الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٢٩
الحديث رقم ٦٣٢٩ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الدعاء بعد الصلاة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٣٢٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ: أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْخَيْرَاتِ، فَفِي الْأَوَّلِ طَلَبُ الزَّحْزَحَةِ عَنِ النَّارِ، وَفِي الثَّانِي طَلَبُ إِدْخَالِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جمرة مَا مُلَخَّصُهُ: فِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَفَضْلُ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ عَلَى غَيْرِهِ، وَطَلَبُ التَّعْلِيمِ مِنَ الْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ يَعْرِفُ ذَلِكَ النَّوْعَ، وَخَصَّ الدُّعَاءَ بِالصَّلَاةِ لِقولِهِ ﷺ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ يَنْظُرُ فِي عِبَادَتِهِ إِلَى الْأَرْفَعِ فَيَتَسَبَّبُ فِي تَحْصِيلِهِ، وَفِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا الدُّعَاءَ إِشَارَةٌ إِلَى إِيثَارِ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ حَالِ أَبِي بَكْرٍ وَإِيثَارِهِ أَمْرَ الْآخِرَةِ، قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أَيْ: لَيْسَ لِي حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، فَهِيَ حَالَةُ افْتِقَارٍ، فَأَشْبَهَ حَالَ الْمُضْطَرِّ الْمَوْعُودِ بِالْإِجَابَةِ، وَفِيهِ هَضْمُ النَّفْسِ وَالِاعْتِرَافُ بِالتَّقْصِيرِ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ هُنَاكَ.
وحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ، وَعَلِيٌّ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَأَخَذَ التَّرْجَمَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ نَصٌّ فِي الْمَطْلُوبِ، وَالثَّانِيَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الدَّاعِي، وَهِيَ عَدَمُ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فَيُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ، وَقِيلَ لِلدُّعَاءِ: صَلَاةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِدَعَاءٍ فَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ بَعْضِ الشَّيْءِ بِاسْمِ كُلِّهِ، وَالثَّالِثَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّنَاءِ الدُّعَاءُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ بِلَفْظِ: فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ.
وَوَرَدَ الْأَمْرُ أَيْضًا بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمُحَصَّلُ مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو فِيهَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ سِتَّةُ مَوَاطِنَ: الْأَوَّلُ: عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ فَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ الْحَدِيثُ، الثَّانِي: فِي الِاعْتِدَالِ؛ فَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ -: اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ. الثَّالِثُ: فِي الرُّكُوعِ؛ وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ: كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَخْرَجَاهُ. الرَّابِعُ: فِي السُّجُودِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَدْعُو فِيهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِيهِ. الْخَامِسُ: بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. السَّادِسُ: فِي التَّشَهُّدِ، وَسَيَأْتِي، وَكَانَ أَيْضًا يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ، وَفِي حَالِ الْقِرَاءَةِ: إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ.
١٨ - بَاب الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
٦٣٢٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، قَالَ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا، وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ، قَالَ: أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ بِهِ إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ؟ تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«ذات» مقحمٌ، أو هو (١) من إضافة المسمَّى إلى اسمه: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) فكلُّ سلامٍ منه وهو مالكهُ ومعطيه. وقال الخطابيُّ: المراد: أنَّ الله هو ذو السَّلام، فلا تقولوا: السَّلام على الله، فإنَّ السَّلام منه وإليه يعود، ومرجعُ الأمرِ في إضافتهِ إليه أنَّه ذو السَّلام من كلِّ آفةٍ وعيبٍ (فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي) تشهُّد (الصَّلَاةِ) في وسطها وآخرها (فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) أي: أنواع التَّعظيم له (إِلَى قَوْلِهِ: الصَّالِحِينَ) القائمين بما يجبُ عليهم من حقوق الله وحقوقِ عباده (٢)، وتتفاوتُ درجاتهم (فَإِذَا قَالَهَا) أي: وعلى عباد الله الصَّالحين (أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ صَالِحٍ) بالجرِّ صفة العبد (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الثَّنَاءِ) على الله (مَا شَاءَ) وفي «كتاب الصَّلاة» في «باب ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهُّد» [خ¦٨٣٥] «من الدُّعاء» بدل قوله هنا «من الثَّناء».
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٣١].
(١٨) (باب) مشروعيَّة (الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) المكتوبة.
٦٣٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصورٍ، أو ابنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن هارون بن زاذان السُّلميُّ مولاهم الواسطيُّ، أحدُ الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وسكون الراء بعدها قاف ممدودًا، ابن عمر أبو بشرٍ اليشكريُّ الحافظ (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتية، مولى أبي بكر بن عبدِ الرَّحمن بن الحارث بنِ هشام (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالُوا) أي: فقراء المهاجرين، وسمَّى منهم النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»: أبا الدَّرداء (٣)، من طريقِ أبي عمر الضَّبِّيِّ وأبي صالحٍ، كلاهما عن أبي الدَّرداء بلفظ: «قلتُ: يا رسول الله» (٤). وأبو داود والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من وجهٍ آخر، عن أبي هُريرة: أبا ذرٍّ. وأخرجه الإمام أحمدُ وابنُ خُزيمة وابنُ ماجه من حديث أبي ذرٍّ نفسه: (يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) بضم
الدال المهملة والمثلَّثة، جمع: دُثُر، والدُّثر (١): المال الكثير، والدُّثور أيضًا: الدُّروس، يقال: دَثَر -كقَعَد (٢) - الرَّسم وتداثر، والدَّثور -بالفتح- الرَّجلُ الخاملُ النَّؤوم. وفي رواية عُبيد الله العمريِّ، عن سُميٍّ في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٣]: «وذهب (٣) أهلُ الدُّثور من الأموالِ» (بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ) الَّذي لا انقطاع له، والنَّعيم ما يتنعَّم به من مطعمٍ وملبسٍ وعلومٍ ومعارف وغيرها، والباء في «بالدَّرجات» بمعنى: المصاحبة، أي: ذهب أهل الدُّثور بالدَّرجات واستصحبُوها معهم في الدُّنيا والآخرة، ومضوا (٤) بها ولم يتركوا لنا شيئًا؟! فما حالنا (قَالَ) ﷺ: (كَيْفَ ذَاكَ) استفهام والكاف للخطابِ، وحقُّها في خطاب الجماعةِ: ذاكم، بالكاف والميم، ولكنَّه أراد خطاب واحدٍ منهم؛ لأنَّ الكلامَ قد يكون من واحدٍ لمصلحة جماعةٍ (٥) (قَالَ) أحدُ الفقراء من المهاجرين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ «قالوا»: (صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا) أي: كانوا يصلُّون كما نصلِّي، و «ما» مصدريَّة، والكاف نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ عند الفارسي ومَن تبعه، واختار ابن مالكٍ أن تكون (٦) حالًا من المصدرِ المفهوم من الفعل المتقدِّم بعد الإضمار على طريق الاتِّساع، أي: يصلُّون الصَّلاة في حال كونها مثل ما نصلِّي (وَجَاهَدُوا) في سبيل الله (كَمَا جَاهَدْنَا، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ) أي: من زيادتها صدقاتٍ ومبرَّاتٍ (وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ) ننفقُ منها
كما أنفقوا (قَالَ) ﷺ: (أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ) «ألا» حرف عرض، والفاء عاطفة، وكان حقُّها أن تتقدَّم على همزة الاستفهام إلَّا أنَّ الاستفهام له الصَّدر، وقيل: الفاء زائدةٌ مؤكِّدةٌ، وقيل: يقدَّر في مثل هذا محذوفٌ من معنى الجملةِ قبلها فيعطف عليه، والمعنى هنا: إذا قلتم ذلك فأُعْلمكم (بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ) أي: به (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من هذه الأمَّة المحمَّديَّة؛ لأنَّ فضل هذه الأمَّة على غيرها من الأمم ثابتٌ، وإن لم يذكروا هذا الذِّكر (وَتَسْبِقُونَ) به (مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ) من أهل الأموال (وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ) زاد أبو ذرٍّ: «به» (إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ) بمثل ما جئتُم به (تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) مكتوبةٍ (عَشْرًا) بعد السَّلام إجماعًا، فليس المراد بدبرها قرب آخرها وهو التَّشهُّد كما قال بعضهم. قال ابن الأعرابيِّ: دُبر الشَّيء: بالضَّم والفتح.
وقال المطرزيُّ في «اليواقيت»: دَبر كلِّ شيءٍ -بفتح الدال- آخر أوقاته من الصَّلاة وغيرها. قال: وهذا هو المعروف في اللُّغة، وأمَّا الدُّبر الَّذي هو الجارحة فبالضَّم، والمراد بالدُّبر في الحديث: عقب السَّلام والصَّلاة، فهو مخالفٌ لكلام أهل اللُّغة، قالوا: إلَّا أن يكون مراد أهل اللُّغة بآخر أوقات الشَّيء الفراغ منه، فيُطابق تفسيرهم (وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا).
(تَابَعَهُ) أي: تابع ورقاءَ (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريُّ، فيما رواه مسلمٌ في روايته (عَنْ سُمَيٍّ) عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة ﵁. وهذه المتابعةُ في إسناد الحديث وأصله، لا في العدد المذكور، وقد خالف ورقاء غيره في قوله: «عشرًا». قال في «فتح الباري»: لم أقفْ في شيءٍ من طرق حديث (١) أبي هريرة على مَن تابع ورقاء على ذلك لا عن سُمَيٍّ ولا عن غيره، ثمَّ قال: وجدتُ لرواية العشر شواهدَ؛ منها عن عليٍّ عند أحمد. وعن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ عند النَّسائيِّ. وعن عبد الله بن عَمرو عنده وعند أبي داود والتِّرمذيِّ. وعن أمِّ سلمة عند البزَّار. وعن أمِّ مالكٍ الأنصاريَّة عند الطَّبرانيِّ.
وفي حديث زيد بن ثابتٍ وابن عمر: أنَّه ﷺ أمرهم أن يقولوا كلَّ ذكرٍ منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها: لا إله إلَّا الله، خمسًا وعشرين. أخرجه النَّسائيُّ. وفي حديثِ ابنِ عمر عند البزَّار بإسنادٍ فيه ضعفٌ: إحدى عشرة (٢).
وسبق في «باب الذِّكر بعد الصَّلاة» بلفظ: «تُسبِّحون وَتْحمَدون وتُكبِّرون خلف كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين». [خ¦٨٤٣] وجمع البغويُّ في «شرح السُّنَّة» بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدرَ في أوقاتٍ متعدِّدةٍ أوَّلها عشرًا، ثمَّ إحدى عشرة … إلى آخره، ويحتملُ أن يكون على سبيلِ التَّخيير.
(وَرَوَاهُ) أي: حديثَ الباب (ابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم، محمَّد (عَنْ سُمَيٍّ، وَ) (١) عن (رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ) بفتح الراء والجيم ممدودًا، و «حَيْوَة» (٢) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الواو بعدها هاء تأنيث، وهذا وصله مسلمٌ قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا اللَّيث، عن ابن عجلان. فذكره مقرونًا برواية عبيد الله العمريِّ، كلاهما عن أبي صالحٍ، به.
ووصله الطَّبرانيُّ من طريق حَيْوَة بن شريحٍ، عن محمَّد بن عَجْلان، عن رجاء بنِ حَيْوة وسُمَيٍّ، كلاهما (٣) عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، وفيه: «تسبِّحون الله دبرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وتحمدونَهُ ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّرونه أربعًا وثلاثين».
(وَرَوَاهُ) أيضًا (جَرِيرٌ) أي: ابن عبد الحميد (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء، الأسديِّ المكِّيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) السَّمَّان (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر الأنصاريِّ، فيما وصلَهُ أبو يَعلى في «مسنده» لكن في سماع أبي صالحٍ من أبي الدَّرداء نظرٌ.
(وَرَوَاهُ) أيضًا (سُهَيْلٌ) بضم السين المهملة وفتح الهاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي صالحٍ ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) رواه مسلمٌ، لكن قال: «تُسبِّحون وتُكبِّرون وتَحْمَدون دبر كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين». قال سُهيلٌ: «إحدى عشرة وإحدى عشرة وإحدى عشرة، فذلك كلُّه ثلاثٌ وثلاثون».
وأخرجه النَّسائيُّ من رواية اللَّيث، عن ابن عَجلان، عن سهيلٍ بهذا السَّند (٤) وقال فيه: «مَن قال خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، وثلاثًا وثلاثين تسبيحةً، وثلاثًا وثلاثين تحميدةً،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْخَيْرَاتِ، فَفِي الْأَوَّلِ طَلَبُ الزَّحْزَحَةِ عَنِ النَّارِ، وَفِي الثَّانِي طَلَبُ إِدْخَالِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي جمرة مَا مُلَخَّصُهُ: فِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَفَضْلُ الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ عَلَى غَيْرِهِ، وَطَلَبُ التَّعْلِيمِ مِنَ الْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ يَعْرِفُ ذَلِكَ النَّوْعَ، وَخَصَّ الدُّعَاءَ بِالصَّلَاةِ لِقولِهِ ﷺ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ يَنْظُرُ فِي عِبَادَتِهِ إِلَى الْأَرْفَعِ فَيَتَسَبَّبُ فِي تَحْصِيلِهِ، وَفِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا الدُّعَاءَ إِشَارَةٌ إِلَى إِيثَارِ أَمْرِ الْآخِرَةِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَعَلَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ حَالِ أَبِي بَكْرٍ وَإِيثَارِهِ أَمْرَ الْآخِرَةِ، قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أَيْ: لَيْسَ لِي حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، فَهِيَ حَالَةُ افْتِقَارٍ، فَأَشْبَهَ حَالَ الْمُضْطَرِّ الْمَوْعُودِ بِالْإِجَابَةِ، وَفِيهِ هَضْمُ النَّفْسِ وَالِاعْتِرَافُ بِالتَّقْصِيرِ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ هُنَاكَ.
وحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي الدُّعَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ، وَعَلِيٌّ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَأَخَذَ التَّرْجَمَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ نَصٌّ فِي الْمَطْلُوبِ، وَالثَّانِيَ يُسْتَفَادُ مِنْهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الدَّاعِي، وَهِيَ عَدَمُ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فَيُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعُ غَيْرَهُ، وَقِيلَ لِلدُّعَاءِ: صَلَاةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِدَعَاءٍ فَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ بَعْضِ الشَّيْءِ بِاسْمِ كُلِّهِ، وَالثَّالِثَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّنَاءِ الدُّعَاءُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّشَهُّدِ بِلَفْظِ: فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ.
وَوَرَدَ الْأَمْرُ أَيْضًا بِالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمُحَصَّلُ مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ يَدْعُو فِيهَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ سِتَّةُ مَوَاطِنَ: الْأَوَّلُ: عَقِبَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ فَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ الْحَدِيثُ، الثَّانِي: فِي الِاعْتِدَالِ؛ فَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ - بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ -: اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ. الثَّالِثُ: فِي الرُّكُوعِ؛ وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ: كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَخْرَجَاهُ. الرَّابِعُ: فِي السُّجُودِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَدْعُو فِيهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِيهِ. الْخَامِسُ: بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. السَّادِسُ: فِي التَّشَهُّدِ، وَسَيَأْتِي، وَكَانَ أَيْضًا يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ، وَفِي حَالِ الْقِرَاءَةِ: إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ.
١٨ - بَاب الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
٦٣٢٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، قَالَ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا، وَجَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْنَا، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ، قَالَ: أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ بِهِ إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ؟ تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«ذات» مقحمٌ، أو هو (١) من إضافة المسمَّى إلى اسمه: (إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ) فكلُّ سلامٍ منه وهو مالكهُ ومعطيه. وقال الخطابيُّ: المراد: أنَّ الله هو ذو السَّلام، فلا تقولوا: السَّلام على الله، فإنَّ السَّلام منه وإليه يعود، ومرجعُ الأمرِ في إضافتهِ إليه أنَّه ذو السَّلام من كلِّ آفةٍ وعيبٍ (فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي) تشهُّد (الصَّلَاةِ) في وسطها وآخرها (فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ) أي: أنواع التَّعظيم له (إِلَى قَوْلِهِ: الصَّالِحِينَ) القائمين بما يجبُ عليهم من حقوق الله وحقوقِ عباده (٢)، وتتفاوتُ درجاتهم (فَإِذَا قَالَهَا) أي: وعلى عباد الله الصَّالحين (أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ صَالِحٍ) بالجرِّ صفة العبد (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الثَّنَاءِ) على الله (مَا شَاءَ) وفي «كتاب الصَّلاة» في «باب ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهُّد» [خ¦٨٣٥] «من الدُّعاء» بدل قوله هنا «من الثَّناء».
والحديثُ سبق في «الصَّلاة» [خ¦٨٣١].
(١٨) (باب) مشروعيَّة (الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) المكتوبة.
٦٣٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصورٍ، أو ابنُ رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، ابن هارون بن زاذان السُّلميُّ مولاهم الواسطيُّ، أحدُ الأعلام قال: (أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ) بفتح الواو وسكون الراء بعدها قاف ممدودًا، ابن عمر أبو بشرٍ اليشكريُّ الحافظ (عَنْ سُمَيٍّ) بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتية، مولى أبي بكر بن عبدِ الرَّحمن بن الحارث بنِ هشام (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالُوا) أي: فقراء المهاجرين، وسمَّى منهم النَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة»: أبا الدَّرداء (٣)، من طريقِ أبي عمر الضَّبِّيِّ وأبي صالحٍ، كلاهما عن أبي الدَّرداء بلفظ: «قلتُ: يا رسول الله» (٤). وأبو داود والطَّبرانيُّ في «الأوسط» من وجهٍ آخر، عن أبي هُريرة: أبا ذرٍّ. وأخرجه الإمام أحمدُ وابنُ خُزيمة وابنُ ماجه من حديث أبي ذرٍّ نفسه: (يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) بضم
الدال المهملة والمثلَّثة، جمع: دُثُر، والدُّثر (١): المال الكثير، والدُّثور أيضًا: الدُّروس، يقال: دَثَر -كقَعَد (٢) - الرَّسم وتداثر، والدَّثور -بالفتح- الرَّجلُ الخاملُ النَّؤوم. وفي رواية عُبيد الله العمريِّ، عن سُميٍّ في «الصَّلاة» [خ¦٨٤٣]: «وذهب (٣) أهلُ الدُّثور من الأموالِ» (بِالدَّرَجَاتِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ) الَّذي لا انقطاع له، والنَّعيم ما يتنعَّم به من مطعمٍ وملبسٍ وعلومٍ ومعارف وغيرها، والباء في «بالدَّرجات» بمعنى: المصاحبة، أي: ذهب أهل الدُّثور بالدَّرجات واستصحبُوها معهم في الدُّنيا والآخرة، ومضوا (٤) بها ولم يتركوا لنا شيئًا؟! فما حالنا (قَالَ) ﷺ: (كَيْفَ ذَاكَ) استفهام والكاف للخطابِ، وحقُّها في خطاب الجماعةِ: ذاكم، بالكاف والميم، ولكنَّه أراد خطاب واحدٍ منهم؛ لأنَّ الكلامَ قد يكون من واحدٍ لمصلحة جماعةٍ (٥) (قَالَ) أحدُ الفقراء من المهاجرين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ «قالوا»: (صَلَّوْا كَمَا صَلَّيْنَا) أي: كانوا يصلُّون كما نصلِّي، و «ما» مصدريَّة، والكاف نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ عند الفارسي ومَن تبعه، واختار ابن مالكٍ أن تكون (٦) حالًا من المصدرِ المفهوم من الفعل المتقدِّم بعد الإضمار على طريق الاتِّساع، أي: يصلُّون الصَّلاة في حال كونها مثل ما نصلِّي (وَجَاهَدُوا) في سبيل الله (كَمَا جَاهَدْنَا، وَأَنْفَقُوا مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِهِمْ) أي: من زيادتها صدقاتٍ ومبرَّاتٍ (وَلَيْسَتْ لَنَا أَمْوَالٌ) ننفقُ منها
كما أنفقوا (قَالَ) ﷺ: (أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ) «ألا» حرف عرض، والفاء عاطفة، وكان حقُّها أن تتقدَّم على همزة الاستفهام إلَّا أنَّ الاستفهام له الصَّدر، وقيل: الفاء زائدةٌ مؤكِّدةٌ، وقيل: يقدَّر في مثل هذا محذوفٌ من معنى الجملةِ قبلها فيعطف عليه، والمعنى هنا: إذا قلتم ذلك فأُعْلمكم (بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ) أي: به (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من هذه الأمَّة المحمَّديَّة؛ لأنَّ فضل هذه الأمَّة على غيرها من الأمم ثابتٌ، وإن لم يذكروا هذا الذِّكر (وَتَسْبِقُونَ) به (مَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ) من أهل الأموال (وَلَا يَأْتِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتُمْ) زاد أبو ذرٍّ: «به» (إِلَّا مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ) بمثل ما جئتُم به (تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) مكتوبةٍ (عَشْرًا) بعد السَّلام إجماعًا، فليس المراد بدبرها قرب آخرها وهو التَّشهُّد كما قال بعضهم. قال ابن الأعرابيِّ: دُبر الشَّيء: بالضَّم والفتح.
وقال المطرزيُّ في «اليواقيت»: دَبر كلِّ شيءٍ -بفتح الدال- آخر أوقاته من الصَّلاة وغيرها. قال: وهذا هو المعروف في اللُّغة، وأمَّا الدُّبر الَّذي هو الجارحة فبالضَّم، والمراد بالدُّبر في الحديث: عقب السَّلام والصَّلاة، فهو مخالفٌ لكلام أهل اللُّغة، قالوا: إلَّا أن يكون مراد أهل اللُّغة بآخر أوقات الشَّيء الفراغ منه، فيُطابق تفسيرهم (وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا).
(تَابَعَهُ) أي: تابع ورقاءَ (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) العمريُّ، فيما رواه مسلمٌ في روايته (عَنْ سُمَيٍّ) عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة ﵁. وهذه المتابعةُ في إسناد الحديث وأصله، لا في العدد المذكور، وقد خالف ورقاء غيره في قوله: «عشرًا». قال في «فتح الباري»: لم أقفْ في شيءٍ من طرق حديث (١) أبي هريرة على مَن تابع ورقاء على ذلك لا عن سُمَيٍّ ولا عن غيره، ثمَّ قال: وجدتُ لرواية العشر شواهدَ؛ منها عن عليٍّ عند أحمد. وعن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ عند النَّسائيِّ. وعن عبد الله بن عَمرو عنده وعند أبي داود والتِّرمذيِّ. وعن أمِّ سلمة عند البزَّار. وعن أمِّ مالكٍ الأنصاريَّة عند الطَّبرانيِّ.
وفي حديث زيد بن ثابتٍ وابن عمر: أنَّه ﷺ أمرهم أن يقولوا كلَّ ذكرٍ منها خمسًا وعشرين، ويزيدوا فيها: لا إله إلَّا الله، خمسًا وعشرين. أخرجه النَّسائيُّ. وفي حديثِ ابنِ عمر عند البزَّار بإسنادٍ فيه ضعفٌ: إحدى عشرة (٢).
وسبق في «باب الذِّكر بعد الصَّلاة» بلفظ: «تُسبِّحون وَتْحمَدون وتُكبِّرون خلف كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين». [خ¦٨٤٣] وجمع البغويُّ في «شرح السُّنَّة» بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدرَ في أوقاتٍ متعدِّدةٍ أوَّلها عشرًا، ثمَّ إحدى عشرة … إلى آخره، ويحتملُ أن يكون على سبيلِ التَّخيير.
(وَرَوَاهُ) أي: حديثَ الباب (ابْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم، محمَّد (عَنْ سُمَيٍّ، وَ) (١) عن (رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ) بفتح الراء والجيم ممدودًا، و «حَيْوَة» (٢) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الواو بعدها هاء تأنيث، وهذا وصله مسلمٌ قال: حدَّثنا قتيبة: حدَّثنا اللَّيث، عن ابن عجلان. فذكره مقرونًا برواية عبيد الله العمريِّ، كلاهما عن أبي صالحٍ، به.
ووصله الطَّبرانيُّ من طريق حَيْوَة بن شريحٍ، عن محمَّد بن عَجْلان، عن رجاء بنِ حَيْوة وسُمَيٍّ، كلاهما (٣) عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، وفيه: «تسبِّحون الله دبرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وتحمدونَهُ ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّرونه أربعًا وثلاثين».
(وَرَوَاهُ) أيضًا (جَرِيرٌ) أي: ابن عبد الحميد (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء، الأسديِّ المكِّيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) السَّمَّان (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر الأنصاريِّ، فيما وصلَهُ أبو يَعلى في «مسنده» لكن في سماع أبي صالحٍ من أبي الدَّرداء نظرٌ.
(وَرَوَاهُ) أيضًا (سُهَيْلٌ) بضم السين المهملة وفتح الهاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي صالحٍ ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) رواه مسلمٌ، لكن قال: «تُسبِّحون وتُكبِّرون وتَحْمَدون دبر كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين». قال سُهيلٌ: «إحدى عشرة وإحدى عشرة وإحدى عشرة، فذلك كلُّه ثلاثٌ وثلاثون».
وأخرجه النَّسائيُّ من رواية اللَّيث، عن ابن عَجلان، عن سهيلٍ بهذا السَّند (٤) وقال فيه: «مَن قال خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، وثلاثًا وثلاثين تسبيحةً، وثلاثًا وثلاثين تحميدةً،