُ بِصَالِحٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُلْزِمْ حَزْنًا لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ تَحْوِيلِ اسْمِهِ إِلَى سَهْلٍ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَحْسِينِ الْأَسْمَاءِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَفَعَهُ: إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ فِي سَنَدِهِ انْقِطَاعًا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زَكَرِيَّا رَاوِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ [وَأَبِي الدَّرْدَاءِ] فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَدْ غَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْعَاصَ، وَعَتَلَةَ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا لَامٌ - وَشَيْطَانٌ، وَغُرَابٌ، وَحُبَابٌ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ - وَشِهَابٌ، وَحَرْبٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَالْعَاصِي الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَدَوِيُّ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، وَوَقَعَ مِثْلُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَالْأَخْبَارُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَعَتَلَةُ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ، وَشَيْطَانٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَغُرَابٌ هُوَ مُسْلِمٌ أَبُو رَايِطَةَ، وَحُبَابٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَشِهَابٌ هُوَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَحَرْبٌ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ سَمَّاهُ عَلِيٌّ أَوَّلًا حَرْبًا، وَأَسَانِيدُهَا مُبَيَّنَةٌ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ.
١٠٩ - بَاب مَنْ سَمَّى بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ أَنَسٌ: قَبَّلَ النَّبِيُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ؛ يَعْنِي ابْنَهُ
٦١٩٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَاتَ صَغِيراً وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ عَاشَ ابْنُهُ وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ".
٦١٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ لَهُ مُرْضِعاً فِي الْجَنَّةِ".
٦١٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ". وَرَوَاهُ أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٦١٩٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
فَحَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) تقدَّم في الباب السَّابق [خ¦٦١٩٠] أخبرنا مَعمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابن المسيَّب، عن أبيه: أنَّ أباه جاء إلى النَّبيِّ ﷺ. فرواهُ موصولًا عن أبيهِ، عن جدِّه، ورواه هنا عن جدِّه مرسلًا فأسقطَ أباه، وقاعدةُ البخاريِّ أنَّ الاختلافَ في الوصل والإرسال لا يقدحُ المرسل في الموصول إذا كان الَّذي وصلَ أحفظ من الَّذي أرسلَ كما هنا، فإنَّ الزُّهريَّ أحفظُ من عبدِ الحميد، والقاعدةُ عند إمامنا الشَّافعيِّ أنَّ المرسل إذا جاء موصولًا من وجهٍ آخر تبيَّن صحَّة مخرج المرسل (فَقَالَ) ﷺ لحزنٍ: (مَا اسْمُكَ؟ قَالَ اسْمِي: حَزْنٌ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الحُزُونَةُ بَعْدُ) وفي الحديث أنَّ التَّغيير ليس على وجه المنع من التَّسمِّي بالقبيح بل على وجهِ الاختيار، فيجوزُ تسمية الرَّجل القبيح بحسن، والفاسق (١) بصالحٍ؛ لأنَّه ﷺ لم يُلزم حَزنًا لمَّا امتنع في (٢) تحويلِ اسمه إلى سهل بذلك، ولو كان لازمًا لما أقرَّه على قولهِ: ما أنا بمغيِّرٍ اسمًا سمَّانيه أبي، والله الموفِّق للصَّواب.
والحديثُ سبق قبل هذا الباب [خ¦٦١٩٠].
(١٠٩) (بابُ مَنْ سَمَّى) ابنَهُ أو غيره (بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ) عليهم الصلاة والسلام، كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (وَقَالَ أَنَسٌ) فيما سبقَ موصولًا في «الجنائز» [خ¦١٣٠٣] (قَبَّلَ النَّبِيُّ ﷺ إِبْرَاهِيمَ. يَعْنِي ابْنَهُ) وهذا التَّعليق ثابتٌ في رواية الكُشميهنيِّ ساقطٌ في غيرها.
٦١٩٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم، هو محمَّد بن عبد الله بن نميرٍ، فنسبه (٣) لجدِّه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، العبديُّ قال:
(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي (١) خالدٍ البجليُّ قال: (قُلْتُ لاِبْنِ أَبِي أَوْفَى) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء، عبد الله الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، واسمُ أبي أوفى علقمة (رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ) أي: هل رأيتَ إبراهيم (ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ): نعم رأيتُه، وعند ابنِ منده والإسماعيليِّ: «قال: نعم، كان أشبهَ النَّاس به لكنَّه» (مَاتَ صَغِيرًا) ثمَّ ذكر السَّبب فقال: (وَلَوْ قُضِيَ) بضم القاف وكسر الضاد المعجمة (أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ عَاشَ ابْنُهُ) إبراهيم (وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ) لأنَّه خاتم النَّبيِّين، وعند ابن ماجه من حديث ابن عبَّاس لمَّا مات إبراهيمُ ابن النَّبيِّ ﷺ صلَّى عليه وقال: «إنَّ له مرضعًا في الجنَّة ولو عاش لكان صدِّيقًا نبيًّا» وفي إسناده أبو شيبة إبراهيمُ بن عثمان الواسطيُّ، وهو ضعيفٌ، ومن طريقه أخرجه ابنُ مندهْ في «المعرفة» وقال: إنَّه غريبٌ، وعند أحمدَ وابن مندهْ (٢) من طريق السُّدِّي، عن أنسٍ قال: كان إبراهيمُ قد ملأ المهد، ولو بقيَ لكان نبيًّا لكنَّه لم يكن ليبقَى، فإنَّ نبيَّكم آخرَ الأنبياء. ومثلُ هذا لا يقال من قبل الرَّأي، وقد تواردَ عليه جماعةٌ من الصَّحابة. وأمَّا استنكارُ ابن عبد البرِّ حديث أنس حيثُ قال بعد إيرادهِ في «التَّمهيد»: لا أدري ما هذا؟ فقد ولد لنوحٍ (٣) غير نبيٍّ، ولو لم يلد النَّبيُّ إلَّا نبيًّا لكان كلُّ أحد نبيًّا؛ لأنَّهم من ولد نوحٍ، ولا يلزمُ من الحديث المذكور ما ذكرهُ لما لا يخفَى، وكأنَّ النَّوويَّ تبعَه (٤) في قولهِ في «تهذيب الأسماء واللُّغات»: وأمَّا ما روي عن بعض المتقدِّمين: لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا، فباطلٌ وجَسَارة على الكلام على المغيَّبات ومجازفةٌ وهجومٌ على عظيمٍ من الزَّلل، قال الحافظُ ابن حجرٍ في «الإصابة» وغيرها: وهو عجيبٌ مع وروده عن ثلاثةٍ من الصَّحابة، فكأنَّه (٥) لم يظهر له وجه